eKtab
EN ع
أزمة نظام
Read free sample

أزمة نظام

by د. عبد الحي زلوم

Page 1
إنها أزمة نظام
 
البروفيسور جيفري غارتن، أستاذ علوم التجارة والتمويل الدولي في جامعة ييل Yale ومساعد وزير التجارة الأمريكي الأسبق في إدارة كلينتون، يرى أن ترليونات الدولارات التي تم ضخّها لتاريخه لم تخفف من الانحدار السريع للاقتصاد الدولي، ويرى أن الجواب هو بضخ ترليونات أخرى وبأقصى سرعة، وهذا بعض ما جاء في مقالة له في عدد نيوزويك 22/12/2008:
 
أصبح الآن واضحاً بشكل يثير الذعر أن خطط الإنقاذ العالمية الدراماتيكية غير المسبوقة في حجمها أو ما حوته من ابتكارات خلاقة ما زالت غير كافية وأنها غير مناسبة على الإطلاق··· إننا نقف على شفا مصيبة سوف لن تقف فقط عند انهيار النظام البنكي وتعميق التباطؤ الاقتصادي العالمي، والتي سيتمخص عنها قلاقل وحالة من عدم الاستقرار السياسي كبيرة يقول غارتن إنه يكتب هذا وهو يعلم أن ما قدمته الحكومة الأمريكية لتاريخه من دزينة من حزمات الإنقاذ، والتي شملت 200 بليون دولار لإنقاذ شركتي رهن العقارات: Fannie Mae وFreddie Mae بالإضافة إلى ما قدمته من ضمانات بـ 1.4 تريليون دولار للقروض بين البنوك، ويضيف: هذه هي المشكلة· وبناءاً على كيفية احتساب المبالغ فهي تصل إلى 8 تريليونات دولار··· أي أكثر من مجموع مشاريع الحكومة الاتحادية كافة طوال القرن العشرين بأكمله، بما في ذلك تكاليف غزو العراق ومشاريع الصفقة الجديدة أيام الكساد الكبير، وخطة مارشال لأوروبا بل وأكثر من مصاريف الحرب العالمية الثانية، والتي كلفت بدولارات اليوم 3.6 تريليون دولار··· أما أوروبا فلم تكن أقل اندفاعاً··· حيث إن مجموع ما ضخته أوروبا لبنوكها كان 3.36 تريليون دولار، مقابل 3.35 ضخته الولايات المتحدة
 
إن الأنظمة المنافسة للنظام الرأسمالي من فاشية واشتراكية وشيوعية قد انهارت جميعها· ولكن، بالرغم من أن المنافسين قد أصبحوا طي الكتمان في كتب التاريخ فإن شيئاً ما يبدو وكأنه يهز أركان النظام الرأسمالي نفسه
 
البروفيسور ليستر سي ثورو     
 
كتاب: مستقبل الرأسمالية (1997)
 
هذه ثمار النظام الرأسمالي الأمريكي على مواطنيه:
 
منذ أن قام أحد الطلاب سنة 2007بقتل عشوائي لـ 23 من زملائه في جاممعة فيرجينا للتكنولوجيا، وخبراء علم النفس يبحثون عن الجواب، دراسة جديدة قام بها باحثون من جامعة كولومبيا والمعهد الوطني للصحة ومعهد الدراسات النفسية لولاية نيويورك بَيّنتْ نتائج قائمه: حوالي نصف الأمريكيين ممن هم في سن طلبة الجامعات يعانون من أضطرابات نفسية بينما أقل من الربع يسعون إلى طلب العلاج·
 
مجلة تايم، 51 ديسمبر 2008 - ص (11)
Page 2
من كتب د· عبد الحي زلوم 
 
ولقد ارتقى أهل النظام المعلومالي الانجلوأميركي - بالمادّية والنمو الاقتصادي ليجعلا منهما دينا ما أنزل الله به من سلطان، وبدلاً من أن يُسخّر النمو لخدمة المجتمع، سُخّر المجتمع لخدمة النمو، وجيّر بكله إلى طبقة الواحد بالمائة· إن نظاماً آخر يجمع بين النمو والعدل والأخلاق قد أصبح مطلباً عالمياً وفي عالم القرية الصغير فإن البحث عنه يجب أن يكون عالمياً·
 
من كتاب نذر العولمة (1998)
 
لقد كان النظام المالي الأنجلو- أميركي يعاني من أزمة، والحروب التي ستلي 11 سبتمبر قد تساعد على إعادة صياغة النظام العالمي الجديد· إن من طبيعة الرأسمالية الانجلو- أميركية أن تروّج للحروب كحلول لمعالجة حالات الكساد والركود الاقتصاديين وربما الإخفاق الحالي للنظام كله· وكانت مظاهر ضعف النظام بكليته وهشاشته صارخة الوضوح، فقد أظهرت النتائج المالية للربع الثالث من عام 2001 قبيل 11 سبتمبر ما يدعو إلى قرع جرس الإنذار··
 
وفي 16/4/2001، قارن تشامبرز ما يحدث حالياً وبين فيضان لم نشهده منذ 100 عام يضرب صناعة التقنية· ولم تقتصر أهمية ذلك على أنه حدث خلال حياتنا، بل لأنه جاء بزيادة 5 أضعاف عمّا كنا نتوقعه··· لم نبنِ أبداً أنماطاً بإمكانها مواجهة كارثة بهذه الضخامة···
 
وخلال الفترة بين 10 مارس 2000 ونهاية الربع الاول من 2001، تراجعت قيمة أسهم ناسداك Nasdaq السوقية من 6.7 تريليون دولار إلى 3.3 تريليون دولار· وهبطت أكبر ست شركات على مؤشر ناسداك من مستوياتها العليا في عام 2000 (2.362 تريليون دولار) إلى 914 مليار دولار
 
من كتاب إمبراطورية الشر الجديدة الصادر سنة 2003
 
هناك أربعة أو خمسة من بنوك نيويورك تتحكم بتجارة الأسهم، أكبرها سيتي غروبCitigroup ، ومورغان تيشيز، وتملك هذه البنوك تأثيراً هائلاً على النظام المالي العالمي، وفي حالة انهيارها كما حصل مع LTCM ، سينهار النظام المالي العالمي برمته·
 
من كتاب حروب البترول الصليبية الصادر سنة 2005 
 
غير أن معدلات الفائدة العالية تهدد الاقتصاد الغارق في الدين، وبخاصة الديون العائلية الخاصة وديون رهن المنازل· ففي الأشهر الأخيرة، كانت 70% من إجمالي ديون رهن المنازل مسجلة بمعدلات دين عائمة· وإذا كانت معدلات الفائدة منخفضة، وكذلك معدلات الكلفة حالياُ، فإن ارتفاع هذه المعدلات سيجعل أصحاب المنازل في وضع لا يسمح لهم بتسديد الأقساط الشهرية، الأمر الذي سيتسبب بأمواج من الإفلاسات كما حصل في الثلاثينات، ولكن على نطاق أسوأ·
 
وفي حالة حصول ارتفاع ملحوظ في معدلات الفائدة الأمريكية، فإن ملايين العائلات الأمريكية الغارقة في الديون، ستجد نفسها فجأة مجبرة على التخلي عن منازلها بعد أن أصبحت غير قادرة على تحمل كلفة الفائدة العالية· مثل هذا الوضع سيضرب البنوك، التي ستجد نفسها أمام رهونات عقارية بمليارات الدولارات، وقد أصبحت غير ذات قيمة، وهو ما سبق وحصل في الثلاثينات·
 
