Page 1
مقدمة
التفاصيل السعودية مثيرة· تارة تأتي مصحوبة بصفة الخصوصية، وأحياناً تفرض نفسها بغرابة الشكل· لا أريد أن أكتب طلاسمَ للتعريف بهذا المجتمع فهذا ما لا أستطيعه والاعتراف بالحق فضيلة، ولكن الكثير من جوانبه تحفز على المتابعة وتثير الفضول وربما الأسئلة·
هنا الكثير من القصص الصحافية عن أحداث يرويها أبطالها كما عاشوها، أو تحقيقاً يأخذ ملمحاً عن قضية ما، ولكنها تجتمع رغم تباعد العناوين في سعودية البطل، أو المسرح، أو الحدث، سواء كانت اللقطة الصحافية توثيقاً لما جرى في مكان وزمان محددين، أو قراءة لظاهرة تتكرر باستمرار·
هناك ما يغري بالتسكع في أزقة العقل السعودي حيث الضجيج هو العنوان الأبرز لتفاعلات هذا المجتمع مع نفسه أو محيطه أو العالم، وتتلون هذه التفاصيل بين محطات الإرهاب، أو شغب المثقفين مع القضايا التي تتقاطع مع رؤى مضادة، وليس انتهاء بالتفاصيل المجتمعية الدقيقة التي تسمح بالتوغل في زوايا معتمة·
في هذا الكتاب نكتشف أجواء زيارة أسامة بن لادن لمعسكر الفاروق قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأسبوعين والتي أطلق فيها بشارته لأعضاء تنظيم القاعدة في شهادة نادرة يقدمها عضو سعودي سابق في ذات التنظيم، كما نراقب معركة الأسئلة والاجابات حول التطرف الذي تتدحرج كرته في أكثر من اتجاه، ودون أن نغفل مشاعر المراهق الذي يجد هوايته في الرقص على العجلات·
المسرح الزمني لهذه الأحداث جاء في الفترة مابين سنة 2000 م، إلى 2008 م، وهي فترة لا يمكنها إدعاء الهدوء أو الرتابة، إذا نظرنا إلى حجم الأحداث والقضايا التي تشكلت بدءاً من تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، واحتلال أفغانستان وليس انتهاء باحتلال العراق وما أعقب ذلك من ارتداد لموجات الإرهاب في الداخل السعودي، فضلاً عن عناوين سعودية خالصة كانت وقوداً لسجالات كثيرة·
لا يوجد هنا خيال روائي في سرد الوقائع، إذ القصة يرويها أصحابها كما عايشوها لحظة الحدث، كما لا يوجد أي تدخل في رأي أو تفسير، حيث يتحدث المتخصصون بوضوح تجاه ما يرون من قضايا· هنا تعلن القصة عن نفسها بعيداً عن حواشي الشرح والتعليق·
وختاماً لا يفوتني أن أشكر صحيفة الحياة اللندنية بصفتها مسرح الكتابة على الدعم الذي لا يحده سقف سوى شروط الالتزام المهني التي تطبقها بصرامة العسكر، حيث تعلمت في مدرستها قواعد العمل الصحافي الجاد، فلها امتناني وتقديري·
محمد الطريري
Page 2
إرهاب
بشارة أسامة بن لادن
لم يتوقع العضو السابق في تنظيم القاعدة محمد التميمي أن يكون شاهد عيان على كواليس العملية التي حركت العالم، وشكلت علامة فارقة في شكل علاقة الغرب بالعالم الإسلامي، وهو من تحدث عن البشارة التي بشّرهم بها أسامة بن لادن في معسكر الفاروق، قبل أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) بأسبوعين، وعن الرقم الذي كان يتوقعه ابن لادن لضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر قبل وقوعها، إضافة إلى ما قاله أبو حفص المصري للمجاهدين العرب بعد العملية بثلاثة أيام، وليس انتهاء بعلاقته السابقة بأبي مصعب الزرقاوي، وكيف أنه كاد يقتله في إحدى المرات·
