Page 1
أدب الشباب
يصنع قوانينه الخاصة
في نصوصها الأدبية هذه، تخرج الأديبة الشابة مروة خالد السيوري عن قانون الصمت، والجمود، والرضا الخانع، وتنحاز إلى ذاتها وهي تقدّم هويتها الذاتية، وأفكارها الخاصة برؤيتها للعالم بناسه، وقوانينه، وزيفه، وحبه، وصدقه، وكل ما فيه من تناقضات، وعجائب غريبة.
تقف الكاتبة واثقة، متحدية، صارخة. تبوح بحبها للآخر الإنسان الذي تتوحد معه؛ أباً، وأخاً، وعشيقاً. لا تغالي، ولا يسوقها حقد على الآخر لأنها تعي تماماً أهميته في بناء معادلة الحياة. فإذا كانت الكاتبة تنطق بلسان الأنثى وشجونها، فإن الآخر هو المكمل لمعادلتها الحياتية لتستقيم الحياة بعيداً عن الخلل والمغالاة، والعمى الذي تتسم به عدد من الكتابات الجديدة.
ولأن لغة الشباب باتت تجاري العصر في إيقاعه السريع، وتكتفي بالتلميح دون التصريح، فإن قلم مروة في هذه النصوص اللافتة يحاكي واقع الشباب، وينقل نبضهم المتسارع للتغيير، وتثبيت قيم الجمال والحياة المفتوحة على آفاق الحرية، والمساواة، والموسيقى، والغناء.
من هنا، جاءت نبضاتها الأخيرة في هذا الكتاب محمّلة بروح الشباب؛ توقهم، ومفاهيمهم، وأحلامهم، وغضبهم، وحبهم، وانتمائهم، وعطائهم، ورؤاهم. إنها خير ناقل لقاموس الشباب الحياتي الكاشف عن أسرارهم، المعبّر عن نفسياتهم ومواقفهم من الحياة والإنسان، ومن المكان والزمان بلغة أدبية شفافة جميلة الوقع والتعبير، فيها قدر من الإدهاش، وكثير من الصور الجميلة، والمضامين الإنسانية.
Page 2
تكتب مروة خالد السيوري نصوصها هنا بروحها قبل قلمها، وتقدّم ذاتها قبل كلماتها. إنها تحاور الكلمة وتتلاعب بفنية جميلة بلغة الصورة التي تخرجها مؤطّرة بحياة نابضة بخصوصية امتلكتها من مطالعاتها التي ذوّتتها، فأضافت إليها من روحها ما يميّزها. لذا فإن الدارس للغة أدب الشباب، وطموحاتهم، لا غنى له عن الوقوف مليّاً وقوف الباحث المتفحّص للغة والمضامين التي حملتها بمستويات متعددة. إنها تقدّم للقارئ ما يغني ذائقته الجمالية، وما يمتعه ويفيده، وتقدّم للدارس ما يفيد استنتاجاته البحثية، وتشخيصه لواقع الجيل.
لقد تميّزت الكاتبة مروة هنا في هذه النصوص بلغة حملت قيماً، وإن أوحى العنوان بالخروج عن القانون؛ إنه القانون الزائف ذاك الذي تخرج عنه النصوص لتنحاز إلى قانون الصدق والاتساق والجمال.
ولأن الكاتبة تدرك تماماً أن البناء الأدبي يكون فوق ما قدّمه الآخرون فإنها تتناصّ مع عدد من الأدباء الذين قرأتهم، وتبني نصّها بهندسة خاصة أملتها الفكرة، وحب التجريب، ورفد التجربة الأدبية الشبابية بمنجز جديد.
هذه النصوص لابنتي الأديبة الشابة مروة خالد السيوري فيها مسؤولية اجتماعية، وأدبية، ودينية، ووطنية، وإنسانية. ليست غاضبة لتحطّم الواقع، ولا حالمة لتسوح في ملكوت الخيال السلبي، بل إنها واقعية تستند إلى أرض صلبة تراها بعين التجربة والطموح، لترفع سقف الأمنيات، وتشير إلى ما تتمناه لها، ولبنات جيلها.
إنها تعي مسؤوليتها تجاه أدبها، ومجتمعها، وفنّها. لذا لم تغرق في مستنقع التجارب الشبابية الغاضبة، بل قدّمت ما ميّزها بمسؤولية واقتدار جميلين.
إبراهيم جوهر
(القدس)
Page 3
إهداء
إِلى ذاكَ الصَّمْتِ الثّائِرِ فِيَّ بِوَجَع..
إِلى تِلْكَ الفسْحَةِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأَرْض..
إِلى أولئِكَ المارّينَ عَلى طُرُقاتِ الحَرْفِ..
إلى والِديَّ.. والمَجْهول..
إلى كُلّ شَيْء.. ولاشَيْء
أُهْدي كِتابي الأَوَّل.
(مروة)
شكرٌ وتقديرٌ
أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ مَرَّ وَإِيّايَ عَلى ذاكَ الدَّرْبِ ذِي الحَواف الشَّوْكِيَّة مِنْ أَهلي وَأَصْدِقائي، والذينَ آزَروا حُروفي وكانوا لَها عكّاز نور في ظُلْمَة الكَوْنِ.
