Page 1
تقديم
باع سمك بالبحر
عن الحلم وبيروت والحياة
حين طلب إلي الكاتب الصديق فيصل فرحات قراءة مخطوطة هذا الكتاب وهو بعنوان «باع سمك بالبحر» شعرت أن العنوان يحتاج، ربما، إلى عنوان فرعي آخر فاقترحته عليه وهو «يوم في حياة كاتب». وهكذا كان، فالكتاب يروي يوم في حياته، يشبهه، يشبه الأيام التي تتوالى، يشبه المكان. وفيصل فرحات يعيش كتابه ولا يفعل شيئاً سوى تجميع التفاصيل التي تصنع الحياة الحلوة. يشيل من الحياة ويحط على الورق. لا يفعل شيئاً سوى أن يكتب ويبيع الكتب. وبالتالي «تحقق حلمك دون أن تؤذي غيرك» يقول. وبالتأكيد... تحقق ذاتك وتفيد الآخرين والمجتمع.
منذ كتابه الأول «يوم بدأت الكتابة» وهو يرى إلى دور الكاتب بأنه حارس ليلي يراقب الحياة على الأرض. ولكن فيصل فرحات أخذ على عاتقه ما هو أبعد وأعمق وأشد مضاضة. أن يسلّم الليل إلى النهار بالقراءة والكتابة، بمشاركة الحياة والآخرين والانغماس فيها في أكثر من زاوية ومقترب، ومن قعرها إلى سطحها، حتى تصبح الكتابة والحياة وجهان لأمر واحد هو الحرية، وصورة ملازمة للأمل.
عملَ فيصل فرحات في المسرح تمثيلاً وكتابة وإخراجاً، ولكنه بالعمق هو كاتب وأديب من طراز مختلف. يعرفُ الزاوية التي يتدفق منها الكلام. يدرك التحولات التي تعصف في عالمنا. يحاول ان يكون له موقفاً من زمانه ومن أحداث عصره. كاتب وبيّاع كتب ولكنه حر. حالم. ويطرح على نفسه والآخرين هذا السؤال: هل يمكن أن يعيش الكاتب من كتابه في بلادنا؟ لا يمكن. ولكنه يحاول إخراج المستحيل. يحاول أن يكسر قشرة التخلف وتحقيق التغيير. ودون ذلك أهوال. ومع ذلك يطرق باب الأمل بقوة ولا يجد أحداً. الم تكن الثقافة في مجمل دعواها تعزيزاً للأمل وبناءً للإنسان واكتشاف معنى جديد للحياة والحقيقة.
«باع سمك بالبحر» هو عمل الكاتب ـ المرآة ـ قطعة من العقل، قطعة من الوهم، حزمة الخيال التي لا ينازعه عليه أحد لأنه وحده يملك هذا العالم ويعيد صياغته على طريقته وهواه. ماذا يفعل الكاتب حين يخرج إلى الشارع، إلى جلبة الساحات، ويلتقي بالأشخاص الذين يشاركونه الشقاء الجميل والعبث اللذيذ. كل شخص يلتقيه لديه الحلم، يريد أن يبيع سمك بالبحر، حلم المسرحية والزراعة العضوية، والثقافة. والحلم يعدي مثل الأمل وينتقل إلى الآخرين مثل الأريج.
كلهم يحنون إلى زمن بيروت الجميل حنيناً صادقاً. زمن محبة الناس لبعضها، زمن المحبة والمعجزة والقوة. ويشاركون في الأحداث التي تقع ولا ندرك مغزاها، المستحيل الذي نحاول تفسيره، الحلم والسراب، الشيء ونقيضه، الصدفة والقدر، المدينة وناسها. «باع سمك بالبحر» يوم في حياة كاتب ـ هو بمعنى ما عن حلم لا يتحقق. حلم نسعى إليه جميعاً ولا نصله أبداً. ولنكتشف لاحقاً أنَّ الحلم هو في السعي نفسه الذي قولب حياتنا ووجهها في طرائق الحق والخير والجمال.
ولكن السؤال الذي يؤرقنا بعد قراءة الكتاب هو عن مصير الحلم لكل الذين التقاهم صدفة في ذلك اليوم، سائق السيارة، السيدة التي انضمت إليهما، الدكتور حسين العائد من أميركا. لكل حلمه ولكل مشروعه ولكن هل لا تزال بيروت مكاناً ممكناً لبناء مشروع وتجسيد الحلم. لا أعرف. ولكن لنا في تجربة فيصل فرحات الذي لا تموت في قلبه الأغاني، لنا في شجاعته وصدقه وصمته العبرة والنموذج والمثال.
