eKtab
EN ع
بابا عمرو
Read free sample

بابا عمرو

by مصطفى الصوفي

Page 1

إهداء

أهدي هذا المؤلف

إلى أهلي في باباعمرو

الذين جار عليهم الزمان والعالم وتشردوا في أسقاع العالم

وخلفوا ورائهم بلدتهم وبيوتهم وذاكرتهم وذكرياتهم

وأصبح الحنين والشوق يقض مضاجعهم

ويحلمون بالعودة إلى حياتهم ومرابع صباهم

إلى باباعمرو

نبض قلبي وخلجات روحي

ونزيف قلمي وألمي

Page 2

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

تأتي أهمية هذا المؤلف وبحوثه في هذا الوقت بالذات وهذه المرحلة الخطيرة والمفجعة التي تمر فيها سورية منذ بداية انتفاضة الشعب السوري على نظام البعث المستبد في سورية، وعمليات القمع والقتل وسفك الدماء والخراب والدمار الذي أصاب المدن والبلدات السورية، والتهجير للشعب السوري الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ المعاصر...

وبما أن حمص كانت تسمى عاصمة الثورة السورية، فإن حي باباعمرو كان السباق إلى الانتفاضة والمظاهرات، ومواجهة القمع الأمني، ومن أوائل الأحياء التي تعرضت إلى الاقتحامات والهجمات العسكرية، والأمنية القوية التي خلفت ورائها الكثير من الشهداء والجرحى، وهدم البيوت ثم تبعه حي باب السباع والخالدية وباقي الأحياء ...

ولم يأتي عام 2012 حتى شكل حي باباعمرو حالة شبه مستقلة عن النظام الذي فقد سيطرته شيئا فشيئا على حي باباعمرو ...

وفي أوائل سنة 2012 وتحديداً في الخامس من شهر شباط بدأت حملة عسكرية شرسة لاستعادة الحي، والقضاء على ظاهرة التمرد الثوري الذي بدأ الحي يعيشه،

طبعا كنا نتصور أن الحملة العسكرية ستكون كسابقاتها من الحملات، يدخل الجيش يخرب ويدمر ويقتل ويعتقل، وتنسحب المجموعات المسلحة ثم يتراجع الجيش وتعود الحياة إلى مجاريها الطبيعية ...

ولكن يبدو أن النظام فقد صوابه هذه المرة، فلم يعد يحتمل وقرر تدمير الحي على أهله، فبعد حصار خانق ومنع الخروج والدخول للناس، والمواد الغذائية والتموينية لمدة أكثر من شهرين، وإصرار الكتائب المسلحة على المقاومة، ومنع القوات المسلحة الأسدية من دخول باباعمرو...

بدأت فجأة القذائف المدفعية والصاروخية والدبابات تنهال على حي باباعمرو بشكل

عشوائي، ومن جميع الجهات من الكلية الحربية، ومن ثكنات مسكنة وتل نقيرة

وبرابو وغرب العاصي، ومن الدبابات المتمركزة في الانشاءات والمساكن الشبابية وغيرها..

استشهد من اسشتهد وجرح من جرح، وكنت أحد المصابين بقذيفة في قدمي منذ اليوم الأول، وبعد حوالي أسبوع بدأ الهروب والنزوح الكبير من باباعمرو، وخلال أسبوعين تقريبا لم يبق أحد من سكان باباعمرو ألا بضع عشرات تم تصفيتهم عند دخول الجيش وقوات الأمن والشبيحة.

استمرت المعارك والقصف حوالي الشهر، ودخلت قوات الجيش وسيطرت على باباعمرو، وفي النهاية تشرد سكان باباعمرو، وبعض الأحياء الأخرى في القرى والمناطق المجاورة لحمص في الريف الجنوبي والشمالي والشرقي، وانتشروا حتى حماة شمالا والقلمون وريف دمشق ومدينة دمشق جنوباً ...

