Page 1
مقدمة
بقلم : نويل عبد الأحد
كان أول ما داهم نظري وأنا أفض غلاف المظروف الذي بعث به إلي الصديق الدكتور بسّام فرنجية، شعاعات تتوهج في تراقصها بداكن السواد، أو هكذا خُيِّل إليّ···
فالعين التي امتصت هذا الوهج المتناثرة شظاياها، قد دغدغ ما كان نائماً فيها·· وفي دغدغتها تلك متعة لا أبهى ولا أجمل··
إن للعين رادارها الخاص الذي يعمل بشكل آلي·· في رصد كل ما هو جميل، كما هو الحال بالنسبة للأذن التي يلتقط رادارها حُسن الأصوات وجميل الغناء واللحن·· وهو رادار يختلف عن رادار اللمس أو الذوق··
من هذا المنطلق، فشعرت للتو أن بسّام كان محقاً في أن تظهر رسائل كاتبيها اليه، بالحروف التي خطّتها أناملهم بها، خروجاً عن المألوف·· لا سيما وأنا عين القارىء قد سئمت أحرف المطابع والكومبيوترات المتشابهة أشكالها·· وأنّ ظهور كتاب بخطوط يدوية، له نكهته وطزاجته، كما الخضار والفاكهة المقطوفة على التو ··
وصحيح أن أجمل خطوط هذه الرسائل، هي خطوط نزار قباني، فذلك أن نزار قد احترف مهنة التخطيط في مرحلة شبابه الأولى·· ولكن خطوط كل من الراحلين البياتي والراهب لهما، جمالية خاصة ومميزة، تُمتّع العين المدرّبة على اجتذاب كل ما هو جميل وحسن وغير عادي··
يقول نزار في رسالته 1/10/1995
أنا ممتنّ لك جداً·· جداً·· لأنك حوّلتني من شاعر الى خطّاط· ففجّرت بذلك بداياتي الطفولية في الرسم والخطّ·· ولعلك لا تعرف أنني كنتُ بين الخامسة عشرة والتاسعة عشرة خطاطاً·· أدرس الخطّ العربي على أصوله·· ولذلك فإنّ أقرب ديوان إلى قلبي هو (قصائد متوحشة) الذي كتبته كله بخط يدي·· فأعتبر كل قارىء أنني كتبتُ الديوان له وحده·· وكنتُ سعيداً بهذا الشعور الحميمي·
والخط هو فن كباقي الفنون الأخرى·· وللفن بقاء وخلود·· والفنون جميع الفنون، تتحدّى الموت بديمومتها··· وفي هذا الشأن، أنشد محمود درويش في جداريته، مخاطباً الموت :
هزمتك يا موت الفنون جميعها
هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد الرافدين،
مسلّة المصري، مقبرة الفراعنة،
النقوشس على حجاارة معبدٍ هزمتْك
وانتصرتْ ،
وأفلت من كمائنك الخلود
لكن الكلمة·· والكلمة وحدها، سيدة الفنون الأخرى، لا سيما ما ينطق به الشاعر الأصيل·· والمفكر التأمّلي، والمصلح الاجتماعي الحقيقي··
وكانت للكلمة المبدعة، ولا تزال، سحرها الجاذب، وفعلها الخلاّق في التحوّل··
Page 2
أفلم يكن كلّ تغيير جذري في التاريخ، بفعل الكلمة··
أفلم تُرهب ولا تزال خفافيش الليل: المتسلّطين، والبطّاشين والأفّاكين؟؟ أفلم تقضّ مضاجع قامعي الفكر والحرية؟؟
لقد لاحظ بسّام، عبر متابعته الجادة الطويلة، في الساحة الثقافية، افتقار المكتبة الغربية، وبصورة خاصة المكتبة الأميركية، إلى أعمال، أو، على الأقل، بعض أعمال شاعررين من أهم شعراء القرن المنصرم، واللّذين، أثّّرت أشعارهم، لا في الحركة الشعرية المعاصرة فقط، بل وفي بُنى ا لحياة الاجتماعية··
قد يكون سبب إهمال المترجمين، ترجمة بعض أعمالهما، أو التهرب من الاقدام على ترجمتها، الى صعوبة ترجمة الشّعر السّهل، السّلس، المكتوب بلغة يفهمها عامة الناس - لا الأقلية المثقفة - فمن المؤكد أن مثل هذه الترجمة، لن تستطع أن تحافظ على النّبر الشعري، وموسيقاه، أو على الذائقة الفنية التي يتمتع بها قارئ أشعار هذين الراحلين الكبيرين···
وقد فطن نزار الى هذه الناحية، وجهر بها، في رسالته لبسّام تاريخ 4 2 /6/3 9 ·· ومما جاء فيها :
فالشعر، حالة ممتازة، لا يمكن نقلها إلى أية لغة أخرى، بغير تقديم تنازلات مخيفة·
وبالنسبة لي، أصبحت على يقين أن شعري غير قابل للترجمة·· لأنه شعر بسيط وفيه كثيرٌ من الطفولة· والطفولة لا تُترجم··
ويلتقي عبد الوهاب، الى حد ما مع نزار، في هذه النقطة·· وقد دفعته حساسيته الشعرية، أن يطلب من بسّام إحلالٌ كلمات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، محل سابقاتها، ومع ذلك فإنه أقرّ بترجمة بسّام لشعره وأُعجب بها وأثنى عليها·· وهذا ما جاء في رسالته لبسّام تاريخ 2/10/98 :