بدأت علاقة محمد التميمي بـالقاعدة من خلال البرامج الحوارية على الإنترنت، التي كان يشرف عليها كل من يوسف العييري (قتل في مواجهة مع قوات الأمن السعودية في 1 حزيران/ يونيو 2003)، وعلي الفقعسي (سلّم نفسه للأجهزة الأمنية السعودية في 26 حزيران 2003)، ويروجان فيها لفكر القاعدة في شكل غير مباشر، من خلال تسليط الضوء على مسائل الجهاد، واستهداف الأمة الإسلامية من قبل أعدائها
ويروي التميمي قصة رحلته إلى أفغانستان، التي بدأت من مدينة كراتشي التي وصلها من طريق أبو ظبي، ويضيف: عندما وصلت الى الفندق في كراتشي، اتصلت بشخص تولى تسهيل إجراءات دخولي إلى أفغانستان، وتوجهت بالطائرة إلى كويتا الحدودية، يرافقني شخص آخر، وكنت أحمل ورقة من كراتشي كُتب عليها أرجو إيصال الأخوين إلى المدرسة، لتسليمها إلى شخص آخر سيكون في استقبالنا في كويتا·
وعند وصولنا تعرّف الشخص الذي استقبلنا إلينا من خلال الورقة، وبدأت الرحلة البرية إلى قندهار، من طريق المنفذ الحدودي الذي كان عبارة عن حبل يمثل الحد الفاصل بين أفغانستان وباكستان، ولا تتم فيه الإجراءات المعتادة في المنافذ الحدودية بين الدول
وبعد دخوله إلى أفغانستان، توجّه التميمي إلى مضافة مخصصة للشباب الواصلين حديثاً الى قندهار· وكان أول شيء يفعله التميمي هو السؤال عن أسامة بن لادن، فأخبروه أنه تناول وجبة الغداء معهم وغادر·
Page 3
ويضيف التميمي: لفت انتباهنا أثناء أداء الصلاة في المضافة، قول الإمام في دعاء القنوت اللهم أعْم أبصار الكفار عن إخواننا الذين خرجوا للعمليات الاستشهادية، وكان خبر عملية 11/9 منتشراً هناك قبل تنفيذها بوقت طويل، ولكن لا أحد كان يعرف أين، ومتى، وكيف، بل كان الظن أنها ستكون بحجم تفجير المدمرة الأميركية كول، أو تفجير السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام، وكانت التخمينات تنطلق في كل الاتجاهات، من دون أن تقترب من الداخل الأميركي
بعد ذلك غادر التميمي إلى معسكر الفاروق، وهو معسكر القاعدة الأوحد، الذي يشرف عليه عبدالقدوس العراقي، وكان أبرز ما يلفت فيه، لوحة بارزة تحذّر من الجدل الفكري والتبديع والتكفير، والدخول في نقاشات حول مذاهب أو جماعات إسلامية أو أفراد، وتؤكد في الوقت نفسه ضرورة التفرغ للإعداد العسكري
مكث التميمي في معسكر الفاروق قرابة شهر، قابل في أثنائها أسامة بن لادن، الذي جاء في زيارة إلى المعسكر، يرافقه أيمن الظواهري، وأبو حفص المصري (محمد عاكف)، وكانت الحراسات مشددة على ابن لادن في كل تنقلاته، ولم يكن يسمح لأفراد المعسكر بإلقاء السلام عليه إلا بصعوبة، وعندما كان المتحمسون للحديث مع ابن لادن يشكون للحراس عدم إعطائهم فرصتهم الكافية في الحديث معه، يجيبهم الحراس لو أصيب بأي مكروه، فلن يلام غيرنا
