eKtab
EN ع
أزمة النخب العربية
Read free sample

أزمة النخب العربية

by د. حسن مسكين

Page 1

مقـدمــة

إن المتتبع لواقع الأمة العربية والإسلامية ليشد انتباهه هذا التردي المتنامي للعديد من مناحي الحياة فيها، إلى درجة أصبح معها الباحثون والمهتمون بشؤون الثقافة والتنمية يقرون باستحالة الخروج من هذه الدوائر، في ظل حقائق واضحة، وأرقام دالة على أن التخلف في هذه البلدان أصبح لازماً وإطاراً يجمعها، وسمة عامة توحدها، في الوقت الذي تشتت جهود مثقفيها، وتبددت أحلام مفكريها في إقامة مشروع تنموي، كثيراً ما رددت شعاراته في مؤتمراتها، وكررت بنوده في توصياتها، إلى الحد الذي باتت معه هذه الخطابات مجرد صيحات في وادٍ سحيق، بل إن البعض غداً يتحدث اليوم عن أن هذه البلدان أصبحت نموذجاً في تنمية التخلف وتخصيب منابعه وتهيئ كافة الشروط لتجذيره!

إن الإشكال الذي نعيشه في البلدان العربية والإسلامية يكمن في هذا التباين القائم بين ما نملكه من رصيد ثقافي – حضاري وما يمكن أن نضيفه إلى هذا الرصيد – بعد عرضه على ميزان النقد – من إنتاج يدفع باتجاه الخلق والإبداع، بدل الاجترار والإنشاد الذي لم تعد يجدي شيئاً، في ظل ما أنتجته شعوب أثبتت جدارتها في استثمار ما تملكه من مخزون معرفي، والإفادة من أخطائها أيضاً، إضافة إلى الأبعاد التي بإمكانها أن تجعل هذا المعطى الحضاري فاعلاً، يساهم فيه الجميع، ويستفيد منه الوطن، سواء اتخذ له أبعاداً سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، دون مفاضلة معيارية، تلغي ذلك التكامل الذي يمنح التنمية بعدها النسقي المأمول كي تكون منتجة. ونحن لا نخص بذلك أصحاب القرار الفعلي فحسب، بل كل الهيئات والفاعلين على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، بما فيها المعارضة، التي عليها أن تتخلى عن النقد والاعتراض الكلي والسلبي، كي تقترح بدائل وبرامج، تستجيب وطموحات الوطن، وآمال شعوبه، في ظل تحولات عالمية ما فتئت تفاجئنا بالجديد والغريب والعجيب، وذلك حتى لا نظل ننظر من بعيد فقط، ونستورد الجاهز، سواء كان سلعة أو فكرة أو رأياً. حين ذاك يمكن أن نتحدث عن أدوار يمكن أن تنفذ، وتطورات يمكن أن تناقش، وخطط يمكن أن تنجز.

فهل هناك ما يومئ إلى شيء من هذا واقعاً؟

للأسف الشديد يبدو أن بلداننا العربية غير مرشحة، حتى الآن لإنجاز تنمية في القريب ولا مستقبلاً وليس ذلك مجرد تشاؤم أو جلد للذات، وإنما هي معطيات وأرقام شاهدة على واقع مرير، لا ينبئ بتحول ملموس نحو أفق تنموي، ذلك أن التنمية في هذه البلدان "بطيئة إذا ما قورنت بما هو عليه الحال في أقطار العالم الأخرى. فإحصاءات البنك العالمي تشير إلى أن معدل نمو الدخل الفردي في الأقطار العربية خلال العقدين الأخيرين لم يتجاوز 0,5% بالمقارنة مع الأقطار النامية حيث بلغ فيها 3,3%. وحتى في الأقطار الأقل نموا كان معدل النمو 0,9% في الفترة نفسها. وتشير هذه الإحصاءات كذلك إلى أن مؤشر الإنتاجية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الفترة من 1960 إلى 1990 قد انخفض بنسبة 0,2% فقد كان معدل الدخل الوطني العام للعامل الواحد في البلاد العربية عام 1960 أعلى منه في هونغ كونغ وكوريا وتايوان. ومن ناحية أخرى، تشير تقديرات اليونسكو إلى أن عدد الأميين في الدول العربية بلغ عام 1999 حوالي 68 مليون شخص، أي ما يمثل 40% من مجموع السكان الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاماً وأكثر من نصف الأميين من الإناث"([1]). وحسب التقارير التي ينجزها برنامج الأمم المتحدة للإنماء في كل سنة عن البلدان العربية وفق معاًيير التنمية الشاملة، فإن "نسبة الحرمان في هذه البلاد العربية تبلغ 32 في المائة مقاسة بمؤشر الفقر الإنساني، وأن مواطناً من كل خمسة مواطنين يقف على عتبة الفقر أي أنه يعيش على أقل من دولارين في اليوم"([2]). وهكذا وفي ظل هذه المعطيات الشاهدة على حالة من التخلف العام، يصير الحديث عن بوادر إنجازات عملية ومشاريع حقيقية ضرب من الخيال، وتشويه لحقائق ثابتة في ظل اتساع الهوة بين غرب يستفيد من العولمة، وشرق يستهلك مخلفاتها.

Page 2

ولسنا هنا بصدد إنكار وجود محاولات هامة وتصورات بناءة لثلة من الأقلام المتنورة التي آمنت بإمكانية التغيير. غير أنه من العسير جداً أن تجد هذه المبادرات الخيرة لثلة من المثقفين الشرفاء داخل بلداننا العربية تنفيذها في ظل هذا المناخ السياسي والاقتصادي البائس، الذي تزكيه وترسخه العديد من الأقلام الانتهازية وأنصاف المثقفين الناصبين أعينهم على المواقع والمناصب، متجاهلين دورهم في التنوير والتثقيف ونشر الوعي الكفيل بإنقاذ الأمة من انهيار كاسح، وتنميط اتسعت دائرته لتشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع، ليصبح كل ذلك يجسد لثقافة تنمية التخلف والانكفاء على بقايا الماضي، ودراسة أمجاده، دون أدنى صحوة، أو بادرة، تشارك فيها جميع القوى، نحو تأسيس ثقافة التحدي، والقطع مع قوى الرجعية في شتى المجالات، وإن اتخذت لها أقنعة أو ألواناً تخفي مقاصدها، وتواري خلفياتها تحت مظاهر خداعة، أو أسماء براقة، أثبتت التجارب فشلها، وأعطت براهين ودلائل على أنها تساهم في تعطيل أي جهد أو محاولة للتحرر من أغلال التخلف التي أحكمت زمامها أياد أنانية، تستنزف خيرات البلاد، وتمتص دماء العباد، دون اكتراث بالقيم، التي هي الأساس في البناء والنماء.

