Page 1
إثراء
فازت هذه الرواية بدعم وزارة الثقافة بعد رفع تقرير اللجنة المشرفة على الأعمال الأدبية والمكونة من أساتذة من الجامعات الأردنية ونخبة مختار من رجال الأدب. وفيما يلي بعض الملاحظات التي وردت في التقرير الذي نال شرف توقيع وزير الثقافة الأستاذ الدكتور صلاح جرار:
معالي وزير الثقافة الأكرم
تحية طيبة وبعد،،،
فإشارة لكتابكم رقم رقم ث/1/12/2825 تاريخ 14/5/2012 الذي تطلبون فيه تقييم المخطوط المعنون بـ«أزهي أيام العمر»، يسرني أن أعلمكم أن الكاتب قد قدم عملاً جيداً، عالج من خلاله موضوعاً اجتماعياً راقياً، بأسلوب فني شيق، حمل سمات العمل الفني الناجح شكلاً ومضموناً.
يُسجل للكاتب ما يلي:
• القدرة على جذب القارئ باعتماده عنصر التشويق، والتشويق عنده مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعنصر الصراع الذي يحركة، إذ كان يحشد له إمكانات كثيرة من الأحاسيس ويشبعها إشباعاً فنياً جميلاً.
• حرص الكتب على تحقيق نوع من الانسجام بين الحركة اللغوية والحركي الحسية، وكثيراً ما كان يعطي ذلك متانة وجزالة الأسلوب الكاتب في السرد والحوار، ثم إن اللجوء إلى العامية في الحوار كان يتم في حدود معينة، ويوظفه الكاتب توظيفاً فنياً مقنعاً.
• ثمة عناية بارزة بالوصف الداخلي المكثف، وهو يكثر في هذا العمل من خلال الاهتمام بالأوصاف المتماسكة المترابطة القادرة على أحداث الهزة في النفس.
• كثيراً ما كان الكاتب المكان اهتماماً بارزاً، وهو في وصفه لهذا المكان لا يتخذ طابع التصوير المقصود لذاته، بل يلجأ إلى التقاط الملامح الدالة للمكان التي من شأنها أن تمنح إثراء للحدث والمكان.
• إن اتكاء الكاتب على الحدث قد أفرز مجموعة من المشاهد والمقاطع المترابطة، ثم إن مادة الحدث عند الكاتب ليست هي المهمة، وإنما المهم دلالاته وإيحاءاته.
• على الرغم من أن الكاتب كان يلتزم الأسلوب السردي إلا أنه كثيراً ما كان يخرج من الإطار التقليدي ويلجأ للإيحاءات بأبعادها المختلفة لإثراء هذا السرد.
• ثمة اهتمام بوصف الشخصيات كما هو الحال بالنسبة للعناصر الفنية الأخرى.
• جاءت العقدة في هذا العمل عفوية، تصل إلى ذروة تأزمها بأسلوب جذاب، ويحلها الكاتب بمفاجأت عفوية أيضاً. وبعد فإن هذا العمل يصلح للنشر.
واقبلوا فائق الاحترام
Page 2
تقديم
كم كان بودي أن أدفع اليك هذه الصفحات دون "تقديم". إلا انه عز عليّ ان لا يكون من بدايةٍ، أتحدث فيها الى القارئ العزيز، حديثاً أشبه ما يكون بتحية ود وتعارف، لأن هذه السطور ثمرة جهود جمة. كانت بالنسبة لي نفحة أمل زادتني إيماناً، رغم العقبات التي اعترضت سبيلها.
فكم ألقيت بهذه السطور في غياهب الأدراج زمناً طويلاً، فعلاها الغبار وكاد الزمان يعفو عليها. إلا أنني كلما عدت اليها، وجدتها باقية تحتل أجمل موقع في القلب ويحتفظ الصدر بها في أعز مكان... فأعود اليها يدفعني الشوق وتجتاح فؤادي الرغبة كطفل شقّ عليه فراق أبويه.
إن طريق الحياة صعب وشاق، تملؤه الأشواك، وتكتنفه العقبات، وكلنا يسير في مثل هذا الطريق، طريق الحياة والأمل... نذلل العقبات ونقتلع الأشواك، والأشواك والعقبات تأبيان إلا أن تتمتعان بشرخ عظمتيهما لتقضيان على أمل أصحاب النفوس الضعيفة، وتحطمان حياتهم وتملآها عليهم بؤساً وشقاء.
لذا رأيتني أيها القارئ العزيز، يدفعني الشوق للكتابة اليك، لأن هذه القصة مرت في مثل هذا الطريق.
موسى فهد شنك
Page 3
المقدمة
ويمضي قطار الزمن، سريعاً أو بطيئاً فالأمر سيان، فما حزنت لأيام مضت، بل فرحت لأيام تطل يفوح من ثناياها الأمل، طال عمرها أم قصر. لأن حساب الزمن شيء نسبي، ليس من السهل تثمينه أو معرفة الأهمية التي تكمن في لحظاته.