وفي تلك الزيارة الخاطفة لأفراد المعسكر، تحدث أيمن الظواهري عن فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله، مشيراً إلى أهمية استهداف الولايات المتحدة باعتبارها رأس الكفر، ثم تحدث بعده ابن لادن عن العملية الاستشهادية (وهي العبارة التي كان يشار بها إلى عملية 11/9 قبل وقوعها)، إذ قال: أما ما يتعلق بإخوانكم الذين خرجوا للعملية الاستشهادية، فهم خرجوا يحملون أرواحهم على أكفهم، يبتغون الموت في مظانه، نسأل الله أن يعمي أبصار الكفار عنهم، وأبشركم بأنكم خلال الأيام القريبة المقبلة ستسمعون أخباراً تسركم
وقبل اليوم الذي زار فيه ابن لادن المعسكر بيومين، أصيب التميمي بالحمى، ويطلقون عليها حمى أفغانستان، وتسبب آلاماً في البطن، وارتفاعاً في درجة الحرارة، بسبب اختلاف المناخ ونوعية الأكل والشرب، ويقول التميمي: بسببها تطلب الأمر نقلي إلى قندهار للعلاج، ولكنني رفضت، كي لا أتأخر عن دروس المعسكر، لأن التعليمات تقضي بأن من يتخلف عن أحد الدروس ينتظر أسبوعاً كاملاً، لكي يدخل مع مجموعة أخرى، غير أن أمير المعسكر وعدني بإدخالي مع مجموعتي في حال ذهبت إلى قندهار وعدت بعد يوم واحد·
Page 4
ويضيف: عندها ذهبت إلى قندهار للعلاج، وفوجئت أثناء وجودي في المضافة العامة، بقدوم سيارة من المعسكر فيها ما لا يقل عن 45 شخصاً من المتدربين، وسألناهم: لماذا أتيتم وتركتم المعسكر؟ قالوا لنا: بناء على أوامر أسامة بن لادن تم إيقاف جميع التدريبات، وأغلق المعسكر، معللين ذلك باقتراب موعد العملية الاستشهادية، وتقضي أوامر ابن لادن بأن ينتشر أفراد المعسكر في الجبال، ويتوزعوا على قندهار وكابل، كي لا يكونوا هدفاً سهلاً في حال توجيه أية ضربة عسكرية، وكان ذلك قبل تنفيذ العملية بأسبوعين
ويتابع: خلال هذين الأسبوعين (بعد صدور الأوامر بإغلاق معسكر الفاروق، وقبل تنفيذ العملية)، نصحني بعض الشباب في قندهار بالتوجه إلى كابل، لوجود معسكرات صغيرة، لكي أستفيد من الوقت الذي أصبح شاغراً بعد إغلاق معسكر الفاروق ويضيف: سافرت من قندهار إلى كابل، بواسطة طائرة بريطانية (قيل وقتها إنها مسروقة بعد عملية اختطاف)، تستخدمها طالبان في الرحلات الداخلية، ورافقنا على متن الطائرة وزراء طالبانيون، وبعد وصولنا إلى كابل قال لنا مستقبلونا: هل تريدون مضافة حمزة الغامدي (أحد المطلوبين في قائمة الـ 36 التي أعلنتها وزارة الداخلية السعودية) وهي المضافة الرسمية للقاعدة، أو مضافة حمزة القعيطي (أحد الهاربين من نفق سجن الاستخبارات في اليمن في شباط/ فبراير 2006)، واخترت مضافة الغامدي التي مكثت فيها يومين، تعرفت أثناءها الى زملاء سابقين من السعودية، ثم غيرت مكان إقامتي إلى مضافة زيد الخير السبيعي (قتل في معارك شاهي كوت) التي بقيت فيها قرابة شهر، وتقع في لوجر التي تبعد نحو أربعين دقيقة بالسيارة عن كابل
ويمضي التميمي قائلاً: في الوقت الذي كان مكان إقامتي الرئيس مضافة زيد الخير السبيعي، كنت أتردد الى مضافة حمزة القعيطي وأنام فيها بعض الأحيان، لوجودها داخل كابل، ولسهولة الانتقال منها إلى غيرها، وفي تلك الأثناء فوجئنا باغتيال أحمد شاه مسعود، الذي كان يقف خلف اغتياله أسامة بن لادن، وعلى إثر ذلك تم تشديد الإجراءات الأمنية داخل كابل، التي تعج بالأوزبك الذين يتحدر منهم أحمد شاه مسعود
