فالحَياة زمنٌ نَنخرط فيه وهَوى نحْيَاه وِفْق مَا لِلنَفس فَضَّلنَاه ، ويزدَاد البَلاَءُ كُلمَا أهْمَلنا ضَرَرَ الإبتِلاء.
فيَا لَيتَنَا نعْرفُ أسْرَار الحَياة ، ويا لَيتَنا نعيش الحَيَّ الذي مَاتَ ، لِنُقَدِرَ الوُجُود الأتِي والذي فَات.
ونرحل في دنيا هي بريق الشمس كلما تقدمنا فيها ذاب العُمر بشُعور الفَرح وَ اليَأسِ . وكَثرة الحُزن
فِيها عِلًّة ، فالحُزْن في القَلب مثل الجَفاف يُتلف الوَرْد ويَسْتبق له المَوت.
إزيبل هو الإسْم الحقيقي لها , ولدت بجنيف في عام 1877 يوم 17فيفري من أَب أرميني وأُم ألمانية من أصلٍ روسي،نشأة إزبيل أيامها الأولى في حضن عائلة محافظة منغلقة على حالها,وكانت الأُم قليلة الإتصال بالحياة الأَدمية الخارجية , الخجل كان أَحد الموانع , وضعف المرأَة ، وفطرتها الرقيقة ، ثاني هذه الأسباب ووالد لايهتم ، هذه كانت الأقواس الحاصرة للأفعال والأَدْوار, ترك (تروفمووسكي)الأم حاملة لمولودتها بل لم يحضرساعة ولاَدتِها , كما تمادى ولم يسأل حتى الجيران عنها , تاركًا الذم للأُم التي كانت تحمل فعله ، وأخذت تحضن ابنتها كما لو كانت العلاج لعلة ، وهي من كانت تتمنى لنفسها مولودة تَتفأَل بالحياة معها.
إنْصرف الفيلسوف إلى أشغاله ، وإلى علمه ,إذ أنه صاحب مقام لا يمكن إلغائه ، رغم المتابعات والمضايقات التي تكبل فعله , إنشغل بالسياسة الروسية حيث كان ثائرًا ، وانشغل بالنساء إذ كان زيرو نساء ، و إ نشغل بالمال فكوَّن ثروة.
أوقع بالسيدة فحملت منه وتركت أولادها الثلاثة وهربت من الفضيحة ، هربت تحمل بنتا وتشردت بها في أورُوبا ، وبعدما إسْتقرت بألمانيا وسمعت بما حلَّ بزوجها الأول(بون) ،عادت فكان أولادها يزورونها ، كوفاء لأُمٍ عاشوا على ذِكراها.
كَبرت البنت ومَال شبهها لوالدها ، حتى رأت ناتالي عشيقها بإِبْنتها.
كثيرًا ما تتفَلت إزبيل لوالدتها ، وتتحين فرص إنغماسها في فعل ما ، لتخرج وتلتحق بالرفقة ، وتأخذ بقسطها من اللعب بعد ساعات الدرس.لم تتمرد الطفلة أو تلغي طابعا عنون حياتها ، ولم تحتج عن علاقة تربطها بالأَخرين ، وراحت تتقدم في الحياة وتعيش أيَامها ، في رقة وإِقبال.
بلغت البنت إزبيل السن القانوني للإنضمام إلى السالكين مسالك تحقيق الأماني ، توجهت بها امها الألمانية الأَصل ناتالي إِلى أقرب مدرسة بالحي ، غير بعيد عن الحديقة العامة وسط جَنِيف.
هاهي المديِنَة السَلامْ تَحت السَحاب الأبْيض الصَافي وهَاهي العِمارات تتسابق لِتعْلو هُناك ، الشارع الرئيسي يَعج بالأجساد عربات المركوس والاحصنة ، مزيج أصوات لايعرف له نغم ، ساحة واسعة نظيفة تقاطعت بها الطريق وتراصت العِمَارات بكل جانب ، أمَّا أَقْصَى اليمين فبَانت الخُضرة لأَشجار لطفت المقام لحديقة عمومية، فُتِحت بِشبابيك حديدية مابين جدرين لتسمح بالدخولِ والخروجِ.
وها هي( المَرْكُوس ) تجوب الشوارع ، وأحْصنة تقطع المسافات ، حتى أصبحت العربات أكثر من الراجلين.