 من كتاب حروب البترول الصليبية الصادر سنة 2005 
 
وكمعظم الإمبراطوريات التي توالت في التاريخ، فإن الإمبراطورية الأمريكية زرعت بذور فنائها بنفسها فالغطرسة التي تميز ممارسات النخب التي تتحكم بها، وكذلك الإدمان المتعاظم على التعامل مع العالم من منظور القوة العالمية المهيمنة، أعمت أنظار النخبة السلطوية عن العواقب المترتبة على طموحها الجامح· فهؤلاء يعيشون وهماً كبيراً، يقوم علىالاعتقاد بأن القوة العسكرية المتفوقة، وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تعوضهم عن الاقتصاد الداخلي المتراجع، والقاعدة الصناعية الآخذة في الانهيار، والديون المحلية المتضخمة إلى درجة الانفجار· مثل هذا الوهم إنما يعمي النخبة الأمريكية المتنفذة عن رؤية الكتابة الواضحة على الحائط·· أما كم من الديون الشخصية يستطيع الأمريكيون تحمله قبل أن يصلوا مرحلة التوقف عن السداد ؟ فالسقف واضح، وسيكون لهذا الوضع انعكاساته على العالم كله· 
 
من كتاب حروب البترول الصليبية الصادر سنة 2005 
 
سيكون انهيار الإمبراطورية الأمريكية مفاجئاً وسريعاً على غرار انهيار إمبراطوريات شركاته العملاقة، كما انهارت شركة ENRON أو شركة LTCM· شركتا السيارات العملاقة جنرال موتورز وفورد هما على شفا الانهيار، ولقد تم تصنيف سنداتهما مؤخراً بأدنى الدرجات Junk Bonds في حين أن أرباحهما تأتي من فروعهما المالية التي تعمل بالإقراض وأعمال المال الأخرى·
 
من مقدمة كتبها الدكتور عبد الحي زلوم لكتاب لكي نفهم العراق سنة 2006 للكاتب الأمريكي المعروف البروفيسور ويليام بولك، أستاذ التاريخ السابق بجامعة هارفارد ومساعد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق· 
Page 3
تمهيد
 
في كتابنا نذر العولمة بيّنا أن الرأسمالية المعلومالية قد مزجت بين قوة المال وقوة الإعلام وقوة علوم التسويق للبضائع والسياسيين، وهذه العناصر أسميناها في كتابنا إياه بالإنجليزية The Three Mصs لأنها جميعاً تبدأ بالحرف (Money, Media, Marketing) M·
 
وحيث تم تغيير مفهوم المال حتى أصبح بدوره سلعة من السلع، صار وهماً ونبضة في كمبيوترات البنوك والشركات المالية، وصار غسل دماغ الجماهير الدعامة الأساسية لهذا الثالوث، وذلك النظام، فأصبح دور الإعلام طاغياً، مما جعل أصحاب البيوتات والمؤسسات المالية وأصحابها يهرعون لاحتكار أجهزة الإعلام المختلفة ليتقلص عدد شركاتها الكبرى من 30 إلى 5 خلال آخر عقدين، تربع على رأس هؤلاء الشركات الخمس أصحاب البنوك أنفسهم· وحين كتابة هذه السطور كان رؤساء هذه الشركات الخمس من ملة واحدة!
 
عندما زار وفد صحفي من الاتحاد السوفيتي الولايات المتحدة في الثمانينات من القرن الماضي، وقبل مغادرتهم، سأل أحدهم ضيوفه الأمريكان: كيف تستطيع ماكينة الإعلام الأمريكية أن تتحكم لهذه الدرجة، حيث إننا وجدنا الرسالة نفسها، والنص نفسه في سائر أنحاء الولايات المتحدة ومن مؤسسات الإعلام كافة، وبطريقة لم نستطع نحن في الاتحاد السوفيتي تحقيقها رغم تمركز آلة الإعلام بأيدي حزبنا
 
نقتبس في هذا الكتاب قول البروفيسور كويغلي Quigly من جامعة جورج تاون، والذي علّم طلابه (ومنهم بيل كلينتون) أن برامج الحزبين الأمريكيين في جوهرهما برنامج واحد في خطوطه العريضة، وأن الإدارات التي تأتي للسلطة تأتي لتنفيذ تلك المخططات مع حرية حركة تكتيكية محدودة· وتتحمل الإدارات الأمريكية كل أوساخ تلك البرامج باعتبارهم المسؤولين عنها، وذلك بمنأى عن أصحاب النظام الحقيقيين الذين جيّروا تلك البرامج لمصالحهم الضيقة· جاء كلينتون وراح كلينتون، جاء بوش، وراح بوش، وجاء أوباما وسيروح أوباما، وقد علقت بهم كل أوساخ النظام لفترات حكمهم لكن أصحاب النظام الحقيقيين باقون، يلعنون مع الجمهور وساخة هذه الإدارات، وتبدأ ماكينة إعلامهم بالتبشير أنه ما علينا إلا أن ننتظر الإدارة التي ستأتي حتى تصبح كل الأمور على ما يرام! فالمشكلة في هؤلاء (الأوغاد) كما أسماهم البروفيسور غويغلي!· هذا ما يريد أصحاب النظام أن يوحوا به، مع أن المشكلة والأزمة هي أزمة نظام·
 
سيبين هذا الكتاب أن الرأسمالية منذ نشأتها قبل 500 سنة عاشت على الأكاذيب والحروب والعبودية واستعباد الشعوب، تديرها فئة قليلة جداً من بارونات المال العالميين· ولقد وظف هؤلاء في خدمتهم الإعلام على مدى القرون فملكوه وأداروه، سواء عندما كان يعتمد على الشائعات الكاذبة أو الصحف أو على الإذاعة والتلفزيون· كانت أضخم صفقة نفذّها روتشايلد هو بمعرفة نتائج معركة وترلو قبل الآخرين، فادّعى أن انكلترا قد خسرت الحرب وباع بعض أسهمه، مما سبب انهيار البورصة·عندها قام بشراء كميات هائلة من الأسهم بأبخس الأسعار التي ارتفعت إلى سابق عهدها، بعدما تبين أن بريطانيا هي التي ربحت تلك المعركة· يقول روتشايلد مفتخراً: لقد كانت هذه صفقة عمري كان الحمام الزاجل هو من أوصل خبر نتيجة معركة وترلو لورتشايلد· وما إن ما بدأت التقنية الحديثة بدءاً بالتلغراف حتى قام أصحاب النظام الرأسمالي بتأسيس المؤسسات الإخبارية ووكالات الأنباء وسائر وسائل التأثير الجماعي· كان من أوائل هؤلاء إسرائيل بير جوزيفات (Israel Beer Josephat) والذي اقتضت متطلبات المهنة أن يغير اسمه إلى رويتر، وديانته من اليهودية إلى الكاثوليكية، كما فعل الرئيس البريطاني دزرائيلي ذلك في عهده، وكما فعلت مدلين اولبرايت ووالدها جوزيف كوربل من بعده· وصاحبنا هو مؤسس وكالة رويتر للأنباء· ولقد اهتم هؤلاء بالاستيلاء على مصادر الأخبار ثم أدوات نشرها، فلقد تعلموا من تجاربهم أن ذاكرة الشعوب قصيرة المدى واعتمدوا مقولة اكذب اكذب يصدقك الناس· ولكي يعطوا أكاذيبهم طابع الصدق والعدل بل القداسة، وظفوا كهنة لنظامهم أسموهم الاقتصاديين، والذين كانوا وما زالوا يزاولون دور وعاظ السلاطين بإصدار الفتاوى من نوع ادفع وارفع
Page 4
وفي كل عصر وحقبة من الزمن نجد بأن بارونات المال هؤلاء قد لمّعوا أحد هؤلاء ليضفوا عليه هالة القداسة، وأنه إذا قال فصدقوه عند انهيار النظام كما حصل أيام الكساد الكبير، كان هناك جون مينارد كينز John Maynard Keynes ، والذي نظّر بضرورة تدخل الدولة لتقليم أظافر السوق وكذلك بالإنفاق عن طريق العجوزات أثناء الأزمات إلى أن يتم إنقاذ النظام· وما فتئ النظام بعد ذلك إلاّ أن أخرج كبير كهنة جديداً، فجاء ملتون فريدمان يقول: إن تدخل الدولة هو أبو الشرور، فتم فكفكة ما تم وضعه من قوانين معتمدة على الأرذوكسية الكينزية خصوصاً في عهد ريغان، ثم جاء رئيس البنك المركزي بول فاولكر ومن بعده آلان غرينسبان، والذي حكم النظام المالي الأمريكي ومن ثم العالمي 16.5 سنة ليقول لنا أمام لجنة تقصي حقائق عن أسباب الأزمة الاقتصادية في الكونغرس في أكتوبر سنة 2008: إنني مصاب بالذهول··· فأنا أعرف بأن هناك خطأ ما في النظام··· لكني لا أعرف ما هو··· لا فُضّ فوه!
 