ان عملك هذا لهو عمل رائع يستحق التهنئة والثناء والإعجاب
والحق يقال أن بسّام لم يجازف بانحيازه الى اقتحام مصاعب ووعورة ترجمة الشعر السهل الممتنع لو أنه لم يكن واثقاً من مقدرته في الترجمة الإبداعية، وقد خبرت أنا، شخصياً مدى صعوبة ترجمة السهل الممتنع··
وقد تحخقّق لبسّام ما أراد: وهو إطلاق بعض أعمال هذين الشاعرين في كتابين، ضمّا مختارات مترجمة الى الانكليزية من إبداعات الراحلين عبد الوهاب ونزار، بالإضافة الى ترجمته الرائعة إلى الإنكليزية لرواية: الوباء، للراحل الكبير هاني الراهب··
وقد شهد له بترجماته الفذة كبار الأساتذة الجامعيين والضالعين في فنون الترجمة، نذكر منهم على سبيل المثال: البروفسور عرفان شهيد، والبروفسور هشام شرابي، والبروفسور ابراهيم ابراهيم، والبروفسور سليمان ساره وأخيراً وليس آخراً الناشر الشهير دونالد ايه هيردك Donald E. Herdeck
ورغم تمحور هذه ا لرسائل، كما ذكرت، حول هدف واحد وهو أن يرى أصحابها بعض ابداعاتهم وقد ترجمتْ ونُشرت بالانكليزية، فانها لم تنكفئ ضمن تلك الحلقة الضيقة، بل تعدّتها إلى آفاق أخرى·· لا سيما أن فضاء المبدع لا حدود له·· وفنه يغلب كل شيء·· وأن ما ينهمر من قلمه، من الكلمات فإنها تستطيع، مهما كانت هذه الكلمات بسيطة، أن تخلق نوعاً من العلاقة الودية مع قارئها··
وحده الفنان من يستطيع أن يؤالف بين المتناقضات، ويحيلها الى عالم متّسق في انسجامه···
أما رسائل الروائي الراحل هاني الراهب، فهي أيضاً قد حُصرت في موضوع واحد··· وقد حملت أسطرها، على قلة هذه الرسائل، من ال مرارة والأسى، ما تنوء عنه راسيات الجبال··
وتُشير هذه الرسائل أيضاً إلى تحسّره على فقدان أمته لحرية الكلمة ومن أراد الخروج عن القاعدة، فمصيره الملاحظة والاضطهاد والتشرد·· ولكن الأديب الحر - وما أقل الأحرار - يضحّي بكل شيء، وفاء منه لحرية الكلمة، والجهر بها، على حساب كل الأمور الأخرى··
Page 3
ويحضرني في هذا الصدد مقطع من احدى قصائد الصديق الكبير الشاعر كمال فوزي الشرابي، يتحسّر هو الآخر على حرية الكلمة ·· ويخاطبها منشداً بأعلى صوته :
يا حريّة!
وجهُ العُرب أمامك أسودْ
وجهي أسودْ
وطني أسودْ
خبزتي أسودْ
حرفي أسود
حتى الدمع بعيني أسودْ ···
لم ثُغر الراهب أية وظيفة مهما علا شأنها، كما لم تُغره كتابة البحوث والدراسات الأكاديمية، ولا الوظائف التدريسية، لأنه أراد خدمة الفن عبر موقعه، كروائي، يقدم لهم ولائم من أفكاره النابضة، ولكن ملاحقته من أعداء الكلمة، وتهديده بلقمة عيشه ولقمة أبنائه، حالت دون تحقيق ما أراد·· وقد جاء في رسالته تاريخ 24/12/88·
ما يلي : -
إنن اضطراري للعمل في جامعة الكويت سيجبرني على ترك الكتابة الروائية لألهث وراء كتابة البحوث ونشرها· وها هو ذا العام الثاني يمضي وأنا لم أخطّ سطراً واحداً في الجزء الثاني من (التلال)· ربما كان هذا برداً وسلاماً بالنسبة للقارىء العربي : لكني حزين حتى العظم ويائس حقاً، وأحياناً شقي بسبب ذلك
إن رسائل الفنانين سواء أكانوا شعراء أم رسامين أم نحاتين أم موسيقيين أم روائيين، أم غير ذلك، تكشف بصورة عامة، وبعفوية، جوانب عن حياتهم وكذلك جوانب هامة من شخصياتهم ولاء طباعهم·· ولا ثيجب أن تؤثر أقنعتهم، أي عطاءاتهم الابداعية التي يجودون بها على المعجبين بفنهم، على تلك الجوانب الأخرى من حيواتهم الخاصة ورد شخصياتهم···
وقد يلحظ دارسوا أعمال هؤلاء الثلاثة الراحلين، أن في رسائلهم لبسّام بعض هذه الدقائق التي تنم عن شخصياتهم، والتي قد تكون عاملاً مساعداً لهم وإنصافهم في التعريف عن بعض تلك الجوانب، في دراساتهم و/ أو بحوثهم لاعتقادي أنّ من حق القارىء أن يحظى ولو بالشيء اليسير عن حياة الفنان الخاصة·· وفي رأيي المتواضع فهذه الرسائل، رغم تمحورها في الأساس حول موضوع واحد·· فانها رسائل هامة ··