لن ننكر الإيجابيات الهائلة التي يمكن أن تجنيها الثقافة العربية من العولمة إذا هي أحسنت التعامل معها، وتوظيفها على أكمل وجه، ولكننا فقط ننبه إلى ضرورة توفير شروط هذا التوظيف المنتج والخلاق خدمة لمشاريعنا التنموية التي نأمل أن لا تحصر اهتماماًتها في نقل التجارب الخارجية فقط، أو استعارة نتائجها للاستهلاك، بل العمل على إنتاج ثقافة تشرك كافة الأطراف، وتحرك فيهم حب العمل والإبداع الخلاق الذي تعود نتائجه على الأمة كافة، ويعم خيره الناس جميعاً، بحيث تذوب كل الفوارق المصنوعة والعنصريات التي انتشرت في العديد من منابرنا العربية والإسلامية بدعـوى المحليـة أو الجهوية أو النخبوية أو القبلية، لأن الإنسان العربي هو الذي يبني مجتمعه، وهو الذي عليه أن يجني ثمار هذا البناء، ويعمل جاهداً على أن يكون الضامن لاستمراره وتنميته وتطويره في ظل تحديات عصر العولمة، وهذا لن يكون إلا إذا تم الوعي بشروط هذه التحديات، وتحديد الإمكانات الكفيلة ببلوغ هذه الغايات، مع التأكيد على الرؤية الشمولية غير التجزيئية أو التبسيطية، التي تستعير الحلول الجاهزة وتقلد التجارب المستوردة التي تعتبر الآن إحدى الأسباب الرئيسة في تنمية تخلفنا، وتثبيت نتائجه الوخيمة البادية في شتى المجالات.

ثمة إشارة بالغة الأهمية لابد من توضيحها وهي المتعلقة بالتقارير التي تصدر عن الأمم المتحدة وروافدها، ذلك أنه كثيراً ما يتم التشكيك في مضمون هذه التقارير بدعوى أنها تخدم جهات محددة، ولا تتسم بالحياد المطلوب الذي من شأنه إظهار الحقائق الرامية إلى تشريح هذه المجتمعات العربية، وإبراز جوانب الضعف والإيجاب فيها. وأستطيع القول هنا بالذات إنه في ظل نذرة وجود تقارير عربية موضوعية عن الأوضاع في هذه البلدان، فإنه يصعب تجاهل هذه التقارير العالمية بغض النظر عن محتواها، وما تتضمنه من استنتاجات وأرقام وإحصائيات دالة على الوضع المتخلف لبلداننا العربية.

غير أنه يجب التنويه كذلك بالمحاولات الجريئة التي أقدم عليها المغرب من خلال إصداره لتقريرين هامين، ولأول مرة: الأول يهم هيأة الإنصاف والمصالحة والثاني يهم التنمية البشرية. وقد أشرف على هذين التقريرين وعلى خلاف السابق مثقفون وباحثون أكاديميون من مختلف التخصصات انتهوا فيه إلى نتائج دقيقة، تتسم بقدر ملحوظ من الحياد والموضوعية في شتى مجالات موضوع التقرير، أبرزها أن المغرب في مفترق الطرق لا خيار له في ظل التحولات العالمية المتسارعة إلا الانخراط في التنمية الشاملة. وهكذا يجب أن نستخلص من هذين التقريرين الصادرين([3]) عن مثقفين وباحثين وفاعلين في المجتمع المدني العبر حول العلاقة التي يجب أن تميز النخبة المثقفة بالسلطة، بحيث يتم التخلي عن أن يظل المثقف خاضعاً وتابعاً لها، ليصبح فاعلاً أساسياً، وموجهاً رئيسياً لبرامج وسياسات الدولة، من خلال النصح والتوجيه والإرشاد والتخطيط والنقد البناء وقول الصراحة التامة والجريئة بتشريح الأوضاع كما هي وتقديم البدائل التي تسمح بالتنمية، وبذلك تتحول هذه العلاقة بين المثقفين والسلطة من علاقة عداء وانفصال إلى علاقة تكامل وتواصل فعال، يخدم الشرائح الاجتماعية العريضة التي عليها أن تحول هذه المكاسب الجديدة إلى استثمار ثقافي وفكري وسياسي واقتصادي يساهم في تنميتها المنشودة، وذلك بأن تنخرط هي الأخرى بالعمل والمشاركة المنتجة دون انتظارية أو تأخر قد يكرس وضعها المتدني في عالم لا يعترف إلا بالإنتاج والعطاء الدائم والمستمر في شتى مناحي الحياة.

Page 3

كما يمكن أن تكون هذه المبادرات الجريئة التي أقدم عليها المثقفون والمفكرون والسياسيون المغاربة بمباركة واعتراف السلطة، بل وتأييدها مثالاً يحتذى في بلداننا العربية التي ترغب في تصحيح علاقة المثقف بالسلطة، وإعادة الاعتبار لدور المثقف العربي الذي ظل مستبعداً في القرارات المصيرية لمجتمعه. وليس معنى ذلك أن يتخلى هذا المثقف عن دوره النقدي، ومبادئه السامية بل على العكس من ذلك عليه أن يجسدها في برامجه ومواقفه ومشاريعه بالمساءلة والنقد والتوجيه والمبادرة، حتى لا يظل هذا الأخير مجرد صدى لما تمليه السلطة، وإنما عليه أن يخلق تصوره ومشاريعه ويعمل على إنجازها بما يعود على الشعب العربي بالنفع الدائم غير المرتبط بحدث عابر أو سياق ظرفي أو طارئ.([4])

إننا نقر أن الثقافة والتنمية حرية وديموقراطية قبل كل شيء وهي أيضاً نتاج داخلي، وسياق مجتمعي، ومناخ سياسي ملائم يرعى تجاربها، ويسهر على ترسيخها لتصبح مثل الماء والهواء لأنها ليست بضاعة تستورد من هنا أو هناك، إنها شروط وجود مكاني وزماني محدد، لا يستنسخ ولا يتكرر خارج شروطه ومقامه الحقيقي. هكذا تتجلى لنا متاهات المنادين بالاحتذاء والاستنساخ أو الاستعارة لنماذج تنمـوية أو ديمـوقراطية أو ثقافية للخروج من وضعنا البائس، بل الأولى تهييء المناخ الكفيل بإخراج هذه الطاقات الكامنة في مجتمعاتنا العربية، بدل تركها تهاجر لتفجر إمكاناتها خارج الوطن.