لكن السؤال: لماذا علينا أن نصدق فولكر أو غرينسبان أو حتى بن شلومو برنانكي، الذي جاء وول ستريت به لينقذ مؤسساته المالية؟ فشلومو برنانكي كانت رسالة الدكتوراة خاصته عن الكساد الكبير··· يا للصدفة جاء قبل أن يُعلن للملأ عن كساد كبير أو تباطؤ كبير··· سمه ما شئت! أم هي صدفة إن جيئ به هذه الأيام وهو الذي وصل إلى نتيجة في رسالة دكتوراه مؤداها أن أُم المشاكل هي السماح بانهيار البنوك، وعلى الدولة حمايتها بسائر الوسائل، وهكذا انقلبت الدولة الرأسمالية التي كانت تلعن تدخل الدولة وجعلته من المحرمات على دول شرق جنوب آسيا أثناء أزمة التسعينات، مُعلنة أن على البنوك الضعيفة والشركات الضعيفة أن تنهار، حيث ما لبت أن ذهب بارونات المال العالميون لشرائها بأبخس الأثمان· لكن اليوم، أصبحت تلك المحرمات حلالاً، وبدأت الحكومة بشراء الحصص وضخ المليارات لوقف الانهيارات لمؤسسات باروناتها! ورسالة دكتوراه برنانكي كانت من أشهر الجامعات الأمريكية MIT ، وكان المشرف عليها الأستاذ في تلك الجامعة آنذاك البروفيسور ستانلي فيشر Stanley Fisher ، والذي انتقل ليصبح نائب مدير صندوق النقد الدولي وهو اليوم رئيس البنك المركزي لإسرائيل !
 
إذا كان الأمر بهذا الوضوح فهل علينا أن نبقى كتنابل السلطان نسير من أزمة إلى أزمة··· إلى حتفنا··· أم إن علينا إصلاح ذات بيننا وتفحص ما يجري حولنا؟
 
هل أتاك حديث مادوف Madoff  وبلاغوجيفتش؟ انه حكاية النظام كله
 
برنارد مادوف هو ابن وول ستريت البار· أسس سنة 1960 شركة برنارد مادوف للإستثمار عندما كان في الثانية والعشرين من عمره وكان رأسماله حينئذٍ 5000 دولار· بقي مادوف رئيس مجلس إدارة هذه الشركة حتى 11 ديسمبر 2008 حينما ذهب وأخبر اولي الأمر أن شركته كانت تمارس الخداع والغش والكذب خلال سنوات عملها، وكان قد أخبر بعض مدراءه الشيء نفسه قبل يوم من افصاحه عن سوء أمره قائلاً: كان الأمر كله كذبة كبرى وصل مادوف إلى أعلى المراكز في وول ستريت بما في ذلك رئاسة مجلس إدارة ناسداك Nasdaq أهم سوق مالي لشركات التكنولوجيا في العالم لعدة سنوات· كان لآخر أيامه ممن يسمون في وول ستريت صناع السوق (خسائر) مادوف كانت 50 مليار دولار أي 50.000.000.000 دولار عداً ونقداً !!!··· وما كادت الفضيحة أن تنكشف حتى أفصحت العديد من البنوك العالمية داخل الولايات المتحدة وخارجها في بريطانيا، وإسبانيا، وفرنسا، وايطاليا وهولندا وغيرها انها قد أصابها خسائر جسيمة لأنها كانت تستثمر مع مادوف· كان مادوف، حسب صحافة وإعلام وول ستريت رجلاً تقياً نقياً طاهراً ورعاً، حيث أنه كان كثيراً لأعمال الخير خصوصاً للمؤسسات اليهودية واسرائيل···· بل وكان في مجلس امناء إحدى الجامعات اليهودية·
Page 5
حسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية AFP في 18/12/2008 فلقد ظهر على الإنترنت طوفان من الرسائل المعادية للسامية وهنا ً نضع معادية السامية بين قوسين قالت وكالة الأنباء هذه بأن مادوف، ذو السبعين عاماً، يهودي الديانة، وعضو بارز في الجالية اليهودية الأمريكية ذات النفوذ القوي ثم تقتبس الوكالة ما قالته رابطة الدفاع ضد التمييز اليهودية ADF عن هذا الموضوع: قام البعض بكتابة تعليقات بالغة الإهانة عن علاقة اليهود والمال حتى أن بعضهم قال أنه لا يستطيع أحد القيام بعملية غش كهذه إلاّ اليهود كما أن آخرين ادعوّا (في نظريات مؤامرة) بأن سرقات اليهود هذه انما هي لمساعدة إسرائيل واستطرد الناطق بإسم رابطة ADL أنه حتى بعض الجرائد، وليس مواقع الإنترنت فقط، قد كانت من اولئك الذين انضموا إلى تلك الحملة ومنهم نيويورك بوست، ومجلة فوربس· لكن الغريب أن مواقع جريدة هارتس والجيروسالم بوست كانا ضمن تلك المواقع التي ورد فيها مثل هذه الإتهامات اللاسامية إذن مهاجمة الغش والخداع والسرقة هي (لا سامية) و(نظرية مؤامرة) حتى ولو كان على موقع جريدة إسرائيلية! أليس هذا هو الإبتزاز بعينه؟؟
 
بينا في هذا الكتاب أن ممارسات أسواق المال منذ كان هناك أسواق مال هي نفسها، جديدها قديم، وقديمها جديد· بينّا أن الفقاعات الاقتصادية كانت تُمارس حتى قبل 300 سنة حيث بينّا فقاعة شركة بحر الجنوب سنة 1720 والتي يُظّن أنها قد حدثت بالأمس· حتى أن ممارسات مادوف ما هي إلا نسخة طبق الأصل عن ممارسات تشارلز بونزي Charles Ponzi في العشرينات من القرن الماضي·
 