أَشْكُر كُلّ مَنْ سارَ بي نَحْوَ الحَرْفِ والكِتاب، وَسانَدَني في هذا الطّريق. إِلَيْهم، أُولئِكَ الثّلة من المبدعين المغمورين في أَزِقَّة المَكانِ اللامَرْئِيّ؛ أَساتِذَتي وَأَصْدِقائي في ندْوَةِ اليَوْمِ السّابع وَ مُلْتَقى دَواة عَلى السّور «شُكْراً لَكُم»، وأَخُصّ بالشُكْرِ أُسْتاذي ووالِدي الأَدَبِيّ– إن جاز لِيَ التّعْبيرُ –إِبْراهيم جَوْهر.
وَتِلْكَ النَّسْمة البريئة الصّادقة، أُخْتي «هَيا».
Page 4
وجعُ المَساءِ
رَسائِلُ ذاتِيَّةٌ جِدّاً
(1)
أَيُّها الرَّبُ ...
كُلُّ مَنافيكَ ضاقَت بِقَلْبي
وَسَماؤُكَ باتَت أَقْصَرَ مِنْ أُمْنِياتي
وهذا الهَوَاء مِنْ حَوْلي مُكَبَّلٌ
يَخْنُقُني
أَيُّها الرَّبُّ
وَلَكَم جَفَّفْتُ زَغب النّايِ عَنْ قَلْبي
واعْتَلَيْتُ أَوْتارَهُ
مُمْتَلِئَةً بِوَجَعي
أَتَحَسَّسُ مَوْتِيَ المُؤَجَّلَ
بِخَيْرٍ جِدّاً أَنا !!
أَراهُم يَرْحَلونَ صَوْبَ حِسابِكَ
وأَنا هُنا
لَهُم أَوْطانُهُم
وَلِيَ مَوْكِبٌ مِنَ المُنى
وَكُلّي احْتِضاراتٌ
Page 5
ولاآتٌ
وَضَياعٌ
وَبقايا أَنا
لَهُم زَهْرُ اللوْزِ
وَلي نَعْشُ ذاكِرَةٍ
وَمَوْكِبُ اسْتِحالات
أَنا بِخَيْرٍ جِدّاً أَيُّها الرَّبُّ
لِكِنّي أَتَلاشى !!
(2)
أًيُّها المَوْتُ ...
حينَ ثَنَت أُمّي فَصْلَ الشِّتاءِ
وَخَبّأَتْهُ في صَدْرِها
أَوْهَمَتْنا أَنّ الوَطَنَ دافِئٌ
أَنّ البَرْدَ لنْ يَتَسَلَّلَ لِأَطْرافِنا
كُلَّما حَضَنَتْنا
صَقيعٌ آخَرُ يَعْتَرينا
يَنْخَرُ أَوْهامَنا
كَمْ كانَتْ بارِدَةً أَوْجاعنا
وَكَم كانَت أُمّي طَيِّبَةً
أَيُّها المَوْتُ
سَرَقْتَ مِنْها فُصولَها
أَفْكارَها
خُطُواتِها
Page 6
عُمْرَها الطَّرِيّ
وَما بَقِيَ مِنّا
حاصَرْتَها بِخذلانِكَ
بِوُجودِكَ
وَكُلَّ الخَيْباتِ وَهَبْتَها
أَيُّها المَوْتُ
أَلا ثَنَيْتَ ذاتَكَ
وارْتَحَلْتَ قَليلاً عَنْ سَقْفِ بَيْتِنا
ثُوَيْنَةً
هَبْنا اللارَهْبَةَ مِنْكَ
دَعْنا نَبْتَسِمُ
وَدَعْها تُنْهي كوبَ حَليبِها
وَتُمَدِّدَ أَحْلامَها فَوْقَ مِساحاتِ الحِرْمانِ
تَضاءَلْ
وانْزِع يَمينَكَ مِنْ جَسِدَها
اتْرُكْها تَلْفِظُ أَنْفاسَها
وَتَرَيَّث في قَطْفِ البَنَفْسَجِ
فَأنا وَهِيَ وَجُدْرانُ بَيْتِنا
نُدْرِكُ أَنَّ الطّينَ رائِحَتَنا الأولى
تَمَهَّل أَيُّها المَوْتُ
وارْحَمْ عَذاباتِنا
قَسَماً
Page 7
نُدْرِكُ أَنَّ الطّينَ رائِحَتَنا الأولى
والأَخيرَةَ !
(3)
أُمّي ...
لَمْ تَكُن أُمّي تَثْني الشّتاءَ في صَدْرِها
إلّا لِتُخْمِدَ نارَ احْتِياجاتِها
أَوْجاعِها
خَيْباتِها
لِتَسْقِيَ حَقْلَ الأَحْلامِ
الذي قَلَّدَتْهُ أَسْماءَنا
لِتَرْوِيَ ظَمَأَ العُمْرِ الطَّرِيّ
الذي حَرَمْناها !