وفي الختام لا يسعني إلا أن أثني على جهد الصديق الدكتتور بسّام فرنجية، في تحدّيه الصعاب، وتصميمه على إطلاع القارىء الأميركي بترجماته الرائعة لإبداعات الراحلين هاني الراهب ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي·· وأن عمله هذا جدير بالثناء الحار··
كما لا يسعني إلا أن أشكره أيضاً لتكرمه بالإفراج، أخيراً، عن هذه الرسائل، وقد عرفتُ عنها مصادفة، عبر محادثاتنا الهاتفية، نتبادلها معاً من وقت إلى آخر؛ وبعد أن أقنعته أن إبداعات الفنانين، لا سيما رسائلهم الخاصة، لا يجب أن تظل مطوية في عباب النسيان، وأأنه من حق القارئ والدارس معاً، الاطلاع عليها بعد أن رحلوا عن دنيانا - وقد تزامن رحيلهم في أوقات متقاربة الى حد ما ··
فشكراً له ثانية وتهنآتي الحارة على جهوده الخيّرة وخدماته في حقول المعرفة والأدب والشعر ···
نويل عبد الأحد
Page 4
عند باب القشلة
أمشي ببطء، أقرأ وأكتب أيام عمري كل يوم، لا أترك ليلة واحدة دون سطر أو صفحة تضاف إلى اسمي، قصة قصيرة، أو مقالة، أو مسرحية، أو أعوم في رواية أجهل مدى عمقها حتى أصل قرارها·· أخاف من وحشة الصمت، تنقذني الكتب التي تزداد حولي وتنام لصق فراشي تغازلني كما النساء·· أحلم بالكتابة عن أسرارها وماذا سأقول في وسواسها الذي يطاردني··
ومن هنا جاءت فكرة جمع كتاباتي عن المبدعين في الجزء الأول من سوق السراي أخذت عصا الحكمة منهم وغفوت تحت سقف محبتهم وابداعهم الجميل، ثم أعطيتهم الكثير من الوقت في الكتابة عنهم جزاء ما غمروني به من معرفة وخفايا ومعلومات وأسرار وكشوفات وخبايا نفوس·· لكنهم، كما أرى، أكثر مما ظننت، وقد لا يكفيهم ما تبقى من أيام كتاباتي وشهور حياتي··
لهذا رأيت أن أمشي أسرع، مع محبة اكبر وحرص أعم، ما دام هذا الجيش من مبدعينا ما يزال في ساح انتصاراته مع الكتابة، وما دامت كنوزنا من الكتب ما تزال بين أصابعنا تحت وهج الشمس التي ترفض أن تغيب عن إبداعنا العربي الجامح الذي يسابق نفسه نحو عطاء أعمق وكتابات تستحق الرضا·
هذا الكتاب، هو الجزء الثاني من (سوق السراي) أجمع فيه شلّة رائعة من الشعراء والروائيين وكتّاب المذكرات، أحكي فيه عن أصدقائي وأساتذتي وأقراني من المبدعين، أفتح باب بيتي وقلبي أمام (فاضل العزاوي، وعدنان الصائغ، وعبد الرحمن مجيد الربيعي، ودنيا ميخائيل، وعبد الرزاق الربيعي، وسعد جاسم، وحسن النواب) كما أحكي فيه قصة قراءات مهمة في أعمال إدوارد سعيد، وهرمان هسه، وجوردن توماس، وخالد محمد غازي، وسلام عبود، ونقاش مفتوح مع لنا عبد الرحمن وفاطمة المحسن وأحلام مستغانمي وباقة ورد في ذكرى جان بول سارتر الكبير، إلى جانب مجموعة من المقالات أستذكر فيها همومنا وشجون حياتنا - داخل العراق وخارجه - عن عالم مغلق للتحسينات لا يتحسّن فيه أي شيء، عن ألف جلجامش يبكي صاحبه أنكيدو، وما من أحد يلتفت اليه·
سأقول في كتابي هذا : الشجاعة لا تشترى ولا تباع، فلا تأسف على ما فات، أحكي عبر مئات الصفحات عن لغة الخراب التي نحياها تحت سلطة الاعلانات، كما أرثي عبر سطورها أحبّة وأصدقاء فارقونا لم يكن أولهم الشاعر (حسين مردان) ولن يكون آخرهم الروائي (مؤنس الرزاز) فهكذا يرحل الأحبّة والنوارس والعشاق في كل زمان ومكان، مبكرين دائماً وعلى حين غفلة!
كل جزء من (سوق السراي) على صلة رحم بالجزء الذي يأتي بعد ولادته، وما دامت بنات أفكاري لا يرغبن اليوم بالزواج، سأعتمد على نفسي مع هذا العالم الغرائبي الذي يمشي بالمقلوب·· ربما كنت أهذي، وربما كنت على شيء من الجنون، فلا رثاء لي سوى أن أكتب ما أفكر فيه، وأحيا بقية عمري وأنا أتمنّّى وأنتظر الفانوس السحري عساني أدعكه بأصابعي ذات لحظة فأحقق شتلة طيبة من أمنياتي·
وهل من أمنية أكبر وأجمل من كتاب آخر بين يديك أيها القارئ العزيز؟
عبد الستار ناصر
عمّان 2000
Page 5
يا لهذه الكوميديا السوداء(1)!
