eKtab
EN ع
بعد رحيل الصمت
Read free sample

بعد رحيل الصمت

by عبد الرضا صالح محمد

Page 1
إضاءة
 
 
 
هناك وجدتهم
 
على ضفاف الكحلاء
 
وشواطئ المشرح
 
ذوي العيون الثاقبة
 
قدري أن أكون معهم
 
شاركتهم أوقاتهم
 
وقاسمتهم آلامهم
 
ذوي العقول المستبصرة
 
لكنهم وفي لحظة طائشة
 
نفروا جميعا
 
كجميلة المها
 
من قسورة أخرق
Page 2
انطلقت قدماه
 
 
 
خارج البيت زحفا، بعد التهامه وجبة سريعة من الطعام، قدماه الغائصتان بنعل من البلاستك وبثوبه الأبيض، مضى إلى جانب البيوت المشيدة بالآجر القديم، والتي تجود بظلالها الوارف على مشارف الزقاق، يحتمي المشاة بمحاذاتها لتقيهم حر الظهيرة اللاذع، كان ذلك في شهر أيلول عام 1962، تخطى الطريق الإسفلتي الذي تتوسطه ساقية الماء الآسن الفائض عن الحاجة، مشى مع الجدران التي تتوزع أبواب الخشب القديمة المزخرفة بنقوشها البسيطة، ورغم بساطتها فإنها تمنحك شعورا بأصالتها وإرثها الموفور، فالمكان دائما ما يوحي للقادم من بعيد بماهية الناس وصفتهم وصورهم، فهذه الجدران ما هي إلا صناديق تحتضن كنوزا من القيم التي عاشت بها، وإرث صورته السنين والأيام، من طيبة وبساطة وشهامة، ومن قلوب بيضاء لا يعكرها الوهن ولا اللغوب؟
 
انعطف مع انعطاف الزقاق الذي يفضي إلى الشارع الرئيسي، وفي نهايته وعلى جهة اليمين جاس زقاق المسجد (مسجد ملا رجي) الذي يقبع هناك كتلة جاثية وأطلالاً هامدة، لم يبق منه سوى ساحة للصلاة تتوسطها نخلة باسقة، يعود بناؤه إلى زمن الأتراك، حيث شيد للصلاة وتعليم الصبيان على حفظ القرآن الكريم، حيث كان الشيخ الورع (رجي) يجمع أطفال المدينة فيه ليعلمهم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم·
 
من بعيد شاهد صاحبه متكئا على زاوية الجدار المقابل للمسجد، لم يظهر من شبحه سوى جزء من ثوبه الداكن، كان قد سئم الانتظار، يتضح ذلك من تململه في الوقوف وحركته المتتابعة، لوح له من بعيد، لكنه لم يره، وضع إبهامه وسبابته تحت لسانه وأطلق صفارة أخرجت صاحبه من ذهوله، تقدم إلى الأمام بعد أن نزل من عتبة الباب بتأن ولوح بيده·
 
