eKtab
EN ع
بعيدا عن الذاكرة
Read free sample

بعيدا عن الذاكرة

by أمنية أمين

Page 1
اعتراف
 
أكدت له ثقتي به فليفعل ما يشاء· لم أكن مجبرة على هذا الاعتراف لكن كان لابد أن يسمعني أحد؛ كان لابد من شاهد على الأحداث التى لم تحدث·
كنت أحمل قارورة ماء على رأسي عندما انزلقت هناك بجانب النهر· انكسرت القارورة وتناثرت شظاياها في كل مكان· رأيته بجواري يضحك ويضحك· لا أدري حينها لماذا انتابني شعور جامح بالغضب منه· غير أنه قبل أن ينتهي ذلك الصيف كنت أسكن معه في كوخ صغير يطل على النهر من بعيد· لم يكن حورس قد بَلَغَ عاماً من عمره عندما رحَلَ وتركنا مُتجِهاً نحو الشمس التى سرعان ما ابتلعته· وقبل أن يرحل الشتاء، كنتُ أهوي في قاع النهر· أما حورس فلم أدر من أمرِهِ شيئاً·
كانَ هذا منذُ زمنٍ بعيد، أما الآن فقد اختَلَفَت القصة· لم أعد أحمل قوارير ماء لكنني مثقلة بحملِ أشياءَ لم تحدث·
أسكن بيتاًصغيراً في إحدى ضواحي المدينة وليس ثمة نهر يطل عليه البيت من بعيد، فقط جبال راسيات تحيط به من كل الجهات· التقيتُ بِهِ في حادث سيارة· تهشم الزجاج وتناثرت شظاياه في كل مكان· أخذَ يصيحُ غيظاً، أما أنا فقد انفجرتُ بالضحك· كان هذا منذ عامين· ابني الآن عمره عام وأسميته سالم·
اليوم أنا على موعد ذي أهمية خاصة· في الواحدة تماماً لابد أن أكون بالمدينة في مقهى منزوٍ يرتاده عادةً الأدباء والمثقفون· سوف ألتقي هناك بشخص قد يغير الكثير في مجرى حياتي ليس لأنه سيبوح لي بشيء خطير، لكن لأنه قد ينشر قصتي· نعم كتبتها غير أن أحداً لم يسمعها من قبل· كنت أعيشها وكان لابد لي من وقفة حتى أستجمعها:
قصة بسيطة للغاية تبدأ منذ ولادتي في مدينة كبيرة تزدحم بكثير من الأشياء التى يستحيل العيش دونها· لم تكن هناك سيارات أو بنايات شاهقة، ولم أسكن كوخاً صغيراً بل في معبد يجاور قصراً مثيراً للرهبة· كان الكاهن يأتي كل يوم ويطلق البخور استعداداً للطقوس اليومية· كنتُ أنا جزءاً من هذه الطقوس· علمت فيما بعد أن والدي كان جندياً بسيطاً تزوج من امرأة ريفية· ذهب إلى إحدى الحروب ولم يعد، بعدها اختفت أمي ولا أدري إلى أي عالم انتقلت· أما أنا، فتُرِكتُ على باب المعبد؛ أو ربما وُهِبتُ له·
لا تبدو القصة مثيرة لكن الأحداث بدأت بالتسارع حينما قابلته و كنت قد بلغت السادسة عشرة من عمري· لن أقول إنني عشقتُ أحداً فلقد كان محرماً عليّ الارتباط· بعدها بسنة قادني الكاهن إلى مذبح القرابين المقدس· هناكَ وبسكين كبير، فَصَلَ رأسي عن جسدي· لم أشعر بالألم فقد كان سريع الحركة وكما يقال سرقتني السكين· لم أحبهُ بقدر ما أحبني· أعلم أنه عندما فشلَ في العثور عليّ اتجه نحو الكاهن الذي أكّدَ له استحالة استمرار العلاقة حيث يُحرم أن يكون لفرعون طفل من كاهنة وُهِبت للمعبد· لذلك مات الطفل قبل أن يوشي بالمعبد وبصاحب العلاقة· خضع فرعون لحكم الحكيم بالرغم من أنه حزن عليّ حزناً شديداً وقيل إنه احتفظ برأسي في إحدى الأواني التى لاتزال مدفونة معه في مقبرته· ربما كان ذلك صحيحاً لكن هل هناك معنى لرأس دون جســـد أو لجسد بلا رأس، أو لطفل لم أتمكن من تسميته؟