إنتشرت النجوم في السماء الواسعة ، وأنار القمر بضياءه الأرض بِما حوت ، ومشى الليل إلى النهار في يجب عليه إلتهامها رغم الجهد ، هو قدرٌ يمرُ به كلَّ يومٍ ، فطيف الضوء المُتشرق نظَرٌ للقلب المعلول.
أَرْسلت الشمس فيض دفئها على المباني العالية لمدينة جنيف وإقتحمت الغرفة الصغيرة التي أخذتها ناتالي مسكنًا لها ,بمكان هادئ وبعيد لايَعرف أَقْداما كثيرة ولا زخما، نَهضَت نَاتالي وتوجَهت الى مطبخها ,تبعتها إزبيل الطفلة ذات الستة سنوات وإقتحمت عليها المطبخ ، نظرت الأم إلى وجه إبنتها وسَألتها ...
ماذا هُناك هل بِك مصاب؟
إزبيل :لا..وأخذ ت لها مكان با قرب مقعد,
هل إيبرهارد إسم والدي؟
بالطبع؟
ولماذا هو مثل لقبك؟هل أنتما قريبان؟
نظرت الأم إلى إبنتها وعمَّقت النَظَر بِهَا.
ناتالي :لقد كَبَرتْ إزبلا، وصرت تفرقي بين هذا وذاك, لكن، سأشرح لك كل غامض، وأوَافيك بكل التفاصيل .عندما يحين الحال.
قالتها ناتالي وأدارت ظهرها لأبنتها ، كأنما تقول لها لقد كانت غلطتي ، لكن الحب أعْمى والضعف سبيله, ماذا بيدي أن أفعل, ماذا..
وقد حَدثَ ماحدث........
-إزبِلا هي ذخْر أمِها ، وكل ما لديها من دنيا سَلبتها والديها وأبعدتها عن أولادها، حتى أصُولِها كانت مَجهولة ايضا.
عَادت ناتالي وإنقلبت إلى إبنتها وعانقتها ، أما البنت فشَدت والدتها من مدَّ الرقبة وتهدلت وأَخذت بالبكاء.
أغمضت ناتالي عيونها المبللة ، حتى فاضتا واستقبلت جسد ابنتها الضئيل ، وراحت تهيم بماضي، وتراجع ما حَدث مَعها.
بعد ليلة مُوجعة وأَرَق شديد، توجهت ناتالي إلى طبيبها ، شابٌ لم تعتد زيارته إلاّ إِذا أحست بضرورة الطبيب , لكن الطبيب كان يحس بضعفها أَمام نظراته الجارحة. وحاول استمالتها لكسب ميلها ، والتغزل بها. أَكْثر من مرة.
جاء دورها ودخلت الغرفة ، وكان بإِنتظارها ، وعندما تملكها بين يديه .أَنار الضوء الاحمر ، فكان ان احتضنته وكذا فعل ، ولم ينتهي زمن الفحص إلاَّ بعد إِنتهاء الدوام ، فكان النهار قد مال للفتور , بينما خرجت ناتالي من بين يدي طبيبها كما كانت تحب أَن تناديه .
ناتالي :سأَعود غدًا لإِتمام العلاج؟
الطبيب :بإصْرَار.... لا، خذي الدواء الذي وصفته لكي ، وعِندما تَنتهي عُودي ؟ إنَّه عِلاَج نَفسي لَن يكون هناك داع لإِكثار المراجعة.
مرت الأيام وعادت ناتالي إِلى طبيبها المعالج وسط مدينة جنيف ، لكن لمن عادت لقد فتح الباب طبيب أخر، سأَلت عنه فقيل لها لم يترك عنوانا له.
كانت لحظات اعادة الشريط طويلة جدًا بالنسبة لناتالي، لكن حَضْنها إبنتها فكان يكفي لوقت قصير، فتنهي به شريط المأساة التي حلت بها ، وفرت المرأة إلى أوروبا تاركة ل(بول) ثلاثة أولاد . تمتمت ناتالي : يمكن أنها سمعت بالقصة من زميلاتها لكن لم تعرف الفاعلة.
وإلاَّ فمن فكرها بأمرها فجأَة؟
لم تهتم البنت لما قالته والدتها ، أو أنها لم تدرك معناه لكنها ردت على أمها.
لاتهتمي إذا لم يسأل عني وعنك ، فسيأْت اليوم الذي يتحجج فيه ويبحث عنك وعني.
كانت كَلمَات البنت مثل الدواء المعالج ، فطببت البنت والدتها ، وأزالت الكرب عنها، وإعتصرت خدودها إبتسامة خفيفة.