هذه رواية مكانها العراق، وكل ما حدث فيها صحيح، برغم أن كل ما جرى عبر سطورها لا يمكن أن تصدقه النفس وما من شيء فيها ينتسب إلى الخيال، مع أنها الخيال نفسه منذ بدايتها حتى آخر سطر فيها·· انها كوميديا سوداء في زمن كل ما فيه أسود حتى البياض المشكوك بأمره، وفاضل العزاوي الذي نعرفه منذ طفولتنا، لم يزل ذاك الطفل الفيلسوف الذي يلعب بالمتفجرات والذي ندخل معه إلى أوقيانوس الغرائب ونشكو أمرنا اليه في الوقت الذي يزاحمنا هو نفسه على الشكوى التي نشتكي فيها (معاً) من الحياة اللاّمعقولة التي تمر بنا ونحن على مشارف أغرب وأعجب ما يجري في الكرة الأرضية من عجائب وغرائب·
كل سطر في رواية (الأسلاف) يحتاج إلى تكرار قراءته مرتين، حتى تصدق أنك عشت المهازل والكوارث والعذابات والمنفى داخل أسوار العراق الذي حلّت به الشياطين من كل صنف ونوع·· انها محنة أن تصدق الموت الذي أنت فيه مع أنك ما زلت على قيد الحياة·
هذه الرواية - كما يقول المؤلف - تدور في زمن متخيل أو مفترض خارج التأريخ وداخله في الوقت نفسه، على رقعة اسمها العراق وليس ثمة إسقاطات أو ايحاءات ضمن رؤيتها (الميتا- واقعية) بينما يعرف هو نفسه قبل غيره أن كل ما جرى عبر جيوش كلماتها وفيالق سطورها انما هو الحقيقة كما يعرفها (فاضل العزاوي) قبل سواه من قراء روايته·
ومع أن (الأسلاف) لا تختلف في جوهرها عن روايته السابقة (آخر الملائكة) من حيث المعنى، لكنها تعمل على ترسيخ الحنين الذي يحفر عميقاً في روح بطلها (عادل سليم الأمير) الذي هو نفسه فاضل العزاوي وأيضاً (ليس من أحد سواه) فما زالت (كركوك) هي عاصمة أحداثها وكذلك الشعراء والدراويش والشوارع ودور السينما والمقاهي والذكريات·
انها رواية عن الوجع العراقي (المعاصر) بعد غزو الكويت، عن الجوع والتشرد والمهانة التي أصابت الجسد العراقي في صميم كرامته وانسانيته، وبرغم كل ما يقوله أو يبرره المؤلف حتى يبتعد عن أية تفسيرات أو محاكمات أو افتراضات مسبقة، يبقى جوهر هذا العمل الخطير هو في المكان المخصص لبطولاتها وشخوصها وتأريخها الغارق في الدم والمطموس في الغباوات السياسية التي دفع الشعب أثمانها ولم يزل حتى يومنا هذا يدفع فاتورة أخطاء جسيمة وجرائم لا ذنب له فيها·
فاضل العزاوي الذي كتب رواية (القلعة الخامسة) ذات عام في بغداد، لم يزل يحارب - بطريقته الخاصة - كافة أنواع الظلم والعسف الأخطبوطي الماحق الذي يلاحق البراءة والجمال في بلاد النهرين، وهو مبدع حقيقي في ردم الفواصل ما بين الديكتاتورية والدم، وما بين الساسة والحماقة على امتداد التأريخ السرّي لهذا الوطن المسروق والمستباح في وضح النار· لكن ما يؤخذ على رواية الأسلاف هو أن كاتبها أرادها أن تكون (أطول) وأن تصبح صفحاتها أكثر مما (يجب)·· لذلك جاءت عملية (الحشو) على عكس ما تشتهي السفن، حيث أن رياح زوائدها أخذت من الرواية ومن جرفها ولم تضف اليها أيّ شيء سوى بعض الطرائف التي (يرتاح) إليها المؤلف في عموم كتاباته، ناهيك عن الشكل الذي تصدّع هنا وهناك بسبب رغبة فاضل العزاوي برؤية الرواية أكثر سمكاً!
من مثالب تلك الزيادات، ما راح اليه الكاتب من أشياء لا يمكن أن نزاوج أو نوازي أزمانها حتى إذا تعمّد المؤلف ذلك، فالغرائبية لا تعني أن نربط زمان المغول - مثلاً - بزمان الهنود الحمر، والذي يشتري ويدخن سجائر (تركي) في وقت ما من زمن العراق لا يمكنه أن يسمع في الوقت نفسه أغنية (عبوسي) الشهيرة التي يقول فيها (جوزي اتجوز عليّ) صفحة 56 وأشياء كثيرة أخرى من هذا النوع!
وهكذا تتناسل لديه أخطاء الفولكلور العراقي وتراث أجدادنا وتأريخه بحجة (المنطق الخاص) الذي كتب به رواية (الأسلاف) حتى أن غابرييل غارسيا ماركيز - وهو أول من شيّد صرح الواقعية السحرية - لم يفعل ما فعله (فاضل العزاوي) في كسر الزمان إلى حفنة أزمنة والمكان إلى شظايا لا يمكن قراءة جغرافيته مطلقاً !
ليس من شك في أن الأسلاف واحدة من أهم الروايات التي كتبت عن العراق تحت نير الظلم وهتك النفوس والأعراض واستخفاف الحاكم بالرعية، وهذا النوع من الكتابات يحتاج إلى تجربة تغوص في الأرض عميقاً ولا تأتي إلاّ في سن متأخرة من حياة كاتبها حتى يتمكن من تلبية احتياجاتها·
Page 6
وبرغم أن المؤلف هاجر مبكراً عن الوطن ولم يعش مأساة أية حرب مررنا بها·، إلاّ أنه استطاع أن يكتب عن الروح التي صلبوها على خشب النخيل وعن الجسد الذي ذبحوه على الساتر الترابي في الأرض الحرام، بل كتب عن مهازل النظام وشخوصه كما لو كان على مقربة منهم، لكنه خلط حابل هذا بنابل ذاك بدعوى الزمان الذي يختاره هو بنفسه وكذلك المكان الذي ما إن تمسك بخارطته حتى يتلاشى إلى محض ركام بين يديك، وعندما تسأل نفسك - أنت القارئ المطعون بقسوة الذكريات - عن سبب الكتابة بهذه الطريقة (المقلوبة، المشتتة، المعوجة) ترى المؤلف أول من يخبرك ان أحداثها تدور في زمن يمتلك منطقه الخاص مع أنك تعلم بحقيقة ما جرى وتدري أن المؤلف يعرف أيضاً بتسلسل وقائعها··· فهل صارت لعبة التفكيك صالحة لكل نوع من أنواع الكتابة؟
وفاضل العزاوي، كما هو معروف، صاحب تجربة رائعة ومثيرة في حقول الرواية والشعر والقصة القصيرة وبقية صنوف الابداع من نقد وسيناريو وترجمة، فهل يحق له أن يستخف بذاكرة المذابح والقتل والتهميش والاعتقالات العشوائية ليأتي ويرسمها بشكل كاريكاتوري مرة، أو على هيئة (وقائع مشكوك بها) مرة ثانية؟
أما عن رغبته في زيادة صفحات (الأسلاف) فهي عملية مكشوفة للقارئ حين يرى بنفسه عدم الحاجة إلى ذكر عشرات الأسماء ومئات التشعّبات، رسائل، وقصائد، وأغنيات شعبية، وأناشيد، وكتابات بلغة أجنبية، تأتي وتذهب دون أيّ مساس في هيكل الرواية الأساس، ومعذرة إذا تعمّدت هنا ذكر بعض من جاء على أسمائهم، أمثال كارل ماركس، ميلان كونديرا، فريد الأطرش، نيتشه، نابليون بونابرت، أم كلثوم، المغني العراقي أحمد الخليل، حافظ الشيرازي، لميعة توفيق، حضيري أبو عزيز، محمد القبانجي، جميل صدقي الزهاوي، مصطفى جواد، بهجت الأثري، فائق حسن، المنلوجست عزيز علي، محمد مهدي الجواهري، نزار قباني، الشاعر الكردي گوران، جواد سليم، خلف العريان، المصارع عدنان القيسي، الخطاط هاشم محمد البغدادي، حسين مردان، محمد صالح بحر العلوم، جان بول سارتر، وطرزان وعشرات غيرهم، دون أيما ضرورة لذكرهم، حتى أنك تقرأ اسم كل واحد منهم مرة واحدة فقط ثم ما من أثر له بعد ذلك في الرواية!