لاتستطيع مقدمة تمهيدية لهذا المؤلف أن تستوعب المأساة الإنسانية لأهالي باباعمرو، وسكان حمص عموماً وتصوير المعاناة النفسية والعاطفية والمادية والمعيشية، والصحية في مناطق اللجوء يضاف إليها عمليات الحصار الشديد التي بدأت تتعرض له مختلف مناطق وبلدات حمص ...

فالحالة النفسية من الإحباط والقلق والتوتر السائدة بين اللاجئين المهاجرين هي الأهم والأخطر، التي بدأت من حالة الأمل بالرجوع إلى الديار والبيوت بعد انتهاء الحملة العسكرية المدمرة، واستقرار الأمور والعودة على حياتهم الطبيعية...

إلى الشكوك التي بدأت تراود الغالبية منهم من صعوبة العودة تحت السيطرة الكاملة، والحالة القمعية والاعتقالات، والخوف التي سادت أجواء باباعمرو، والتي تطورت بعد شهور عديدة إلى اليقين باستحالة الرجوع قبل سقوط نظام الأسد، وحل القضية السورية...

ومع طول المدة وانهيار الأوضاع بشكل كامل على امتداد الساحة السورية، وتعقد الأمور ودخول القوى الخارجية على خط الأزمة، وانخراطها في المعارك والصراع بدأ الأمل يتلاشى بإمكانية عودة قريبة إلى باباعمرو خاصة وحمص عامة على المدى المنظور...

فتحولت الأمال إلى خيالات وانفعالات، وحنين وشوق يصدع النفوس ويخلع القلوب، وبدأت تتحول باباعمرو إلى ذكريات ثقيلة على النفوس في ظل أجواء غربة قاسية مفاجئة وغير محسوبة ...

Page 3

بابا عمرو : لمحة جغرافية طبيعية وتاريخية

كانت باباعمرو عبارة عن قرية صغيرة تقع جنوب غرب مدينة حمص على طريق حمص بحيرة قطينة القديم، وتبعد عن مركز المدينة حوالي خمسة كيلو مترات فقط تتشكل من الحي القديم فقط الذي يقبع على ضفاف الساقية المجاهدية، وفي أحضان البساتية الغربية التي تمتد من القرية، وحتى ضفاف نهر العاصي بمسافة لا تقل عن خمسة كيلو مترات...

ويبلغ طول الحي القديم شمال جنوب حوالي 600متر، وعرضه حوالي 300متر فقط وسكانه يبلغون حوالي عشرة ألاف نسمة مع المزارع والبيوتات المنتشرة حوله.

والمسافة بين القرية والمدينة كانت خالية من السكن، وتنتشر فيها المزارع والمشاريع الزراعية حتى سور محطة القطار، هذه المساحة الزراعية شهدت أحداثاً مهمة خلال عهد الاحتلال الفرنسي، والصراع بين الجيوش الانكليزية والفرنسية، وأحداث الحرب العالمية الثانية وقصف محطة السكك الحديدية سيأتي ذكر تفصيلاتها في مؤلف لاحق إن شاء الله تعالى...

وفي بداية الستينات تم ضم قرية باباعمرو إلى المخطط التنظيمي للمدينة، وتحولت

إلى حي من أحيائها تحت مسمى حي باباعمرو وإلحق بلدياً ببلدية مدينة حمص.

ومنذ ذلك الوقت بدأت تتسارع التطورات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية في باباعمرو، وبدء تحول القرية الريفية الزراعية البسيطة إلى حي مرتبط بالمدينة، وبحالاتها الاجتماعية والثقافية التي بدأت تنعكس على مظاهر القرية، وسكانها خارجياً وعلى مضمونها وطبيعة الحياة والعلاقات الاجتماعية.