سليمان بختي
بيروت في 6/11/2013
باع سمك بالبحر
عن الحلم وبيروت والحياة
حين طلب إلي الكاتب الصديق فيصل فرحات قراءة مخطوطة هذا الكتاب وهو بعنوان «باع سمك بالبحر» شعرت أن العنوان يحتاج، ربما، إلى عنوان فرعي آخر فاقترحته عليه وهو «يوم في حياة كاتب». وهكذا كان، فالكتاب يروي يوم في حياته، يشبهه، يشبه الأيام التي تتوالى، يشبه المكان. وفيصل فرحات يعيش كتابه ولا يفعل شيئاً سوى تجميع التفاصيل التي تصنع الحياة الحلوة. يشيل من الحياة ويحط على الورق. لا يفعل شيئاً سوى أن يكتب ويبيع الكتب. وبالتالي «تحقق حلمك دون أن تؤذي غيرك» يقول. وبالتأكيد... تحقق ذاتك وتفيد الآخرين والمجتمع.
منذ كتابه الأول «يوم بدأت الكتابة» وهو يرى إلى دور الكاتب بأنه حارس ليلي يراقب الحياة على الأرض. ولكن فيصل فرحات أخذ على عاتقه ما هو أبعد وأعمق وأشد مضاضة. أن يسلّم الليل إلى النهار بالقراءة والكتابة، بمشاركة الحياة والآخرين والانغماس فيها في أكثر من زاوية ومقترب، ومن قعرها إلى سطحها، حتى تصبح الكتابة والحياة وجهان لأمر واحد هو الحرية، وصورة ملازمة للأمل.
عملَ فيصل فرحات في المسرح تمثيلاً وكتابة وإخراجاً، ولكنه بالعمق هو كاتب وأديب من طراز مختلف. يعرفُ الزاوية التي يتدفق منها الكلام. يدرك التحولات التي تعصف في عالمنا. يحاول ان يكون له موقفاً من زمانه ومن أحداث عصره. كاتب وبيّاع كتب ولكنه حر. حالم. ويطرح على نفسه والآخرين هذا السؤال: هل يمكن أن يعيش الكاتب من كتابه في بلادنا؟ لا يمكن. ولكنه يحاول إخراج المستحيل. يحاول أن يكسر قشرة التخلف وتحقيق التغيير. ودون ذلك أهوال. ومع ذلك يطرق باب الأمل بقوة ولا يجد أحداً. الم تكن الثقافة في مجمل دعواها تعزيزاً للأمل وبناءً للإنسان واكتشاف معنى جديد للحياة والحقيقة.
«باع سمك بالبحر» هو عمل الكاتب ـ المرآة ـ قطعة من العقل، قطعة من الوهم، حزمة الخيال التي لا ينازعه عليه أحد لأنه وحده يملك هذا العالم ويعيد صياغته على طريقته وهواه. ماذا يفعل الكاتب حين يخرج إلى الشارع، إلى جلبة الساحات، ويلتقي بالأشخاص الذين يشاركونه الشقاء الجميل والعبث اللذيذ. كل شخص يلتقيه لديه الحلم، يريد أن يبيع سمك بالبحر، حلم المسرحية والزراعة العضوية، والثقافة. والحلم يعدي مثل الأمل وينتقل إلى الآخرين مثل الأريج.
كلهم يحنون إلى زمن بيروت الجميل حنيناً صادقاً. زمن محبة الناس لبعضها، زمن المحبة والمعجزة والقوة. ويشاركون في الأحداث التي تقع ولا ندرك مغزاها، المستحيل الذي نحاول تفسيره، الحلم والسراب، الشيء ونقيضه، الصدفة والقدر، المدينة وناسها. «باع سمك بالبحر» يوم في حياة كاتب ـ هو بمعنى ما عن حلم لا يتحقق. حلم نسعى إليه جميعاً ولا نصله أبداً. ولنكتشف لاحقاً أنَّ الحلم هو في السعي نفسه الذي قولب حياتنا ووجهها في طرائق الحق والخير والجمال.