إن الذي ينبغي التأكيد عليه هنا أن المسألة التنموية لم تعد ترتبط بعامل الدخل أو الإنتاج الاقتصادي فحسب، وإنما تتعداه إلى أبعاد ومستويات أخرى، هي الأساس في تحديد جوهرها، ومستقبلها أيضاً، وكلها تصب في مصلحة الإنسان، من حيث حقوقه وواجباته، وخياراته وآفاقه التي ترسخ سمات الحرية البانية لهذه التنمية والضامنة لاستمرارها وتطورها في خدمته مهما اتخذت من أشكال أو مسميات، مادامت هذه المستويات تصب كلها في صالح المواطن وبناء شخصيته الحرة والمسؤولة في مناخ ديموقراطي، عادل، تتساوى فيه الفرص والإمكانات أمام الجميع لتتم المنافسة الشريفة في مسيرة البناء والنماء، بعيداً عن كل أشكال الحيف أو الإقصاء.

ويبدو أن الأمة العربية الإسلامية، ما تزال تراوح مكانها، رغم محولات عديدة للخروج من دائرة التخلف في ظل وجود إمكانيات بشرية ومادية وطبيعية وفكرية هائلة.

فما هي أسباب هذه الأزمة البنيوية التي ما فتئت تتجذر، وتترسخ في أوطاننا، أعني أزمة التخلف الشاملة؟

- وهل صحيح أن المثقف العربي عجز عن تقديم حلول لهذه الأزمة؟

- وهل صحيح أيضاً أن الخلل كامن في التصورات والمفاهيم أم أن ذلك يرتبط بآليات الإنجاز المعطلة؟

- أين يبدأ دور المثقف وأين ينتهي؟

- وهل صحيح حقاً أن المثقف العربي ضحية ضمن ضحايا السياسات العربية الانفرادية التي لا تؤمن بدور المعرفة، والفكر والثقافة في التنمية؟

- وهل الإجابات التي قدمها المفكرون والمثقفون السابقون عن أزمة التخلف قادرة على حل بعض إشكالات هذا المجتمع اليوم؟

Page 4

يبدو أن كل الدعوات التي تسعى إلى ترسيخ التصور القائل بأن دور المثقفين قد ولى من غير رجعة فيها كثير من التضليل، ذلك أنه إذا كنا نقر الآن بهذا التراجع لدور المثقف في صنع الأحداث وإنجاز التنمية، نظراً لهذا الاكتساح الواضح لدور الاقتصاديين، ورجال الأعمال والمال، فإن المثقفين والمفكرين سيعودون إلى لعب دورهم في حل تلك المشكلات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي ستعقب هذه التحولات الاقتصادية الجارية في العالم، والتي ستخلف لا محالة مشاكل عديدة، تتعلق بالأزمات النفسية والاجتماعية والثقافية والإنسانية، الناتجة عن هذا التطور العلمي والتكنولوجي العالمي.

ثم إن ما قد يبدو للبعض هيمنة للاقتصاد والمال والعلم، سرعان ما سيحتاج مستقبلاً إلى وقفات تأمل، وتقييم للآثار النفسية والاجتماعية والفكرية التي توازي حضور العقل الإنساني ورؤيته للكون والحياة والموت والقيم.

ذلك أن التجارب التاريخية، علمتنا أن لا شيء بثابت حتى في العلم، ثم إن هذه التصورات التي نتجت في هذه الميادين ستحتاج إلى تقييم لمعرفة مدى سلبياتها وإيجابياتها على حياة وعقل وقيم وأخلاق وثقافة المجتمعات الإنسانية، ولن يكون ذلك ممكناً إلا بحضور قوي وفاعل للمثقفين والمفكرين.

والنتيجة هو أنه لا يمكن أن نتصور عالماً يعلي من شأن العلم والمادة في ظل غياب الجانب المكمل ألا وهو الفكر والقيم والثقافة التي تصنع توازن الإنسان.

* ألم يحن الأوان لإعادة النظر في مفهوم الثقافة والمثقف والتنمية، بحكم ما طرأ من مستجدات عالمية؟

* لماذا ولى زمن المثقفين والمفكرين في عالمنا العربي والإسلامي؟

* ما هي الأسباب الكامنة وراء عزوف المثقفين عن أداء أدوارهم الريادية؟

وهل يمكن الحديث عن ثقافة في غياب الحرية؟

* ولماذا يتوارى المثقفون خلف السياسيين اليوم، علماً بأن تاريخ الشعوب يؤكد أن نهضة الأمم قادها المثقفون أولاً؟

* وما هي أسباب تعثر محاولات التنمية التي دعا إليها كثير من المثقفين العرب والمسلمين.

* وهل كانت هذه المحاولات تتضمن فعلاً مشروعاً تنموياً، قابلاً للتطبيق؟

* وهل صحيح أن اللغة العربية من بين جملة عوائق تحول دون إنجاز هذه المشاريع التنموية؟ لا سيّما في ظل ما يسمى بالنظام العالمي الجديد؟

* وهل صحيح أيضاً أن دور المثقفين ذهب إلى غير رجعة، حيث الكلمة الآن لأهل الاقتصاد والمال والأعمال فقط؟!

هذه أسئلة سنحاول الإجابة عنها أملاً في تصحيح بعض التصورات واقتراح بعض المداخل التي نراها أساسية لتأسيس مشروع عربي تنموي قابل للإنجاز في ظل ما نملكه من إمكانات ذاتية بالأساس.

إن الأحداث التي استجدت في العديد من الدول العربية فيما سمي بالربيع العربي تفرض علينا وقفة متأنية لإعادة النظر في العديد من التصورات والمواقف والمفاهيم التي ظلت متداولة حول مفهوم المثقف ودوره في المجتمع ،خاصة في سياق المنجزات الهائلة التي حققها الشباب العربي الذي طالما ألصقت به نعوت وأوصاف لا تعكس حقيقة رؤيته ومشروعه الطموح لا سيّما في تعامله مع تأثيرات العولمة. فهل سيؤدي ذلك إلى خلق ثقافة سياسية وفكرية مغايرة قادرة على تشكيل وعي جديد قائم على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة التي ستنتج بدورها ذلك المواطن العربي المسؤول والمجتهد والمنتج؟

Page 5

الـمـبحـث الأول

"ليست الثقافة مجرد معرفة نظرية بالعالم ولا مجرد التزام عملي بقضاياه. لكنها هي الوعي النظري بالواقع العلمي. هي الرباط بين النظر والعمل والجمع بين هموم الفكر وهموم الوطن".

أزمنة الحرية والديمقراطية في المجتمع والدولة:

د حسن حنفي.