Page 2
الواحدة تماماً وها هو يتوجه نحوي بابتسامة· لقد اخترتُ مكانا قصياًً في زاوية المقهى حتى يمكننا التحدث بهدوء· صوت فيروز ملأ المكان وهي تنادي شادي في الجبال البعيدة وأنا أسكن منزلاً تحيط به الجبال على مشارف المدينة·
في مخيلتي أحداث كثيرة· أراني واقفة عند سفح الجبل أُتمتم بكلمات غير مفهومة وأرمي أشياءَ لا أتبينها، سرعان ما تحملها الريح بعيداً· أرفع يديّ إلى السماء فيتوالى الرعد والبرق وتهتز الجبال وتسقط الأمطار إثر كلماتي فأضحك بصوتٍ عالٍ· شعري طويل وليس مجدولاً كعادة النساء في تلك المنطقة، لكنه أشعث يكاد يبتلع وجهي· وجلبابي قاتم اللون بفعل الزمن· لا يسكن معي أحد فكل من سكن معي ابتلعتهُ الرمال· يلقبونني بسيدة الجبل· يسخرون من تنبؤاتي ولم يدركوا أهمية ما أقول إلا بعد فوات الأوان· بعدها أخذوا يأتونني من كل فج لكنني لم أعبأ بأحد· ما أردت مالاً ولا جاهاً ولم يستطع أن يجبرني أحد على التنبؤ· لذا أعطي بالقدر الذي أريده لمن أريده وليس لأحد سلطان عليّ· اغتاظ الكثيرون مني فلم أعبأ بهم· غير أنهم رجموني بالحجارة وأحرقوا جثتي أمام ملأ من الناس وقالوا: تخلصنا من ساحرة لعينة· عندما أحرقوني قيل إن حمامة بيضاء طارت من وسط الرماد المتبقي· سجد الكثيرون وأخذتهم الرهبة· بعد ذلك أُقيمَ معبد سُمِيَّ بسيدة الجبل يطلق فيه البخور ويأتيه الزوار من أماكن بعيدة· لايزال المعبد قائماً· في ذكراي كل عام يقال إنهم يرون طيفاً يحوم حول المكان· آه ! ذاك زمن بعيد، زمن آخر! وبين الحين والآخر أسمع ضحكة امرأة تجلجل بين الجبال فيهمسون: سيدة الجبل مازالت هنا؟ ربما!
كان ذلك فيما مضى، أما الآن فشعري قصير مصفف على الطريقة العصرية وليس بأشعث، وردائي ليس بأغبر، ففستاني تزينه الكثير من الزهور الصغيرة ذات الألوان الجريئة·
- قهوة وسط أم سادة ؟
- وسط من فضلك·
- أحضرتِ القصة ؟
- أية قصة ؟
- قصتك!
- آه، تلك !
أية قصة سأعطيه، الأولى أم الأخيرة التي لم أكتبها بعد ؟ لا أدري· فكل القصص تبدو لي شوكة في حلقي· لا أدري أيتها أنا ! لم أتبيّن الأمر بعد·
يثقلني كثيراً صوت الآخر الذى يأتي مخترقاً كل العصور والخيالات ليوقعني بإيقاع حاضر بعيد كل البعد عن واقعي· على أية حال أرتشف قهوتي بابتسامة هادئة حتى أخبئ ما لم أكتبه بعد·
- مواعيدك دقيقة جداً·
- نعم فأنا سيدة الوقت·
Page 3