ولكن السؤال الذي يؤرقنا بعد قراءة الكتاب هو عن مصير الحلم لكل الذين التقاهم صدفة في ذلك اليوم، سائق السيارة، السيدة التي انضمت إليهما، الدكتور حسين العائد من أميركا. لكل حلمه ولكل مشروعه ولكن هل لا تزال بيروت مكاناً ممكناً لبناء مشروع وتجسيد الحلم. لا أعرف. ولكن لنا في تجربة فيصل فرحات الذي لا تموت في قلبه الأغاني، لنا في شجاعته وصدقه وصمته العبرة والنموذج والمثال.
سليمان بختي
بيروت في 6/11/2013
Page 2
باع سمك بالبحر
تمدد على فرشته بشيء من الوجع في ظهره مع اختلاف مفاجئ طرأ على عينيه، إذ بدا ناظراً إلى نقطة غير مرئية للحظات، ثم لوى رأسه على «المخدة» (الوسادة) محاولاً أن ينام. وبعد لحظات عاد وفتَّح عينيه ليرى طرفي الوسادة واللحاف وجزء من يده اليسرى ممسك بالطرفين، ثم عادت عيناه لتريا بعضاً من تفاصيل الخطة، وسرعان ما شطح خياله بتركيب وإدماج علاقات وأشخاص وأصدقاء بهدف السفر إلى نيويورك في آخر السنة، حيث قد تُعرض مسرحيته «عانس خلّفت صبي»(*) ضمن مهرجان مسرحي جامعي. ولربما يحظى بزوجة مثل صديقته Alice. وهنا عاد وتذكّر كيف أتت Alice إلى بيروت (حيث كان واقعاً في الغرام) منذ خمس سنوات لتغطي كصحافية انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، ثم عادت إلى نيويورك خائبة لم تحقق فيلماً تلفزيونياً ولم تتزوج. واكتفى هو بلمحة حُلم كما لو أنه في هذه اللحظة يحضن زينة ويمسك يدها. همهم بندم وأطلق بعضاً من زفيره على راحة يده محاولاً شم رائحة نفسه، فتعذر عليه الأمر لضعف حاسة الشمّ لديه بسبب لحميّة زائدة في أنفه، فأطلق زفرةً ثانيةً «دوبل» عن الأولى ما تسنى له أن يشم بعضاً من رائحة ليست بكريهة، ثم شمّ رائحة النوم في فراشه. وحين هزهز رأسه على الوسادة شعر برطوبة وجه الوسادة تحت ذقنه وخده من تعرُّق مزمن، ثم لمس بإصبعيه قذارة القماش، فانتفض فجأة شبه جالس محاولاً النهوض على ركبتيه عن فرشته الأرضية، فتمسّك بيد كرسيه وشدّ عضلات رجليه فشبَّ واقفاً دائراً وهو يمدّ يده إلى كيس ورق كبير إلى جانب المكتبة فيه شراشف ووجوه وسائد، فأخذ منه وجه وسادة نظيفاً وشمّه واستدار نحو الفرشة مرتمياً عليها، راكعاً على ركبتيه فشعر بوجع قليل في ركبته اليسرى، ومدّ يده إلى طرف الوسادة وخلع الوجه الوسخ ورماه تحت الكرسي، ثم وضع طرف الوسادة الثاني داخل وجهها متأكداً من وصول الزاوية إلى مكانها، وشدَّ الطرف الأول فانتفخت الوسادة بسبب صغر الوجه، فضربها كفين ونام. مع إغماضة عين، شمّ رائحة وجه الوسادة النظيف فلمسه بهدوء تام ثم عاد وتنشّق بعضاً من رائحة مسحوق الغسيل وهو يهمهم بارتياح، حينها طاب له «التخطيط». وبعد لحظة ابتسم ابتسامة طويلة لما شعر به من فرح وسرور بمجيء وقت التفكير والتخطيط، ذاك الوقت العزيز عليه وبخاصة حين يكون بمفرده في غرفته، إذ بات شغوفاً به، لدرجة أن وصل معه الأمر إلى عشق تلك «الشغلة» (المهنة) ألا وهي التخطيط. وفجأة رأى اختماراً ما لفكرة زيارة نيويورك بهدف الزواج. فبدت له الفكرة عجيبة غريبة، ولو أنها تحمل في طياتها شعوراً طبيعياً من جهته، لاسيما وأن فكرة أن يحظى بامرأة مثله أو مثل Alice يكملان معاً شيخوخة تروق له. وبعد لحظات ابتسم ابتسامة قصيرة بشيء من الرهبة، وبدأ مشواره في التخطيط؟ فأخذ نفساً شبه طويل مع شيء من رائحة مسحوق الغسيل. وبعد لحظات، أول أمر فكّر فيه وأتى على باله هو علاقته مع زينة. وبخاصة بعد أن أجّلت للمرة الثانية الزواج به في فترة وجيزة. حيث بدأ يعيش بشيء من انشغال البال والاضطراب فيما يتعلق بموضوع الزواج. ثم فكّر بأن العيش مع جوليا هو أولاً من حق الصبي ابنه. وثانياً لا بأس به له ولها من عيش. لكنه بقرارة نفسه هو يحب بأن يكون في مكان آخر. وبالطبع يفضل أن يتزوج زينة ويعيشان معاً. وبعد لحظة أضاف بصوت خافت: «ياريت». وفجأة خطر في خياله وجه Alice متذكراً كيف عرضت عليه الزواج به كي تخرجه من لبنان والعودة به للعيش معاً في نيويورك لفترة قد تقصر وقد تطول. وبخاصة إذا ما زال بإمكانها الإنجاب ولو طفل أو طفلة. وهنا نطق بصوت مسموع: «وياريت التنين». بنت وصبي. ثم سرعان ما تذكر كيف قالت له في ختام عرضها بأن عليه هو أن يدفع أجرة المحامي. فابتسم وضحك قليلاً. ثم ما لبث أن غرق في المحظور وفي القلق من فكرة الابتعاد عن زينة الحائرة في حسم أمر الزواج به، ما يبقيه في حالة من الحذر والخوف. فأغمض عينيه للحظات وشعر بشيء من التنميل الموجع قليلاً، لكنه تحايل على الإغماض محاولاً أن لا يشدّ عضلات عينيه، وبعد لحظات خف وراق التنميل فغفا لبرهة. ثم عاد وتذكّر مشاهد مختلفة مع Alice في نيويورك. وبخاصة مشهد قطف الزهور البريّة وجمعها في حديقة منزل والديها في up state new York وهي تضحك. وبعد لحظات هادئة وصامتة من أي حركة منه، عاد إلى خياله مشهد في واشنطن، وهي تقرأ نص الترحيب والتقديم من صفحة واحدة حملتها بين يديها وكأنها تحمل طفلة، وقرأت بشيء من الثقة بلغة عربية فصحى منمّقة بتفكير إنكليزي. وحين انتهت ابتسمت وضحكت ثم اعتذرت عن خطأين قد ارتكبتهما، فصفق لها الجمهور بحماسة وهي تنحني قليلاً وتضحكُ مع ضحكات النساء الكثيرات ومنهن صديقاتها اللواتي اقتربن منها مع باقة من الزهور، فدمعت عيناها. وهنا شعر هو أيضاً بتجمّع قطرتين من دمعه انهمرتا على خديه ببطء ملحوظ أرعشه. وبعد هنيهة مسح ما تبقى على خدّيه من دمع وقال في نفسه بأن عليه أن يضع خطة خاصة لإنتاج مسرحيته إلى جانب خطة جوليا كما وعدته. إذ تراءى له بأن عليه هو أن يحاول إيجاد منتج للمسرحية، إلى جانب المنتجة الفرنسية صديقة جوليا. وهكذا يكون قد قام بدور ما من جهته، دون أن يترك جوليا «تعمل متل ما بدا». وأمام زينة يكون قد ظهر بأنه ليس دُمية بيد جوليا. وعلى كل حال فالمحاولة جديرة بأن تُخاض، وليش لأ؟ فابتسم قليلاً وقلب جسده على الطرف الأيسر وهو يغمض عينيه لكنه لم ينم.