ثم إن جميع محطات عمر الإنسان لا تجتمع إلا على اختلاف بين طابع كل منها، وبما يميز نمط الحياة فيها. فلو أننا نحسب الأيام على أصابع أيدينا كما يفعل الأطفال؟ لوقف الزمن وكرهنا كثيراً مما نحب ونشتهي...
فهذا اليوم صورة طبق الأصل عن الأمس، والغد مترقب قدومه باختلاف غير متوقع. أيحمل في طياته جديداً يكسر قاعدة الروتين الممل، الذي يكبلنا بأغلال واهية من صنع الخيال ولا يرجى منها قيمة؟ أم......؟
Page 4
ـ 1 ـ
في عمر الإنسان بعض اللحظات من حقها البقاء، لأنها جديرة بالحفظ. فهي ليست إلا أقداراً تتخذ من العقل الباطن مقراً لها ثم تنفض عنها غبار السنين، فتدفعنا في مسارب الحياة من ضعف الحال الى تحد المصير. مَثلنا كمثل البراعم، تنمو بتساقط الندى عليها فتزداد قوة كلما عصفت بها الرياح...
فلحظات العمر في أطوارها المختلفة لا تأبه لموقف فرض عليك، ولا يضيرها المعاناة من إحساس ألم بك،
وليس لديها الحل الأمثل لما يصيبك من ضيق ومعاناة عندما تجد نفسك تسامر القمر، من غير عشيق...
أو عندما تراك تجلد فؤادك بعواطف عقيمة،وتبث النجوم همومك بالحزن والبكاء... فيكون حصادك السراب...
فلماذا كل هذا الحزن؟
وانت وحدك الباكي، إن حزن الآخرون أم فرحوا؟
أم أراك تظن أن الحب لا يولد إلا بعملية قيصرية،ولا ينمو إلا على هوامش الحزن، ولا يتغذى إلا من شدة المعاناة!
حدثتني نفسي ذات يوم، أن أرسم على صفحات الماضي ذكريات لم تخرج من رحم القدر...
أو أجمع من شتى أنواع الورود باقة أزين بها صدر الزمن... ولكن أطرافي بل وإرادتي كانتا على وشك التخلي عني، لأني ظننت بأنني سوف أجمع هذه الورود لأزرعها في حقول القمر، ذلك المكان الذي لا يزوره أحد إلا في الخيال، ولا يتصور جماله أحد إلا في الأحلام...
وبدأت اُكافح النسيان وأستجدي الذاكرة أن تجمع تلك الخيوط المتشابكة في نسيج حياتي الماضية، على أمل أن أستعيد صفاء الذهن ونشاط الجسم. إلا أن الفكر رفع راية العصيان ورحل عني بدون استئذان.
وخشية عواقب الفشل قررت أن أذيب الحزن بحرارة العزم. وأن أبدأ نهاري بإقامة علاقة جميلة بين الفرح والسعادة. وأن لا أجلس طويلاً أمام باقة الورد، خشية هدر الوقت، وحرق الأعصاب في أتون التفكير، فيما غير فائدة ترجى أو أمل قد لا يتحقق.
فقد بات من المؤكد لدي، أنه من الصعب على المرء أن يحتفط بحالة من العشق، والقلب لا يجيد الإحساس بالحب.
ذلك الحب الذي ابتكره الرجل ذات يوم من أجل امرأة أحبها، فأمضى العمر وهو يروي لها الحكايات، ويزين لها الأماني ضمن آفاق جنته المرتقبة...، ثم أدرك أنه كالقابض على حفنة من الهوى...أما يقولون عندما يحب أحدهم إنه وقع في الهوى؟
فالحياة عمل وإنجاز، وليس الهدف من الحياة صنع تمثالٍ يُلمعه انسان ليستمتع به إنسان آخر. وما احتفالنا بتمجيد عمل نعتز به أو نفتخر بإنجازه إلا تأبيناً له، فتلك حقيقة تعلن عن نفسها قبل بلوغ النهاية التي لا بد منها...
فلماذا نصر على جر الحياة الى الخلف، والأمل يسطع نوره من ظلام الفجر كل صباح؟!
فعندما يبدع المرء في الإنجاز، عليه أن يتعلم أن لا يبالغ في التمجيد،لأنه قادر على الإبداع مرة أخرى، قادر على مقاومة اليأس عند وقوع الفواجع... فعندما يقف الإنسان فوق قمة التحدي، فمن الصعب عليه أن يرفع يديه مستسلماً لحالة من الضعف أو الإنهزام.
كان إيماني بالخيال الذي يراود عقول بنات السابعة عشر قوياً. تظن الواحدة منهن، أنها تأمر القدر فيلبي، وتطلب المستحيل فيجاب طلبها...
ولكنني كنت أكره الصبر، وأحتقر مهاةالانتظار،مع إيماني بأن الخيال وُلد كي لا يتحقق أحياناً إذ لا يعدو كونه لحظة تأمل عابرة تدغدغ قلوبنا بالفرح ثم ترحل...