1- في مفهوم الثقافـة والتنميـة

إذا انطلقنا من أن الثقافة هي ذلك "النتاج الذي ينتظم جماع السمات المميزة للأمة، من مادية وروحية وفكرية وفنية ووجدانية، وتشمل مجموعة من المعارف والقيم والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها وطرائق التفكير والإبداع الجمالي والفني والمعرفي والتقني وسبل السلوك والتصرف والتغيير، وطراز الحياة. كما تشمل أخيراً تطلعات الإنسان للمثل العليا، ومحاولته إعادة النظر في منجزاته والبحث الدائم عن مدلولات جديدة لحياته وقيمه ومستقبله، وإيداع كل ما يتفوق به على ذاته"([5]) أدركنا أن الثقافة هي كل ما تملكه الأمة حين تنخرط في عملية البناء الحضاري لإثبات الذات في مسيرة النماء الإنسانية، وهي التي تسمها بميسم العلم النافع الخلاق والمعرفة النيرة، تمشياً مع مبدأ الاستخلاف الذي أقره الحق تعالى والهادف إلى تحقيق التنمية الشاملة.

وإذا استوعبنا الأساس البنيوي لمفهوم التنمية، المستند إلى شموليتها وقيامها على شرط الحرية والمعرفة ودعمهما في عملية دائمة وجدلية بينها وبين كل المجالات التي تقوم عليها حياة الأمة واستمرارها منتجة، سنكون آنذاك قد أسسنا لمنطلقات سليمة ومهدنا لوعي عميق بأهمية هذين المفهومين المركزيين، بوصفهما الضامن الأساس لإنجاز التحدي الكبير نحو تخليص شعوبنا من التخلف والتبعية وكل ما من شأنه تعطيل أي تجربة رائدة، تدفع باتجاه التطور وخلق مناخ إيجابي يجعل من بلداننا العربية والإسلامية فضاء للعلم والمعرفة، تمهيداً لإنجاز تنمية شاملة، هذه التنمية التي لم تعد مرتبطة بمستوى الدخل الفردي أو مستوى ارتفاع الناتج السنوي القومي فحسب، وإنما أيضاً بالمستوى المعرفي والثقافي والصحي والاجتماعي والديموقراطي لأي أمة، بما يكفل لأفرادها إنجاز مشاريع وتصورات وأفكار حرة ومسؤولة في ظل دعم قوي لمثقفيها قصد مواصلة هذا الإنجاز بما يؤدي إلى تطوير شعوبها وضمان مشاركتهم في بناء نهضة أمتهم. غير أن هذه الثقافة كما التنمية محكومة بضوابط أخلاقية وقيم ربانية تميزانها عن التصورات المادية الأخرى([6]).

ويبدو أن بلداننا العربية والإسلامية لم تستطع إنجاز هذا التحدي في تهيئ شعوبها للانخراط في هذا المشروع الحضاري، رغم إمكاناتها المادية والبشرية والطبيعية الهائلة ودعوات مفكريها العديدة التي تمت في هذا الاتجاه.

وهكذا ظلت التنمية بالمفهوم الذي حددناه سابقاً مطلباً بعيد المنال، في ظل ما يشهده الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي من أزمات خانقة وتدهور ظهرت آثاره جلية في كافة الميادين، كان من المفروض فيها أن تدعم محاولات النهضة والخروج من دائرة التبعية والتخلف.

إن التطور الهائل الذي شهده العالم المتقدم في مجالات عدة، أبرزها النظم المعلوماتية والتواصلية، إضافة إلى مجالات أخرى مرتبطة بالسياسة والاقتصاد أفرز مفهوماً جديداً للتنمية يتجاوز مدلولها السابق، بحيث "لم يعد معدل دخل الفرد معياراً كافياً للنمو الاقتصادي أو التخلف، فقد يكون متوسط دخل الفرد مرتفعاً جداً في دولة من الدول ولكن نسبة عالية من سكانها تعاني الأمية أو الفقر أو البطالة الحقيقية أو المقنعة. كما لم تعد التنمية تعني العمل على أن يكون معدل الزيادة السنوية في عدد السكان، فقد تحقق الدولة ذلك ولكن عدد الفقراء فيها يتزايد ونسبة البطالة ترتفع، ولهذا ظهر مفهوم التنمية البشرية الشاملة بإنجازات البلد في مجالات أساسية ثلاثة هي:

1- تمتع الأفراد بصحة جيدة وحياة مديدة، ويقاس ذلك بمعدل العمر المتوقع للفرد.

2- انتشار المعرفة الذي يقاس بمستوى التعليم بين الراشدين وبمعدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي والعالي.

3- مستوى المعيشة الذي يقاس بمعدل الدخل الفردي"([7]).

Page 6

والواضح إذا ما اعتمدنا هذه المقاييس أن البلدان العربية غير مؤهلة على المدى القريب أو البعيد لتحقيق الحد الأدنى من المقومات الضرورية لإنجاز تنمية ولو في أبسط مظاهرها، فكيف بها أن تحقق هذه المقاييس كاملة، لتظل التنمية بمفهومها الشامل مطلباً بعيد المنال، في ظل غياب شروط، بل ومؤشرات توحي بإمكانية إنجاز تحولات إيجابية أو تغييرات ملموسة، تهم بالأساس تنمية الإنسان بوصفه المحور في تحريك عجلة الاقتصاد والسياسة والمجتمع والفكر، وبما يضمن الحريات ويدعمها كي تتحول إلى رافد يوجه عملية التنمية، وذلك انطلاقاً من حرية الاختيار التي تعكس إرادة الشعوب، دون تمويه أو تضليل تحت أي مسمى أو مفهوم قديم أم حديث، سواء أكان صدى للماضي العربي أو استعارة كاذبة للتصور الغربي، تلك التي أقامها على ثنائية الغرب المتقدم / الشرق (النامي). ذلك أن الشق الثاني من هذه الثنائية يخفي حقائق ثابتة، ويوهم الكثيرين بأن "الفرق بيننا وبين غيرنا هو مجرد فرق زمني. هم سبقونا لأنهم بدءوا ثورتهم الصناعية، مثلاً، قبلنا بقرنين وبالتالي وصلوا إلى مرحلة نضجهم مبكرين. بينما نحن بدأنا في مرحلة زمنية متأخرة. فإذا أسرعنا في السير لحقنا بهم، إن شاء الله! هذا هو الفهم الذي يروج له بالفعل، وهو مرفوض. فالصحيح أننا لسنا دولاً نامية بهذا المعنى، نحن دول مشوهة وتابعة ومقهورة، وليس الأمر هنا استعمال ألفاظ إيثارية، في مقابل ألفاظ علمية محايدة، لا، إنه محاولة للتحديد الدقيق والعلمي لطبيعة وضعنا، وكيف ينبغي أن يوصف بالمصطلح الملائم"([8]). المسألة إذن تتعلق بالإقرار والاعتراف الصريح والواضح بهذا التخلف، وسريانه في شتى المجالات، وعدم الركون إلى مسميات عابرة، وأغاليط سائرة، للانتقال إلى مرحلة البناء انطلاقاً من البحث عن ثقافة جديدة قادرة على إعادة الأمل إلى كل هذه الطاقات المعطلة، وتحريرها من أغلال التبعية والاستهلاك والاستغلال، نحو العمل الحر والمسؤول. أي أن شرط الحرية هو المحور الذي سيحدد هذه الانطلاقة، التي عليها مدار الإنجاز الذي طال انتظاره، لينتقل من مجرد بحث عن مظاهر طارئة لنمو اقتصادي، "نمو يمكن تحقيقه بدون تحولات أساسية في هيكلية ومواقع القوى الاجتماعية والسياسية أو في القيم والتوجهات والتنظيم والثقافة – باختصار – دون تبذل جذري في القوى غير الاقتصادية [أما التنمية فهي أعمق من ذلك بكثير] لأنها تعني تحسين نوعية حياة الأفراد وإطلاق عملية تحرر المجتمع اقتصادياً وفكرياً"([9]).