وعند اقتراب ساعة الصفر، وقبل تنفيذ العملية الاستشهادية، يقول التميمي: وفي عصر يوم 11/9 كنت أتجول في السوق، وفاجأني أحد الأفغان المعممين بعمامة طالبان الشهيرة، وجذبني إليه بعنف وهو يصرخ عرب زندباد، ابن لادن زندباد، مجاهدين زندباد، وكنت مذهولاً من تصرفه، فأنا أعرف ترجمة كلامه، الذي يعني أن العرب وابن لادن والمجاهدين جيدون وأبطال، لكن لم أفهم الدافع المفاجئ لتصرفه·
Page 5
وبمجرد وصولي للمضافة وجدت الشباب منقسمين إلى مجموعات، وكل مجموعة تمسك بمذياع وتنصت باهتمام، وقالوا لي: ضربت أميركا· وفهمت أنها العملية الاستشهادية التي وعدنا بها ابن لادن، واستوعبت حينها ما حدث معي في السوق·
وبينما كنت أستمع معهم الى المذياع، دوّى صوت المذيع في إذاعة صوت أميركا قائلاً: وهذه طائرة أخرى تصطدم بالمبنى الآخر، وبلغت الفرحة بالبعض أن خرجوا إلى الشارع وأطلقوا أعيرة نارية في الهواء، ولم ننتظر كثيراً حتى جاءنا الخبر الآخر وطائرة ثالثة تتعرض لمبنى البنتاغون، عندها شككنا في عدد الطائرات المهاجمة، إذ لم نتوقع أن تكون العملية التي وعد بها ابن لادن، تستهدف ثلاثة مبانٍ مركزية داخل الولايات المتحدة·
ومن دون أن نفكر أيضاً جاءنا الخبر الرابع إسقاط طائرة رابعة قبل وصولها إلى البيت الأبيض، هنا أحسسنا بخطورة الوضع، إذ إن نتائج عملية بضخامة 11/9، تتجاوز مجرد زورق يصطدم بالمدمرة الأميركية كول، أو سيارة بجوار السفارة الأميركية في نيروبي أو دار السلام·
وبعد العملية بثلاثة أيام، جاء إعلان من أبي حفص المصري من لن يتمكّن من تحمل المرحلة المقبلة فليذهب إلى بلده، في إشارة منه إلى توقع قيادات القاعدة لشراسة المرحلة التالية لتنفيذ العملية، وفي فترة بقاء التميمي في كابل، حصل على عدد من الدورات، في المدفعية، ومضادات الطيران، وأساسيات التكتيك·
ويضيف التميمي: مكثت في كابل بعد عملية 11/9 عشرين يوماً، تعرضت فيها المدينة لقصف مختلف، وتوجهت بعدها إلى تورا بورا، وعسكرت هناك عشرين يوماً أخرى مع أمير تورا بورا أبي يوسف القناص (وهو كويتي من كبار حراس ابن لادن)، والتقيت هناك بأبي الخير المصري، الذي كان أحد أعضاء مجلس شورى المجاهدين الذي كان يضع الخطط لعملية 11/9، وقال لنا كان ابن لادن يقول: بإذن الله سيتجاوز عدد الضحايا ثلاثة آلاف، مشيراً إلى أن العملية تطلبت درساً وتخطيطاً استغرق سنتين·
بعد عشرين يوماً في تورا بورا التي كانت محصنة جداً، نظراً إلى وعورتها، إذ لم نكن نتنقل فيها إلا على الأقدام، أو الحمير التي كانت مخصصة غالباً لحمل الأمتعة، أبديت رغبتي في العودة إلى كابل لإحضار جواز سفري وشراء بعض الحاجيات، وقوبل طلبي بالرفض لأسباب مختلفة، غير أن إصراري على الذهاب كان قوياً، وفعلاً خرجت من تورا بورا إلى كابل في مهمة لثلاثة أيام، أنجز خلالها أعمالي، على أن أعود بعدها إلى تورا بورا·
Page 6