كنت على يقين بأن المعبر الوحيد لبلوغ الأماني هو العمل. فما بالي في هذه الليلة تصغي أذناي لدقات الساعة، وهي تعلن منتصف الليل، وأنا ما زلت جالسةً في مقعدي، أحاول المرة بعد الأخرى أن أفهم شيئاً مما كتب على صفحات هذا الكتاب، الذي تأبى كلماته أن تفصح لي عن معانيها فتجعلني تائهةً بين تقاطيع الجمل.
لا أستطيع سوى امعان النظر في الكلمات فكلما انتيهت من قراءة سطر، عدت لأوله كي أبدأ القراءة من جديد، حيث تبدو المعلومة بين أسطر الكتاب غموضاً يشوش ذهني، ويسرح بعقلي كفكرة مجنونة تصر على اقتحام رأسي واستباحة عقلي.
ولكنني أُصر على طرح هذه الأفكار بعيداً عني، خشية أن أشك في قواي العقلية. فما زلت أحاول شتى الوسائل عبثاً للسيطرة على نفسي، كي أستوعب بعض القليل من هذه المعلومات.
فمن المستحيل أن يكون الدارس في كلية الطب، قد فقد القدرة على الاستيعاب في لحظة ما، ولكن المستحيل نفسه، أن يكون شتات الفكر، وضياع التركيز، سببان في حدوث الأمر الصعب، فما أصعب الهرب مما نحب الهرب منه خشية نتائج لا يحمد عقباها...
أعترف بأنني أقف أمام مجموعة من الألغاز، يتألف كل واحد منها من علامات استفهام لا حصر لها.
Page 5
فكأن الكلمات ليس لها معانٍ واضحة في قواميس اللغة، أو كأنني لم اسمع بهذه المادة من قبل.
أو قل إن شئت إنها الطلاسم، التي يستعملها المشعوذون بسحرهم، قفزت من قمقمها وسكنت رأسي بدون استئذان.
هذه الأفكار التي أحاول الهرب منها، تصارعني بعنف، وتسد أمامي جميع المنافذ، وتصر على شل إرادتي، فيشغلني الخوف منها عن التصدي لنتائجها، وتمنعني عتمتها من الاستعانة بشفافية الأشياء الملموسة، التي تحيط بحياتي...
بودي لو استنزفت الوقت وضحيت براحتي، كي أدرك لماذا يستعصي علي الفهم؟ لا أحب الوقوف معقودة اللسان أمام مشكلة تفاصيلها عالقة بين أسطر الكتب.
تعلمت من أسرار الحياة حقائق ربما انكشفت أمام غيري بصور مختلفة، ولكنها تحمل نفس المعني لأن السر ما زال كائن في ممارستها، لذلك آمنت أن التحليق بين الحروف من أجمل الأوقات روعة، وأكثرها سعادةً.
لقد نجحت في إقامة علاقة جميلة مع الكتب، لأنها تعطيني من متعة المعرفة شغفاً لا يضاهيه شيء إلا حبي لوالدتي والإسترخاء في حديقة المنزل ليلاً والسفر في أجواء سماء عمان حيث تبدو روعة جمال المدينة، كأنها عروس في ليلة زفافها.
ورغم مرور الوقت، فإنني ما زلت أجلس الى مكتبي، أمعن النظر في صفحات هذا الكتاب وقد أذهلني عمق معانه، تائهة بين سطوره، دون أن أجد وسيلة ترحل بفكري بعيداً عنه، فلم يسبق أن اعترضني موضوع كان البحث فيه، مدعاة لانشغال الذهن أو تشتيت الفكر مثل هذه الحالة الطارئة، التي تتحدى إرادتي، فتخلق في داخلي رغبة لتمزيق هذا الكتاب، والإنتقام من جميع محاضرات هذه المادة التي لم يرسخ بأذهاني منهام معلومة تذكرني بعنوان هذا الكتاب.
كان يشغلني قرب الإمتحان، فبدا علي الإهمال في بعض الأمور الحياتية، وكسا وجهي لون شاحب... وقد كنت قبل هذا اليوم لا أرهب الإمتحان لأن النتيجة مرهونة بالسهر الطويل وبالجهد المبذول...
كيف مرت تلك السنوات إذاً؟
فأنا كغيري من طلاب الجامعة. لا أنكر أن استيعاب بعض المواد، مرهون باسلوب المحاضر. ولا يغيب عن البال، أن المحاضر نفسه، في كثير من ألأحيان يدخل قلوبنا قبل أن تدرك عقولنا مفاهيم مادته...لذى فإن مجال البحث عن الأعذار أمر مرفوض.
فماذا أكتب في كراسةالإجابة يوم الامتحان؟
وهل تكون إجابتي «إنني لا أذكر شيئاً من المحاضرات».