حَكت الصغيرة لوالدتها ما كان معها من أحد التلاميذ اذ قال لها ليس لك والد يرافقك الى المدرسة .
ناتالي : وماذا رديت ؟
قلت له يكفيني لدياَ أم أعز الأمهات.
عمقت الأم بصورة إبنتها .وتشبثت بها, بملأَ عُيون يقولان :(أي بنيتي لو كان لنا كل ما نريد لفعلنا رغبتنا, لكننا ضعاف أحيانا كثيرة.)
ورَاحت الأمواج تتلاطم وتتزاحم وتأْخذهما إلى بعيد, فلا يعرفان لها قرارٍ إلاَّ وهما يَضحكان ويلهوان إلى بعض.
هذه أعوام 1895عرف فيها العالم الكثير من الطغيان وكانت اغلب البلاد هي مستعمرة أوروبية، أو في إضطراب وإنتداب.
وعرف الشارع السويسري إستقرار عدم في البلاد الأخرى، وقصدها الظَالُ الباحث عن الأَمَان والمهاجر الباحث عن مبيت وإِسْتقرار
عادت إزبيلا من المدرسة ، وجلست الى مكتبها وحيدة ، نظرت إلى صور لمقاومين وأُناس يرتدون زيًا واحدا ؛ كانت الصبية تميل كثير إلى التملي بهذه االصور .
ناتالي :أتدري نحن هنا نعيش في أمان ، إِذ هناك من البلاد من فقدت هذه الشهوة، وصارت تنام على الجمر والحِمَم.
إزبيلا: الحياة لنا جميعا لماذا هذه العنصرية.
ناتالي: بالفعل واكثر من ذلك؟
حَاولت البنت الإستفسار كثيرًا من والدتها.كما عرفت منها حقا ئق جهلتها، ولم تكن الوالدة لتبخل على إبنتها
بل كانت تُطلعها بِكل حَاصل وتتمنى فيها الأفضل.
ظلت البنت تكبر وتظهر كل يوم بافضل من سابقه وهاهي تتقدم في العمر وتتواصل.
خرجت الفتاه كعادتها إلى معهدها .ولكنها عادت مسرعة ,وهي تنادي
ناتالي...ناتالي.؟؟فتبدَل لون وجهها وتهدلت قِواها,وعرفت سرعة أقدامها وقعا متتاليا.تاركتا خشية الخبر.
دخلت البنت غرفتها ولحقتها الوالدة في سرعة جنونية.
: ماذ إزبيلا.
أخذت البنت في إفراغ كل الحادث وأسمعت أمها ماقالته إحدى الحاقدات عليها .
قامت ناتالي وابتعدت عن إبنتها .قلبت ظهرها وتقدمت الخطى حتى عتبة الباب وفما جانبت إبنتها.شدت بيمناها على الاطار وتلفتت براسها:
.إزبيلا لاتهتمي .سأعالج الأمر، وإنصرفت.
تنحدر ناتالي من أسرة أرسطوقراطية ، تعيش بجنيف.ذات مستوى إجتماعي ومال وثروة ورثتها عن زوجها الأول (بول) منعها ذل السؤال ,هذا لم يمنعها العمل خارج البيت, بل كفلت الأم إبنتها وضمنت لهما حياة قارة , أغنتها عن الرجوع للأخرين.
درجت إزبيلا في دراستها , وعرفت من الاجتهاد والتحصيل العلمي ما أَثبتت به مكانتها , وتقدمت حتى تفوقت الكثير عن أقرانها.
أنارت الشمس بأشعث خصلاتها الأرض, ودرجت العصافير و الطيور أماكنها تريد التملك, ملأت المسامع نغما , ومدت الوجود حياة , وأَخذت تنشد للحياة , وترسل جميل الاصوات بكل إنزواء وظلَّ.
بلغت إزبيل من عمر الشباب أقصاه ، وتحلت أنوثة جلبت لها العيون ، ورسمت حولها دائرة التمييز، لقد بلغت من العمر السابعة عشر انتعاشا ؛ واستقامت عودا وأعطى جسدها معنى.
بنت بها المعنى الجميل للحياة, و ورودا تقصدت الدرب , ذات مظهر نحيف مكتمل، مال جسدها للضعف.والإستقامة في من إعتاد القيام بالحركات الرياضية المقوية، أفاضت ريق الكثير من الشباب من مثل سنها.وتقدم نحوها اللافت والعنفواني ، لكن البنت لم تكن سِرّ أمها بَل مال تفكيرها إلى النضج والترجيح.