تمدد على فرشته بشيء من الوجع في ظهره مع اختلاف مفاجئ طرأ على عينيه، إذ بدا ناظراً إلى نقطة غير مرئية للحظات، ثم لوى رأسه على «المخدة» (الوسادة) محاولاً أن ينام. وبعد لحظات عاد وفتَّح عينيه ليرى طرفي الوسادة واللحاف وجزء من يده اليسرى ممسك بالطرفين، ثم عادت عيناه لتريا بعضاً من تفاصيل الخطة، وسرعان ما شطح خياله بتركيب وإدماج علاقات وأشخاص وأصدقاء بهدف السفر إلى نيويورك في آخر السنة، حيث قد تُعرض مسرحيته «عانس خلّفت صبي»(*) ضمن مهرجان مسرحي جامعي. ولربما يحظى بزوجة مثل صديقته Alice. وهنا عاد وتذكّر كيف أتت Alice إلى بيروت (حيث كان واقعاً في الغرام) منذ خمس سنوات لتغطي كصحافية انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، ثم عادت إلى نيويورك خائبة لم تحقق فيلماً تلفزيونياً ولم تتزوج. واكتفى هو بلمحة حُلم كما لو أنه في هذه اللحظة يحضن زينة ويمسك يدها. همهم بندم وأطلق بعضاً من زفيره على راحة يده محاولاً شم رائحة نفسه، فتعذر عليه الأمر لضعف حاسة الشمّ لديه بسبب لحميّة زائدة في أنفه، فأطلق زفرةً ثانيةً «دوبل» عن الأولى ما تسنى له أن يشم بعضاً من رائحة ليست بكريهة، ثم شمّ رائحة النوم في فراشه. وحين هزهز رأسه على الوسادة شعر برطوبة وجه الوسادة تحت ذقنه وخده من تعرُّق مزمن، ثم لمس بإصبعيه قذارة القماش، فانتفض فجأة شبه جالس محاولاً النهوض على ركبتيه عن فرشته الأرضية، فتمسّك بيد كرسيه وشدّ عضلات رجليه فشبَّ واقفاً دائراً وهو يمدّ يده إلى كيس ورق كبير إلى جانب المكتبة فيه شراشف ووجوه وسائد، فأخذ منه وجه وسادة نظيفاً وشمّه واستدار نحو الفرشة مرتمياً عليها، راكعاً على ركبتيه فشعر بوجع قليل في ركبته اليسرى، ومدّ يده إلى طرف الوسادة وخلع الوجه الوسخ ورماه تحت الكرسي، ثم وضع طرف الوسادة الثاني داخل وجهها متأكداً من وصول الزاوية إلى مكانها، وشدَّ الطرف الأول فانتفخت الوسادة بسبب صغر الوجه، فضربها كفين ونام. مع إغماضة عين، شمّ رائحة وجه الوسادة النظيف فلمسه بهدوء تام ثم عاد وتنشّق بعضاً من رائحة مسحوق الغسيل وهو يهمهم بارتياح، حينها طاب له «التخطيط». وبعد لحظة ابتسم ابتسامة طويلة لما شعر به من فرح وسرور بمجيء وقت التفكير والتخطيط، ذاك الوقت العزيز عليه وبخاصة حين يكون بمفرده في غرفته، إذ بات شغوفاً به، لدرجة أن وصل معه الأمر إلى عشق تلك «الشغلة» (المهنة) ألا وهي التخطيط. وفجأة رأى اختماراً ما لفكرة زيارة نيويورك بهدف الزواج. فبدت له الفكرة عجيبة غريبة، ولو أنها تحمل في طياتها شعوراً طبيعياً من جهته، لاسيما وأن فكرة أن يحظى بامرأة مثله أو مثل Alice يكملان معاً شيخوخة تروق له. وبعد لحظات ابتسم ابتسامة قصيرة بشيء من الرهبة، وبدأ مشواره في التخطيط؟ فأخذ نفساً شبه طويل مع شيء من رائحة مسحوق الغسيل. وبعد لحظات، أول أمر فكّر فيه وأتى على باله هو علاقته مع زينة. وبخاصة بعد أن أجّلت للمرة الثانية الزواج به في فترة وجيزة. حيث بدأ يعيش بشيء من انشغال البال والاضطراب فيما يتعلق بموضوع الزواج. ثم فكّر بأن العيش مع جوليا هو أولاً من حق الصبي ابنه. وثانياً لا بأس به له ولها من عيش. لكنه بقرارة نفسه هو يحب بأن يكون في مكان آخر. وبالطبع يفضل أن يتزوج زينة ويعيشان معاً. وبعد لحظة أضاف بصوت خافت: «ياريت». وفجأة خطر في خياله وجه Alice متذكراً كيف عرضت عليه الزواج به كي تخرجه من لبنان والعودة به للعيش معاً في نيويورك لفترة قد تقصر وقد تطول. وبخاصة إذا ما زال بإمكانها الإنجاب ولو طفل أو طفلة. وهنا نطق بصوت مسموع: «وياريت التنين». بنت وصبي. ثم سرعان ما تذكر كيف قالت له في ختام عرضها بأن عليه هو أن يدفع أجرة المحامي. فابتسم وضحك قليلاً. ثم ما لبث أن غرق في المحظور وفي القلق من فكرة الابتعاد عن زينة الحائرة في حسم أمر الزواج به، ما يبقيه في حالة من الحذر والخوف. فأغمض عينيه للحظات وشعر بشيء من التنميل الموجع قليلاً، لكنه تحايل على الإغماض محاولاً أن لا يشدّ عضلات عينيه، وبعد لحظات خف وراق التنميل فغفا لبرهة. ثم عاد وتذكّر مشاهد مختلفة مع Alice في نيويورك. وبخاصة مشهد قطف الزهور البريّة وجمعها في حديقة منزل والديها في up state new York وهي تضحك. وبعد لحظات هادئة وصامتة من أي حركة منه، عاد إلى خياله مشهد في واشنطن، وهي تقرأ نص الترحيب والتقديم من صفحة واحدة حملتها بين يديها وكأنها تحمل طفلة، وقرأت بشيء من الثقة بلغة عربية فصحى منمّقة بتفكير إنكليزي. وحين انتهت ابتسمت وضحكت ثم اعتذرت عن خطأين قد ارتكبتهما، فصفق لها الجمهور بحماسة وهي تنحني قليلاً وتضحكُ مع ضحكات النساء الكثيرات ومنهن صديقاتها اللواتي اقتربن منها مع باقة من الزهور، فدمعت عيناها. وهنا شعر هو أيضاً بتجمّع قطرتين من دمعه انهمرتا على خديه ببطء ملحوظ أرعشه. وبعد هنيهة مسح ما تبقى على خدّيه من دمع وقال في نفسه بأن عليه أن يضع خطة خاصة لإنتاج مسرحيته إلى جانب خطة جوليا كما وعدته. إذ تراءى له بأن عليه هو أن يحاول إيجاد منتج للمسرحية، إلى جانب المنتجة الفرنسية صديقة جوليا. وهكذا يكون قد قام بدور ما من جهته، دون أن يترك جوليا «تعمل متل ما بدا». وأمام زينة يكون قد ظهر بأنه ليس دُمية بيد جوليا. وعلى كل حال فالمحاولة جديرة بأن تُخاض، وليش لأ؟ فابتسم قليلاً وقلب جسده على الطرف الأيسر وهو يغمض عينيه لكنه لم ينم.
Page 3
كان الوقت في الصباح الباكر، مع طلوع الضوء في سماء داكنة وملبدة بالغيوم، ولكنه استطاع كعادته أن يعرف بأن الساعة هي حوالى الخامسة صباحاً، فنهض من فرشته واضعاً اللحاف على الطرف لجهة الحائط، وأمسك يد كرسيه ووقف شبه ملتوٍ وهو يضع يده على الطاولة وينظر إلى شاشة التلفون بعد أن كبس على زر الفتح وهو يضع نظارتيه وقال: «ع البكلي» (مبكّل، أي بالضبط). ثم ارتمى على فرشته وهو يمسك بطرف اللحاف وتغطى به رامياً رأسه على الوسادة ومتنفساً بشيء من التعب والإرهاق الشديد بعد «ويك اند» جنسي مع جوليا وزينة كل على انفراد. وفي ليلة البارحة مساء الأحد كانوا قد تعشوا معاً في مطعم ياباني وافترقوا كلٌّ باتجاه. جوليا وزينة ذهبتا بسيارتهما وهو فضَّل أن يأخذ السرفيس إلى الحمراء. واتفقوا على أن يتناولوا طعام الغداء اليوم الإثنين في منزل جوليا. فمضّ لسانه وشفتيه داخل فمه وبلع قليلاً من ريقه شبه الناشف وأغمض عينيه تاركاً إياها تسرحان وتمرحان على هواهما. وإذ بفكرة