أو أقول: لقد شت مني الفكر وانشغل بفستان هديل، أو فُتن بتسريحة علياء؟
وهل أجرؤ على تقديم الكراسة بيضاء خاليةً من كل سوء...؟!
رُحماك يا إلهي، فلا تجعل الفشل من نصيبي، فما تذوقت طعمه في حياتي أبداً، وليس في داخلي رغبة للتعرف عليه، بل إنني أمتلؤ رغبةً في النجاح، وترتسم أمامي أمالٌ عريضة في مستقبلٍ باهر...وما زلت متحديةً رغبة والدتي، عندما أحبت أن أكون زوجة في بيت من طرق الباب ذات يوم.
إنني ما زلت أذكر ذلك اليوم الذي وطأت أقدامي أعتاب الجامعة، كنت يومها أحمل في رأسي أفكاراً ومفاهيم تحتاج لجهدٍ كبير كي تتحقق. كنت يوم ذاك، على درجة من التصميم، يصعب معها أن تهن العزيمة، أو أن تسمح بأن يتلاشى أملي الكبير، في تحقيق الأهداف، التي عشت فترة من الزمن أُمني النفس بتحقيقها...
لا شك أن عدم تحقيق الأماني شيء يحطم النفوس، ويجعل الإنسان يعيش على ركام تلك الأماني التي تحلم بها فتاة التاسعة عشر. لقد زلزلني رفض والدتي متابعة الدراسة الجامعية عند ما ظهرت نتائج امتحانات الثانوية العامة، ولكنني تغلبت على رفضها...
وما زلت حتى اليوم أتساءل كيف حدث ذلك؟
لا أقول بأنني تغلبت على رأي والدتي. ولكن دعني أقول بأنني تخطيت عقبة جعلت من ظلام مشكلتي اشعاعاً ضعيفاً من نور يبدد بعضاً من بقايا الظلام
إذ إن والدتي صاحبة موقف لا يتبدل، ورأيٍ لا يقبل الجدل... فهل يكون من السهل علي أن أعيش حياة لا معنى لها ولا هدف أسعى لتحقيقه؟
Page 6
وهل أمضي بقية حياتي رهينة البيت، يقتلني الملل بانتظار العريس؟
لن يحدث هذا الأمر. فأنا أريد أن أحقق الأماني التي تحتشد في أفق خيالي، وأرسم حياتي بإرادتي. أريد أن أحصل على شهادة جامعية، بل أريد أن أدرس الطب، وان أقرأ الشعر، وربما تعلمت الموسيقى والرقص، اسوة ببنات جنسي... وأريد أن أسافر، وأريد أن أمارس حياتي كما أشاء، وأريد...
قائمة من الرغبات لا تعد ولا تحصى. ولكنني الآن أصر على أن لا أنفذ أوامر تجعل مني زوجة تدفن عمرها بين المطبخ وتربية الأطفال، وإن كان هذا الأمر لا بد منه، فليبدأ تنفيذه في وقت متأخر بعض الشيء.
أما قلت لوالدتي ذات مساء، عندما طلبت إلي مقابلة الضيوف، الذين حضروا لطلب يدي للزواج. أما قلت لها إنني لست مستعدة للزواج، فما زلت صغيرة يا أمي، فلا تتعجلي الآمر وأنا في هذه السن المبكرة.
أريد أن أكون أول طبيبة في العائلة فساعديني يا أمي. ولكنها أغمضت العين عما ترى وأصمت الأذن عما تسمع... وأصرت فكان لا بد من تجهيز نفسي لذلك الموقف الذي تتمناه كل فتاة وتترقب مقدمه بفارغ الصبر...
فقد جلست آنذك أمام المرآة، أُحدق بنفسي، أتصورها طبيبة كما أريد وأتمنى، ترتدي المريلة البيضاء، تحيط بعنقها السماعة الطبية، تخفف الآلام عن المرضى وتساهم في إنجازات إنسانية. وتارة أخرى، أراها عروساً ترتدي فستان الزفاف الأبيض ويطوق جيدها عقد جميل، يكون قيداً لها مدى الحياة... كما تريد أمي وترغب.
وبت أشعر بأنني أمام أمرين أحلاهما مر. تصميم أمي على تنفيذ رأيها، ورفضي فكرة الزواج وما يتبعه من مسؤوليات البيت من واجبات الزوج وتربية الأولاد والحياة الإجتماعية بما تحتوي عليه من عادات وتقاليد...
ولكن غضب أمي يسبب لي القلق والإضطراب ويشعرني بعدم الرضا. فلا شك أن غايتها سعادتي، وهذا شغلها الشاغل، فلا يجول في خاطرها سوى ما تحب لي من سعادة وهناء.
فهي تجود لأجلي بكل شيء عن طيب خاطر، وتضحي ولو كانت التضحية بأغلى الأثمان، إذ ليس للحياة عندها من قيمة إذا لم تكن وسائل العيش قائمة على العطاء والتضحية مثلها كغيرها من الأمهات...