بعد أن حياه أيوب شكا إبراهيم إليه التعب والتوجع من طول الانتظار، مضيا معا مجتازين زقاق المسجد المنفتح على كورنيش المدينة عند ضفة نهر الكحلاء، توقفا عند مسناية النهر كان ذلك لأيام مضت من شهر أيلول، ينظران إلى مياه النهر، تغريهما موجاته المتدافعة التي راحت تتجمع تباعا عند حافته وتصطدم بشاطئه من جراء نسيمات الرياح الشرقية المحملة بالرطوبة، والتي تلامس جسديهما ـ وهما لا يزالان في ثيابهما الصيفية ـ أحسا بلفحة برد خفيفة، قبل أسابيع كانا في هذا المكان ينتظران أصحابهما ليكونوا مجموعة تتألف من (يحيى وإبراهيم ويونس وأحمد وكريم)، يودعون ثيابهم عند أسس المسناية، ويعبرون نهر الكحلاء إلى الضفة الأخرى، كان يونس الوحيد بينهم الذي لا يعرف 
Page 3
 السباحة وكان يصر على العبور معهم، مما يدعوه إلى إحضار (جيوب)يملؤه بالهواء من فيه ويستلقي عليه، يرافقه إبراهيم سباحة حتى الضفة الأخرى، حيث تقف نخلات معسكر التدريب بقاماتها الفارعة لتكون جدارا طبيعيا لمحيط المعسكر (موقع العمارة) من جهة النهر، لا يزال البلح يتدلى من أعذاقها، وحارس الشاطئ في مثل هذا الوقت يرفل في قيلولته المعتادة، ينالون من ثمرها بالحجارة فتجود عليهم من حباتها كمية لا بأس بها، يجمعونها في كيس ويمضون إلى (الجزرة) التي يقال عنها إنها سفينة حربية أغرقت هنا في الحرب العالمية الأولى من قبل الجيوش العراقية آنذاك، ويقال إن الإنكليز هم الذين أغرقوها لكي يقللوا من مجرى الكحلاء الذي طغى يلتهم ماء دجلة دون وجل، لكي لا يندرس المصب الأصلي لنهر دجلة، كانوا يطلقون عليها (المركب الغركان)، ومع مضي السنين اعتلاه الرمل والطين، فأصبح جزرة في وسط النهر لا يظهر منه سوى (البوجة) ويترك على سطحه ساحة طبيعية مستوية من الرمال، يلعبون فوقها كرة القدم بعد أن يضعوا أغراضهم على حافتها فوق (الجيوب)، يلعبون هناك حتى تتكئ الشمس فوق الأفق، يتوقفون عن اللعب ويتناولون التمر ثم يعودون سباحة، ويونس مستلق على الجيوب يسوقه إبراهيم نحو الضفة الأولى، يرتدون ثيابهم ويتفرقون كل إلى بيته·
 
وقفا هناك يتذكران الأيام التي انصرمت من شهر أيلول، وكان إبراهيم يتمنى النزول إلى النهر إلا إن أيوب حذره من برودة الماء، واقترح عليه الذهاب إلى (أحمد) في سوق الخضار، حيث يكون هناك في هذا الوقت بدلا من أبيه، الذي يعود إلى البيت لتناول الغداء وينام ساعة القيلولة، كان من المفروض اجتياز بضع طرق للوصول إليه، ابتداء من محلة السرية التي تكون غالبية سكانها من طائفة الصابئة المندائيين، الذين كانوا يؤدون طقوسهم الدينية عادة على شاطئ نهر الكحلاء الخالدة، وبعد اجتياز شارع بغداد والوصول الى سوق النجارين يتراءى عن بعد سوق الخضار·
 
من بعيد لاح لهما أحمد جالسا على صفيحة زيت قديمة غطت جسدها مسحة من الصدأ، وضع على وجهها قطعا من الكرتون وقطعة من القماش البالية، يتوسط السلال المليئة بأنواع من الخضار والفواكه من كل صنف، طماطم، باذنجان، قرع، قثاء، بطاطا، باميا، تفاح، برتقال، ليمون نارنج وغيرها· وعند اقترابهما منه نهض عن علبة الزيت يضحك، ودون أن يحيوه التقط أيوب حبة قثاء، والتقط إبراهيم حبة طماطم، وكل فلق حبته نصفين، وكل ناول النصف إلى الآخر، فرش لهما أحمد قطعة كارتون على الأرض، جلسا يأكلان، وهو لا يزال واقفا ينظر إلى الشارع البعيد المتقاطع مع شارع بغداد حذرا من قدوم أبيه، ثم التفت إليهما يستفسر عن تأخرهما فأجابه أيوب:
 
تصور··· أراد إبراهيم السباحة في النهر !
 
فقال متعجبا !
 
في هذا الوقت؟
Page 4
ثم أردف:
 
لقد تأخرتما كثيرا سيأتي والدي عما قريب·
 
ألقيا ما تبقى من الطعام من أيديهما وقالا سوية:
 
هيا أسرع ناولنا المجلة لنراها قبل مجيئه·
 
انحنى على علبة صفيح الزيت الكبيرة وأخرج منها أسمالا ألقاها جانبا، ثم مد يده ثانية فيها ليخرج المجلة مغلفة بصحيفة قديمة· اختطفاها منه بسرعة وأخفياها تحت السلال يتصفحانها صفحة تلو الأخرى·
 