يمر قطار(ستر لينغ) the stiriling لنقل البضائع يعلو بخاره مكونا أشكالاً رحلت إلى بعيد.وتصرخت عجلاته من ضغط سير على السكة ، تعلوا صفارته تشُق الهُدوء إِحْذر العبور، التوقف في المحطة المقبلة.
جلست إزبيلا لوحدها بشارع عمومي وقدعرفت من الإطْرَاء ما ميزها وجانبت به أقرانها فكان كلما مر شاب إلاَ ورماها بكلام هذا للغزل وذاك للملاطفة والتحنن, ولم تنتبه إلاّ وصوت أمها تناديها ها قد وصلت.
سارت الأُم جنًا إِلى إبنتها وهما على شَبَه كَبير من بعضهما فلم يَكن لتميز الحياة هاته عن تلك، لولا السن المفارق بين شباب وعمر مكتمل ، لكن ناتالي لم تكن لتبخل على ابنتها , بل تركت لها الإختيار الحر في عيش حياتها.
شابة جميلة بيضاء السنحة , ذات شعر أسود وعيون سوداء .خلصت إلى إبتسامة لطيفة أعذبت مرسمها وأحيت ملامحها.
ذات أنفٍ صغير مدبب , دنى أسفله فم صغير بشفاه رقيقة سألت طراوة وحلت نغم الكلمات من بينهما. وحضن تبسط وجهها خدودًا توردت , كلما أشرقت الشمس , أما إذ هاجت , أوجبت على الفتاة تجنبها , وإلاّ الهبت بهما وشب إحتراقهما.
ما ميز الفتاة مَيل سرّ ملامحها إلى العربيات , إذ لم تتميزكثيرًا عنهن بل زادها ميلها إلى الخجل تشبها و الإِبتعاد عن رفقة السوء جمالا , فكان ذلك ما ورثته عن (ألكسندرتروفمووسكي).
كثيرة الظهور وحيدة ، أو إلى جانب أمها ، لم تكن إِزبيل طويلة أو ذات قامة عالية بل توسطت الإرتفاع, مرتا على مقهى فطلبت الأم من إبنتها ان ياخذا لهما مقعدا .لكن إزبيل رفضت وفضلت السير بالشارع الواسع, هي ذي السنين تقترب من بداية عهد جديد, وهاهي الحياة لا تعرف لها نسق غير ما عرف, سارت الدنيا إِلى الحكم التفريظي , وملك التقسيم الإمبراطوري وهيمن , فتقشر الجلد عن الجسد وظل يئن وجعا عن ذم حال. وتغير لون الأرض من اخضر السلام الى أحمر دم ونزيف.
هنا رأت الفتاة مجموعة من الرجال تتقدم الساحة الرئيسية وكلهم ملامح ظاهرة.
إزبيلا :هؤلاء عرب يا أمي؟
ناتالي:نعم.
إزبيلا :كثير من البلاد العربية مستعمرة , حتى إننا لا نكاد نعرف واحدة حرة ، فبلاد الشام وبلاد المغرب تحيا تحت وطأت الهيمنة الإنبريالية , لا من يتصدى وما القُوة إلاّ للسِلاح ، كأنما الأَرض تهيأَت للفراعنة.
وأضافت إزبيلا وافصحت عن تَمنياتها بزيارت بلاد المغرب تونس والجَزَائِر على الخُصوص. سألت الام إبنتها السِرّ في ذلك .
إزبيلا: أريد إتمام دراستي الجامعية هناك , بتونس العلوم متقدمة يكفي ماوصلنا من إبن خلدون.
ناتالي : إذن تشجعي وتحصلي على معدل يأهلك ويمنحك ماتريدينه.
إزبيلا: أتعلمي أريد الإلتحاق بمعهد الاعلام والإتصال.أحب الصحافة.
ولعل هذه المهنة من كانت ستفتح الأبواب أمام ناتالي وإبنتها فيعيشان حياة الترحال والإنطلاق
تقدم أحد الشباب لخطبة الفتاة بعدما أعجب بها , لكنها رفضت ووجدت لنفسها أعذاراً من بينها أنها تريد إتمام مشوار حياتها الدراسي.
جلست الفتاة وحيدة بغرفتها , وإنزوت بزاوية تجلس على بلاطًا تتحسس بُرودة ولطافة بعدما بدأَ الطقس يَميل للحَر.