إن الأمة العربية في حاجة إلى إعادة النظر أولاً في مفاهيم اعتبرت نهائية وقطعية بنيت عليها تصورات خاطئة، انتهت إلى نتائج مضللة.

إنها ملزمة بتحديد مخارج لهذا التخبط في الرؤى والتصورات الأساسية، قبل التفكير في أي إصلاح أو تغير إنها بحاجة أولاً إلى مفهوم دقيق وسليم وواقعي للتنمية غير مستنسخ ولا مستورد، يعتمد على الطاقات الذاتية والخبرات الوطنية، ويسعى إلى تحفيزها، وتطويرها، لتأكد حضورها فعلاً لا قولاً، إنجازاً لا شعاراً، حتى تساهم في بناء الوطن وتأسيس حضارة تليق بمكانته ضمن الأمم، لا سيّما في ظل هذه المتغيرات العميقة والتحولات السريعة، لكن ذلك يجب أن ينطلق من رؤية علمية، دقيقة، غير متشنجة بدعوى الخصوصية الضيقة، أو مفتوحة دون ضوابط، تتخلى عن القيم المجتمعية، وروح التنمية المنشودة التي تركز على بناء الإنسان في كليته غير المتشظية كما يروج لذلك الآن، حين يتم التركيز على رؤية الاستيراد بكافة وجوهها وأشكالها، سواء كان استيراداً للتكنولوجيا أو الفكر أو الثقافة، ومهما اتخذت لذلك من مسميات. إذ الاستيراد تعطيل للخلق وتجذير للاستهلاك وتثبيت للتخلف، وإبعاد لخاصية الإبداع وثقافة التنمية في بعدها الحضاري الخلاق الذي يبني ولا يهدم، يسمو بالقيم ولا يخرقها. لكن هنا قد يعترض البعض بالقول إنه "ليس من الضروري استدعاء مفهوم الثقافة والحضارة عند تحديد ماهية التنمية المستقلة. وواقع الأمر أن لهذين المفهومين أوثق العلاقة وأكثرها مباشرة بمفهوم التنمية المستقلة، وذلك أنه من حيث إشكالية الثقافة نجد أن رواد نظرية التنمية تعاملوا في كتاباتهم مع إشكالية التنمية على أنها ظاهرة ثقافية، بل تداعوا من أجل تحقيق التنمية انطلاقاً مما أطلقوا عليه "الثقافة المدنية" حيث اعتبروا أن وجود هذه الثقافة شرط ضروري لتحقيق عملية التنمية برمتها. ثم إن الحضارة سواء في سياقنا هذا أم في أدبيات التنمية عموما هي الإطار الذي يؤطر عملية التنمية"([10])، فهي إذن رؤية متكاملة من المفاهيم والتصورات والمقاصد السامية البانية للإنسان باعتباره المستخلف في الحياة، والضامن لاستمرارها أو خرابها، حسب ما يحققه فيها من فعل تكون آثاره جلية، وهي تحدد نظرته لذاته وللآخرين وللعالم كله في بعديه المادي والروحي.

Page 7

وإذا نحن شددنا على مسألة الاستقلالية، فلأنها شرط أساس في أي انطلاقة تسعى إلى تحقيق إنجازات عملية ومستديمة غير قائمة على أوهام أو مظاهر خداعة كما هي عليه مجتمعاتنا العربية الآن، ذلك أن التنمية "ليست مجرد إضافات كمية من الخارج في شكل استثمارات أو إقامة منشآت صناعية وما شابهها ولكنها جهد مبدع تقوم به الأمة ويتخذ ضمن ما يتخذ شكل إقامة مؤسسات إنتاجية أو صناعية. فما لم تكن التنمية تحمل هذا المضمون فإنها لا تكون تنمية حقيقية، أو لا تكون تنمية مستقلة، وبالتالي فإن قدرتها على التواصل وتحقيق نهوض حضاري متكامل تكون غير واردة. إن التنمية المستقلة لا تنبع من فراغ،"([11]) وإذا ادعت البلاد العربية اليوم أنها قادرة على إنجاز هذا التحدي، فإنها ستكون واهمة، لأنها لم تهيئ بعد الشروط والمقومات التي تدعم قولها هذا أو رغبتها هاته، أو قل إن دعوتها هاته قامت على إعادة تاريخ وإنجازات سالفة، وتحاول أن تبعث فيها الروح من جديد! وهذا – فيما يبدو لي- أحد جوانب تكريس التخلف، لأن مثل هذا التصور لا يقيم اعتبارا للحظة التاريخية، ذلك أن النهضة([12]) نفسها التي راهن عليها كثير من مثقفينا- هي في العمق فعل تاريخي، تنأى عن قضية، بل أسطورة البعث والإحياء التي لا تزال سارية بين العديد من المفكرين دون ملل أو وعي بضررها، لأن "كل بعث أو إحياء [يعد] مساهمة في توقيف المشروع النهضوي. وعندما يتسم المثقف العربي اليوم في حديثه بلغتين، أقصد اللغة / الكلام، وبإطارين مرجعيين، فإنه يستمر في الحديث بلغة تدعم استمرار التأخر"([13]).