بدأ بونزي فقيراً معدماً كما كان الحال مع مادوف، إلى أن عمل مع أحد أصحاب البنوك الفاسدين في كندا حيث تَعلّم منه آخر علوم النصب، والنصب هو أحد علوم مهنة أسواق المال وأصحابها التي ورثوها أباً عن جد على مدى التاريخ· ما تعلمه هو ما يسمى Pyramid Scams وملخصها الدفع للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد بناءاً على مشاريع وهمية· ووَعَد بونزي بدفع فائدة 50% على أي مبلغ استثمار لمدة 90 يوماً فقط· خلال سبع شهور جمع 30000 مستثمر دفعوا 9 مليون دولار وهو مبلغ ضخم في تلك الأيام· ذاع صيته في كل مكان· وبعد أن بدأ عملية احتياله وبجيبه دولارين فقط، امتلك قصراً وسيارات فارهة إلى أن تم اكتشاف أمره بعد أن كان ما كان! وهذا ما قام به مادوف··· بل هذا ما تقوم به شركات المال وباروناتها العالميين·
 
نقتبس هنا وصف أستاذ الاقتصاد وعميد سابق بكلية الإدارة في جامعة MIT (Lester C. Thurow)  أيدلوجية وأخلاق الرأسمالية في كتابة مستقبل الرأسمالية بقوله: من سوء الحظ أن أيا من الرأسمالية والديمقراطية ليست أيديولوجية قادرة على الدمج والتوحد، إذ أن كليهما أيديولوجية عملية تقول بأن الإنسان سيكون في وضع أفضل إذا اتبع الإجراءات التي توصي بها· ولا تقدم أي منهما أية أهداف عامة يمكن للجميع أن يتبناها ويتم تطبيقها بشكل جماعي، وتتضمن كل منهما التأكيد على الفرد لا على المجموعة· وفي أدق التعبيرات عن المبادئ والأخلاقيات الرأسمالية، تعتبر الجريمة نشاطاً اقتصادياً أخر يمكن مقارفته مقابل ثمن باهظ، إذا ما وقع صاحبه في قبضة رجال الأمن· وليس هناك من شئ يمتنع القيام به، ولا وجود للواجبات والالتزامات· ما هو موجود فقط هو عمليات السوق
 
إذا كان الأمر كذلك فإن ممارسات مادوف هي ضمن إطار هذا النظام الرأسمالي· وحيث أن الرجل ذو أخلاق عالية ومن المحسنين، ولم تكتشفه السلطات (مع أن البعض قد حذرها مراراً وتكراراً خصوصاً خلال آخر عشر سنين) لذلك نقترح أن تقدم له الحكومة الأمريكية صندوق إنقاذ كما قدمته لعشرات بيوتات المال الأخرى، فهي ليست أكثر منه احساناً، ولا تمارس لعبتها خارج القواعد التي لعب بها مادوف· وهذه المساواة تتماشى مع اصول الديمقراطية الغربية !!
 
إذا كانت أخلاقيات نظام السوق الرأسمالي تسمح ببيع السلع والسياسيين واقتراف الجريمة باعتبارها عمليات سوق لا تخضع لمعايير أخلاقية، فدعنا نرى كيف ينطبق ذلك على بيئة شيكاغو وحزبها الديمقراطي الذي أوصلت ماكنته السياسية باراك أوباما إلى أعلى مناصب الدولة·
 
يقول ديك سمبسون Dick Simpson أستاذ العلوم السياسية بجامعة إلينوي في شيكاغو أن أكثر من ألف شخص قد تم ادانتهم على خلفية جرائم سياسية اقترفت منذ السبعينات من القرن الماضي كان منهم ثلاثون ممن وصلوا إلى مراكزهم عبر صناديق الاقتراع إلى مناصب عامة وهامة· كان آخر هؤلاء حاكم ولاية إلينوي الحالي (بلاغوجيفيتش Blagojevitch) والذي تم اعتقاله واطلاق سراحه بكفالة في 9/21/8002· وهذا ما نقلته وكالة الأسوشيتيد برس في 42/21/8002: أوقف بلاغوجيفيتش في التاسع من كانون الأول وأفرج عنه بكفالة· وكشفت نصوص الاتصالات الهاتفية التي نشرها مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) أنه حاول بيع مقعد سناتور إيلينوي الذي بقي شاغراً بعد انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة· وكشف التنصت على مكالمات حاكم إيلينوي أنه كان غاضباً لأن فريق أوباما لم يقدم له سوى التقدير مقابل تعيين هذه الشخصية أو تلك··· ويعود إلى حكام الولايات المتحدة تعيين أعضاء ملجس الشيوخ الذين تصبح مقاعدهم شاغرة، بانتظار الإنتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ بعد سنتين·
Page 6
حسب ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية AFP في 18/12/2008 فلقد ظهر على الإنترنت طوفان من الرسائل المعادية للسامية وهنا ً نضع معادية السامية بين قوسين قالت وكالة الأنباء هذه بأن مادوف، ذو السبعين عاماً، يهودي الديانة، وعضو بارز في الجالية اليهودية الأمريكية ذات النفوذ القوي ثم تقتبس الوكالة ما قالته رابطة الدفاع ضد التمييز اليهودية ADF عن هذا الموضوع: قام البعض بكتابة تعليقات بالغة الإهانة عن علاقة اليهود والمال حتى أن بعضهم قال أنه لا يستطيع أحد القيام بعملية غش كهذه إلاّ اليهود كما أن آخرين ادعوّا (في نظريات مؤامرة) بأن سرقات اليهود هذه انما هي لمساعدة إسرائيل واستطرد الناطق بإسم رابطة ADL أنه حتى بعض الجرائد، وليس مواقع الإنترنت فقط، قد كانت من اولئك الذين انضموا إلى تلك الحملة ومنهم نيويورك بوست، ومجلة فوربس· لكن الغريب أن مواقع جريدة هارتس والجيروسالم بوست كانا ضمن تلك المواقع التي ورد فيها مثل هذه الإتهامات اللاسامية إذن مهاجمة الغش والخداع والسرقة هي (لا سامية) و(نظرية مؤامرة) حتى ولو كان على موقع جريدة إسرائيلية! أليس هذا هو الإبتزاز بعينه؟؟
 
بينا في هذا الكتاب أن ممارسات أسواق المال منذ كان هناك أسواق مال هي نفسها، جديدها قديم، وقديمها جديد· بينّا أن الفقاعات الاقتصادية كانت تُمارس حتى قبل 300 سنة حيث بينّا فقاعة شركة بحر الجنوب سنة 1720 والتي يُظّن أنها قد حدثت بالأمس· حتى أن ممارسات مادوف ما هي إلا نسخة طبق الأصل عن ممارسات تشارلز بونزي Charles Ponzi في العشرينات من القرن الماضي·
 