لم يصدق أيوب ما رأى، والحقيقة إنها المرة الأولى التي يشاهد فيها صورا لنساء عاريات، أجسادا بيضاء كالبلور، بشرة ناعمة، شعرا مختلف الألوان منسدلا على الرقاب الممشوقة أو الأكتاف المكتنزة، عيونا ملونة، وأفواها مفتوحة بشفاه غليظة حمراء قانية، أسنانا كاللؤلؤ وألسنة مدببة، وبطونا ضامرة صحراوية، بصرر منحوتة بدقة وصدور عارمة بأثداء عاجية جامحة، بحلم بنية، نساء ورجالا بمواضع مختلفة، أذهلته تلك الصور وشاه بصره منها، أجسادا كما خلقها القادر المقتدر· بلا أردية، كان يمرر أنامله عليها فيشعر بنعومة بشرتها·
 
وهما في طقسهما السري لكزه أحمد بقدمه لكزة مصحوبة بصوت:
 
أحم
 
أغلقا المجلة بارتباك وألقياها تحت السلال، حذرهما من قدوم امرأة متجهة نحوهم· وفعلا اقتربت سيدة طويلة تقارب الأربعين من العمر، بعباءتها السوداء تحمل في يدها زمبيلا من خوص النخيل، نظرت أول الأمر إليهما بريبة، ثم طلبت من أحمد أن يزن لها كيلو من الطماطة وآخر من القثاء، بينما راحت تنقي بيدها فاكهة البرتقال، جمعت منه وزنة كيلو، وضعتها في زمبيلها، دفعت له الحساب ومضت بعد أن رمقتهما باشمئزاز، ربما تكون قد رأت المجلة وعرفت ما يدور بينهم، لأن نظرتها تلك لم تكن طبيعية أو كما تصوروها هم، على كل حال، بعد أن ابتعدت خطوات عدة عادا للمجلة، إلا أن أحمد لكزه مرة أخرى محذرا من قدوم والده، أخذ المجلة منهما ودسها في علبة الزيت الكبيرة، ووضع الأسمال فوقها وجلس عليها· مضيا في جولتهما اليومية المعتادة في السوق الكبيرة فشارع دجلة، وأيوب لا يزال تحت تأثير ما شاهده من الصور العارية التي تنبض بالجنس والشبق والرغبة الحالمة·
Page 5
بعد أن ودعه
 
 
 
أيوب الصالح في اليوم الماضي عاد رياض الأديب إليه في اليوم الثاني على إثر المواعدة بينهما، وما إن أخذا مكانهما في غرفة الاستقبال وشربا الشاي، بدأ أيوب يتحدث بصوت هادئ تسوده سحنة من الحزن، انطلق في حديث متواصلا كالماء المنساب، كما لو كان كابوسا جاثيا على صدره، يحاول إزاحته، وبتأن قال:
 
لا أعرف من أين أبدا يا أستاذ، فهذه الحياة التي نعيشها ما هي إلا محطة، ما إن نصل إليها ونتجول في إنحائها بعد سفر طويل وعناء كبير، نرى فيها أشياء كثيرة ونصادف فيها حوادث جمة، نشاهد وجوها مختلفة ونتعرف على أخرى، نحس من خلالها بالألم والفرح، والفقر والرفاه، والمرح والشقاء، كل ذلك، سيمر بعيوننا بلحظة واحدة، وما إن نفارقها ونبتعد عنها تبدو شاحبة متماهية غريبة بعد وقت طويل أو قصير، فتلك الليالي التي عشتها والنهارات والشموس والأقمار والنجوم والأفلاك والجبال والبحار والأشجار والحيوان، وكل ما تحتويه هذه المحطة سنجدها مختلفة ليس كما عشناها في ما مضى·
 
كان الناس أمة واحدة، فتفرقوا شيعا، وأصولا وقوميات وطوائف وقبائل وأحزابا وأفرادا لا يجمعها أي شيء، كل له فلسفته وكل يرى الأشياء كما يراها من شاشة معتقداته فقط، ومن تجاوز ذلك فهو باطل لا وجود له، ومن هنا تحدث الفرقة بين الناس فيقفز أحدها إلى الساحة ويطرح أفكاره بقوة متجاهلا أيديولوجية الآخر، وما إن اختلفتَ معه وضعك في قائمة الند، وحسب لك ألف حساب، فيبدأ بإعداد العدة لك ويهيئ أساليبه الشريفة أو غير الشريفة، التي من شأنها إزاحتك عن طريقه بكل ما استطاع من قوة ! حتى أصدقاؤك وأهلك بل وأبناؤك باتوا غرباء عنك فيما اختلفت الأفكار وتعاكست الآراء، الصراع الفكري الثقافي هو أبشع الصراعات وأسوأها تدميرا وفتكا، فتلك النطفة التي باركها رب الخلائق ما إن تغير لونها صارت غريبة، طريدة مدحورة ! تداس بالأقدام·
 
نعم تغير كل شيء !
 