ثم إنه إذا كانت المحاولات السابقة قد تراوحت بين استيلاب (حداثي) يرى في الغرب المخلص الأمثل، والنموذج الأوحد في الاقتداء، أو استيلاب ماضوي يرتد إلى الأسلاف ليجيبوا بدلنا عن أسئلة راهنة واحداًث قائمة، حية، فإنه آن الأوان اليوم لنتحمل المسؤولية ونعترف بقصورناعن تحريك هذه البرك الآثنة التي ألفنا ماءها الثابت، دون أن نقوى على تغييره بمياه وأفكار أخرى جارية، تستمد قوتها من صفاء أعمالنا، وحسن إرادتنا ونجاعة أعمالنا بدءاً من الانعتاق من أغلال الماضي، والتحرر من قيود التبعية مهما تكن وجهتها سواء إلى الأسلاف أم إلى الأغراب، والاعتماد في المقابل على الذات المؤمنة بالإبداع الشامل لكافة مناحي الحياة، بوصفه قيمة معرفية، علمية ثقافية تدفع باتجاه الفعل وليس الاقتباس أو التقليد أو الاستيراد أو الاستهلاك. وذلك لأن خلف هذه الحركة التي ستشمل السياسة والمجتمع والاقتصاد والفكر والفن روحا وبعدا ثقافياً معنوياً يوجه، ويؤطر ويضع الخطط الكبرى والفلسفات والرؤى الخلاقة التي تبني الحضارات وتعمل على نمائها وتطويرها، ما دامت هي التي تحدد موقف الإنسان من الزمن والعمل والمحاسبة والتقييم والإنتاج والوجود في سموه. ليتحول كل ذلك إلى رأسمال ثقافي شامل، يبرز تأثيره جلياً في شتى المجالات. غير أن ما يميز هذا الأخير كونه ليس شيئاً ثابتاً، أو قدراً مقدراً على الشعوب، بل إنه مقوم حي، ينمو، ويتراجع حسب إرادة وإنجاز كل شعب وقدرته على تمثله واستيعاب أبعاده واستثمار عناصره، لتكون دافعاً قوياً نحو التنمية القائمة على أسس متينة، قادرة على إفراز نتائج ملموسة، تستفيد منها الأمة جمعاء.

ويبقى السؤال: أين نحن من هذا التصور؟ وهل كانت هذه الأبعاد الثقافية حاضرة في تلك الخطط أو البرامج أو المشاريع التي تحكم الآن مسار مجتمعاتنا العربية؟

لن نبالغ إذا قلنا إن غياب هذه الأبعاد السالفة الذكر في سائر المجالات، كان ومازال إحدى الأسباب الرئيسة في عقم إنجازاتنا المعرفية، وتخلف أدائنا السياسي والاقتصادي. والنتيجة هو ما تعيشه بلداننا العربية في الغالب من ترد ثقافي حال دون اكتساب هذا الأخير شرعية الامتداد والفعل. وهنا لابد من الإشارة إلى الالتباس الحاصل في هذا المفهوم لدى العربي الذي يقصر الثقافة في حدودها الأدبية أو الفكرية الضيقة، دون أن تشمل الميادين الأخرى مثل الاقتصاد والسياسة والمجتمع. إنها نظرة "قاصرة ومبتورة بعد أن تبين أن التنمية لها أبعاد شتى وأن البعد الثقافي لا يقل شأنا عن بقية الأبعاد. ولعله من المستنكر أن ينظر إلى الثقافة على أنها الأدب وما دار في محيطه وأن الثقافة بهذا المعنى القاصر ليس لها دور مباشر وفعال في التنمية، وأن المثقفين ضمن هذا الإطار ينتظر منهم أن يكونوا بمعزل عن التنمية وأن عطاءهم الإبداعي هو غاية في حد ذاته وليس من الضروري أن تكون محصلته ذات دور في التوعية المجتمعية أو التنمية الشاملة"([14]).

Page 8

2- الــواقـع السيـاسـي، وأزمـة الحـريـات

لا شك أن المجال السياسي يعد أحد المداخل الحاسمة في بناء أي مشروع تنموي فعال، إذ بدون تحديد الخيارات السياسية التحررية، وإشراك كل طاقات المجتمع في القرار السياسي، بحيث يتحول من منحة فوقية، تتحكم فيها مقاصد آنية أو نزوات فردية إلى سلوك يومي، ومقوم أساسي يوجه حياة الأفراد والمؤسسات على حدٍ سواء دون تمييز، ستظل هذه المحاولات التنموية مجرد شعارات تلقى في المناسبات وتعرض في المؤتمرات، وتندرج في خانات التوصيات العابرة، سيراً على نهج الندوات والملتقيات العربية المتتالية.

ويبدو أن تلك سمة طبعت السياسات العربية على امتداد التاريخ الحديث، انعكست آثارها السلبية على مجالات عدة، منها السياسة الثقافية التي غلب عليها الضعف والتخبط والخطابة المتضخمة. خاصة إذا تأملنا علاقتها بالبعد السياسي العام في ظل تحولات عالمية متسارعة، وثورة معلوماتية بلغت أوجها، زادت من تعميق الأزمة حيث برزت مفاهيم جديدة للعدالة الاجتماعية والديموقراطية والحرية والملكية الفردية وغيرها من المفاهيم التي أثبتت تقارير اليونسكو وغيرها أن تمثلنا لها وعطائنا فيها ضعيف، وأن "خيالنا السياسي والاجتماعي [فيها] يتسم بالخمول والبعد تماماً عن الطفرات التي يحققها خيالنا العلمي، الأمر الذي أدى بدوره إلى قصور ثقافي بين العلم والتكنولوجيا من ناحية، وبين مؤسساتنا الاجتماعية والسياسية من ناحية أخرى"([15]). يضاف إلى ذلك هذا التخبط الواضح في رسم سياسات تنموية واقعية، ومنتجة، بإمكانها أن تعمل على تجاوز حالة الجمود، والتبعية، والتشتت المستمر على مستوى المؤسسات التي تعمل بمعزل عن خيارات شعوبها وتتناسى حاجياتهم الأساسية الآنية أو المستقبلية. فكل بلد عربي يرسم أهدافاً خاصة، لا تراعي وحدة الأمة، فتعمل على سن برامج ونظم تعليمية مختلفة، ومتضاربة بعيداً عن تلك الشعارات الوحدوية التي ما فتئت ترددها في مؤتمراتها.

ويبدو أيضاً أن هذه السياسات ظلت محكومة بإرث الماضي، ولم تستطع بعد النظر بعين النقد للحاضر، والتهيئ للمستقبل، فما زال الأموات عندنا يتحكمون في الأحياء. وتزداد الصورة قتامة حين تحتكر الدولة في البلاد العربية كل تخطيط أو سياسة، في ظل شبه غياب للمجتمع المدني والهيئات القادرة على العطاء في هذا المجال، لا سيّما وأنها تتحرك متحررة من قيود الساسة وتوجيه الأحزاب. والحال أنه حينما تغيب هذه الهيئات المؤهلة، تكون الحصيلة سياسات طوباوية أو ريعية موجهة وانتقائية، تضرب أقدس المقومات ألا وهي مقوم العدالة الاجتماعية، سواء تعلق الأمر بحرية الاختيار أو توزيع الثروات أو حق التعليم والمعرفة والأعلام([16]).