- عفواً ؟
- سيدة وقتي·
ماذا لو قلت له أن جزءاً مني لايزال في آنيةٍ من المرمر بإحدى المقابر أو أن صوتي يجلجل عالياً بين الجبال، هل سيصدقني ؟ هل أصدق أنا ذلك ؟ لن أستطيع أن أُصْدِقَهُ الحديث لكنني أستطيع أن أُصْدِقَهُ اللقاء في الحاضر بابتسامة تخفي أنني كنتُ يوماً ما، بقاع النهر·
أتذكر الكثير· أمعنى هذا أنني لا أتذكر الأكثر ؟ ربما· لكن عندما اجتُزَّ رأسي عن جسدي تحول شعري إلى أفاعٍ صغيرة وتحول كل من نظر إليّ إلى حجارة· أهي لعنة المرأة أم لعنة الذاكرة تلك ؟ لكنه كان سيتزوج بامراةٍ سواي· كم من الحيوات يمكنني أن أعيشها في حياة واحدة ؟ أتتشابك الخيوط أم تنهار الحبكة ؟ على أية حال فأنا مازلت هنا أتحدث بضمير غير غائب·
- تبدو رائعة·
- عفواً ؟
- القصة تبدو رائعة· بها الكثير من التفاصيل التي ···
- لم تحدث·
- عفواً ؟
- الدقيقة·
أتذكر التفاصيل الدقيقة بينما أنسى الأحداث الهامة· فهذه هي الحياة: هي الأشياء التافهة التى لا يكاد يُدرك لوجودها معنى· أما الفواصل فتُمحى من الذاكرة ربما لأنها قليلة· بينما التفاصيل الصغيرة سرعان ما تتكرر· رغم ذلك لم يتكرر معي الكثير من الأحداث· فكل قصة لها لونها الخاص بها· لذا أتلون بكل حدث، ويصبح جزءاً مني·
عشـــتُ مرات عديدة وشاهدت الكثير من الأحداث· لكن لماذا الإصــرار على تكرر تلك المـرأة ؟ أحــاول محوهــا في كل حياة لكنها سريعاً ما تندلعُ مرة أخرى من بين الرمــاد· يتغيرُ شكلي وردائي، لكن النهايات لا تتغير· خيانة· خيانة بين أضلع النص· لابد من خيانة النص حتى لا تخونني الحياة وتنزلق من يديّ مثل كل مرة· سأكتب نصاً جديداً· لابد من إيجاده حتى أستطيع ان أعيش حياة مختلفة· كم أثقلني حمل ما لم يحدث رغم تكراره ! أين أذهب بحملي ؟
- لكنكِ قلتِ إنها قصة حياتِكِ· هل غيرتِ رأيك ؟
- لا·
- اذاً أين هي ؟
- هذه هي·
- أتقصدين أنكِ استبدلتِ الزمان والمكان واخترتِ شخوصاً رمزية ؟
- ربما·
- ماذا أسميتِها ؟
آه الأسماء اللعينة دائماً تأتي· فأول مرة كان اسمه حورس لكنني لم أكن إيزيس أو ربما كنت· وفي المرات التالية···
Page 4
- عفواً ما اسم القصة ؟
- آه تلك! إنها اعتراف·
- لا أعتقد أن هذا عنوان مناسب، فالقصة حدثت في زمن من أزمنة الخيال·
- أعلم· لذا سأسميها اعتراف·
- اعتراف بماذا ؟
- بالخيال·
- عفواً !
- كنت فقط أمزح·
نعم، حينها كنت أمزح· لِمَ لا ؟ فعندما انزلقت جانب النهر انزلقت القصة معي ومازالت تنزلق· وعندما بتُ بقاع النهر دُفِنت هناك· لقد أكدتُ لكَ ثِقَتي بِكَ إذاً فلتفعل بالقصة ما تشاء فقد حملتُها بما يكفي· أما الآن فأنا أسكن الجبال وحدي·
- أَوَ تدري بأنك أنت الروح التى تَعْتَملُ بداخلي؟
- لو علمت ذلك، ما كنتُ لأترك الحاضر ينزلق عبر الوهم !