كُلَّما اقْتَرَبَ (فبراير)
مارَسَت أُمّي خَطيئَتَها
نَزَعَتْ مِعْطَفَها
واعْتَلَت سَقْفَ البَيْتِ المُهْتَرِئ
أُمّي...
حِكايَةٌ لا تُكْتَب !
Page 8
(4)
أَيُّها الوَطَنُ ...
وَطَن!
أَخْبَروني أَنّ لا وَطَنَ لي
أَنّي مِنْ بلادِ (الواق واق)
الزُّرْقُ تَرَحَّموا بي
أَسْكَنوني ها هُنا
وَخَلَعوا عَلَيَّ اللقَب!
ذاتَ يَوْمٍ
سَيَصْرُخُ الوَطَن
هذا ما قالَتْهُ جَدَّتي !
(5)
إِلَيْكَ ...
أَنا بِخَيْرٍ جِدّاً في غِيابِكَ ...
بَعْضُ تَقَرُّحاتِ القَلْبِ وَنَزْفٌ في الرُّوحِ وَبَرْدٌ في أَطْرافي ...
وَجَعٌ يَتَسَرْبَلُ مِنْ شِفاهي يُقْتَصِرُ عَلى ثَلاثَةٍ (( ق ... هـ ...ر ))
ونافِذَةٌ مُغْلَقَةٌ مِنْذُ ضَياعِ تَذْكِرَة السَّفَرِ إِلَيْكَ ...
عَتْمَةٌ في السَّماءِ
وَسَقْفُ غُرْفَةٍ أَقْصَرُ مِمّا يَظُنّ المارّون
... وَبَنَفْسَجَةٌ نَكَّسَت رَأسَها في حَوْضِ ماءِ
... وَغيابٌ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ المُقَرَّبون ...
أَنا بِخَيْرِ جِدّاً في غِيابِك..
ما زالَ بَيْنَ أَضْلُعي قَلْبٌ ((وَلوْ مُتَعَفِّن))
ولي يَدانِ وَقَدَمانِ وَشَفتانِ مُتَيَبِّسَتان ...
أَنا بِخَيْرٍ جِدّاً لكِنَّ بَرْدَ غِيابِكَ أَفْقَدَني رِئَتي !!
(6)
مُجَدَّداً للرَّبِّ ...
أَيُّها الرَّبُّ
أَعْتَذِرُ عَمّا بُحْتُ وَعَمّا فَعَلْتُ
أَفَلا غَفَرْتَ لي
وَهَبْتَني
وَطَناً
وأُمّاً
وَنُطْفَةً حِنْطِيّةَ اللوْنِ
أُناديها
((سُلَيْمى)) !!
Page 9
في رِثاءِ عَيْنَيْكَ
في رِثاءِ عَيْنَيْكَ قَتَلْتُ ذاتي
وَترَكْتُ خَلْفِيَ الأَحْلامَ ثائِرَة
وَأَنْتَ قَدْ لا تَعْلَمُ
قَد لا تَعْلَمُ أَنّي انْتَظَرْتُكَ مُنْذُ أَلْفِ عامٍ
وَحِكتُ مِنْ دَمْعِ عَيْنَيَّ عَيْنَيْكَ عَلى وِسادَتي
لا بَلْ وَأَكْثَر
كُنْتُ أُناجيكَ كُلَّ لَيْلَةٍ
اسْأَلِ السَّماءَ
هِيَ أَدرى وَأَعْلَم
عَلى شُرْفَةِ غُرْفَتي كُنْتُ أَجْلِسُ
أُجالِسُكَ
أَرْقُبُكَ.. تُوْغِلُ في روحي أَكثر وأَكثر
أَنْظُرُكَ سَيِّدَ النُّجومِ
تَتَّسِعُ المَدينَةُ وَيَضيقُ صَدْري
يَضيقُ.. وَيَضيقُ
أُناجي السَّماءَ أَنْ هِبيني قَلْباً
فَما عادَ القَلْبُ يَقْوى وَيَقْدِر
Page 10
مُنْذُ أَلْفِ عامٍ
وأَنا أنتَظِرُكَ حُلماً
يا أَنْتَ
هُناكَ.. خَلْفَ حُدودِ الحُدودِ واللامَكان
يا مَنِ انْتَزَعْتَ بَسْمَةً بَعْدَما شِفاهي تَيَبَّسَت
قَدْ لا تَعْلَم
أَنّي أَهْواكَ وَأُحِبُّكَ
أُقْسِمُ.. أَكْثر من ذلِكَ وأَلف أَلف أَكثر
في رِثاءِ عَيْنَيْكَ ضَريرَةٌ أَنا دونكَ
لا.. لا تّضْجر
خُذْهما
عينايَ لَكَ هبة
تَميمَة تَحميكَ مِن أَلَم العُمْرِ
وَصُنْ ما كانَ بَيْنَنا
واعْلَمْ
أَنّي أُحِبُّكَ أَكْثَر
وأَشْتاقُكَ بِحَجْمِ السَّماءِ
والأَلْفِ عامٍ
فَأَرْجوكَ.. كَفاني مِنْكَ
خُذْ عَيْنَيّ مَتاعاً لَكَ
وارْحَلْ