الزواج من أميركية من نيويورك توقظه وتجعله يفتح عينيه، إذ بدت ورقة ضغط رابحة ضد زينة لدفعها إلى حسم خيارها والزواج به. فابتسم وضحك قليلاً وأعاد إغماض عينيه. وبعد لحظات عاد وفتَّح ليرى الحائط والسقف «المقشر» ببضع شقف سقط عنها الدهان، وأخرى مازال التفسخ معلقاً بطرفها الثاني، ثم حدّق في مكان البقعة الباطونيّة التي هوت يوماً وكادت أن تقع على رأسه، ما جعل في السقف «جورة». فابتسم بشيء من الاستهزاء، متذكراً المرات الكثيرة التي وعد نفسه بها كي يدهن بيته الصغير ولم يفعل لأسباب عديدة، منها الكسل. وقليلاً ما اهتمّ بعمل شيء لمصلحته الخاصة، لدرجة أنه أهمل حتى دهن وتنظيف بيته! وفجأة، جلس وبيديه طرف اللحاف ناظراً إلى اللاشيء، ثم استدار راكعاً على ركبتيه ونهض بهمة مفاجئة مُرجعاً طرف اللحاف إلى الوسادة ووضع رجليه في خف ثم وضع يده على طرف الطاولة وجلس على كرسيه بتمهل ملحوظ. أسند ظهره إلى ظهر الكرسي رافعاً رأسه قليلاً نحو الأعلى فرأى السقف «المقشّر» (المقشور) و «المصفرّ» من الدخان، ثم أغمض عينيه للحظات سبح فيها في الفضاء، ومباشرةً خطر في باله رواد الفضاء، وكيف يطيرون بعد أن يخرجوا من المركبات الفضائية ليصلحوا عطلاً ما أو ليركبوا قطعة جديدة «طلعت» (أتت) إليهم من الأرض. فكان منظراً خيالياً بامتياز حين تذكّر مشاهد لرواد الفضاء خارج المركبة على شاشة التلفزيون، مضيفاً إليها مشهداً فضائياً خيالياً حيّاً رأى فيه عن بُعد أمتار رائد فضاء يجمع «كبسولة» في المركبة في سماء كحليّة اللون ومليئة بالنجوم الكبيرة والصغيرة، والهواء سريع وبطيء في آن، ولا يشعر به وجه الرائد من خلف زجاج قبعته أو الجزء الأعلى من ثوبه الفضائي، ورجلاه تسبحان. وهنا تمنى لو أن عدوى التعاون ما بين أميركا وروسيا في الفضاء تنتقل وتُعاش على الأرض. وكذلك الحال ما بين الدول الكبرى الأخرى. وهنا ضحك قليلاً وهو ينهض عن الكرسي بشيء من الخفة ومشى نحو المطبخ، حيث غسل إبريق شاي جديداً كان قد اشتراه واستعمله ليلة البارحة، وفجأة توقف وتناول ركوة قهوة صدئة معلقة على خشبة الفرم وقرّبها من الإبريق وقال: «يا حرام».
Page 4
لفّ سيجارة وأشعلها ومج مجةً لا بأس بها، وشرب بلعة من الشاي الصيني الأخضر المعطّر بالياسمين ولحس شفتيه، ثم تناول من صحن صغير قطعة حلوى بالجوز مع طحين الشوفان ووضعها في فمه. وهنا تذكّر عربة الصفوف والنمورة والمعمول المدّ الفاخرة للمعلم أبو ماجد وابنه، الذي مازال محافظاً على طيبة حلوياته مثلما كان قبل وأثناء الحرب في بيروت القديمة وكما في الجديدة اليوم، مع اختلاف شاسع في البيع ونسبة الزبائن وأمزجتهم وما طرأ عليها من «تغليف» في هذه الأيام، مثلما قال له في إحدى المرات، حين اشترى أوقيّة معمول مدّ ساخنة وسرعان ما أكلها بدقائق وهو يقف أمام العربة متشكراً. وهنا تذكّر أيضاً جوليا وهي تُعد مواد قوالب و«مقالب الكاتو» الطيبة في مطبخ بيتها وهي تضحك فضحك. وبعد أن هضم وبلع ما في فمه، مضّ ريقه مما تبقى من فتات، وشرب بلعة شاي كبيرة، ولولا السخونة، لكان شرب أكثر. ثم تناول قطعة ثانية ورفعها إلى فمه وقضم «ربعها» ومضخها ثلاث مرات من الجهتين محاولاً عضّ وتفتيت بضع شقف