لقد كرهت هذه المقارنة، ومللت هذه الأفكار، وأفزعني هذا التصور للحياة الزوجية... تعجبت من أمر والدتي في ذلك اليوم، فهل تريدني أن أباشر الامومة مبكراً بعض الشيء؟
أم تريدني حبيسة عش الزوجية في غير الأوان؟!
طلبت إليها أن تتريث قليلا، فلا زلت في سن لا تسمح لي بتحمل هذه المسؤليات ولا طاقة لي بالقيام بما يطلب إلي من واجبات في بيت جديد وفي ظل رجل غريب.
قالت: إن ذلك لا يحتاج لمدرسة، فالحياة...
قاطعتها قائلة: أعرف أن الحياة مدرسة، ولكن لا يكفي أن تكون مفاتن البنت، ونضوج أنوثتها، تأشيرة المرور لبيت العريس.
قالت: دعك من فلسفة الكتب.
Page 7
ثم انصرفت عني، وتركتني في دوامة غامضة من التفكير، في مستقبلي الذي تتوقف نتائجه على احتساء فنجان من القهوة، يقدم لرجل غريب يستغل خجل الفتاة وحياءها، عندما تجلس أمامه، فيحاصرها بجرأته، ويغريها بعبارات متعارف عليها بين الناس في مثل هذه المناسبة. هذا العريس، يعرف قبل كل شيء ما يريده من المرأة...
لأن المرأة عنده أنثى كغيرها من النساء... إلا أنه بكل تأكيد يبحث عن مواصفات ومقاييس معينة رسمها في خياله، قبل أن يطرق أبواب الناس. إنه بلا شك، يبحث عن وجه جميل، وصدر ناهض، وقوام متناسق، وزند عارية و...
فماذا أفعل مع كل هذا التصميم؟
هل يكون الإستسلام لرغبة هذه المرأة هو المصير الذي ألقي نفسي به طائعة دون اعتراض؟
فقد شعرت بأنني أفقد خيط الحنان الذي يربطني بها. أردت أن أضم الى صدري هذه المرأة التي نصفها يغضبني، ونصفها الآخر يحتوي كنز الحنان، الذي لا استطيع الاستغناء عنه...
أحببت أن ترسم قبلاتي وشماً جميلاً على جبينها، إلا أن اصرارها كان حائلاً دون ذلك. فكأن سعادتها لا تكون إلا حيث تبدأ تعاستي، فإن أردت أن أبكيها سبقتها عيني للبكاء، وإن أردت أن أغضبها، كان الحقد من نفسي على نفسي هو الجزاء.
وعندما ذهبت للنوم لم يفارقن احساس بالإحباط من تصرفات هذه الأم، ولم يرحل عني منظرها وهي تلقي إلي بكلماتها التي ما برحت تطرق مسامعي بعنفِ وغضب.
فقد وضعتني أمام موقف سبب لي الكثير من الألم، وجعلني أمضي كثيراً من الوقت، متأملةً قدري الذي ترسم معالمه حسب قناعتها ورؤيتها، ولا أملك الحق في إبداء الرأي أو حتى لا أملك الفرار من هذا المصير.
فأنا لا أستطيع اتهامها بالتخلي عن حنانها، ولا أحد يستطيع أن يوجه إليها شبهةً تجردها من عاطفة الأمومة. ولكن هذا التعجل في اتخاذ القرار، يولد في داخلي اصراراً على التحدي،
فلن يحدث هذا الأمر يا أمي أبداً، ولن يمر هذا القرار بالسهولة التي صورها لك خيال أم لا تنظر لمستقبل ابنتها في غير بيت الزوج. فمنذ هذه اللحظة حتى موعد حضور أولئك الغرباء. سوف يكون لي موقف يحفظ حقي الذي لن أتنازل عنه، وسوف اُحدد هدفاً يترتب عليه مستقبل حياتي.
كان ذلك كفرح يخبو خلف ستائر اليأس الذي يتسرب الى نفسي بلا هوادة. وأنا على يقين بأن جميع المنافذ أغلقت دوني، وأنني أسير في طريق مسدود. ومع هذا فلا بد من محاولة خلق الأمل من رحم العدم، وجمع شتات قوتي لمجابهة الواقع، لأخرج من دائرة هذا اليأس الذي بدأ يمتص الحياة من عمري... فلن أتيح لك يا والدتي فرصة التنبؤ بما سيحدث!
Page 8
ـ 2 ـ
كانت ساعات الليل قاسية موحشة، حرمتني النوم في تلك الليلة، فانتظرت الى أن تربعت الشمس فوق قبة السماء، بعد ليلة سكبت السماء أمطاراً غزيرة، حتى ظننت أنها قد أفرغت جميع ما تكتنزه السحب من ماء...
كان البرد يتسلل الى أطرافي، وكانت تجتاحني رغبة قوية لدحر أشياء تبدو أمامي غامضة مرعبة...وتتقاذفني أفكار تجعلني غريبة حتى عن نفسي.