بدأ بونزي فقيراً معدماً كما كان الحال مع مادوف، إلى أن عمل مع أحد أصحاب البنوك الفاسدين في كندا حيث تَعلّم منه آخر علوم النصب، والنصب هو أحد علوم مهنة أسواق المال وأصحابها التي ورثوها أباً عن جد على مدى التاريخ· ما تعلمه هو ما يسمى Pyramid Scams وملخصها الدفع للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد بناءاً على مشاريع وهمية· ووَعَد بونزي بدفع فائدة 50% على أي مبلغ استثمار لمدة 90 يوماً فقط· خلال سبع شهور جمع 30000 مستثمر دفعوا 9 مليون دولار وهو مبلغ ضخم في تلك الأيام· ذاع صيته في كل مكان· وبعد أن بدأ عملية احتياله وبجيبه دولارين فقط، امتلك قصراً وسيارات فارهة إلى أن تم اكتشاف أمره بعد أن كان ما كان! وهذا ما قام به مادوف··· بل هذا ما تقوم به شركات المال وباروناتها العالميين·
 
نقتبس هنا وصف أستاذ الاقتصاد وعميد سابق بكلية الإدارة في جامعة MIT (Lester C. Thurow)  أيدلوجية وأخلاق الرأسمالية في كتابة مستقبل الرأسمالية بقوله: من سوء الحظ أن أيا من الرأسمالية والديمقراطية ليست أيديولوجية قادرة على الدمج والتوحد، إذ أن كليهما أيديولوجية عملية تقول بأن الإنسان سيكون في وضع أفضل إذا اتبع الإجراءات التي توصي بها· ولا تقدم أي منهما أية أهداف عامة يمكن للجميع أن يتبناها ويتم تطبيقها بشكل جماعي، وتتضمن كل منهما التأكيد على الفرد لا على المجموعة· وفي أدق التعبيرات عن المبادئ والأخلاقيات الرأسمالية، تعتبر الجريمة نشاطاً اقتصادياً أخر يمكن مقارفته مقابل ثمن باهظ، إذا ما وقع صاحبه في قبضة رجال الأمن· وليس هناك من شئ يمتنع القيام به، ولا وجود للواجبات والالتزامات· ما هو موجود فقط هو عمليات السوق
 
إذا كان الأمر كذلك فإن ممارسات مادوف هي ضمن إطار هذا النظام الرأسمالي· وحيث أن الرجل ذو أخلاق عالية ومن المحسنين، ولم تكتشفه السلطات (مع أن البعض قد حذرها مراراً وتكراراً خصوصاً خلال آخر عشر سنين) لذلك نقترح أن تقدم له الحكومة الأمريكية صندوق إنقاذ كما قدمته لعشرات بيوتات المال الأخرى، فهي ليست أكثر منه احساناً، ولا تمارس لعبتها خارج القواعد التي لعب بها مادوف· وهذه المساواة تتماشى مع اصول الديمقراطية الغربية !!
 
إذا كانت أخلاقيات نظام السوق الرأسمالي تسمح ببيع السلع والسياسيين واقتراف الجريمة باعتبارها عمليات سوق لا تخضع لمعايير أخلاقية، فدعنا نرى كيف ينطبق ذلك على بيئة شيكاغو وحزبها الديمقراطي الذي أوصلت ماكنته السياسية باراك أوباما إلى أعلى مناصب الدولة·
 
يقول ديك سمبسون Dick Simpson أستاذ العلوم السياسية بجامعة إلينوي في شيكاغو أن أكثر من ألف شخص قد تم ادانتهم على خلفية جرائم سياسية اقترفت منذ السبعينات من القرن الماضي كان منهم ثلاثون ممن وصلوا إلى مراكزهم عبر صناديق الاقتراع إلى مناصب عامة وهامة· كان آخر هؤلاء حاكم ولاية إلينوي الحالي (بلاغوجيفيتش Blagojevitch) والذي تم اعتقاله واطلاق سراحه بكفالة في 9/21/8002· وهذا ما نقلته وكالة الأسوشيتيد برس في 42/21/8002: أوقف بلاغوجيفيتش في التاسع من كانون الأول وأفرج عنه بكفالة· وكشفت نصوص الاتصالات الهاتفية التي نشرها مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) أنه حاول بيع مقعد سناتور إيلينوي الذي بقي شاغراً بعد انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة· وكشف التنصت على مكالمات حاكم إيلينوي أنه كان غاضباً لأن فريق أوباما لم يقدم له سوى التقدير مقابل تعيين هذه الشخصية أو تلك··· ويعود إلى حكام الولايات المتحدة تعيين أعضاء ملجس الشيوخ الذين تصبح مقاعدهم شاغرة، بانتظار الإنتخابات المقبلة لمجلس الشيوخ بعد سنتين·
Page 7
ألسنا بألف خير ونحن نمتلك مفاتيح أعظم موارد الطاقة في العالم - النفط - والتي يمكن أن تكون أسلحة دمار شامل حقيقي ضد أعدائنا وآلته الحربية والصناعية، في حين نستحلفهم بالله بأن يقبلوا مبادرتنا والتي تتسم بكرمنا العربي بدءاً من الولائم وحتى الأوطان؟ ألا يدخل كل يوم أو يفترض أن يدخل كل يوم وبأسعار اليوم للبترول 2.5 مليار دولار ثمن ما نصدره من البترول - أي بلغة الأصفار 2.500.000.000دولار كل صباح، وبالرغم من ذلك فلدينا من أعلى نسب الفقر والبطالة والجهالة في العالم ! وبالرغم من فقر شعوبنا وجهالتها أفلا نمارس مكارم الأخلاق بحرصنا على (نمو الاقتصاد العالمي) ونرسل له جل مدخراتنا لاستثمارها في اقتصادهم أو سد عجوزات خزائنهم؟ أليس ذلك من مكارم أخلاق الجأهلية وكرمها الحاتمي بالنوم جياعاً لإطعام الآخرين؟ هل قلنا جأهلية ؟ هل نحن في جأهلية آخرى؟
 
لكن لماذا هذا التجني ؟ صحيح أن عائدات النفط والتي كونها الله تحت أراضينا عبر مئات ملايين السنين تذهب إلى الغرب بسرعة 186000 ميل في الثانية، وهي سرعة الضوء وسرعة انتقال الأموال بالكمبيوتر هذه الأيام· وصحيح أيضاً أن سايكس بيكو قد قسّمانا إلى فئتين: الأولى ضئيلة السكان غنية الموارد، والثانية غنية السكان فقيرة الموارد- ولكن ألا يقوم الغرب بحماية الفئة الأولى لعجزها عن حماية نفسها· وإقراض الفئة الثانية بشرط تقديم سيادتها كرهينة لسداد ديونها التي لا تنتهي - أليست تلك الأموال من فوائض بترودولاراتنا قد رُدّ بعضها إلينا ؟ فلماذا إذن الاهتمام بالتفاصيل ؟ المهم أن مال العرب قد رجع إليهم·
 
دعنا نكن واضحين: هناك هذا الطريق الذي نحن فيه في عالم متعولم، وهو يكاد يكون وضع كثير من الدول النامية في عهد ما بعد الاستعمار، أو عصر العولمة· ولقد عرّفت العولمة في محاضرتي بجامعة هارفارد / قسم دراسات الشرق الأوسط وكلية كيندي للسياسة بأنها هي تلك العملية التي تسعى لتحويل دول العالم إلى جمهوريات موز عن طريق الحكم غير المباشر إن أمكن، أو الاحتلال أو الحروب الاستباقية إن لم يمكن، لتصبح في خدمة الإمبراطورية الأمريكية إذا قبلنا دخول بيت الطاعة هذا فعلينا قبوله بقده وقديده· علينا أن نقبل أن شارون هو رجل سلام، وأن المقاومة هي إرهاب، وعلى الإمبراطور أن يقرر كم ندفع للزكاة ولمن ندفعها، بالإضافة إلى كيف نأكل وكيف نلبس وأي من آيات القرآن يفضل عدم قراءتها، أو إعادة كتابة التاريخ ليصبح احتلال العراق تحريراً، واغتصاب فلسطين وعداً الهياً ! واستيرادنا للـ Aids حضارة وحقوق إنسان·
 