كبيرة من الجوز ما بين أسنانه، فطاب له المذاق وهو يهز برأسه مغتبطاً، وبخاصة لوجوده وحيداً بدون زينة ولا جوليا، وهو يفكر ويخطط. وفجأة توقف عن الهضم والحركة، وهو ينظر شبه محدّق في نقطة غير مرئيّة وقال: «الشيخ طارق» وبعد لحظة عاد وقال بصوت أعلى: «الشيخ طارق». ارتفع عن كرسيه وهو يصفق بضع صفقات ثم جلس منهياً التصفيق، قائلاً: «ما في غيره» (لا أحد غيره). مضيفاً: «بيظبط الفيلم معه» فنهض عن الكرسي بخفة ملحوظة ومشى خطوتين داخل غرفته الصغيرة ثم عاد إلى الكرسي ليجلس، لكنه عاد ورفع يده عن يد الكرسي، ثم استدار نحو المطبخ ومشى خطوة وتوقف ليعود إلى الكرسي ويجلس بشيء من النشوة بعد أن تملّكته مشاعر الخلق، إذ رأى في خياله بأنه قد وجد المنتج الآدمي والمثقف والمُشجع للفن الراقي كما كان دائماً يقول له. فارتسمت على وجهه ملامح السعادة من جراء تلك الفكرة وتأثيرها الفوري في انتقال مزاجه من حال النق السلبي إلى التنفيذ ولو في الخيال. وهنا تناول قطعة حلوى ثالثة وقضم رأسها ومضخها حالاً وبلع نصفها وهو يهز برأسه مردداً بعد تمتمة: «ما في غير الشيخ طارق، معه بيظبط وضعي كرمال الصبي». وتناول محرمة كلينكس من جانب «اللمبة» ومسح شفتيه بعد أن بلع ما في فمه ومضّ الباقي، ثم تناول كباية الشاي ووضعها على فمه وشرب كل ما كان فيها وكأنه «يقفّي» كأس عرق. وبعد أن بلع الشاي فتح فمه ناطقاً بصوت مسموع بكلمة: آح... بشيء من الانشراح ونهض عن الكرسي بهمة وسأل نفسه: «كيف بيسوى أحكي مع الشيخ طارق»؟ وبعد لحظة أضاف: «بحكي معه مباشرةً أو بمهدله (أمهّد له) الطريق»؟ وقبل أن يسمع الجواب مشى خطوتين نحو المطبخ ثم عاد إلى الغرفة وجلس على الكرسي ودار بها دورتين، ثم تركها تقف من تلقاء ذاتها في الدورة الثالثة وكانت الكرسي مائلة نحو الفرشة، فأدارها بيده اليسرى وباليمنى تناول مسكة الأوراق ووضعها أمامه ثم رفع القلم وأخذ غطاءه ورماه بجانب الأوراق وبدأ يكتب. وكان أول بند قد كتبه هو طلب ألفي دولار أميركي كدفعة أولى على أن يقبض ثلاثة آلاف دولار في الدفعة الثانية حين تسمح الظروف، مع نسبة مئوية من شباك التذاكر، قد تكون خمسة بالمئة أو أكثر. وذلك ثمن نص المسرحية وهو خمسة آلاف دولار. وبعد أن كتب الرقم 2 توقف عن الكتابة ورمى القلم على الورقة ونهض قائلاً: «أبل (قبل) رئم (رقم) 2، على أيّ مستوى بدك تلعبها؟ على مستوى جوليا؟ أو على مستوى طلاب مسرح؟». ثم قال لنفسه: «المستوى اللي بيظبط». وبعد لحظة أضاف: «لكن أكيد مستوى جوليا أروع وأجمل». وبعد لحظة تابع محدثاً نفسه: «مع جوليا بيوصل المعنى الجمالي للمسرحيّه». ثم تابع بكلمة: «وهيدا الأهم». وعاد نحو كرسيه وجلس عليه بشيء من الارتماء. وبعد لحظات لم يقم بأي حركة وهو صافن بأمر ما وكأنه يقوم بعملية حسابيّة في رأسه، يجمع ويضرب ويقسم أعداداً من الأرقام وألوف الأوراق من المال تمر بين يديه في خياله. وهنا ضحك متذكّراً كلمة جوليا حين قالت: «وعدّي مصاري (مال) يا جوليا إذا عندك وئت (وقت)». وهكذا ضحك، ثم أطفأ «اللمبة» (الضوء) وارتمى على طرف فرشته متناولاً طرف اللحاف ورفعه عالياً وغطى جسده وهو ينزل في الفرشة واعداً نفسه بالنوم لمدة ساعة.