أخذت ورقة وقلمًا, وخطت بها ماتريد وما يمتنع لسانهاعن الإفصاح به حتى لأَقْرَب الناس لها تريد التحدث للبياض لأنه الحامي والحامل لأسرارها, إذ تدفقت عيونها كأنها حلمًا على الورق, وتخلت عن ما تحمله ذهن حالمة , في حالة من مضت تبحث لها عن سبيل.
إزبيل بنت هادئة ورزينة , ميَّالة إلى العيش المغامر, تبسطت مع من حولها وإشتدت مع أعدائها, أحب هواية الى ذهنها هي القراءة.اخذت الكثير من رجل لم تراه قيل انه والدها.
لم يمضي من الوقت أقله حتى تجنبت الورقة والقلم وقامت عن مكانها.لبست ثوبا كان قريبا منها , وإحتذت .وخرجت.
أخذت طريقا طويلا بالشارع الرئيسي للمدينة, تهيم و القلب لا يرسوا على مكان, وضعت يديها في جيوبها رافعة رأسها ,وعرف شعرها الأسود تهدلاً خفيفا فوق أذنيها .فأخذت تجانبه عن عيونها بين الحين والأخر.
سارت بخطى لا تعني ماتريد ,ولكنها لمحت المكان الذي كان تؤمه أجسادًا كثيرة, ولفتها الكم الكبير من الجنود والذين تزاحموا على البوابة رفعت رأسها إلى اللافتة فعلمت سر المكان ,حانة السعادة هكذا كتب على اللا فتة , شد الفضول الفتاة وفتح شهيتها مجموعة الفتيات الوافدة على المكان.
دخلت الفتاة وبحثت لها على مكان هادئ , تصاحبت وعطر النبيذ يَكسو المكان , وعَلت الصرخات والهتفات من كل زَاوية وركن , وترَنحت الأجساد كما كَانت , فاقدةً التوازن , كما لو أنها أعدمت الجاذبية , وتبْحث عن السند.
إعتلت إزبيل كرسي ووضعت مرفقيها على الطاولة , وسندت ذقنها بكفوف حاضنة ، سرحت بعيونها تبحث علها تجد من تبحث عنه ، فوجدت النادل ، أشارت عليه بيمناها ، فما تأخر بل أسرع نحوها
أريد نَبيذًا فرنسيًا .
هكذا كانت تريده , وإنصرف النادل ليعود بالطلب ، هنا شاهدته يدخل كان صديقها والقريب إليها , و دون مُراجعة للنفس جلس إِليها .
_هل أنت وحيدة هنا؟
_بلى ماذا؟
وقلب يمينا وشمالاً لا تزالي صغيرة على الإِنقياد إلى هذه الأماكن لأنها قد تجلب لك المتاعب .
ردت إزبيلا أنَّ كلامه لايعنيها ,لأنَّ الإنسان هو من يختار أمره , ثم أن المكان كان محمي ومحروسا , وهو أفضل مكان بجنيف.
هنا تبسم لها الشاب وقال..وقد ظهر عليه بعض الإستلطاف الى كلامها.
:ماذا عن دراستك ؟
:هذا العام إجتاز إمتحان العبور.
:وأي معهد ستلتحقين به.
ردت إزبيلا: ألاتعلم؟
بلى ولأنك كاتبة ذات طراز فالصحافة هي المقصد، لأنها ستسهل عليك ماتريدين.
إبتسمت .نعم أريد أن أصبح صحافية, هذه أُمنيتي , وكذلك أمي .
إذن البنت سرّ أمها؟
ليس بكل هذه الجدية , أنا أجد بها نفسي كما أنني أحب الجِدِّيِة في العمل.
هنا رد الشاب أعرف أنك تحبين حياة الترحال ,كيف وأنك زرت روسيا وقصدت ألمانيا,هذا والحالة حرب , ماذا لو كنا في السلم؟ أجيبي عن سؤالي ألا تتمني تكوين أسرة والإستقرار.؟
بلى لكن الإنطلاق ، والتحليق أفقدني عقلي ، أتمنى أن أتجنح ، وأن أحلق ، فأحُط بكل مكان ، لاأسمع ولا أتكلم ، بل أترك لقلبي الإسرار.
_لكننا بشرٌ وهناك الشَر والخَير لا نستطيع أن نفرض على أحد فعل ؟
إزبيلا :نستطيع الشجب ، و الرفض , وهل الصمت ، مثل الكلام ، هل قولك نعم مثل لا.
_تبسم الشاب وقال: أنت جميلة كما عهدي بك, واني اثق بك كثيرا.
وضع يده في يدها ووضع الحساب على الطاولة ,جذبها اليه وخرجا ,ترفقت به ازبيل.وسارت الى جانبه.