ولأن الثقافة تعد في قلب العملية التنموية، وإحدى الحقوق الأساسية للشعوب، فإنها تتصل اتصالاً وثيقاً بالسياسات المتبعة في البلاد العربية، بل إنها الصورة التي تعكس حقيقة هذه التوجهات لا سيّما الرسمية منها. حيث غالباً ما تستند هذه السياسات على اختيار التدجين، وتكريس الوقائع، وإنتاج ثقافة الاستهلاك. والتنمية التي تخدم فئات محدودة تستفيد من هذه الأوضاع، وتعمل بكل الأشكال على ترسيخها لتصبح هي القاعدة والمرجع الوحيد. أما المحاولات الأخرى التي تجترها نخبة من المفكرين والمثقفين والسياسيين الصادقين، فيتم عزلها أو التشويش عليها وتشويهها، تحت ذرائع مختلفة، وتبريرات متنوعة. وهكذا تتضاعف حدة الصراع والصدام بين خيارات الساسة وخيارات النخب، والشعوب، وتتسع الشقة بين مكونات المجتمع العربي، فيتم تعطيل هذه الجهود، وتثبيت مظاهر التخلف السياسي الذي يبدو أنه لم يترك مجالاً إلا وأصابه بعدواه.

Page 9

لكن قد يعترض أحد بالقول: وما دخل السياسة في الثقافة؟ أليس من الأجدى أن يحتفظ كل بمجاله الخاص وإطاره المحدد؟ نعم إن لكل منهما مجاله الخاص، غير أن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى القول بتقاطعهما، بل بتبادل التأثير، ذلك أن السياسي لا يعيش في جزر معزولة، لا يسمع فيها إلا خطابات تهم حقله الخاص، وإنما هو شخص منخرط في قلب المجتمع، فاعل، ومتصل بأحداثه، وتصورات ورؤى أناسه الذين اختاروه. كما أن المثقف وإن لم يكن سياسياً، إلا أنه مهموم بأمورها، منشغل بقضايا الناس الذين يكتوون بنارها. خاصة إذا كانت سياسة متوحشة، ظالمة. لهذا فالمثقف المتميز هو الذي يشارك الناس همومهم وانشغالاتهم ويعمل على كشف تناقضات السياسيين وطموحاتهم اللامحدودة، خاصة إذا كانت تسخر الشعوب لهذه الأغراض، وتتوسل لذلك خطاباً مقنعاً بمفاهيم ثقافية براقة وجذابة، تسقط الجماهير في شراكها، دون أن تجد من يكشف خططها أو يفضح ألاعيبها([17]). وبذلك يكون المثقف فعلاً قد كشف عن دوره الفعال في النقد البناء في التنوير، والمشاركة في البناء والتنمية التي تتحرر من قيود السياسة المتوحشة. على أن دور المثقف المستنير لن يقف عند هذا المستوى، بل إنه مطالب "ببذل الجهد من أجل الكشف عن المسكوت عنه، أو نزع القناع الإيديولوجي الزائف- كما يرى كارل مانهايم، والذي يخفي وراءه باطناً آخر، ويعمد المثقف إلى هذا من خلال الشك الذي لا يتيسر له إلا من خلال وبفضل المسافة الفاصلة بينه وبين السلطان، ويعمد إلى تأويل ما بطن من كلام ومقولات ومصالح خافية ونزع التسلط تحت أي مسمى طائفي أو ديني. والمثقف نزاع إلى التغيير ونزاع إلى إثارة التساؤلات إزاء ما هو مطروح في سوق الأفكار والسياسة، بل وفي سوق العلم والمعرفة، إذ ربما تكون أوهاماً أو سوقاً تخفي انحيازات ومصالح"([18]).

لكن بالمقابل يجب التحذير من التوظيف المعكوس، حيث تصير الثقافة في خدمة المصالح السياسية الفئوية، فتتخلى عن دورها الفاعل في انتزاع الحريات، والحقوق وبناء دولة المؤسسات. ويبدو أن السياسة في بلادنا العربية كثيراً ما جنحت إلى الثقافة، لا بهدف تحريرها وتنميتها، وإنما بهدف توجيهها وجهة مصلحية، خاصة، دفعت بأحد رموز الفكر العربي الحديث إلى الإعلان على أن نقطة البدء في التنمية "يجب أن تكون تحرير الثقافة من السياسة. لقد هيمنت السياسة على الثقافة في معظم الأقطار العربية، فكانت النتيجة ما نراه من انحدار مستوى التعليم وانتشار الأمية: أمية القراءة والكتابة وأمية الفكر والثقافة واتساع الهوة بين "التقليدي" و"العصري" في مختلف مجالات الحياة، وأخيراً وليس آخراً سيادة القوانين الإيديولوجية الجاهزة التراثية والحداثية معاً ، على الفكر العلمي النقدي. وبعبارة واحدة لقد سادت السياسة على الثقافة فقتلتها، وهذا ما يحصل في كل زمان ومكان، فالسياسة سلطة والثقافة حرية. والسلطة تقتل الحرية، تكبلها وتلغيها"([19]).

وهكذا تغيرت وجهة الثقافة من مقاصدها البناءة وأهدافها النقدية والمعرفية لتتحول إلى موقع المنافسة على مواقع مشبوهة، كانت من قبل محصورة على زمرة من السياسيين المرتدين عباءة الثقافة. لقد عانت الثقافة في البلاد العربية وأصبحت هذه المعانات سمة لافتة للنظر، تستدعي وقفة متأنية وطفرة نوعية تعيدها إلى موقعها الطبيعي ومكانتها الرفيعة التي انتزعتها منها السياسة، حتى تؤدي دورها في التغيير والتنمية، بعيداً عن سلطة هيمنة الساسة وأيديولوجياً الأحزاب المعلبة. وإذا كان د. محمد عابد الجابري يدعو إلى تخليص الثقافة من السياسة؛ فإن د. محمد الأشعري يدعو إلى إدماجها في الحقل السياسي.

وإنه لمن النادر أن نصادف اعترافاً من مسؤول عربي بحجم وزير الثقافة بهذه الوضعية المتأزمة للثقافة التي عانت ولا تزال تعاني من هيمنة السياسة والإيديولوجيات النمطية. إنها رؤية نقدية، بناءة، نأمل أن تشيع بين السياسيين العرب، لا سيّما أولائك القائمين على مؤسسات رسمية من حجم وزارة الثقافة، يقول د. محمد الأشعري مؤكداً على ضرورة إدماج الثقافة في الحياة السياسية منتقداً الأحزاب السياسية: "إن الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة إدماج البعد الثقافي في المجال السياسي. والاقتناع بأن أزمات التحول هي في عمقها ثقافية. لكن الأحزاب لم تعط مكانة أساسية للتفكير الثقافي. وذلك ما يبرر غياب الاجتهاد النظري والإيديولوجي. فما يسود في المغرب اليوم هو السياسة الخام التي تفتقر إلى الروح الثقافية التي كانت وراء الطفرات النوعية في المغرب الحديث (..) فقضايا تأثير العولمة على الهوية والوجود تتطلب روحاً جديدة. وفي هذه الفترة التي يتسنى فيها جمع الديموقراطية والحداثة، نحتاج إلى إدماج الثقافة في الحياة السياسية. والسؤال هو كيف يمكن بناء حداثة في مجتمع استهلاكه الثقافي جد محدود"([20]).