Page 5
نص السكون
 
عين لا ترى، قلب لا يفجع
مضت شهور طويلة وهذا الصمت يحاول أن يطبق عليّ، لكن لم يبق الكثير فلقد عدوت معظم الطريق· فبعد قليل سأتخلص من هذا الهاجس العقيم· لقد كلفت أحد الأصدقاء بإخبارها أني سأعود الليلة وكعادتها ستكون فى انتظاري· لقد مللت خِواء تلك المساحة بين المرء ونفسه، وها هى عربة الجيب تخترق طريق تلال الرمل التي لم أر سواها لشهور عديدة· فهناك بين التلال، نص لا يكون ولا يمكنه التماثل· لكنني الآن عائد، عائد ووجهكِ لم يبارح خيالي· هذا أول شيء سأقوله لها بعد عناق طويل، بعد برانية جوفاء بنيتها داخل قالب الوقت· فعند الوداع لم تكن ثمة كلمات متبادلة بيننا ولا جرأة لنظرة وداع·
عندما غادرت لم أحدث صوتاً· كانت جالسة باتجاه معاكس أمام نار مدفأة مشتعلة· استدرت أنا الآخر وأغلقت الباب بهدوء مبالغ به· ظلت هي بلا حراك، محتضنة وسادة مربعة مثلما كانت تحتضن طفلنا الرضيع· كم داهمتني تلك اللحظة طوال الشهور الأخيرة· أينما اتجهت رأيت وجهها يبحث عني في التيه؛ كلما ابتعدتُ كانت في نظرتها إليّ ومضة عذاب باحثة فيّ عن سطور تخفف عنها ألم الموت· لكنني تركتها وأغلقت الباب· لم أرَ وجهها عبر النافذة ولم تلوح لي بيدها· أشحتُ بوجهي بعيداً عن عينيها فلم أكن أملك ما يمكن أن أمنحه لأم فقدت ابنها الوحيد·
وجوه تائهة حيث لا يتجلى إلا سكون عين واحدة - الموت، والإخفاق يليه لِيسَعَ كل شيء· في تلك اللحظة يتجسد ما لا يكون فنتوق إلى معاينته، معانقته، ولكن كيف وقد هرب إلى الداخل حيث مساحة الصدق الصغيرة بين المرء ونفسه·
انتظرتُ أن تعاتبني، تهاجمني لانسحابي، لتركي إياها تحت تلك الظروف لكنها لم تفعل شيئاً· أخفقت·
قلبي يخفق بشدة فلقد اقتربت من دفء اللقاء الذي سيجمعنا· أرقب الطريق بشغف· أكاد أسمع ضحكتها تراقص شفتيها بعيداً عن الحزن· أنا عائد وفي هذه المرة أعدك أن أكون في الحزن صائناً لك دعابة الخيال تغمرني بروح مشتعلة· لن أستديرَ وأختفي بعد الآن، فطعم الحياة أقوى من كل ألم· كان يجب أن أنظر إليها، وأعترفُ لها أنها الروح التي بها أستطيع أن أعبر الموت: سننسى كل ما فات وأعدك أنه بك سأحطم نص السكوت·
هو ذا باب منزلي لكن أين هو وجهها من وراء زجاج النافـذة ؟ روحي تكاد تسبقني وأنا أدير المفتاح· رائحة الدار العذبة الممزوجة برائحة عطرها المفضل تملأ أنفاسي· الآن فقط تمثلتُ الحياة مرة أخرى· سنكسر كل حاجز؛ لن نعجز أمام أي نص· ظلال الأشياء هي هي· الأثاث ملازم مكانه· الورد المليء بحمرة الحياة سيبقى في المزهرية المنتصبة فوق رف الموقد ؛ وأنا وأنت سنملأ معاً الفراغ· بكِ سأعبر الحياة والموت كم تعني الأشياء الصغيرة الكثير· كل ركن من أركان هذا المنزل يدنو بذكرياته الخاصة، في كل مكان كلمات متبادلة، أحلام لا يعرفها غيرنا وضحكات ما زلت أسمع رنينها· لكن أين أنتِ حتى أعبر لك عن كل ذلك ؟
ها أنت! أشعر بسعادة عميقة وحزن أعمق فنظرتك حادة، محدقة بفراغ بعيد· تنتابني خلعة· الصمت يداهمني مرة أخرى في تلك لمساحة التي بدأت تكبر بداخلي· أعلم ما تخفي وراءها هذه النظرة من نص سوف يتولد من جديد لكن لن أتراجع هذه المرة ولن يخونني الكلام· عيناك فيهما دمعة متحجرة لم يذبها الوقت·
دقات قلبي تتراقص باضطراب وأنا أخطو المساحة الصغيرة· أدنو بخطوات تيه لأبحث عنك· جسدك المطمئن تحت الفراش بلا حراك مثل نظراتك تماماً· أشعر ببرودة تخترقني، هناك صرخة لا تتعدى صمتاً أجوفَ تملأ المكان· شفتاك مغلقتان تحتضنان خلفهما ألماً وابتعاداً· برانية جوفاء تحدد المكان· عين الأشياء في حال ثبوتها والموت ابنها الوحيد· دعيني أمسك يديك وأتحسس أصابعك الرقيقة، دعيني أحتضنك وأضع رأسك للمرة الأخيرة على كتفي، دعيني أفعل ما كان يجب علي أن أفعله وأمحو آثار صمت ألم لم تعبر عنه كلماتي·
لن أسألكِ كيف ولماذا غادرتِ، لكن دعيني أقول لك إن الروح التي فارقت الحياة هي نفسي، وبالرغم من أن جسدي لا يزال هنا صامتاً، ثابتاً في عالم من المحسوسات، فما أدركتك ولن أدركك إلا في حضرة الخيال·
- لو أنك ما كنت، ما كنتُ أنا لأشعر بوجودي·
- تباً لذاكرة تخون الوجود بعدم وجودك فيها·
Page 6
بعيداً عن الذاكرة
 
 
نعم ·· هذا أنت، أراك جيداً فلا داعي للاقتراب أكثر ·· أعرف أيضاً نظراتك التى لم تفارقني رغم بعادك ! عيناك تجوسان في الظلام ·· أغمض فأراهما ·· أفتح عيني وأنظر فأراك ·· دعني وشأني فقد كفاني التماهي فيك وكفاك !