بعد سايكس بيكو جاء عهد الاستعمار وعصر شبه الاستعمار، وعصر ما بعد الاستعمار، أو ما يسميه البعض أحياناً بعصر الاستقلال· سمّه ما شئت وبالطريقة التي تدخل السرور إلى قلبك، عملاً بحرية الرأي والرأي الآخر· منذ ذلك الحين رأى البعض كم كان حكيماً سعد زغلول عندما قال لزوجته: غطيني يا صفية، ما فيش فايدة نام هؤلاء وما زالوا حتى يوم القيامة· هؤلاء قناعتهم هي ليس بالإمكان أفضل مما كان· فهل هذا الأفضل مما كان والذي نحن فيه قابل للاستمرار والحياة ؟
 
لعل أحد أساتذة جامعة MIT الأمريكية ليستر ثورو Lester Thurow قد أجاب عن هذا السؤال نيابة عني بأن الوضع الراهن، غير قابل للحياة لهم ولنا، حين ذكر مثلاً صينياً يُشّبه الأوضاع في عصر عولمتنا هذه كسمكة كبيرة اُخرجت لتوها من الماء تتحرك بعنف علها تستطيع استعادة مكانها· وفي هذه الحالة لا تسأل السمكة إلى أين تأتي بها حركتها التالية لأنها تشعر فقط أن وضعها الحالي لا يمكن احتماله، وهو أصلاً غير قابل للاستمرار المفكرون بالغرب أيضاً هم لا يرون إمكانية معالجة هذا النظام من داخل منظومته· هذا ما كتبه Willis Harman إن النظام الحالي شأنه شأن المريض الذي يذهب إلى الطبيب فيقول للطبيب إنه يقاس من عمله الذي يضنيه، لكنه يحب ما يتعاطاه من الكحول في المساء فهي تنسيه هموم النهار، وهو يدخن ثلاث علب سجاير في اليوم، وهو يطلب العلاج ولكن دونما أي تغيير في عمله أو شربه أو دخانه! ويضيف: ويتعمق شعور الشعوب في العالم الحالي بأنهم أصبحوا بلا حول ولا قوة·· وهم في أكثر الأحيان يعزون تلك المشاعر لإخفاق سياسات قوى النفوذ أو إلى اليساريين المتعصبين، أو إلى الرأسماليين الجشعين، ولكن حقيقة الأمر هي أعمق من ذلك وتتطلب تغييراً عميقاً أساسياً في المفاهيم والافتراضات (للنظام نفسه)، وقال عنه بطريقة مشابهة Roger Terry يعرف الأمريكيون أن هناك خطأ ما في أمريكا، ولكنهم لا يعرفون ما هو، ولا يعرفون لماذا ذاك الخطأ، والأهم من كل ذلك فهم لا يعرفون كيف يصلحون ذلك الخطأ·· وكل ما بإمكانهم هو الإشارة إلى أعراض المرض فقط· وفي الحقيقة فإن بعض مما يسمى حلولاً يزيد الطين بلّه، ذلك أن تلك الحلول تحاول أن تغير نتائج النظام دون تغيير النظام الذي أفرز تلك النتائج
 
ليست المشكلة بالآخرين وحدهم، فنحن ما بين فئة قليلة تطابقت مصالحها مع من هم خارج أوطانها أو ممن شغفهم الغرب حباً، وهؤلاء قال عنهم ابن خلدون قبل بضع مئات من السنين بأن عبودية العقل هي أقسى أنواع العبوديات، وبين فئة جمدت حضارتنا العظيمة في ثلاجة الزمن البعيد، دون الأخذ بأدوات التحديث والعصر في حضارة حثت على الأخذ بالعلم حتى ولو في الصين·
 
هل هناك شرق أوسط جديد ؟ الجواب نعم، هناك طفل قد يكون اسمه الشرق الأوسط الجديد وقد لا يكون ! وهو - كما قالت عنه كونداليزا رايس - في مخاض آلام الولادة· هو لن يكون بمواصفات رايس أو شمعون بيريز· لا أدري مَنْ غيرُ الله يدري كيف سيكون هذا الوليد لأنه من أطفال الأنابيب، وهو قادم من رحم قانون العواقب غير المحسوبة The Law of Unanticipated consequences لا من واشنطن ولا من أحبائها·
 
ليس للأباطرة أصدقاء ولا صداقات· مات ماركوس في منفاه، وضاقت الأرض بما رحبت لقبرٍ يـُوارى به جثمان شاه إيران· جنـّدت الولايات المتحدة ألوف المتطوعين البسطاء ليجاهدوا معها ضد الكفار السوفييت في أفغانستان· وبعد أن قـُضي الأمر، أين أصبح هؤلاء؟ منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر في غوانتنامو! ثم أين هو سوهارتو؟ وأمـّا مانويل نورييغا فلقد بدأ حياته مخبراً ثم عميلاً من الدرجة الممتازة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية، حيث أوصلته إلى حكم جمهورية بنما· أما اليوم فهو السجين رقم 41586 في أحد سجون ميامي الفيدرالية بولاية فلوريدا
Page 8
المقدمة
 
بدعوة من جامعة هارفارد / كلية John F. Kennedy School of Government ومركز دراسات الشرق الأوسط Center for Middle East Studies ، ألقى د· عبد الحي زلوم محاضرة بتاريخ 18-3-2008 الساعة الرابعة بعد الظهر، وقدمه للحضور البروفسور أوين Owen الأستاذ في جامعة هارفارد والأستاذ السابق بجامعة اوكسفورد· وكان الحضور متميزاً خصوصاً من أساتذة كليات هارفارد، بما فيها كلية الدراسات السياسية للجامعة· وقدم البروفيسور اوين د· زلوم للحضور كالآتي:
 
أكمل عبد الحي زلوم دراسته الجامعية الأولى والعليا في جامعات الولايات المتحدة، بما فيها هنا في هارفاد، كلية الدراسات العليا للإدارة· عمل حوالي خمسين سنة في صناعة البترول مستشاراً عالمياً معروفاً، وساهم في تأسيس العديد من شركات نفط أوبك الوطنية· سيحدثنا عن موضوع آخر كتبه: حروب البترول الصلييبة: أمريكا بعيون عربية، والذي تم نشره في المملكة المتحدة من Pluto Press ، وفي الولايات المتحدة من دار النشر لجامعة ميتشغن University of Michigan Press·
 
عندما تم اقتطاع فلسطين من الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، قرر مؤتمر فرساي للسلام تشكيل لجنة كنغ كرين King Crane Commission وذلك لاستشارة أهل فلسطين وسوريا الكبرى بشأن تقرير مصيرهم· وكانت نتائج زيارات هذه اللجنة، كما جاء في تقريرها، بأن الغالبية لشعب سوريا الكبرى بما فيها فلسطين تحبذ الاستقلال، وإذا كان لا بد من انتداب، فلتكن الولايات المتحدة هي دولة الانتداب لتساعدهم على تحقيق أحلامهم في الاستقلال·
 