كانت البيوت واحدة تتسع لكل الأسر، تعيش كأنها أسرة واحدة، يتشاركون الأفراح والهموم والطعام والشراب، أذكر يا أستاذ في إحدى السنين سكنت معنا أسرة من مدينة البصرة، كان الأب عليلا يعمل في إحدى الشركات، وله زوجة وثلاث بنات (صبيحة ونورية ورجاء) كن كأخواتنا نغار عليهن مثلما نغار على أخواتنا، كانت صبيحة الكبرى بينهن، طالبة في الصف الأول المتوسط، عادت إلى البيت يوما بعد انتهاء الدوام باكية، ولما عرفنا سبب بكائها ركضنا جميعا أنا وأخوتي إلى ذلك الفتى الذي تحرش بها، لقناه درسا وحذرناه من أن يمر بمنطقتنا، ومن ذلك اليوم لم نره قط، فهل يحدث مثل هذا الآن؟
 
توقف أيوب وقرأ:
 
{·· مَن يهدِ اللهُ فَهَُوَ المُهتَدِ}
 
كنا ثلة من الصبيان الضالين (إبراهيم، يحيى، يونس، أحمد، كريمة) يجمعنا حي واحد في الزقاق نفسه أو في الأزقة القريبة وفي مدرسة واحدة، وعلى الرغم من أننا لم نكن في المرحلة نفسها أو الصف نفسه إلا أننا نلعب ونسبح ونتحدث معا، كنا نقضي أوقاتنا كل واحد منا في بيت الآخر، فبيتنا هو لكل أصدقائي وبيوتهم لنا جميعا، قد تجدني في وقت الغداة آكل مع إبراهيم في بيتهم، وقد تجد يحيى يتعشى معي، في بيتنا، وهكذا الآخرون الواحد للكل· والكل مختلف في الصفات والطبائع، ولكل هوايته المفضلة: أحمد صناعة الطائرات الورقية· يونس صيد السمك· يحيى تربية الحمام· كريمة فحكايتها حكاية، سآتي عليها فيما بعد، أما أنا وإبراهيم فهوايتنا قراءة المجلات والكتب، وفي العطلة الصيفية كنا نجتمع للعب والسباحة في النهر·
Page 6
كانت الهواية المحببة لأحمد
 
هي صناعة الطائرات الورقية، فهو يقوم بشراء الورق الملون والشريط اللاصق ويقبع ساعات في البيت بعد عودته من دكان الخضار؛ ليصنع طائرة ورقية جميلة يزودها بالشراشب الجانبية وذيل بحلقات ملونة، تثير حسد الأطفال، كان بارعا في صناعتها، يصعد فوق سطح البيت ويرفعها في الهواء عاليا؛ فتصعد في طبقات السماء تتراقص بخفة مع النسمات التي تداعبها·
 
ذات يوم رأى أيوب أحمد يتشاجر مع جيرانهم، المقابل لهم، كان في حالة هستيرية يسبهم ويلعنهم ويشتمهم، ثم تمادى إلى أكثر من ذلك، فأخذ يضرب باب البيت بالحجارة حتى كاد يكسره، خرجوا له وقابلوه بالشتم والسباب، ثم حدث عراك بينهم، وعلى الرغم من أن أحمد كان قصيراً وضعيف البنية إلا أنه كان جريئا يندفع بقوة وإقدام دون خوف أو وجل، تدخل أيوب وفك النزاع، وسأله عن سبب ذلك·
 
فقال:
 
كلما حلقت طائرتي فوق بيتهم قطعوا خيطها وسلبوها مني، أو يرمونها بالمصيدة فيختلف توازنها وتسقط·
 