منذ وعيت الوجود وأنا أبحث عنك، وعندما وجدتك حاولت الهرب منك· لكن لم يكن ثمة مهرب منكَ إلا إليــك ! أحاول الرجوع لكن لا يمكن لي أبداً أن أمحو خطوات الماضي· أعلم جيداً فقد خيرتني وما خيرتني، ولقد اخترت وما اخترت· أتذكرك تقول لي: هل أنت واثقة ؟ فبعد المعرفة لا يمكن الرجوع·
أجد نفسي أمامك ضعيفة، صغيرة فأطير إليك بكل اللهفه والشوق، أقول لك بلا تردد: افتح الباب فالندم ليس في حسباني ! هرعت إليك ولم أخطُ ·· شربتُ قبل أن أتذوقَ ثم ضعتُ فيك وأصبحتُ منكَ وما عدت أدري أين أنا منك وأين أنت مني !
تأتيني متخفياً وملتحفاً معطف الليل، تقول لي بأنك الروح التي فارقتني عندما اغترفت من نهر النسيان· أعود بذاكرتي إلى الوراء فأصطدم بقطعان العماء !
أرى صورتك ·· هذه يدك ·· نعم تلك اليد الممتلئة التى تطوي ثنايا الماضي والمستقبل ·· أسألك عن الحاضر فتجيبني بأني سجينته· يمر الزمن برتابته المعهودة ·· الثواني ·· الدقائق ·· الساعات ·· الأيام ·· الأشهر ·· وأنا سجينة الحاضر· أحاول أن أجتاز اللحظة، لكن كل دقيقةتسلمني إلى سجن آخر· أستسلم وأحاول النسيان· أرى فيك الأمل·· المخرج، المعرفة· لكني كلما خطوت باتجاهك ذابت ملامحي· أنظر إلى وجهي في المرآة، لكن تلك النظرة ·· تلك الروح التي تتحرك في داخلي هي أنت· فهل أخرجها حتى أتحرر من سجن الحاضر ؟ ولكن كيف ؟ فالروح تأبى أن تكون إلا أنت !
اتهموني بالجنون وما أنا غير عاشقة· قالوا بأنني مسحورة ولست إلا أسيرة أفكار· أتحرر من رق الكلم فأرتطم بجدار آخر ·· المعرفة ·· وكم أثقلني حمل ما عجزت عنه الجبال ! حملته وحدي وسرت في صحراء وجداني، ألهث وراء سراب مخاتل ·· تلك الصورة ·· تلك النظرات التي ذهبت بالعقول!
أأغطي مرآة النفس حتى تزول ملامحك ؟ لكن هيهات ! فالعين تنظر والروح تتشرب ما ترسب عليها من أشكال وصور ·· أنظر إليها، أعبث بها، أقلبها في طيات الذاكرة وأهيم كي أسمع صداها يدوي عبر شرايين الحياة·
Page 7
أتذكر أول مرة تراءت لي واضحة ·· مشرقة ·· تلك النظرة التى أسرتني على صفحة ماء النهر ·· نظرت فرأيتها هادئة ·· جميلة ·· هذه هي، وهذه أنا ·· ترى من منا الذى أسر الآخر ·· مددت يدى كي أقطف النرجسة التى صارت ·· غاصت يدي في المياه فاختفت الصورة ·· ذهبت بعيداً وقد غدا هو يسكن داخلي مثلما كان يسكن في المرآة !