وحتى بعد ذلك بعقود، وعندما قام جمال عبد الناصر سنة 1952 ذو الاثنين وثلاثين عاماً، وذو إخلاص ووطنية لا شك بهما ممزوجتين بسذاجة سياسية وقلة خبرة آنذاك، وكان على اتصال مع السفارة الأمريكية قبل وأثناء وبعد انقلابه على الملك فاروق، متوهماً بأن الدولة الأمريكية ستساعد على تحقيق أحلامه في التخلص من الاحتلال البريطاني لوجه الله تعالى وحباً للخير، والذي هو من طباعها كما كان يظنها الكثيرون· حتى إن عميد المخابرات CIA كيم روزفلت Kim Roosevelt الذي قاد الانقلاب على محمد مصدق في إيران كان له مكتب يجاور مكتب جمال عبد الناصر لبعض السنوات بعد الانقلاب·
 
وحينما تخرجت من المدرسة الثانوية في القدس سنة 1954، رأى والدي أن أكمل دراستي الجامعية في الولايات المتحدة، حيث هناك العلم والحرية والعدل وطريق السعادة· فهذه الولايات المتحدة، بالرغم من قوتها وجبروتها، لم تدخل حرباً (إلاّ لإنهاء الحروب كافة) كما أعلن الرئيس الأمريكي ويلسون (Wilson) عندما دخل الحرب العالمية الأولى· هكذا كانت أمريكا بالعيون العربية والإسلامية·
Page 9
الهوّة بين الحقيقة والواقع
 
توجهت سنة 1954 من مطار القدس الشرقية (قلنديا) متوجهأً للولايات المتحدة· وحين توجهت بالباص إلى الجامعة في ولاية تكساس، أثار اهتمامي جلوس السود في المقعد الخلفي للباص فقط، فقلت - إنها صدفة· لكني لاحظت غيابهم أيضاً عن صفوف التسجيل، فعلمت بعد استفساري بأن هذه الجامعة الحكومية هي مخصصة للبيض فقط، ولا يسمح (للزنوج) بالدراسة فيها· وزاد استغرابي عندما ذهبت إلى مركز المدينة فوجدت إشارات ولافتات في المحال العامة، والمطاعم، والمتنزهات (للبيض فقط) أو (لا للزنوج)· عندئذٍ انتابني شعور بأن أمريكا الحقيقية هي ليست كأمريكا الكتب ولا أمريكا التي كانت في مخيلتي·
 
لعل صدمتي هذه كانت مماثلة لما رواه كولن باول Collin Powel عن تجربته في منتصف الخمسينات أيضاً من القرن العشرين، في معسكرات التدريب العسكري في ولاية جورجيا في جنوب الولايات المتحدة، كما رواها في كتابه (رحلتي الأمريكية)· كان على باول الأسود أن يذهب بعيداً لقداس الأحد في كنيسة للسود، وقام المعسكر بتعيين سائق أبيض ليوصله للكنيسة· سأله السائق إن كان يمكن أن يحضر القداس معه، فاستمهله لحين استئذان راعي الكنيسة والذي أخبره بدوره إنه عادة سيكون ذلك من دواعي سرورنا لولا أن الأمر سيسوء المواطنين البيض، فالأفضل أن يبقى السائق في السيارة يقول باول:
 
إن الحقيقة التي أردت اغفالها بدأت تضغط على حياتي، هذا النظام الذي يجعل من غير المسموح لرجلين أن يعبدا الله في بيت واحد، أو يأكلا في مطعم واحد، بل وحتى استعمال المرحاض الواحد نفسه
 
كفلسطيني المولد، ذهلت من ادعاء الصهاينة بأن فلسطين هي أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض لكن ذهولي الأكبر كان تبني أجهزة الإعلام الأمريكية هذا الادعاء الكاذب· كان العرب يمثلون 95% من شعب فلسطين سنة 1893 في بدايات المشروع الصهيوني، حتى وإن نسبة اليهود بعد حوالي 55 سنة من الهجرة من أرجاء العالم لم تصل إلى 35% من نسبة سكان فلسطين لسنة إنشاء الدولة اليهودية سنة 1948، كما أن اليهود كانوا يمتلكون أقل من 7% من أراضي فلسطين· شاهدت التطهير العرقي الذي مارسته الدولة اليهودية في حربها سنة 1948، مما نتج عنها تفريغ فلسطين من أكثر عربها، والذين هم اليوم لاجئون بالملايين· أما من بقي من عرب فلسطين فلقد تم ضدهم التمييز العنصري وأصبحوا مواطنين من الدرجة الثالثة· كانت عمليات التطهير العرقي والعقاب الجماعي تتبع تعليمات بن غوريون كما دونها في مذكراته في 1/1/1948:
 
إذا اتهمنا عائلة (فلسطينية بمعاداتنا) - علينا ايذاؤهم جميعاً دونما رحمة - بمن في ذلك النساء والأطفال··· وعلينا ألاّ نفرق بين مذنب أو غير مذنب  عملت جهدي لأعرف لماذا تساند الولايات المتحدة هكذا نظام وهكذا عنصرية، وهي تدعي أنها تحمل أعلام الحرية والمساواة والعدل، وأردت أن أعرف سر هذه التوأمة بين إسرائيل وأمريكا·
 
قررت منذ ذلك الوقت نسيان كل الأفكار المسبقة التي أتيت بها، وأن أتفكر وأُمحص ذلك النظام الذي شاهدته وكتب عنه باول، في صوره المتغيرة منذ كريستوفر كولومبوس وحتى جورج بوش، سواءٌ في أي صورة من صوره المتحركة من عبودية، إلى فصل عنصري، إلى واجب الرجل الأبيض المقدس، إلى الانتقائية والاستثنائية وازدواجية المعايير، وإلى الأحادية والحروب الاستباقية في يومنا هذا· لقد وصلت إلى نتيجة: أن كتب التاريخ ووكالات الأنباء يمكن أن تكذب، فأصبحت لا أقبل الأمور دونما بحث وتدقيق· ووجدت أن لكل أمر حكايتين على الأقل، إذن، فهذه حكايتي·
 
صدام المصالح الإمبراطورية لا صراع الحضارات
 
في كتابي: حروب البترول الصليبية: أمريكا بعيون عربية، بينت أن العلاقة بين العرب والمسلمين، وبين الغرب تحركه خمسة عوامل كلها تبدأ بحرف G : أديان الله God ، الجغرافيا Geography ، السياسة الجغرافية Geopolitic ، الجيولوجيا Geology وأخيرا العولمة Globalization . أما ألـ G المسيطرة فكانت تنتقل مع الأيام حسب الترتيب المبين هنا، علماً بأن أكثر من عامل واحد كان يتفاعل مع الآخر· أما اليوم فعاملا الجيولوجيا (النفط والموارد الطبيعية)، والعولمة هما المسيطران· ولنقلها بصراحة فعاملا الاستيلاء على النفط والمصادر الطبيعية، وعولمة العالم ليصب في خانة المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً وهما محور السياسة الأمريكية هذه الأيام·
 