وسارا شارعًا ضيقا وطويلا ، إستلطفت الفتاة حديثه وأراحت له ، كمن يجد ضالة يبحث عنها.
عادت البنت إِلى بيتها والإبتسامة ترسم شفتيها ، وتمسحت عنها حزن , وضيق أهمل جمال منظر إبتسامتها , دخلت غرفتها وغلقت خلفها.
جلست إزبيل إلى المكتب وأخذت تكتب في ما كان معها اليوم. عنونة أقْوالها (بالجريدة اليومية.)هي صفحات تدون بها ماكان معها.
إقترب موعد الإمتحانات وظهرت الجدِّيه على الفتاة , كثر إنعزالها , وأكثرت المكوث أمام المكتب , وأكثرت المسودات والأوراق الغير مرغوب فيها، متصفحة وباحثة.
جلست ناتالي بِبَهْو بيتها وحيدة , إذ لم تأْلف الجيران , إلاّ جارة واحدة كانت لاتبخل عليها بالزيارة, وأخذت تراجع ما حدث معها ومع إبنتها , وفجأة إهتز الباب بقوة كادت تنزعه من مكانه , قلبت الام كاملة الى شقة الباب ، ومن يبرز منها .
دخلت إزبيل مسرعة ، بوجه دامع و جسد منهوك، إقتحمت غرفتها وغلقت خلفها .
حاولت ناتالي القيام بسرعة لكن العجلة حالت دون ذلك , وإلتَوت قدمَاها , لكنها لم تهتم بل أسْرعَت نحو إبنتها .
ماذا:هل رسبت في الإمتحان؟
لم ترد الفتاة عن السؤال.وإحتكمت لصمت الشكوك,فأعجزت ناتالي عن معرفة السبب.
وأعادت الأم وأصرت على قولها.
هنا إِنقلبت إزبيل إِلى أمها هلا أخذ تيني عن هذا المكان ,هلاّ أخذ تيني عن هذه الحياة، لاأُريد أن أبقى على الحياة الراهنة.
هنا أدركت ناتالي ما تعنيه ازبيلا، وهي الفتاة الحساسة, المتوحدة المصرة، لأًنَها تتخيل ماتسمع من تجريح.
ناتالي: وأين سَنرحل؟
بعيدًا الى جهنم؟؟؟؟؟
ناتالي: أنت أفضل من أية فتاة أخرى , وأحُسّ بذلك ، فلا تهتمي لحاقدين.
إزبيل :إنها العيون ,لايجدوا فرصة إلاّ أملُو عليا مالا أعلمه.
طمأنت الأم إِبنتها ، وتوعَدتها بالإِهتمام للأمْر ، لكن عليها شق دُروب حَياتها.
وعدت إزبيل أمها بتحقيق رغبتها , وإنها ستكون خير محتفية بها وذخر حياتها..ولن تسمح لأحد بإضرام النار بقلبها.
تجاذبت مسَالك الحياة , وإتخذت لها الهَدف , سارت الأيام تارة سريعة وأخرى بطيئة , وكانت تتوقف أحيانا أخرى لترعى ماكان.
هَاهو العام الدِراسي يمر بِسرعة وهاهي إزبيل تدخل سَعيدة بشوشة لتطمئن والدتها , والتي خرجت وتركتها تنتظر موعد عودتها .
أَبشرت البنت الأم بمسرة ,وأهدتها النجاح المنتظر, نجحت البنت ,وإجتازت العتبة ,كان هذا النجاح الأول للبنت ، والفرحة العائدة بمعنى الحياة إلى البيت النسوي.
لَيس للفرحة زمن لكن لها مكَان هو القَلب ولها بهْجة هي النفس.
وَمتى كُنا ننتظرها على الباب ؟ ،لأنها تتسربُ مع النسيم من كلّ الثقاب ، فما يحسها القلبُ المعلول حتى يتسع في بهجة ورحابْ.
لم يكن للعائلة أصدقاء ومقربين , ولم تكن ممن يحبون كثرة الصحاب والإجتماع للناس, بل لم تتعدى من معرفتها للأصدقاء إلاَّ من يريد إلقاء السلام .أو ضرورة ألحت عليه اللجوء إليها.
ناتالي:الأن وقد نجحتي , ماذا تتخيلين هديتك؟
إزبيل: وهل هناك هدية أغلى من هذا ,أهديتك نجاحي وهذه هي هديتي لي ولك.