مازالت النرجسة بيدي، أشدد قبضتي عليها حتى لا تطيرها الريح وتنشر زهورها بعيداً بين ثنايا الفؤاد· اقتربت من شط النسيان، لم أجرؤ على الاغتراف منه، فالمعرفة لها مذاق تمتزج فيه العذوبة بالعذاب ··
أريد نسيان تلك النظرة ·· تُرى ماذا ستجلب الذاكرة مرة أخرى ؟! لكني مازلت أتذكرك وأتذكر عالم ما قبل النسيان ·· غابة الروح مترامية أمامي ·· ها أنذا أتذوق التفاحة فيسقط القناع ·· ألتقط ورقة التوت لأختبىء خلفها من تلك العيون التي تخترقني، بينما يداي تتلمسان ذلك الضلع لعلي أعثر على أجزائي المبعثرة فيه ولكني لا أحس بأي فرق· أجمع حبيبات التراب التى عُجِنَ منها ثم نُفِخَت فيها الروح· أجدك واقفاً وحيداً قبل ظهوري ·· أأنت سعيد وحدك ؟ ها أنت ذا تبحث عني !
أتذكر الآن حين اقتُلِعَ منك ذلك الضلع عند نهر النسيان ! ها هي النرجسة تنظر إليك شاهدة على هذا المشهد الأخير الذى يعيد نفسه كلما نظرت إلى ذلك الوجه ·· وتلك العينين، دققت النظر فارتعدتا من ارتسامة ملامح الوجه في الذاكرة· أتذكر تلك الغَرفة الأولى التي اغترفتها من النهر ·· وذلك الصوت الهادئ النبرات وهو يصدحُ هناك ·· وتلك النرجسة التي اقتطفتها لأهديها إليك ! نرجسة بيضاء كما الذاكرة لا تنمو إلا على شاطىء النسيان ·· بيضاء مثل ذلك الجسد الذي يختبئ وراء ورقة التوت هناك بعيداً عن سجن الحاضر ورِق الكلم·
نزلت لأغتسل لأول مرة فرأيته ينظر إليّ من خلال الماء· ابتسمت فابتسم ·· تُيّمتُ به ·· قلت له: من أنت ؟ فسمعت صوته يدوي أنا ·· أنا ·· أنا ··
مددت يدي لأهديه النرجسة لكنه اختفى· بحثت عنه حولي فلم أجده· صحت: يا 'أنا' أين أنت ؟ أجابني بصوت خافت: أنا أقرب إليك من حبل الوريد أخذت أتلمس بيدي مكان ذلك الضلع علّي أعثر عليه فيّ ·· ولم يكن ثمة فرق· سقطت النرجسة على شاطئ نهر النسيان ·· وأنا أبحرت بعيداً في الأعماق علّي أجد مكاناً لست فيه، وكلما اقتربت من الشاطئ رأيت النرجسة ماثلة مكانها من غير سوء لتشهد على ذلك المشهد الأخير والصوت ما زال يدوي أنا ·· أنا ·· أنا··
نعم، هذا أنت ·· أراك جيداً، أتذكر تلك النظرة ·· تلكما العينين أغمض فأراهما ·· أفتح عيني فأراني !
نظرت حولي ·· فتشت في كل الجهات ولم يكن ثمة غيري !
- لا معنى لحاضر لا وجود لك فيه·
- قبلك كنت وجوداً بلا ذاكرة، بعدك أصبحت ذاكرة بلا وجود·
Page 8
قريباً يبدو الماضي
 
إلى جميلة عمايرة
 
ما مضى قد مضى· كل لحظة تفني ما قبلها والماضي لا يستطيع التحدث بلغة الحاضر· الذكريات تبهت وبمرور الوقت يصبح الحدث بلا أهمية تذكر· لقد أغلق الباب، أقصد صفقه وقال إنه لن يعود· ضحكت لأنه عاد· صفقه مرة أخرى، قال لن يعود؛ وضحكت مرة ثانية لأنه عاد· في المرة الثالثة أغلق الباب بهدوء، لم يقل شيئاً، لم يعد، وأنا لم أعد أضحك·
حكايات كثيرة تروى لكنني لا أستطيع أن أروي قصته فالغائب مستتر وبغيابه تضيع الكلمات التى تعرب عنه· لذا لا أكترث كثيراً بالماضي حيث أن الحاضر مازال يتآكل بين لحظة وأخرى·