فكأنما كنت أسير هائمة في شوارع مزدحمة لا أعرف فيها أحد، يشير الناس إلي بعلامات تعجب واستغراب، وتعلو ضحكاتهم في إذناي فترتجف جميع أطرافي خوفاً وهلعاً من طيف مجهولِ، قد يحل ضيفٌ ثقيل الظل في وقت غير مناسب...
بودي لو كان موعد مجيأهم شيئاً ملموساً لحطمته كي تنتهي اسطورة المواعيد التي تحبط النفوس...
وتمنيت لو كان بمقدوري شطب جميع هذه المواعيد من قاموس الوجود، كي لا يكون للإحباط مكان في صدور أولئك الذين لا يشعرون بالراحة.
فكم كانت رغبتي بأن لا يتحقق هذا الموعد...فلن أعشق المواعيد بعد اليوم، ولكن، ما حيلتي وليس لدي شيء أفعله سوى الترقب والإنتظار؟
وقبل موعد حضورهم بقليل، أطلت الوقوف أمام المرآة، فألقيت نظرة فاحصة على نفسي، لا شك أنني مغرمة بحب هذا القوام، فلا عجب في ذلك، فتلك طبيعةالمرأة، مهما كانت درجة جمالها.
وخُيل لي أنني أدقق النظر في هاتين العينين الزرقاوين الواسعتين، وهذا الأنف الدقيق، وهذا الوجه الجميل لأول مرة في حياتي. وكنت أسترق النظر لوالدتي التي كانت ترمقني بإعجاب وقد ضمنت موافقتي وتحقيق هدفها...
فقلت لنفسي لو تدرين يا أمي ما أنوي فعله لتحول هذا الإعجاب الى شيء يشبه الكره، ستغضبين قليلاً، أعرف ذلك وليس لدي أيما شك فيه...وسوف تعتبرين تصرفي هذا تحدياً لرغبتك،لا ريب في ذلك أيضاً.
أعرف أن هذه التصرفات لا تروق لك...ولكنني استميحك العذر يا أمي، فلا أريد أن أبدأ حياتي في سرير رجل ليس من حقي إبداء الرأي بشخصه. فكلما جئت سريره وجدت الكوابيس قد سبقتني إليه، فلا أحس بطعم العاطفة إلا بعد فوات الأوان...
لا أريد أن أفقد نفسي بقرار لا أملك الحق في صياغته.
فماذا تساوي الحياة الزوجية إذا احترقت عاطفة الإنسان؟
وماذا تعني اسطورة الحب، والقلب تحتشد من حوله شلالات من الحزن؟
إنه الندم. عندما تغور العاطفة في قعر بئر ٍعميقة لا سبيل للتشبث بأحبالها البالية. فلا فائدة من محاولة بناء جسور محبة واهية، تقام على أسس فقدت مقومات الصدق، فتلاشى الإحساس من الفؤاد وتجرد القلب من عاطفته ثم أصبح النبض عارياً كأشجار الخريف. لا فرق، فالحقيقة عارية أيضا ولكنها تخفى على أعين الناس فيمقتونها.
فلماذا إذاً تكل أقدامنا ونحن نلهث خلف السراب بحثاً عن الحقيقة أو محاولة اكتشاف ما تخفيه من أسرار؟
أريد اختصار الطريق، واختزال الزمن. ولا أريد أن أفرض على مستقبلي مهانة الضعف واستجداء المفلسين...
فكم كان بودي لو أن حرية الاختيار بيدي، فلن أعيش العمر بعد ذلك اليوم، أحلم برجل يعشش حبه في أفق خيالي، أعد له المكان كل ليلة وأفاجأ بغيره يتربع فوق السرير... فرغم لهفي عليه وشغفي لموعد لقائه، فلا أجد سوى الحزن بانتظاري، بينما ينام الفرح في سرير غيري... فليس لدي شيء أفعله حينئذٍ سوى إصدار بيان ينعى العدالة.
في ذلك المساء – لا أقول المساء الجميل – جاء الى البيت بعض النسوة يتقدمهن العريس نافخاً صدره مثل ديك الحبش، واحتلوا مقاعد الصدارة في البيت، فنظرت إليهم خلسة، فخيل إلي بأنهم زمرة من الأشرار ليس في تقاطيع وجوههم شيء من الرحمة، أو أنهم تماثيل هشة، نصبت فوق قواعد لاأساس لها تراقصها الريح، وتحيط بكل واحد منهم علامات استفهام غامضة مخيفة. فصُعقت ضيقاً وخوفاً.
Page 9
كنت أراقبهم وكأنما كنت أراقب شبحي بينهم، كشجرة ضلت مكانها في غابة عظيمة الأتساع. فلا أدري هل أحتفي بهذه المناسبة فأفرح، أم اُهيؤ نفسي لارتداء ثياب الحزن؟!