وبعد وصولي إلى كابل بيوم واحد فقط سقطت كابل وجلال أباد بالتزامن، حتى أننا كدنا نذهب إلى جلال أباد للالتحاق بتورا بورا، لكن مقاتلي طالبان على حدود كابل منعونا، وأمرونا بالتوجه إلى قندهار بناء على أوامر الملا محمد عمر، وكانت نتيجة سقوط جلال أباد، أن جميع من كانوا معي في المعسكر هناك تم ترحيلهم إلى غوانتانامو، ونجوت بفضل الله تعالى، بعدها توجهت إلى قندهار بدلاً من تورا بورا، وبمجرد وصولي إلى قندهار أعلن مقتل أبي حفص المصري، الأمر الذي سبب لنا صدمة كبيرة، إذ كان الشخص المرشح لخلافة ابن لادن، وفي أثناء وجودنا في قندهار أيضاً سقطت هيٍرات ومزار شريف، وخوست·
ويشير التميمي إلى بداية التفكير في الخروج من أفغانستان في تلك الأثناء، غير أن خوف المجاهدين من الوقوع في مشكلة التولي من الزحف، التي تعد من السبع الموبقات، كما جاء في الحديث الشريف، جعلتهم يترددون، وكان الملا عمر في ذلك الوقت يدعو العرب للخروج حفاظاً على سلامتهم، لأن سحنة العربي معروفة، بينما أعضاء طالبان لا يكلفهم الأمر سوى نزع العمامة، والسير مع عامة الشعب
ويضيف التميمي: في أثناء إقامتي في قندهار قابلت أبا مصعب الزرقاوي، الذي كان يتمتع بشخصية قوية، وكان فصيحاً عندما يتحدث، وفي إحدى الليالي، وأثناء حراسة دورية، رأيت شخصاً قادماً وأمرته بالتوقف بواسطة عبارة محلية درَش، مراعاة للسكان المحليين، لكنه لم يتوقف، وفي اللحظة التي صوبت فيها سلاحي إليه، رفع يديه وقال صاحبك، صاحبك، أنا الزرقاوي، وكررها أكثر من مرة، ولو لم يقلها لكنت قتلته، واكتشفت أنه أبو مصعب الزرقاوي·
ويذكر التميمي ما قامت به وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الطالبانية، عندما جلدت أحد الوزراء الطالبانيين لتأخر ضيوفه عن الصلاة مع الجماعة، ورفض الوزير أن يُجلد ضيوفه، وتم جلده بدلاً منهم·
وعن الخروج من أفغانستان، يقول التميمي: في يوم 18 رمضان أعلن تنظيم القاعدة من خلال نظام المخابرة، أن من أراد الخروج فليتوجه إلى بيت الضحاك في قندهار، وكان معنا في بيت الضحاك الذي اجتمعنا فيه، عبيدة الزرقاوي (عبدالهادي دغلس، قتل في العراق، ورثاه الزرقاوي برسالة صوتية)، وأبو حفص العرب (من قيادات جماعة الجهاد المصرية)، وعدد من السعوديين والكويتيين واليمنيين·
Page 7
كان عددنا حين خرجنا إلى كويتا من قندهار 55 مجاهداً، واشتهرت تلك المسيرة باسم مسيرة الـ 55 وقادها عبدالقادر الجزائري (أحد الكوادر التي كانت مع خطّاب في الشيشان، وأحد المشاركين في القتال ضد الحكومة الجزائرية في التسعينات)، وضمت عامر الشهري (اكتشفت قوات الأمن السعودية جثته مدفونة خارج مدينة الرياض، في 3 شباط/ فبراير 2004)، وفيصل الدخيل (قتل في مواجهة مع قوات الأمن السعودية في 18 حزيران 2004)
ويضيف: أثناء خروجنا من قندهار استأجرنا دليلاً أفغانياً ليرشدنا إلى الطرق الصحيحة، وفي طريقنا انضم إلينا اثنان من الأفغان تطوعاً، وحذرانا من الدليل الذي استأجرناه فاستغنينا عنه، واكتشفنا في ما بعد أن الدليل كان ينوي بيعنا، وأن مقاتلي طالبان قتلوه بتهمة الخيانة، وبعد خروجنا من أفغانستان اعترض طريقنا ضابط باكستاني برتبة نقيب، ورفض إخلاء سبيلنا حتى ندفع 100 دولار عن كل شخص، والطريف أنه تبرع من المبلغ الرشوة الذي أخذه منا، بـ500 دولار، وقال: هذه للمجاهدين!