فهل نحتاج إلى مثل هذا (الحشو) الفائض حتى تصبح الرواية (253) صفحة؟ وماذا لو حذفنا إثنتين وخمسين صفحة مثلاً؟ أما نرى كيف يفعل النحات بقالب الطين، وكيف أنه يحفر فيه مئات الساعات ويرمي منه عشرات الكيلوغرامات حتى تصبح المنحوتة صالحة للاعجاب بها؟ لماذا لم يفعل فاضل العزاوي كما يفعل أي نحات كبير وهو الكاتب المبدع المتميز الذي كان وما يزال دوره في حياتنا الثقافية والمعرفية اشارة إلى غنى إبداعنا الممتد عميقاً في تربة العراق وحاضره؟
أنا شخصياً رأيتُ فيما سبق - من عمري - وما زلت أرى في فاضل العزاوي طاقة إبداعية لا يستهان بها، وعندما أقرأ له أتحسس الأرض التي يمشي عليها (هو) وأبطاله وأحاول كشف المستور عن رحلته العجائبية المشوقة بين القصائد والقصص القصيرة والروايات، فهذا الرجل بحق موسوعة من الدرجة الممتازة، لا يقارن إلاّ مع الكبار فقط من مبدعينا العرب·
ولأنني نادراً ما ينتابني الاعجاب بكاتب ما، سأقول في نهاية الأمر، إن رواية الأسلاف تستحق القراءة، كما تستحق الاحتفاظ بها بين رفوف تراثنا المجيد، لكنني في الوقت نفسه أحتاج إلى تذكيره بما يفعل النحات الشاطر مع قالب الطين·
Page 7
من ذاكرة تلك الأيام(2)
منذ أن بدأ الكتابة وعبد الرحمن مجيد الربيعي لم يتوقف عن مطر القصة القصيرة والرواية، كما أنه كتب الشعر والمقالة وأبدع فيهما، ناهيك عن اشتغاله في الرسم باعتباره من طلبة معهد الفنون الجميلة·
والآن جاء دوره ليكتب (من ذاكرة تلك الأيام) سيرته الروائية أو جوانب منها، وربما فصولاً من مذكراته الشخصية التي سبق أن نشرها في الصحف والمجلات العربية، حيث تنهمر الذكريات من نبع بعيد وتسري على أمكنة وأزمنة شتى لتصبّ في الزمان الذي نحن فيه دون أن يقف الفارس أو يترجّل عن صهوة الكتابة والإبداع·
عبد الرحمن مجيد الربيعي، فارس أصيل من فرسان جيل الستينات، بل هو ذاكرة النص الذي جاء عبر مخاض عسير وحطّ على أرض بغداد، راحلاً عن الناصرية التي لم تستطع احتواء طموحه الكبير وجموح رغبته في أن (يكون) ·· هو عازف ماهـر على جملة من فنون الكتابة والنثر الجميل، أراد أن يغنّي على وتر مسحور، اذا بالعصافير تحوم حوله وتغازله الغيوم، وعاش على جزيرة أحلامه بعيداً عن خدوش الأصدقاء وأنياب الساسة، لكن الحلم لم يمتد به أكثر من سهو أو بضعة أعوام حتى اقترب الساسة من نعيم جزيرته - من نعيم عزلته المبدعة - وحاصروه وأرغموه على أن يكون منهم، وحين يصبح المبدع مغلول اليدين يبدأ زلزال الروح بالرد على جرائم الآخرين·
وهكذا بدأت هجرته الجميلة إلى تونس، حيث الحرية والهواء النقي والبحر ومؤونة الغربة، ثم الزواج وبزوغ سومر في الجزء الثاني من حياته، بعيداً عن مؤامرات الماضي خارج لعبة الشراء والبيع التي عاشها في الوطن الأول، ربما هدأ النهر الآن، لكن الذاكرة تحيا برغم النار والدخان والبطش، فهي التي تُرجع الحقائق إلى مكانها مهما تأخر الزمن على أصحاب الحق·
في سيرته من ذاكرة تلك الأيام أجزاء من وعثاء السفر ومن أسرار الأدباء ومن رثاء المحبين، لكنه لم يدخل إلى باطن عبد الرحمن مجيد الربيعي الاّ من وراء حجاب، كان لا بد من نزعه حتى نعرف السيرة التحتانية من شخصيته (هو) ومن أوجاعه وملذاته وأسراره الخاصة كما عرفناها في مذكرات مبدعينا الكبار أمثال (ادوارد سعيد) و (هرمان هسه) و(الجواهري) و(بابلو نيرودا) و (روفائيل ألبرتي) وعشرات غيرهم ممن كتب لنا سيرته الجوانية الخاصة جداً·
كنت أتمنّى - بحكم المحبة والبدايات التي تجمعنا منذ أيام الصبا - لو أن عبد الرحمن مجيد الربيعي دخل البحر عميقاً وهاج وماج بين أمواجه وتقلباته وأن لا يبقى عند رمال الشاطئ يحكي عن أسماك البحر وحيتانه التي لم يتمكن من اصطيادها، فهذا الرجل - كما أعرفه - مملوء بالتجارب ومحشو إلى رأسه بالذكريات الصعبة ولعله يملك كومة من المفاتيح التي تساعدنا على كشف المستور، وأظنه سيفعل ذلك في كتاب لاحق يحكي عن خصوصية الدم الذي يمشي في الشرايين وخلف غشاء الجسد المزحوم بذاكرة العراق وذاكرة النهرين والنساء والغرف السرّية ومدافن الضوء ودهاليز الموت وخمارات آخر الليل ومعارك المبدعين وحماقاتهم الممتعة، إذ ليس غريباً على مبدع بحجم عبد الرحمن مجيد الربيعي أن يقرر الكتابة فوراً عن (الوجع) الذي عاشه منذ أول رحلة في ذاكرة الناصرية حتى وصول زورقه إلى شواطئ تونس وبيروت من ذي قبل·