Page 10

إنه خطاب نقدي، يقر بالأزمة ويقترح إحدى المداخل الممكنة لتجاوزها، والتي يراها في تصحيح صورة السياسي وتهيئ المناخ الكفيل بانخراطه إلى جانب المثقف في عملية البناء التنموي وحتى تستعيد الثقافة دورها الريادي.

لقد آن الأوان لكي يدرك الجميع أن المصلحة العليا للبلاد العربية هي المطلب الأولي والمقصد الأوفى في كل رؤية أو مشروع تنموي، بعيداً عن الحسابات السياسوية والعصبيات الضيقة التي رسخت الفرقة، وأبعدت مبادرات الوحدة المتسمة بالتنوع. ويبدو أن ذلك رهين أولاً بخلق قنوات التواصل السليمة والفعالة بين الساسة والمثقفين لإنجاز تحول في مسار هذه العلاقة، فإنتاج سياسة جديدة تؤمن بالثقافة كأساس لا محيد عنه في تحقيق التنمية. تتحول فيه السياسة من عائق إلى معين ودافع قوي باتجاه هذه التنمية، التي لا يمكن أن تقوم لها قائمة في ظل غياب أو تغييب هذه الفئة من المثقفين المتنورين، وشيوع فئات أخرى من (المثقفين) الانتهازيين، الذين يكتفون بتسخير الثقافة لأهوائهم ونزواتهم بعيداً عن هموم الأمة، وآمال شعوبها. ولعل القاسم المشترك بين معظم البلاد العربية هو هذا الثقل السياسي الواضح في تلك المبادرات، والتوجهات التي تتخذها سواء في مجال التعليم أو الاقتصاد أو غير ذلك من المجالات الحيوية. ويبدو أيضاً أن "الاتفاق تيار يكاد يكون كأملاً في عدد من الدراسات حول السلطة السياسية في أغلب هذه الأقطار باعتباره عائقا رئيسياً نحو التنمية الحقيقية، من خلال مؤشرات التوجه المغلوطة للتنمية وما يسمى أحياناً بالتنمية المعكوسة أو ما يسمى في مواضع أخرى بتنمية التخلف. وتؤكد تلك الدراسات على أن المرتكز الرئيسي بكون السلطة السياسية مسؤولة مسؤولية رئيسية عن هذا التوجه المغلوط أنها صاحبة القرار المنفرد في معظم أقطار المنطقة وأن قراراتها لا تنسجم كلها أو أكثرها مع ما تقتضيه التنمية الحقة. وتوضح تلك الدراسات أن السلطة السياسية في معظم هذه الأقطار تكاد حتى الآن لا تدرك مدى خطورة ما تتخذه من قرارات على حاضر التنمية"([21]).

ولعل تلك الوضعية من بين أسباب ساهمت من جهة في تردي الوضع السياسي العام، ومن جهة أخرى في تراجع، بل وتلاشي دور الفئات المثقفة، في وقت أصبحت الحاجة ماسة لدورها الفعال في التغيير والتنمية، بحيث أصابها شعور بالإحباط والتهميش، إضافة إلى التشتت الذي حل بها جراء تباعد مصالح وإيديولوجيات مقوماتها وطموحاتهم السياسية المعلنة أو الخفية. مما نتج عنه صراع داخلي، ضاعت معه القضايا المصيرية العليا للأمة، وحل الشقاق، وساد النفاق، وتعطلت مبادرات التكامل الذي يجب أن تساهم فيها كافة القوى بتنوع تصوراتها، وخصوبة أفكارها التي هي جزء من الغنى الثقافي والثراء المعرفي الذي يدفع نحو مشروع حي وطموح، لا أساس فيه للإقصاء بأي شكل من الأشكال، وتحت أي مبرر أياً كان مصدره. لكن الظاهر أن هذه الفئات قد ألفت هذه الأوضاع، بل واستحسنتها، فانطبقت عليها صورة السياسيين، ممن يجدون ضالتهم في مثل هذا المناخ غير السليم، وغير الباعث على أفق قريب، إذ الدلائل تؤكد أن النزعات الفردية، والقرارات الانفصالية غدت تشكل ظاهرة في تحكم علاقة الساسة والمثقفين بالفئات الشعبية التي أصبحت تراهن على مبادراته الذاتية أو تلك التي تقوم بها هيئات المجتمع المدني، بعد أن فقدت الأمل في أحزابها ومثقفيها على حد سواء، ما دام هؤلاء قد اشتركوا جميعاً في لعبة المصالح الضيقة، بعيداً عن هموم الشعوب وخياراتها الكبرى([22]).

ورغم إقرارنا بأن الحريات السياسية المبنية على الديموقراطية تعد المدخل الأساس في قيام أي تنمية حقيقية نظراً لوجود تجارب عالمية تشهد على ذلك؛ إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا الجانب النسبي فيها، والذي يمكن التمثيل عليه بنماذج عالمية أخرى، تكشف على أن الرهان على استعارة النماذج واحتذاء التجارب دون الوعي بخصوصياتها، يبقى عملاً غير ذي جدوى. فهل يعني أنه إذا كانت "الديموقراطية قد ارتبطت بالدول الغربية أساساً، فهي فقط من خصوصية الرجل الأبيض، وترتبط لذلك بثقافته وأنموذجه الاقتصادي والاجتماعي، وهي الحل لكل شيء؟ المسألة فيها نظر: من ذلك: أ- أنه من الصعب ربط الديموقراطية بالتنمية [ربطاً آلياً] بالنظر إلى أن هناك دولاً غير ديموقراطية مثل دول شرق آسيا (كوريا الجنوبية – سنغافورة، الصين) تعيش تنمية فيما لم تعرف أكبر دولة ديموقراطية في العالم مثل الهند تطوراً اقتصادياً ملحوظاً (قبل انتعاشتها النسبية الأخيرة، وما زالت دول أخرى تعاني من الفقر الشديد (مالي، النيجر، بنين. ..) على الرغم من اختيارها للنظام الديموقراطي، والشأن ذاته بالنسبة لعلاقة الديموقراطية بالثقافة، حيث النسبية حاضرة. بل إن الدول التي توصف بكونها غذت مثالاً في الديموقراطية لم توفر لكل مواطنيها ما سطرته في دساتيرها وبرامجها الحزبية([23]).

إلا أن ذلك كله، لا ينبغي أيضاً أن يثني شعوبنا العربية، مثقفين ومفكرين وسياسيين وسواهم عن السعي إلى تحقيقها، وتدعيمها في بناء وطن يؤمن بحق الجميع في العيش الكريم والاختيار الحر في صناعة قراراته المصيرية.