وبعد وصولنا إلى كويتا اتفقنا مع أحد المهربين على إيصالنا إلى الحدود الإيرانية، وأخذ على كل فرد ألف دولار، وانتقلنا من هناك إلى زاهي دان الإيرانية، ثم إلى طهران، حيث قبضت علينا الاستخبارات الإيرانية، وسهّلت خروجنا، ووضعت على جواز كل شخص منا إقامة لستة أشهر في إيران، وبعدها عدت إلى السعودية عن طريق مطار الدوحة·
Page 8
معركة الأسئلة والإجابات
لم يكن التعامل الأمني مع التطرف الفكري الذي قاد تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر)، وشكّل الخلفية الذهنية للتفجيرات المختلفة داخل السعودية، وحتى في دول أخرى كالمملكة المتحدة واسبانيا والمغرب ومصر والأردن كافياً لإيقاف الجنوح نحو العنف، بل كانت توازيه مقاومة فكرية لوأد التطرف وهو في مجال النظرية قبل أن ينتقل إلى واقع التطبيق·
وهنا تضخ وسائل الإعلام المختلفة سيلاً عارماً من الأطروحات التي شارك فيها علماء الشريعة والباحثون الاجتماعيون والخبراء في علم الجريمة مناقشين ظاهرة التطرف الفكري من زوايا مختلفة، ومتفقين على نبذها وإن اختلفوا في الأسباب التي تختلف معها طريقة العلاج·
وفي الوقت الذي تهاوى فيه برجا مركز التجارة العالمي، تفجرت البراكين التي تلقي حمم الأسئلة، المستفسرة عن دوافع الفكر الذي يحول الأجساد البشرية إلى قنابل متفجرة، وظلت المتواليات من الأسئلة تطرح معها كيف، ولماذا، وإلى أين، والتي تحولت معها فضاءات النقاش الإعلامية إلى ساحات من الجدل الساخن، الذي يحاول تفكيك بنية الفكر المتطرف، وقد يصل به الأمر إلى توجيه أصابع الاتهام إلى هذا التيار أو تلك الجهة·
وإذا كانت المقاومة الأمنية للأعمال الإرهابية واجهت صعوبات كثيرة وتغلبت عليها بالاستمرار في محاربة الإرهاب، فقد اصطدمت المقاومة الفكرية بعراقيل كثيرة، إذ يشير أستاذ العقيدة والأديان في جامعة الملك فيصل الدكتور طارق الحواس، إلى صعوبة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، إذ تغذي الأحداث الدامية في كل من الأراضي الفلسطينية، والعراق، إضافة إلى أفغانستان، نزعة الانتقام الذي يرتد من خلال الفكر المتطرف إلى صدور المسلمين أنفسهم·
ويشير الحواس في هذا الصدد إلى أن المقاومة الفكرية ما زالت متواضعة، لافتاً في الوقت نفسه إلى عدم امتلاك رجال الدين والفكر المساحة الكافية لحرية النقاش، والتي لا تكون مقبولة من بعض الجهات، مؤكداً أن العلاج الفكري، ليس مشروع مرحلة، بل خطاب متكامل مستمر·
ويضيف هناك إشكالات تعتري خطاب المتصدرين للمقاومة الفكرية، وذلك عندما يتم الضرب على وتر آثار الفكر المتطرف، من دون النظر إلى بواعثه، إذ من المؤكد أن من يقوم بعمل تفجيري، يدرك الآثار المترتبة على فعله، وهنا لا بد من استئصال الباعث الذهني للعمل الإرهابي· كما أن تنفير المستهدفين بالتوجيه، من خلال إعطاء وصف سابق لمناقشتهم، وذلك باستخدام عبارات تصفهم بالخوارج والمجرمين، يعود بنتيجة سلبية، مع ضرورة الانتباه الى وجود منابع تغذية للتطرف تستمر في الضخ والتجنيد
وفي دراسة بعنوان نحو استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الإرهاب، اتهم الباحث الدكتور يوسف العثيمين، الخطاب الدعوي المتشدد، الذي وصفه بـ التعبوية، والأحادية، وكره المخالف، بإيجاد بيئة مواتية للإرهاب بأنواعه الفكرية والحركية، معتبراً أن العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية، كاليأس والفقر والديموقراطية مجرد محفزات ليس إلا وليست أسباباً جوهرية للإرهاب·