هدأه أيوب وعاد به إلى البيت وأقنعه بأن يصنع غيرها، فكل شيء متوفر لديه وباستطاعته أن يصنع أجمل منها، وأنه سيتحدث معهم ويحذرهم من التعرض لطائرته والتحرش به·
 
كان داود الأخ الأكبر لأحمد، وكان يسبقه بالعمر خمسة أعوام، وهو شاب متوسط في الطول أسمر البشرة، يصفف شعره الطويل إلى الخلف، وكان عصاميا يعمل لحاله ويساعد أبويه في مصروف البيت، وكانت أمه تتأمل زواجه، تجمع له ما زاد من محصوله الشهري وتكنزه ريثما تعثر على بنت الحلال، وكان عمله يقتصر على بيع السجائر (الروثمان) والصابون (اللوكس) وشفرات الحلاقة الجاهزة وحناء الفاو، كل هذه السلع كان يستوردها من مدينة البصرة كلما نضبت سلعه، يعرضها على بسطة من النايلون على الأرض في بداية شارع التربية لبيعها·
 
لم يكن داود في بداية حياته ملتزما دينيا بل على العكس كان يتمتع بحياته حسب ما يراه منسجما مع رغباته وميوله، فهو لا يبخل على نفسه بالذهاب إلى شارع بشار في مدينة البصرة، واختيار إحدى العاهرات ليقضي معها ساعة، أو ارتياد ملهى الحمراء حاملا معه ربعية من عرق المسيح، يأخذ رشفات منها للتمتع بالموسيقى ومشاهدة الراقصات من جميع الجنسيات هناك، صادف يوما إحداهن وقد جيء بها من اليونان، كانت ترقص وتتعرى قطعة بعد قطعة حتى إنه غير مكانه ليكون في الصف الأول، ليقترب منها وهي تخلع ثيابها بالتتابع، لتكون أمام الجالسين عارية تماما، وفي كل لحظة يخرج ربعيته من جيبه ليأخذ منها جرعة حتى أتى على آخر قطرة فيها· وقد يشتري بعض المجلات الإباحية ويحملها مع البضاعة للتمتع بها في البيت·
Page 7
في الصباح، بعد أن يستيقظ تعبا، يفرك جفنيه ويلقي رشقات من الماء على وجهه ليطرد النعاس والخمول الذي لحق به من سهرة الليلة الماضية قبل أن ينزل من الفندق، ثم يعود إلى مدينته، يعرض سلعه الجديدة على رصيف الشارع، وفي المساء يخلد إلى سريره ليتصفح المجلات التي جلبها معه، ثم يحتفظ بها في صندوقه تحت السرير الذي اهتدى إليه أحمد بطريقته الخاصة، يسرق واحدة من بينها يتصفحها أولا ثم تدور بينهم بالتناوب، وآخر واحد منهم يعيدها إليه، وهكذا يكونون قد اطلعوا على جميع مجلات داود دون أن يعلم·
 
كان يعمل صباحا ويدرس مساء في الإعدادية المسائية، أكمل دراسته في الإعدادية وتم قبوله في جامعة البصرة آداب قسم اللغة العربية، تعرف هناك في الجامعة إلى أحد الطلاب يدعى (لقمان)، وهذا الطالب كان من الطلاب المتميزين والمهتمين بالقضايا الوطنية، هادئ الطبع متأنيا مثقفا ثقافة عالية، وخاصة في مادة التاريخ الإسلامي وتأريخ الشعوب الأخرى، له قدرة كبيرة على ا لتأثير في الآخرين، أحبه داود وعقد معه صداقة حميمة ودأب على مجالسته والاستماع إلى حديثه، كان يختلف عن داود بأفكاره وسلوكه كليا، وكثيرا ما يدخل معه في محاورات ومناقشات في العقيدة والفلسفات الغربية التي تجتاح المجتمع العربي وتأثيرها عليه، وضياع الهوية العربية والإسلامية، وارتداء أفكار الغرب الضالة من إباحية وفجور وجريمة وغيرها، وكان في كل مرة ينتصر على داود· أخيرا استطاع أن يؤثر فيه ويجره إلى جادة الصواب، وشيئا فشيئا تغير داود وترك سلوكياته القديمة واهتدى إلى طريق الخير والصلاح، فأخذ يبحث في مصادر وكتب العقيدة والتأريخ، لتحصين نفسه بثقافة حقيقية يستطيع من خلالها دحض ادعاءات المرجفين والضائعين في فلك الأفكار الغربية، وأخذ على عاتقه تغيير من حوله·
 
{إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}
 
بدأ بتوعية وتوجيه أخيه أحمد أولا، وقام بتوجيهه التوجيه السليم، زوده ببعض الكراريس الصغيرة في العقائد والتاريـخ القومي العربي، واصطحابه إلى المسجد لأداء الصلاة، والاستماع إلى الخطباء والمحاضرات وصوت المعارضة من خلال المذياع، بعد حين أصبح أحمد إنسانا جديدا ترك المجلات الإباحية والتجأ إلى قراءة الكتب، وحث أصحابه على وجوب الالتزام بالعقيدة ونشر مبادئها وفعل الخير، وهكذا بين ليلة وضحاها أصبحت الثلة الضالة ثلة مباركة يحفها الإيمان، وفي وقت قصير بدأوا يتوافدون على مسجد (ملا رجي) الواحد تلو الآخر، تجمعهم تلك البقعة الصغيرة التي جعلها الله سبحانه نواة للوحدة والألفة والرحمة والأثرة·
Page 8
كان داود هو المفتاح الرئيسي في هذا الانقلاب العقائدي لهم: (إبراهيم وأيوب ويحيى ويونس وأحمد وحتى كريمة)·
 
وما هي إلا أيام حتى امتلأ المسجد بالدعاة، وخاصة عند صلاة العشاءين من كل صنف، طلاب ومعلمون وموظفون وتجار ومن عامة الناس، يوجودن هناك ليؤمهم شيخ المسجد لصلاة العشاءين وإلقاء المحاضرة الدينية بعد الفراغ من الصلاة·
 
كان إبراهيم أقربهم إلى نفس أيوب، حيث كان صديقه منذ الطفولة، وقد تدرجا في مراحل الدراسة معا في الابتدائية والمتوسطة والثانوية ومعهد المعلمين· وكانا لا يفترقان في ذهابهما وإيابهما وحتى في اختيار ملابسهما، حيث يختاران ألوانا متقاربة، أما يحيى ويونس وأحمد وكريمة فكانوا أصدقاءهم المقربين، وفي مجموعهم يكونون فريقا متجانسا في لعبة كرة القدم أو في السباحة، وفي أوقات الفراغ يجلسون على شكل حلقة، يبدأون الحديث عن كل شيء، أخبار الجيران وما يحدث في المحلة، ومتابعة النازلين الجدد والراحلين منها، ويأتون على أنباء الأمهات والآباء والبنات والأولاد، وكل ما يدور في دروبهم الحبيبة·
 
إن أفضل هوايات إبراهيم هي قراءة المجلات، كان هو وأيوب يجمعان القروش ويضعانها على بعضها ليشتريا فيها مجلة من مجلات الأطفال ـ في ذلك الوقت ـ مثل مجلة سمير أميس أو الرجل الوطواط وسوبرمان، وكانا يجلسان على عتبة بيت أيوب أو إبراهيم لمطالعتها معا، والقيام بعمل الأشكال والنماذج المنشورة فيها كالسفينة البخارية أو مروحة ورقية·
Page 9
لم تكن معرفة أيوب
 
لها محض مصادفة، إنما جاءت عبر مراحل وأيام طويلة قد تمتد إلى أعوام، فإنها كانت تتشبه بالأولاد في بداية عمرها، تلبس ملابس الأولاد وتقص شعرها مثلهم، تعبر النهر وتلعب الكرة معهم، وهم لا يعلمون أنها صبية إلا بعد مضي أعوام ! في أحد الأيام تشاجر معها يونس شجارا عنيفا كاد يونس أن يضربها لولا أن حجزوا بينهما، فاغتاظت، وتنحت جانبا، وجلست على صخرة كانت ملقاة في جانب من الجزيرة، وراحت تبكي بكاء مريرا، أحاطوا بها وحاولوا إسكاتها، واعتذر يونس لها غير أنها لم تقبل اعتذاره، أخذت ثوبها وعبرت النهر، ومن ذلك اليوم وهم لم يروها·
 