حسب حكاية صامويل هانتغتون، البروفسور في هذه الجامعة، صاحبة دعوتي لهذا الحديث، وكذلك برنارد لويس وجوقته من المستشرقين والمحافظين، فإن العالم يحكمه صراع حضارات، أشدها الصراع بين الحضارة الغربية وحضارة الإسلام· ويبدو لي أن نظرية هانتغتون للصراع هذه قد ركزت على G الأديان، وقللت كثيراً من G العولمة· يقول هانتغتون:
 
إن المشكلة بالنسبة إلى الغرب ليست مشكلة الأصوليين الإسلاميين، بل المشكلة بالإسلام نفسه، الذي يمتلك حضارة مختلفة يؤمن أصحابها بتفوقها في الوقت الذي يتألمون من ضعف أحوالهم· والمشكلة للمسلمين هي ليست وكالة المخابرات المركزية أو وزارة الدفاع الأمريكية، المشكلة في الغرب نفسه ذو الحضارة المختلفة والتي يؤمن أصحابها بتفوقها وصلاحيتها كنظام عالمي، يرغبون في فرض هذه الحضارة على العالم ودعني أقل إن هذا القول لا يفسر الأمور المعقدة إلاّ بطريقة سطحية·
 
حقاً، فلقد قامت الحروب بين المسلمين والنصارى بين الحين والآخر منذ بزوغ فجر الإسلام· ولكن أيضاً فالصحيح أن حروباً نشبت في الوقت ذاته بين الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية، وبين دول الكنيسة الواحدة مع الأخرى· فمنذ ما يسمى عصر التنوير استعرت المعارك بين دول أوروبا المسيحية نفسها على المغانم والموارد والمستعمرات· ألم تكن الحرب العالمية الثانية أعنف الحروب وأشرسها في التاريخ قتل بها أكثر من 50 مليون شخص، ألم تكن هذه الحرب بين المسيحيين والمسيحيين، وبين المسيحيين وغير المسلمين من اليابان؟ ألم تكن الحرب الباردة بين الغرب المسيحي والاتحاد السوفياتي ذي الأغلبية المسيحية الأرذوكسية؟
 
إذا لم يكن هذا هو صراع حضارات، فهو صراع ماذا إذن ؟
 
إنه صراع المصالح الإمبريالية في عصر العولمة·
Page 10
العولمة
 
(G of Globalization)
 
بعد عشر سنوات مضت على كتابي نذر العولمة، فإن تعريفي للعولمة ببساطة: هي العملية التي تسعى لتحويل دول العالم إلى جمهوريات موز في خدمة الإمبراطورية الأمريكية، وذلك عن طريق المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الحرة، والأمم المتحدة إن أمكن، وعن طريق القوة العسكرية عند اللزوم·
 
سنبين هنا أن العولمة، بمفهومها الاقتصادي اليوم، هي تطور حتمي لطبيعة النظام الرأسمالي الغربي الذي تطور من اقتصاد محلي إلى اقتصاد إقليمي، فاقتصاد وطني، وأخيراً إلى اقتصاد العولمة هذه الأيام· ذلك لأن عماد هذا النظام هو النمو الدائم وما يتبع ذلك من التوسع بسائر الوسائل· فعند استقلالها كانت الولايات المتحدة تتكون من 13 ولاية في القسم الشرقي من القارة الأمريكية الشمالية· إلاّ أنها ما لبثت بالتوسع بحروب إبادة على السكان الأصليين ممن أسموهم بالهنود الحمر، ثم بالحروب على الجوار حتى امتدت الولايات المتحدة لتشمل الأراضي الممتدة ما بين المحيطين الأطلسي والباسيفيكي· ولقد تم هذا التوسع تحت ادعاءات مختلفة وبوسائل مختلفة كانت مزيجاً من البارود والدولار، فاشترت العديد من أراضي الولايات من فرنسا فيما أسمي Louisiana Purchase واشترت ألاسكا من روسيا، وانتزعت بالحروب بقية الأراضي من المكسيك من تكساس وحتى كاليفورنيا· ولقد أشعل تسارع الثورة الصناعية والإنتاج الغزير بعد إنتاج النفط سنة 1859 بطرق الحفر الحديثة، وبعد أن وصلت حدود الولايات المتحدة من المحيط إلى المحيط داخل القارة الأمريكية، بدأت الولايات المتحدة عهدها الإمبريالي - كما تسميه الانسايكلوبيديا بريتانيكا - في نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، حين شنت الولايات المتحدة حربها على الممتلكات الإسبانية ابتداءاً من كوبا سنة 1898 وحتى الفلبين، والتي بقيت محتلة حوالي 50 سنة حتى نهاية الحرب العالمية الثانية· كانت الولايات المتحدة تعاني حينئذٍ من كساد كبير، فوجدت النخبة الحاكمة أو البارونات اللصوص، كما تسميهم كتب التاريخ الأمريكية، نفسها بحاجة إلى حرب للخروج من الكساد الاقتصادي وما صاحبه من اضطراب اجتماعي· لم يكن غزو العراق هو الأول الذي قام على ادعاءات كاذبة، وإنما كذلك كانت الحرب الأمريكية الإسبانية حين ادعى الرئيس ماكنلي McKinley أن الإسبان قد أغرقوا المدمرة الأمريكية USS Maine في ميناء هافانا بكوبا - وبعد أن تم احتلال المستعمرات الإسبانية أقرت لجنة تحقيق بعدم ثبوت الادعاء بأن الإسبان هم مسؤولون عن التفجير، والذي قد يكون لأسباب ميكانيكية· ومنذ ذلك التاريخ أصبح العالم كله مسرحاً حراً لبارونات وشركات الولايات المتحدة المتعددة الجنسيات، وبالتدريج بدأت الولايات المتحدة بتحويل ما أمكنها من العالم، إلى جمهوريات موز في عصر العولمة الأمريكي·
 
لكن العولمة صاحبتها تغيرات هامة· فبعد تجديد نظام التجارة الحرة وحرية تنقل رؤوس الأموال، بدأ الرأسماليون في وول ستريت استثماراتهم حيث العمالة الرخيصة والربح الأعلى، ونتج عن ذلك أنه من بعد أن كانت الولايات المتحدة تمثل حوالي نصف الإنتاج الصناعي في العالم، أصبحت اليوم مضطرة لاستقطاب حوالي 3 مليارات دولار يومياً من الخارج لتمويل عجوزاتها وحروبها· ولقد كان عجز المدفوعات لسنة 2005 يقارب 800 مليار دولار، وأصبح لزاماً على الولايات المتحدة عولمة الاقتصاد العالمي لتعاد فوائض الدول الصناعية ذات النمو السريع خصوصاً في آسيا، وكذلك البترودولارات· مما استدعى الولايات المتحدة إلى نشر قواعدها العسكرية في أكثر دول العالم، واستعمال قوتها العسكرية متى وكيفما تشاء هذه الأيام·
 
في دراسة شارك بها توماس بارنت Thomas Barnett، الباحث الاستراتيجي والبروفيسور في الكلية البحرية الأمريكية، نشرت في مايو سنة 2003 في مجلة (Military Officer Magazine) جاء فيها:
 
على الولايات المتحدة أن تبذل نصيب الأسد في المجهود الأمني لدعم التقدم في وتيرة العولمة والتي نحن أكثر المستفيدين من نشرها··· وكما تدل عجوزات التجارة بوضو%