ناتالي: سنقضي الصائفة بين ألمانيا وروسيا, فهل هذايعجبك.
لم تعترض الفتاة على إقتراح الوالدة بل رحبت , وإرتاحت للفعل.
سافرت الفتاة, وإرتحلت مع والدتها عاشت بكل مكان عاشت به والدتها ,وكونت من الصداقة, ماحبَبَها لكل إنسان .
خلال الحل والترحال لم تنسى إيزبيل ورقة وقلم ,بل دونت مذكراتها ,وحفظت لها البقاء معها ,كانت هذه الكتابات ذخرًا للفتاة .وسرًا من أسرارِ إنتمائها إلى أبيها.
دخلت الأم غرفة إبنتها ووجدتها منغمسة في اللاوجود ,لم يعنيها حتى من دخلت.
إزبيل: ماذا تكتبين أحسب موعد الدراسة لم يحن بعد؟
أكتب.هي جريدتي اليومية.أتعلمي هي ضميري إذ نسيت ماذا كان معي من الحياة بالأمس.فإنني أجده في صمت الحروف.
وهل تعنيك كل هذا القدر؟
أتعلمي لقد إتصلت بجريدة بجنيف ,وإِستقبلت طلبي بالقبول , بل رحبوا بي كمراسلة إليهم.
إحتجت الأم على صنيع إبنتها, حجتها أنهما يعيشان الإكتفاء فلما التعب.
لكن هيهات فقد ولعت الفتاة بعمل الصحافة وأحبته وأقبلت عليه ، وسجلت بفرع الإعلام والإتصال بجامعة جنيف ، وهي الأن في العطلة الطويلة , تتريث موعد العودة.
خرجت البنت ووالدتها لتتفرج على باقي الأماكن والتي لم يقتضي الحال ولم يسمح لهما بالإستمتاع به.عرجوا على الشاطئ ، ألَحت الفتاة على أمها وأسرّت أن يدخلا معا الميناء ، ودخلوا وكان مملوءاً حتى صعب التفريق بين الأجساد.
إيزبيل : هل هذه عادته ؟
ناتالي : اليوم فقط.
هؤلاء ألمَان يساندون القوات الفرنسية بالجزائر , ولهذا هم يرتحلون إلى هناك.
إيزبيل : أتعني ذاهبون للحرب؟
ناتالي: وإذن ؟
وهل تهمهم أرض الجزائر كل هذا؟
ليست الجزائر المعنية فقط , بل بلدان المغرب على الساحل ، هناك ثروة وقيمة معدنية ما لا يكتفي بإكتفاء.
إيزبيل : أتعلمي ، أن العمل بالصحافة يدر أموال طائلة ، مهنة مراسل صحفي في بلد مستعمر يكون المرتب بالعملة الصعبة؟
لكن ناتالي رفضت ,و تمنعت أن يكون المال عوض لقيمة الانسان.
الأرواح غالية و المولود يولد بقيمة ، ليحيا الحياة كاملة ، وأنّ هذه الحروب هي جشع وإحتدام لا سياحةٍ. الحرب مهلكة ، لكل البشر كبار وصغار.
إيزبيل: لكنك تعرفين طباعي فانا مسالمة ، ولم يكن إختياري للصحافة ، إلاّ لإيْصال أنّات المضطهدين , كما لاتنسي أننا روسيات الجذور، ومن في روسيا ليس منضما الى القضية المغربية ، أو لم تتابعي الصحافة وماذا تفعل روسيا من أجل المسلمين, كما انَّ الشعوب كلها تعيش تضمرًا من أفعال الهمج. والحَياة في سلام ليس هناك أفضل منها.
ناتالي : هذا كلام كبير لأننا بسطاء ، القوة هنا للأقوياء، ثم إنني أوصيك بحفظ لسانك ، خوفي من أن يلسعك.
هاهو فصل الصيف يقضي أحر أيامه , وهاهي تباشير الأيام الباردة تتفتح دفتيها , وراح الحال يتغير ساعة .ساعة , و زمن وزمن ، و إنساقت معه الأمزجة تتمزج وتتحول.
عادت ناتالي وإيزبيل إِلى جنيف ، وإِنضَمت الفتاة إلى فرع الصحافة بالجامعة , أخذت لها هدفًا في الحياة , هو أنها تنجح وتحقق ماتريده ، أن تصبح كاتبة مشهورة .
لم تكن الأمنية بعيدة المنال ، لأن عملها بالصحافة فتح لها الطالع ، وقرأَت لها أُمها الكفَّ ذات يوم ,وتنبأت لها بالمكنون و المستور بين خطوط الكف.