هذا هو الشيء الطبيعي، فكل فتاة تنتظر هذا اليوم، فتعد له العدة على أن يكون الوقت مناسباً. أما وأنا في هذه الحالة فإن الأمر مختلف، والوقت غير مناسب. فقد منحني هذا الخاطر ارتياحاً خفف عني توتر الأعصاب الذي ألم بي منذ أصرت والدتي على تنفيذ رأيها.
أم أنفض يدي من الموضوع برمته وأعتبر أن هذا الجمع، لحظة إهمال طرقت هامش حياتي، وسوف تنجلي دون أن تبقي في ذاكرتي شيئاً يجعلني أحن إليها في يوم من الأيام. ولكنني تذكرت غضبها وما تؤول إليه حالها، فندمت. فكيف أسمح لهذا الخاطر الشيطاني أن يلوث العلاقة بين البنت ووالدتها؟
لا أعرف كيف أضع لهم التصنيف الملائم؟
فليس من الضروري أن يكونوا أبرياء، لأن وجودهم هنا كفيل بأن يضعهم في قفص الإتهام، فهذا الحكم الذي صدر عني، غير قابل للنقض...
فلا بد أن تملك ناصيةالاختيار بنفسك، وعليك أن تحسم الأمر، وإلا سوف تمضي أكثر من نصف عمرك وأنت تعتذر عن ذنوب وجرائم ارتكبها الآخرون، حُسبت عليك،وأنت لا ذنب لك فيها، لأنك أنت الضحية، والضحية لا وزر عليها...
كنت أعتقد أن العريس المناسب لا يختلف عن العملة النادرة، فحيثما تبحث عنه تفقد أثره، إنه لا يختلف عن الأشياء النادرة. فإن لم يكن الزواج عن حب فهو هدية المصادفة. ولهذا قيل إن الزواج قسمة ونصيب... إن طموحي لا يستوعب وجودهم في البيت.
واحترت يومها كيف أتعامل معهم؟
وبأي أسلوب يدور الحديث بيننا؟
وكيف تنطبع صورتي في خيالهم؟
وبأي نتيجية تنتهي المقابلة؟
لا أنكر أنه لم يكن لدي الاستعداد للاختيار قبل مجيئهم، ولذلك فقد صرفت النظر عن اختيار الثوب المناسب، مع أن تصفيف شعري استغرق وقتاً طويلاً. فقد أحببت أن أبدو جميلة، لأن الجمال يمنح الفتاة قوة في شخصيتها. ولكن، سرعان ما تبدل الرأي. حيث في عجلة من الأمر، وضعت بعض المساحيق على وجهي، الذي بدى بكل تأكيد مضحكاً واخترت ثوباً لا يمت لمثل هذه المناسبة بصلة، تتشابك ألوانه في غير تناسق، فضفاض، بحاجة لفتاتين تندسان فيه.
فكان شكلي أشبه ما يكون بمهرج السيرك، بارع في مهنته، يبدو سخيفاً، مضحكاً في نظر الآخرين، رغم أنه ربما كان يكتنز في داخله هموماً وأحزاناً لا قيمة لها لدى المشاهدين، إلا أن وظيفته تملي عليه اسعادهم..
وذهبت الى المطبخ، أعد القهوة، فهي ميزان الحكم. ارتجفت أناملي وأنا أسكب السائل البني في الفناجين.
فهل أوزع الرغوة على الفناجين ليكون منظرها أجمل، أم أسكبها هكذا، كما يحلو، فيختلط الحابل بالنابل فلا تنال رضاهم. واستقر الرأي على جعل مظهر القهوة في النفاجين غير لائق، وهذا هو المطلوب.
ثم حملت الصينية بيد ما زالت مرتجفة، ونفس مضطربة، وقلب يكاد يقفز من مكانه خوفاً وهلعاً من نتيجة لا يُحمد عقباها. وتقدمت نحو صالة الجلوس، أُقدمها للضيوف، وكان علي أن أجلس قبالة العريس، فوق ذلك المقعد الذي أُعد لي كي أكون وجها لوجه للعريس وعلى مقربة منه، وغير بعيدة عن لجنة الاختيار من النسوة اللواتي حضرن معه
ومنذ أن جلست في مقعدي، شعرت أن وخز عيونهم، ينصب بقوة على صدري وخصري وساقي... نظراتهم تزداد حدة وقسوة، فتنشر الألم حيثما تسقط على جسدي فتغرقني بهالة من الإحباط...
ولعل تلك النظرات كانت تجردني من ثيابي، حتى أبدو عارية أمامهم، كي يشبعوا نهمهم...
Page 10
توقف الحديث بينهم حالما جلست وكأن المهمة لا يتم انجازها إلا بالصمت. لا لن أنتظر نتيجة صمتهم، ولن انتتظر سماع الكلمات الجافة تخرج من أفواهم بلا معنى، فتعلن نتيجةً لا أرضى عنها أو تظهر على وجوهم ملامح فشل مهمتهم، فتلك غاية ما أرجوه..