ترى، هل يخاف الربيعي الاقتراب من نفسه؟ أم تراه يخاف على بعض الأحياء من كشف أوراقهم؟ واذا كان الحال هكذا فمتى سيكتب سيرته الحقيقية التي تحكي عن الجان والعفاريت والرجال الجوف الذين أخذوا المال والحرير والنساء وما تركوا لنا غير المنافي فراشاً والأحزان لعبة نلعبها كل يوم؟
أرى أن هذا الكتاب - وهو دون ريب من الكتب المهمة التي تصبّ في تأريخ شخصية أدبية لها وزنها في الحياة الثقافية - ليس هو السيرة التي كنا ننتظرها من عبد الرحمن مجيد الربيعي، حتى أنه هو نفسه يقول في (مدخل) كتابه ليست هذه مذكرات أروي فيها سيرتي الذاتية، فهذا أمر مازال مؤجلاً وان كان مشروعاً مطروحاً
Page 8
لكنه على غلافه الأول كتب عبارة (جوانب من سيرة أدبية) والحقيقة هي أن أديبنا الربيعي تمكن من جمع شتات ذاكرته حول أدباء وأصدقاء وشعراء عرفهم عبر حياته وأراد أن يحكي (عنهم) وقد جاءت تلك اللقاءات والحوارات على شكل مقالات سبق لجريدة الصحافة التونسية نشرها مسلسلة في عام 4 9 9 ، أما سيرة عبد الرحمن الربيعي التي نرجو ونأمل في أن تصل الينا ذات سنة قريبة، فما زالت مشروعاً يراوده في نومه ويقظته، وأنا مؤمن أن ماسيكتبه الربيعي - المبدع - في سيرته من أوجاع ومسرّات وأسفار وقراءات وشجون ونساء وحلاوات وعذابات وانكسارات مرّ بها سيكون لها أثرها في (مقروء) اليوم من كتابات هذا الانسان المبدع·
في هذا الكتاب جاء الربيعي على ذكر المئات من المبدعين العرب، جمعته بهم المهرجانات الثقافية والمؤتمرات الأدبية والدعوات الخاصة، أو معرفته الشخصية بهم واقترابهم من حياته واقتراب أيامه ولياليه من حياتهم، نذكر منهم: يوسف الخال، أنسي الحاج، توفيق صايغ، محمد عفيفي مطر، خليل حاوي، محمد الفيتوري، هنري زغيب، نـجيب محفوظ، توفيق يوسف عواد، نهاد الحايك، صنع الله ابراهيم، يوسف السباعي، محمد الماغوط، سهيل ادريس، نزار قباني، جبرا ابراهيم جبرا ، أحمد رامي، أحلام مستغانمي، يوسف الشاروني، محمد شكري، محمد صالح الجابري، يوسف ادريس، رشاد أبو شاور، محمد الغزي، يوسف القعيد، عبده جبير، رجاء النقاش، فاروق البقيلي، سعيد عقل، خليفة الوقيان، عبد الله الخوري، ياسين رفاعية، فتحي سعيد، الطيّب صالح، الطاهر وطار، عبد اللطيف اللعبي، زكريا تامر، خلدون الشمعة، وغالي شكري، وعشرات غيرهم·
ولم يكن من نصيب لأسماء عراقيين إلاّ أربعة شعراء وربما خمسة، جاء ذكرهم - عفواً - على سطر هنا أو تحت عتاب هناك، وربما ظهر أحدهم في ملحق الذكريات المصوّر عند آخر الكتاب، كما هو الحال مع يوسف الحيدري وحاتم الصكر وعذاب الركابي·
من أجمل وأرقّ ما قرأت في كتاب عبد الرحمن مجيد الربيعي (من ذاكرة تلك الأيام) ما كتبه من رثاء في رحيل الشاعر الكبير نزار قباني ومن ثم عن رحيل عبد الوهاب البياتي، وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن بقية الفصول كانت أضعف الحلقات، بل يصل الربيعي في بعض أجزاء الكتاب إلى (نثر) رفيع في مستواه يقترب أدبياً من هالة الشعر وجمالياته، وعلى مدى 174 صفحة هي حجم الكتاب نقرأ الجانب المعروف المرئي من حياة عبد الرحمن مجيد الربيعي، مؤكدين ثانية وثالثة على رغبتنا في قراءة المستور من (الوشم) الخفيّ المدفون بين الضلوع، وأن نكتشف ما فعله (السومري) منذ ولادته في الناصرية حتى خروجه من (الوكر) بعد أن عرف سرّ الماء وأدرك المسافة بين خطوط العرض وخطوط الطول، كنا نريد أن نقرأ الأنهار التي خاض غمارها ونراه جيداً بعد خروجه من بيت الطاعة، يا لتلك الوجوه التي عشنا مرارتها بعد رحلة التعب العراقية الموجعة، لا سيما وأننا كنا هناك بين القمر والأسوار نشعر بالسيف وهو يقترب من أعناقنا بينما نسافر في سفينة أوهامنا عسانا نحقق المستحيل·
أما (ذاكرة) الربيعي مع تلك الأيام المحشوّة بلقاءات الأدباء هنا وهناك فما زالت تنتظر البقية الأصعب، وأعني بها الدخول إلى الصندوق المغلق، الصندوق اللغز، الذي لا يملك مفتاحه غير صاحبه، وهو أدرى بما فيه·
Page 9
سيرة حياة هرمان هسه(3)
سأقصّ رؤياي على اخوتي، وأعلم بأنهم سيكيدون لي كيداً عظيماً، لأنني سواء أأخبرتهم أو لم أخبرهم بما رأيت فالمكيدة منهم ستأتي آجلاً أم عاجلاً ··