تفوقت إيزبيل في دراستها ,وسمح لها ذلك بالكتابة في الكثير من الصحف كعون ، راسلت جرائد بألمانيا وروسيا ، وإشتهرت الكاتبة المبتدئة وعَرف إسمها رواجًا ، وحاز السمع.
طلبت خدماتها الكثير من الصحف ، وإنضمت بدافع او بأخر.
في أحد الأيام كانت إيزبيل بمدرج الجامعة تجلس لوحدها ، تقدم نحوها رجل ضخم الجثة , يلبس بذلة أنيقة ظهرت عليه علامات الجدية والإصرار , إنتبهت نحوه الفتاة .
صباح الخير....
ردت الفتاة وكلها تطلعٌ للوافد .........صبا ح الخير.
جلس إليها وإنضمت إليه , لم يمضي من الوقت أَقصره حتى عرفت إزبيل إنه يريد مراسلة صحفية لجريدته وهذا المراسل يجب أن يرتحل إلى بلاد المغرب العربي ، وعمله سيكون إفَاءَ الأخبار من هناك.
تتبعت الفتاة كل القول وعرجت على التبرير، لكن الصحفي حلق بها بعالم الشهرة والمال .
لم يكن هدف إزبيل كل مايراه الصحفي بل كانت لها مواقفها والتي لم تخفى على الحد .
إزبيل :أتعلم أنني لاأميل للإستعمار؟
ولا أَنا
لكنك تعمل لصالحه .
أنها جريدة حرة وستراسلين جريدتنا من هناك.
أفهم قصدك جيدا ، لكن............
ماذا؟
الإمتيازات وكل ما تريدينه.
هنا إستعجل الصحفي في الكلام ولم يشئ الحديث ، فلقد عرفت الفتاة بشجاعتها واقدامها ، وقدرتها على التكيف بسرعة مع الحاصل.
خرجت إيزبيل هذا المساء تسير ووحيدة بالشرع الرئيسي بجنيف , هاهي تجتاز مدرسة المهندسين. وهاهي تبتعد حتى وصلت حديقة كروبيت وهي الجولة التي اعتادت الفتاة القيام بها لحظة ضياع الحل منها.
غير بعيد عرجت إيزبيل الى بائع متجول ,واخذت سيجارة ,وبدون طلبها اشعل السجارة بيدها ,وبدت أسراب الدخان تعلو وتعلو, وتتلوى وتنحني في الخلاء.
هي الأن تتدرج إلى العام الأخير , ودراستها هي بأَعوامها الأولى , فماذا لو تركت المكان فارغا ,ستكون الأم أولى المُمانعين , إذ لم تمانع التحاقها بالجرائد الحالية بشرط عليها عدم إهمال تدرجها.
وإشترت سيجارة ثانية وأشعلتها بين شفاهها, وأخذت تتفرج على أسر اب الدخان وهي ترتفع.
عادت إزبيل إلى البيت وإنزوت في ركنها المعتاد .رأت الأم تغير وجه إبنتها , وانعكس ذلك على الخدود , وتغيرت حركة فمها معها.
أصبحت كثيرة السهو لايعنيها أحد , للهدوء أحيانا كثيرة , نظرت إلى أمها وإبتسمت.
ماذا يشغلك؟ سألت الأم.
لاشيئ مهمٌ ، لعل تغير الطقس مزَّجني.
أَنت متاكدة .
إزبيل :أريد السفر؟
ناتالي :ألا تمَلي, هذه أَيام فقط كنت بالخارج.
إزبيل :هذه المرة لن نعود الى هنا ,فلايوجد مانعود لأَجله, بل أرض الله واسعة, وسترحب بنا أية رقعة.
ناتالي:لكن إلى أين؟
إلى بلاد المغرب؟
تعجبت ناتالي وأرسلت صفير تعجب .من بين شفاهها ، أين توجد الحرب وهل نذهب إلى الموت بأيدينا؟
إزبيل: لابل نحارب لأجل الحق. أن هذه الشعوب لمظلومة ، وهي تكافح من أجل إسترداد الحق المهضوم.
:وهل أنت وأنا سنستعيد هذا الحق؟
:لا بل سنرفع الصوت عاليا ونسمعه لكل ركن بالعالم.
فاضت حنجرت الفتاة والقت بكل ماتملك ، وأخذت الام تستمع إلى إبنتها ، وتصلح كل فكرة تراها قد هملت المطلوب.