وهنا يبدو المحاضر في كلية الشريعة الشيخ سامي الماجد، مختلفاً مع العثيمين، بتأكيده أن موقف المؤسسة الدينية كان واضحاً وصريحاً في نبذ فكرة التطرف، من خلال خطابها العام، أو من خلال البيانات المتعددة التي لم تمنح أفكار العنف أي فرصة لاكتساب الغطاء الشرعي·
ويضيف الماجد: في داخل المؤسسة الدينية، هناك مدرسة تنزع نحو التشدد، والأخذ بمبدأ الاحتياط، عند التعامل مع القضايا الفقهية، وهناك مدرسة أخرى تنزع نحو التيسير ومراعاة الأحوال، ولا تختلف المدرستان في التعامل مع قضية الإرهاب، إذ أن التشدد الموجود في بعض الآراء الفقهية لا يؤدي الى القتل، ولا يصل الى الغلو، ومنفصل تماماً عن الإرهاب الذي يأتي امتداداً لجماعات التكفير، التي تذهب إلى تكفير الأشخاص
Page 9
فضول الجماهير
يتصف المجتمع السعودي بحب الاستطلاع، وليس هذا إلا تعبيراً يغلف بحياء خاصية الفضول لديه، وهو يبدأ من مجرد حادثة سير بسيطة في أحد الشوارع، إلى أن يتوج بمتابعة حية وعلى الهواء مباشرة لإحدى العمليات الأمنية لقضايا الإرهاب·
وهذا الاهتمام ليس جديداً، إذ أن تاريخ المجتمع القريب يشهد لهذا الولع بحب الاستطلاع، فأحداث حرب الخليج الثانية كانت محطة من محطات الفضول، ونداءات الدفاع المدني التحذيرية بقدوم ضيف جديد من صواريخ العراق العتيقة، تواجه باتباع وسائل السلامة، ولكن على الطريقة الخاصة، فبدل التخفي في الأقبية والمخابئ، يكون اعتلاء أسطح البنايات لمشاهدة الصاروخ والصاروخ المضاد، ومن ثم تبدأ في المجالس رواية أسطورية لهذه العملية بكامل تفاصيلها، وربما زيد على التفاصيل ما ليس منها·
والخطر الناجم عن حضور المواجهات الأمنية مع الإرهابيين، لا يساوي متعة الرؤية للحدث حياً على الهواء، ورصاصة عمياء قد تقضي على مستقبل واعد، وعلى رغم التحذير الصادر من الجهات الأمنية بخطورة التجمهر في أماكن المواجهات، إلا أن الطبع يغلب التطبع، ويكون الإصرار على الحضور هو العنوان البارز، فطلقات الرصاص تملأ السماء والعديد من المواطنين يعتلون أسطح المنازل لرؤية الحدث، وليس مهماً أن يحدث لقاء بين إحدى الرصاصات وأحد المواطنين·
وكان سقوط أحد المواطنين من سطح أحد المباني أثناء محاولته متابعة احدى المواجهات ثمرة للفضول، فبعد أن انهال الرصاص في أنحاء مختلفة، حاول الشاب الهرب من سطح المبنى، فوقع من أعلى السطح، ونتج من سقوطه كسور وجروح مختلفة، نقل على إثرها للمستشفى، وتدخلت عناية الله تعالى ليخرج من المستشفى بعد إجراء الفحوصات الطبية اللازمة، ويقتصر الضرر على الكسور والجروح، ولم تخطفه رصاصة طائشة·
هذا الهوس بحب الاستطلاع، لا يتوقف ضرره على الفضولي وحده، إذ يتعداه إلى تعطيل أهل الاختصاص عن مباشرة أعمالهم، فشكوى الدفاع المدني مستمرة من المتجمهرين أثناء مواجهتهم أحد الحرائق، وهكذا الهلال الأحمر عند محاولته الإسعاف في حادثة مرورية، ويزداد الأمر سوءاً عندما تفاجأ وأنت تسير على أحد الطرق السريعة بوجود اختناق مروري، وكأنك أمام نقطة للتفتيش، لتكتشف أنه كان وقوفاً لرؤية حادثة على الضفة الأخرى·
Page 10
السويدي والفلوجة
فوجئ عبدالله بوصول رسالة على هاتفه النقال، تفيد بتغيير اسم حي السويدي إلى حي الفلوجة· تبدو الطرفة واضحة في مغزى الرسالة، إذ لا يكاد يمر حدث على المجتمع من دون المرور على جمارك التندر والتعليق· الرسالة المذكورة تزامنت مع المواجهات الأمنية مع الجماعات الإرهابية، وكذلك مع أحداث الفلوجة في العراق، وكان حي السويدي في جنوب الرياض أكبر مسارح المواجهات مع الإرهابيين·