ذلك على ما يبدو، لسان حال (هرمان هسه) في كتابه اللاّذع الغرائبي الممتع (سيرة ذاتية) الذي احتوى على أجمل مذكراته وأكثرها غنى، ولعل ما جاء به هرمان هسه يتجاوز من حيث القوة والسحر ما كتبه أقرانه من المبدعين الكبار·
غطّت هذه المذكرات فترات حياته كلها، من طفولة الساحر - بحسب تعبير هرمان هسه عن أيام الصبا والوقاحة - إلى أزمنة النضج المبكر، إلى سكينة الشيخوخة، عبر اثني عشر فصلاً من أعذب ما وصل العربية من ترجمات عسيرة المنال·
هرب هرمان هسه من المدرسة، وتمرّد ضد كل أنواع المهن، بما في ذلك الأكاديمية منها والحرة وكل ما يربطه بالروتين، ومنذ سن الثالثة عشرة قرر أن يصبح كاتباً، وكان تأثير جدّه من أمه أكبر أثر في عموم حياته، فقد انغمس منذ الصبا مع ثقافة ألمانية كلاسيكية وكان الاستشراق أبرز اهتماماته، حتى أنه سافر إلى الهند الشرقية، وبرغم ما أصابه من خيبة أمل هناك، لكنه تمكن من تأليف روايته القصيرة سد هارتا التي جاءت نتيجة لتجربته الخاصة في الهند، وقد نقل فيها حالة اضطرابه النفسي، ثم انه اكتشف في تلك الفترة قدرته على الرسم، وصارت تلك واحدة من المهن التي حققت له دخلاً شهرياً محترماً على مدى سنوات من عمره، ولا بد من التذكير أن (أميل سنكلير) الذي كان اسماً معروفاً أيام الحرب العالمية، هو نفسه (هرمان هسه) وكانت رواية (دميان) قد ظهرت تحت هذا الاسم المستعار في طبعتها الأولى·
لعل أكثر ما كان يُشغل (هرمان هسه) في سنوات الطفولة هو أن (يختفي) عن أنظار الناس، طاقية إخفاء مثلاً، أو حالة من السحر تجعله في منأى عن الآخرين، كان يريد أن يحرّر التعساء ويُهلك الطغاة واللصوص ويعفو عن الهاربين من الجيش، ثم أن يساعده اختفاء جسده على امتلاك قلوب بنات الملوك الحسناوات، وربما تمكن أيضاً من الرحيل إلى عصور بعيدة من الحياة الغامضة الأبدية·
هذه الرغبة كانت قد استولت على مشاعر وأحاسيس هرمان هسه، ويقول الناقد المفكر ثيودور سيولكوفسكي في مقدمة الكتاب : إن رغبة الكاتب في غيابه الجسدي هو المضمون الحقيقي لقصة حياة هرمان هسه، وهي التي دفعته إلى تأليف (لعبة الكريات الزجاجية) و (ذئب البوادي) حتى يتمكن من إخفاء نفسه عن القراء·· أما كيف أخفى نفسه وراء كتاباته فهو الأمر الذي سكت عنه الناقد واكتفى بقوله: إن هرمان هسه هو الحكيم الذي اكتشف ما وراء الجسد واقترب من روح الأشياء حتى كاد أن يفهم لغة الطيور والأرانب والأشجار!
كان (الجد) الذي أحبّه هرمان هسه، يتكلم الكثير من لغات العالم، وكان خبيراً بثقافة الهند، ومنذ نعومة وعيه أراد هرمان هسه أن يصبح شبيهاً ببعض ما كان عليه الجد الذي يصفه بالموسوعة الكنز·· ربما لهذا السبب ذهب هرمان هسه إلى تقليد حياة (الجد) وعاش بداياته بمزاج لا عقلاني أغاظ عائلته ومعلّميه على السواء وبات يُسمّى في البيت بطاغية العائلة بعد أن قاوم سلطة الوالدين عليه وهرب من المدرسة كما هرب من البيت بل هرب عبر أوروبا وآسيا بحركة (مسعورة) حتى أنه رفض جنسيته الألمانية ومضى إلى سويسرا وتمكن فيها من الحصول على حياة جديدة وجواز سفر مختلف، ثم جاءته الجنسية السويسرية على طبق من ذهب قبل حصوله على جائزة (جوته) ومن ثم على جائزة نوبل عام 6 4 9 أي قبل رحيله عن الدنيا بست عشرة سنة·
تزوج هرمان هسه ثلاث مرات، لكنه يكرر بعد كل زواج وطلاق لا يمكن للفنان المبدع أن يكون زوجاً ناجحاً أو أباً ناجحاً وفي روايته (روسهالده) يصف الزواج والعائلة بدقة عجائبية حتى يثبت مرة أخرى على أن المبدع ليس بحاجة إلى تأسيس عائلة ما دامت الكتابة قد أخذت منه الكثير من التوتر والعاطفة، ثم يقول: كم هو رائع أن تعود طفلاً مرة أخرى·
هرمان هسه ليس خيالياً في أفكاره، إنه هو (الخيال) نفسه مسبوكاً على هيئة رجل جاء الدنيا بمزاج مختلف، كان يريد أن تثمر شجرة التفاح في الشتاء بدلاً من الصيف، وأن تكون محفظة النقود مليئة دائماً بفعل السحر، أراد في أحلامه وربما في يقظته أن يكون بطلاً أو امبراطوراً متوّجاً على قارات العالم وأن يبطش بأعدائه - لكن بشهامة وكرامة - وأن يعثر على جميع الكنوز المفقودة على امتداد التأريخ، ثم - وهذا هو الأهم - أن يكون لا مرئياً من قبل البشر، ولا مانع أن تراه الحيوانات والأعشاب والعصافير!