أستطيع أن أروي قصتي لكنني لن أفعل وأستطيع أن أصحو مبكراً لكنني لا أريد فوجه الصباح الممزوج برائحة القهوة ترتسم فيه معالم الماضي التى تصر على عدم الانزواء بعيداً في ركن مهمل من أركان الذاكرة· لذا مازلت أذكر عندما غادر وأغلق الباب بهدوء· بالرغم من أنني لم أكترث لرحيله فقد تركت الباب مفتوحاً فلربما عاد· وظل الباب غير مغلق علّه يسمع شيئاً من مستقبل أبكم·
خاوياً يبدو الوقت، وقديم هو وقع الحياة التى لا تستطيع الإبطاء ولا تحتضن إلا الحاضر الذى يتشكل بماضٍ غائب ومستقبل محجوب· لا بأس فقلمي لايزال بيدي ووصف الحياة ليس ضرورياً لأن المعنى لا يصحب الفعل وإن بدا كذلك· كل يوم يسير بنا إلى الموت ونقول إنها الحياة· أحب أن أتحدث بضمير الحاضر، بالأنا، فلا يوجد نص حقيقي سوى الآن· الوقت معدوم بداخل الأنا التي يستحيل سماع غيرها· لذا بدلاً من أن أروي قصته سوف أدون ما يدور في الحاضر:
القلم جاف والورق محجوب ببياض مخادع كي يعطي الكلمات رونقاً لا وجود له في حقيقة الأمر· أنظر إلى خطي وأعيد قراءة كلماتي· لم أقل شيئاً فبياض الورق ينطق بعكس ما أريد· أغير القلم لكن لا يتغير المعنى· قريباً يبدو الماضي بمعنى أن موت الأشياء قد أعدم واقع النص، وبالرغم من ذلك يظل النص أكبر دليل على الحياة· لا ينبض القلم وترتكن الكلمات فوق صفحة بيضاء أو ربما صفراء تتآكل أطرافها وتندثر هنا وهناك مثل الحياة ومثله تماماً·
Page 9
لذا، فالزمن هو الحاضر الذى يفتح للذاكرة حق التسبيح بالماضي· تسبيح الحاضر للماضى شيء يتسم به الوقت، لكن تكتنفه شوائب لأنه يصح بما عقل ويشوبه مالا يعقل مما مضى· فشئتُ أم أبيت، الماضي يسبح وعلمتُ أم لم أعلم، يظل الأمر كذلك· فمعية المعنى معي ولا تستخرج إلا بأسماء لا أريد تعيينها، لا أريد أن أعطيها ذكرى الحاضر·
قصتي يتبعها الكثير من الأحداث التى في حقيقة الأمر لم تحدث· فبدلاً من أن يسلم الحاضر ذكراه للماضى ويمضى للمستقبل، فقد توقف الحاضر وعجز عن إكمال القصة حين غادر وصفق الباب وراءه· لم تكتمل الأحداث وظل الحاضر محشواً بماضٍ غير مكتمل·
هذه قصتي· ليس بينها وبين القصص الأخرى سوى ليل طويل فقد عجز الحاضر عن التعبير عن زمانين في آن واحد: زمنه وزمني· فعندما غادر توقف زمنه أما زمني فلم يستمر لأنه لم يبدأ· كان زمني مستمداً من زمنه وحين غادر ترك الأشياء بلا أزمنة مُعرّفة وكَمُنت القصة في لغة غائبة·
أستطيع أن أصحو مبكراً لكنني لا أفعل، فنوافذ الصباح تنبئ بسكرات الحياة التى تشكو ساحات الماضي· يتشكل الآن بالقلم لكنه لم يعبر عني· أطوي صفحة وراء أخرى، يجف قلمي وآتي بقلم جديد لكن صدى الكلمة يظل مقترناً بماض بعيد· ترتسم الكلمات وتتجمع من كل جهة· تتداخل المعاني· أراكَ أمامي· أحاول أن أعبر عنك لكنك تبدو لي صغيراً مثلي تماماً· الجراح سريعة الوقع· أسمع صوت أقدام داخل الدار· يتوقف القلم بيدى ويتوقف الحاضر· أنظر أمامي، لا أرى أحداً· مازال الباب مفتوحاً· أضع قلمي فوق الصفحة التى لاتزال بيضاء· أخطو بثبات نحو الأمام كي أَخرجَ وأغلقَ الباب بهدوء·
- أُغطي عينيّ بكلتا يديّ حتى لا يؤلمني عدم سماع ما أتلهف إلى سماَعه·
- أُصِبتُ بالبكم والصمم، لكن فجعتني الذاكرة بعينين في الظلام·