بعد ذلك، توالت المواجهات الأمنية مع الإرهابيين في الكثير من الأحياء، وربما فاق بعضها حي السويدي في عدد المواجهات، إلا أنه انطبع في ذهن المتابع ارتباط السويدي بالإرهاب لدرجة التشبيه بالفلوجة، فما مدى دقة الوصف؟ وهل يدعم الواقع هذا الافتراض؟
ينفي رئيس مركز الإشراف التربوي في حي السويدي (المركز يشرف على جميع مدارس التعليم العام للذكور في الحي)، الدكتور عبدالله بن ناجي آل مبارك، أي دور للتعليم في وجود تشدد ديني، مؤكداً دوره الإيجابي في تعليم الطلاب القيم التربوية والاتجاهات السليمة·
وأضاف آل مبارك: مدارسنا تؤدي رسالتها وفق المنهج الذي قامت عليه هذه الدولة، وانطلاقاً من سياسية التعليم في المملكة التي تعمل على إعداد المواطن الصالح في جميع مراحله العمرية
وعما إذا كان للمعلمين دور في نشر أفكار تحرض على العنف، رفض الدكتور آل مبارك وجود علاقة تؤيد هذه الفكرة، مضيفاً: أمضيت عدد من السنوات في مركز الإشراف التربوي في الحي، والمعلمون يؤدون أدوارهم التربوية في ما يخدم الرسالة التعليمية، وفي ما يخص الطلاب لم نبلغ بوجود حالات لديها جنوح نحو أفكار العنف
وأشار إلى وجود برامج تربوية وقائية ينفذها مركز الإشراف لمدارس السويدي كافة، واستطرد وضع المركز في خطته السنوية برامج مختلفة، كالمحاضرات والندوات والمسابقات الثقافية، إضافة إلى المعارض الوطنية التي تبين أثر التفجيرات الإرهابية في استهداف أمن الوطن
واعتبر إمام وخطيب جامع شيخ الإسلام ابن تيمية في حي السويدي (يشتهر الجامع بإقامة الدروس العلمية) الشيخ فهد الغراب، أن ربط حي السويدي بمصطلح الإرهاب أساء إلى الحي وساكنيه، غير أنه ذكر بعض الأسباب التي ساعدت على ذلك، من أهمها تلبس جماعات العنف بالدين، ولأن حي السويدي من الأحياء التي تكثر فيها مظاهر التدين، لذا أطلق هذا الوصف على الحي· وعدد الغراب أبرز مظاهر التدين في الحي، توافر العلماء منذ وقت الإمام عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وقرب دروسه من حي السويدي وتكاثر طلاب العلم عنده، وكذلك الشيخ عبدالله بن جبرين ودروسه الكثيرة، والشيخ عبدالله بن قعود وغيرهم من طلاب العلم، لافتاً إلى أن ذلك أوجد حركة علمية شرعية، ظهر أثرها في أهل الحي عامة·
وأضاف: كذلك لا أنسى انطلاق الدورات العلمية الصيفية المكثفة في بعض مساجد الحي، وكثرة المساجد فيه، وقرب المقر الرئيس لجمعية تحفيظ القرآن، ووجود مكتبين للدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات وغيرها وأرجع الشيخ الغراب هذا الاعتقاد الخاطئ إلى وقوع البعض في مشكلة التعميم، شاركت فئة قليلة من أبناء الحي في هذه الأعمال الإجرامية، فعمم على الأهالي، مقارناً هذا التعميم بما أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عندما اتهم كل سعودي بالإرهاب·
من جهته، اعتبر المهتم بشؤون جماعات العنف عبدالله بن بجاد العتيبي، أن النشاط الديني والكثافة السكانية لحي السويدي، جعلتا من الحي مجالاً رحباً لتنافس الجماعات الإسلامية المختلفة في دعوة الشبان إلى صفوفها وتحذيرهم في الوقت ذاته من الجماعات الأخرى المنافسة، وأضاف: كان هناك الإخوان المسلمون، والسروريون والجهاديون والسلفيون والتكفيريون والتبليغيون، وكانت مناطق نفوذ هذه الجماعات تختلف من مكان لآخر، وكل جماعة لها نفوذ معين، إما على الحلقات العلمية في المساجد، أو النشاطات الطلابية في المدارس وهكذا وأكد العتيبي أن التكفيريين وجدوا في البيئة المتدينة في الحي ملاذاً آمناً لهم ومجالاً رحباً لنشر دعوتهم، خصوصاً في الأوساط السلفية والسرورية·