بعد سنين من ذلك الحادث كانت تأتي إلى صديقتها رابحة، وكلما رأت أيوب في رأس الزقاق نظرت له وأحيانا تسلم عليه، في البدء لم يهتم لها ولم تلفت نظره قط، بل كان يعتبرها مجرد فتاة عابره لا تعدو كونها صديقة لـ(رابحة) أخت صديقه (يحيى)، الذي كان يسكن قريبا من بيته أي في الزقاق نفسه، كان أيوب دائم التردد على يحيى، وكانت رابحة كثيرا ما تتحرش به، وكان يمقت هذا السلوك منها، كونه صديقا لأخيها وأنها بهذه الطريقة تكون قد أصبحت رخيصة في نظره، نصحها يوما بأن تمسك عواطفها وتتحكم بإرادتها، وأفهمها بأنها تسيء إلى العلاقة التي بينه وبين أخيها يحيى، لكنها تمادت في وقاحتها وازدادت أكثر من السابق، وراحت تصطنع ملاطفته وممازحته بحقد أمام أخيها يحيى؛ فازداد حقدا وكرها لها·
 
في أحد الأيام طرق باب بيت يحيى يسأل عنه، فخرجت له وهي تبتسم تسأله عن حاجته، فسألها عن وجود يحيى· فقالت:
 
نعم إنه موجود تفضل ادخل·
 
فتحت له غرفة الاستقبال وبعد قليل عادت وبيدها قدح من العصير، سألها ثانية عن يحيى فأجابته بأنه في الحمام سيخرج قريبا، صدقها وجلس ينتظر، إلا أنها لم تفارق الغرفة، ثم تجرأت وجلست بجانبه، انزاح عنها قليلا، فاقتربت أكثر حتى لامست جسده، شعر بقشعريرة تسري في جسده، حينها نهض واقفا وهم بالخروج، إلا أنها اعترضته ووقفت أمامه تحاول منعه، أزاحها عن طريقه، غير أنها حرنت وتمسكت بعضده تحاول منعه، دفعها بقوة باتجاه الجدار، فعمدت إلى زيقها فشقته وتشبثت بشعرها بقوة تحاول تقطيعه، وعضت على شفتها وراحت تبكي بحرقة، ظنا منها أنه سيمنحها ما ترغب فيه لإسكاتها والتستر على نفسه، ولكنه حاول الهروب قبل أن يدخل يحيى عليه ويرتاب فيه كما يعتقد· كان يحسب أن يحيى لا يزال في الحمام وفي أي لحظة يدخل عليه· رأف بها وتوقف إشفاقا عليها محاولا تهدئتها، لكنها انفجرت تصرخ:
Page 10
اخرج، مخنث، حقير، تافه، أنت مو رجال
 
خرج حزينا مرتبكا ومضى يقطع الشارع على غير هوادة، حتى هدأ وتماسك وعاد إلى البيت، بعد هذه الحادثة ما عاد يزور يحيى في البيت، ويتهرب منه خوفا من مواجهته، وتبين له في ما بعد أنه لم يكن موجودا في ذلك الوقت في البيت أصلا، فاستغلت غيابه لتفعل فعلتها· وكان يصطنع الأعذار ليحيى كلما سأله عن عدم مروره عليه·
 
بعد حادثة اختفاء كريم بثلاث سنوات وحادثة رابحة بأيام خرج أيوب من البيت، وتوسط الزقاق وكان الزقاق خاليا من المارة، وفجأة ظهرت أمامه (كريمة) ـ صديقة رابحة ـ لتسأله عن الوقت ولما أجابها نظرت في عينيه وقالت:
 
- أنا أعرف كل شيء !
 
سألها مستغربا:
 
نعم؟ عن ماذا؟
 
أجابته بحزم وثقة عالية
 
عن تلك المتهورة الرعناء رابحة·
 
ثم سكتت قليلا وأتمت:
 
- حسنا فعلت معها·
 
ثم أخبرته بأن يحيى لم يكن في البيت ذلك اليوم، وأنها كذبت عليه لتشبع رغبتها·
 
لاذ بالصمت وهو ينظر إليها ويقول في نفسه:
 
إلى أين تريد هذه الحسناء أن تصل؟
 
مدت يدها إلى زر قميصه وأمسكته بأناملها برفق وأفضت له:
 
لعلك لم تعرفني؟
 
قال:
 
أعرفك، ألست صديقة رابحة؟