واذا ما عدنا ثانية إلى جدّه من أمه هرمان جوندرت سنرى أنه خصّص له فصلاً متميزاً من سيرته، يعترف على امتداد سطوره بأنه يتماهى مع صورة هذا (الحكيم) الذي أرشده نحو الطريق الصعب، وهذا يعني بالضرورة مسالك الكتابة المبدعة وأسرارها الجميلة، هو الذي احتفظ بواحدة من أخطر قصائد الجد وأهداها إلى (متحف شيلر) في مدينة مارباخ بناء على طلب من ادارة المتحف، وبرغم أن الجد (هرمان جوندرت) مات منذ مائة عام، لكن القصيدة ما زالت من أبرز مقتنيات هذا المتحف الأدبي الشهير والتي يقول في بعض فقراتها:
أوراق ذابلة فوق شعر ذابل،
Page 10
حوّل نظرك بعيداً عن الرياح والغيوم،
كانت أمنيته الوحيدة أن يقلّد النجمات،
ويحدق أبداً في الشمس
هو ذا المهد الذي بكيت فيه·
والقصيدة على جانب من الطول، قال عنها (لوتسكندورف) الذي كتب اطروحة الدكتوراه عن أدب هرمان هسه، إنه ينبغي علينا أن ننقذ أنفسنا من أية أحكام تتأثر بالغوغاء، وأن نتخلّص من عدم الشعور بالمسؤولية، وكم نحن بحاجة إلى الشجاعة حتى نكتب ما نؤمن به خارج قوانين الضجيج وشراء الاغراءات·
يؤكد هرمان هسه أن فن الكذب والدبلوماسية من الأمور التي يحتاجها المبدع للاحتيال على النص والقارئ في وقت واحد، وعندما هرب من المعهد الذي يدرس فيه اللغة الاغريقية بحثوا عنه في الغابة طيلة يوم كامل، وأبلغوا الشرطة بما حدث (صفحة 77) بينما كان هرمان هسه مرعوباً من فكرة قضاء الليل في عراء الحقول تحت جو قارس البرد، لكن الكذب وتمثيل دور البريء، وكذلك اللعب على حبال الأعصاب، كل ذلك ساعده على أن يتحرر من سطوة الرقابة العائلية، عندما (كذب) عليهم جميعاً وقال إن ما جرى إنما حدث دون إرادته وربما دون وعيه، بل جاء من يُبرر الأمر على أنه -أي هرمان هسه - إنما يعتقد بتعاليم المذهب الكالفيني، وهذا يعني (حرفياً) أن القدر مرسوم على جبهة الإنسان منذ ولادته!
هرمان هسه هو الطفل السادس في عائلة يهيمن عليها الجدّ العجوز الذي يشبه السحرة، ينطق اللغات بخبرة عجيبة منذ السادسة عشرة من عمره، ومن هنا جاءت فصول مذكراته أو سيرته الجوّانية أكثر عمقاً وخصوصية من رجالات الفلسفة والفكر والأدباء الذين ولدوا في تلك الحقبة الساحرة من زمن المذهب (البرناسي) حيث انصب اهتمام المبدعين العظام على الشكل وجمالياته بعيداً عن العاطفة والمضمون، وبالتالي بعيداً عن الثقافة الجاهزة التي تخاف الاقتراب من التجريب والمغامرة، وهذا يعني كتابة المقالات التي تشبه (الساندويتش) حين يباع على الطرق الخارجية، رخيصاً، وجاهزاً، في أي وقت تشاء، وربما في أية لحظة تصل فيها إلى المحطة التي تنبعث منها روائح القهوة والغليون والسجائر والضجر!
هرمان هسه، واحد من عبقريات القرن العشرين، لا يشبه آرنست همنغواي ولا رومان رولان ولا أناتول فرانس ولا أندريه جيد ولا بوريس باسترناك ولا جون شتاينبك ولا بابلو نيرودا ولا كلود سيمون - مع أنهم جميعاً حازوا على جائزة نوبل - بل يتجاوزهم عقلاً وابداعاً وحضوراً قوياً، يكاد يصل بابداعه العظيم إلى مستوى جان بول سارتر وغارسيا ماركيز وجورج برناردشو وبرتراند رسل وصاموئيل بيكيت، وقد يسابق بعضهم في الروح والسحر وهجمة الابداع، والذي يثبت ذلك هو سيرته الذاتية التي وصل بها إلى مستوى الصمت الذي لا ينفع معه أيّ صراخ لاحق·
أظنني سأقول الحقيقة إذا ما قررتُ الآن، كيف أن هرمان هسه سيخاف حتى من نفسه لو أنه عاد ثانية إلى الحياة ورأى أمامه من يسمّى : هرمان هسه!!