وأخذ العريس وكل من جاء معه، يرمقونني بنظرات فاحصة، وأنا متقوقعة على نفسي قبالبتهم، أتخذ من خجلي وارتباكي دثاراً يحمي ضعفي، فبدوت في نظري ضئيلةً جداً، صغيرةً على مقابلة العرسان، ولا أبدو في هذا المظهر الذي نتج عن مزيج من المساحيق، لونت بها وجهي بطريقة تدعو للسخرية، لا أبدو على مستوى تلك الدرجة من الجمال، الذي يتوق إليه فارس الأحلام.
فاحتقرت تلك التقاليد التي تدفع بالإنسان للتخلي عن كرامته، عندما يجعل من نفسه تمثالاً يشبع نهم الفضوليين. وأيقنت يومها أننا ما زلنا نعيش عصور الظلام، وأن أسواق الرقيق مازالت قائمة، ولافرق بيني في موقفي هذا وبين الجواري، يعرضن مفاتنهن على التجار في أسواق النخاسة...
ثارت انفعالات وجهي عندما أيقنت أن عيونهم لا ترحم خجلي، بل تمعن بانجاز المهمة التي حضروا من أجلها بعناية شديدة، ليدونوا في كشف الدرجات، مقياس النجاح من الفشل... وعادت علامات الإستفهام الغامضة، ترسم أمام عيني خطوطاً رمادية تحجب الرؤية...
راقبت العريس وهو يسترق النظر خلسة الى وجهي، وتنزلق عيناه نحو صدري، ويتوقف بصره عند قمة نهدي، ثم ينتقل الى ساقي، يمتص اللذة من تجوال عينيه إثناء رحلة في منطقة محرمة كُتب عليها بجميع لغات العالم ممنوع التجسس... لكنه عريس ويحق له في هذا الموقف ما لا يحق لغيره، كي يسعد فتلاقي نشوة روحه القبول أو تصطدم بالرفض.
إذ ليس من حق أحد أن يحاسبه على النتائج في هذه المناسبة، فهو صاحب القرار... فاحمر جبينه ونصع بياض عينيه عندما كشفت أمره... اغتصب ابتسامة تعبر عن تلك الرغبة التي دفعته للحضور الى هذا البيت.
فشعرت أنه يتلذذ بشيئ ليس من حقه التمتع به، فأنا
لا أؤمن بهذا الحق العفوي، ولا أعترف بهذا الواقع الملموس الذي جمعنا في موعد غير مناسب. فكان أن رحمني الله،
ولطف بحالي، وصرف أولئك الغرباء، بعد أن شربوا قهوة "عدم الرضا".
وانصرفوا دون أن يحققوا رغبةً في نفوسهم..، تلك الرغبة التي تفرح والدتي، وتشعرها بأنها قدمت إليهم، زهرةً سهرت الليالي، ترعاها وتعدها لمثل هذا اللقاء. وفي النهاية خاب أملها.
لم تستغرق زيارتهم وقتاً كبيراً، فقد كان الجو مملاً والحديث تافهاً ثقيل الظل... تساءلت وأنا أجلس بينهم، أيكون الشباب في معظمهم مثل هذا الشاب، يظنون أن الفتاة التي يسعون لخطبنها لا تعدو كونها تحفة جميلة سوف تزين أحد أركان منازلهم؟
حتى وإن كان هذا هو الصواب، فإن الأشياء التي نبذل مالاُ وجهداً في سبيل الحصول عليها، لا يقدر ثمنها إلا عندما تكون الراحة النفسية هي أحد أسباب وجودها في البيت.
فهل يظن الشباب أن الفتاة ليس لها عين تبصر؟
فتعلن الرفض او القبول. أو ليس لها رأي تعلنه صريحاً مهما كانت النتائج...
أم إن القبول والرفض يكونان داَئما بيد الرجل؟
لا فرق في ذلك بين هذا الأمر والعصمة التي تكون دائماً ملكاً للرجل.
أثلج صدري رحيلهم، فقد يتبدل هذا الجو البليد، وأتحرر من هذه القشعريرة التي تسري في جسدي، ويتلاشى شعور الحقد الذي أحمله في داخلي لهذا العريس، الذي لا شك أنه يبحث عن وجه جديد يضيفه لقائمة الاختيار التي يحرص على زيادة عدد الفتيات فيها...
أعرف أنني لم أدخل ضمن ضحاياه، ولكنه أشعل في داخلي صراعاً بين قيمة النجاح وفضيحة الفشل... كم أود لو استطعت أن أصفعه أو اقذف به خارج البيت، كي يفهم أن لبيوت الناس حرمة فلا يحق له التعدي عليها.
إلا أن الصبر الذي كبر في صدري فجأة، قد دفعني لاحتمال وقاحته، والتغاضي عن نظراته... فحاولت جهدي أن أصبر، وأن أتحدى نفسي من أجل والدتي، التي أصابها من ألإحباط ما إن وزعته على فصيل سلبته الأفراح.