Page 4

سكان بابا عمرو الأوائل

تسعفنا ذاكرة المسنين بمعلومات بسيطة عن سكان باباعمرو القدامى أي منذ مئتي عام على الأقل، ويعدون من مؤسسي القرية، وغالبيتهم إما رحلوا أو انقطع نسلهم وبقي القليل منهم يمكن أن أتذكر منهم:

بيت حميسة، وبيت أمين الصفر ولهم روابط مصاهرة مع بيت الصوفي، وبيت بكداش، وبيت الحسين وهم من بيت قره حسن ويلقبون حالياً ببيت الدبس، ولهم روابط مصاهرة مع بيت الأصفر الذين انقطع نسلهم، ومنهم أيضاً بيت مدلج ويسمون بيت عقل أو عكل حالياً وما زال بعضهم موجود في باباعمرو، ومن العائلات القدامى بيت الديري وقد رحلوا منها لاحقاً.

ثم لحق بهم إلى باباعمرو أسر من الجيل التالي أي منذ مئة وخمسين عاماً وهم: بيت صبوح وبيت جنيد وبيت غليون ( السمان ) وبيت طرون وبيت الصوفي وبيت مخيبر وبيت القبجي وبيت الجوري وبيت جمعة وبيت البقاعي ( القصيراوي) وبيت العزو وبيت السيد وبيت السفرجي وبيت القاسم وبيت سويد (الطحان) وبيت الابراهيم ( دحام ) وبيت رستم وبيت برغوث وبيت الغنطاوي وبيت نصرة وبيت شريدي ( البرجاوي ) وبيت التركماني وبيت الشيخ وبيت حمدان ( كاخي ) وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة بتذكرهم،

وما أن يهل منتصف القرن العشرين حتى تزداد الهجرة إلى باباعمرو بشكل غير مسبوق وبأعداد غفيرة من تركمان غربي حمص، ومن البدو، ومن أهل المدينة والقرى الجنوبية حتى أصبح يصعب حصرهم ليرتفع عدد سكان باباعمرو من عشرة ألاف في الثلاثينيات والأربعينيات إلى أكثر من أربعين ألفاً بداية السبعينات ثم إلى أكثر من ستين ألفا في بداية التسعينيات...

Page 5

البنى الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية

حتى بداية الخمسينيات من القرن الماضي لم يكن يوجد في باباعمرو أية مؤسسات أو مرافق مدنية واجتماعية سوى جامع باباعمرو القديم الذي هدم وأزيل عام 1954 وبني مكانه الجامع الحالي بالاضافة إلى مدرسة ريفية بسيطة ومختلطة عبارة عن عن ثلاث غرف فقط بنيت بداية الخمسينات وأضيفت إليها غرفتان عام 1959م.

وتم تخصيص باص نقل عام قديم للحي بداية الستينات، وتم افتتاح أول مطحنة في المنطقة الغربية والجنوبية تعمل على محرك الديزل في عام 1960م للأل الصوفي التي استمرت بالعمل حتى نهاية الثمانينيات.

ولكن كان أهم مرفق في باباعمرو هو الساقية المجاهدية الذي شقها المجاهد

شيركوه الثاني في القرن السادس الهجري وجر بواسطتها المياه من العاصي من بحيرة ( قدس ) قطينة لسقاية الأراضي الزراعية والبساتين من تل الشور قرب البحيرة إلى بساتين المدينة مرورا ببساتين وأراضي جوبر وباباعمرو وقد أجرى عليها الفرنسيون تحسنات وتعديلات وتم فرش أرضيتها وجدرانها بالاسمنت ونصب التحويلات المائية البوابات أو ( البرزان ) وبيت الري تحت إشراف أبو الهدى القصيراوي الذي ساتمر فيه حتى وفاته بداية التسعينات ...

وتعد الشريان الرئيسي للحياة الاقتصادية الزراعية على امتداد تلك المنطقة، وحتى حدود مدينة حماة ...

وفي عام 1967 تم ادخال الإنارة الكهربائية للحي، وبدأت تدخل الى البيوت الخدمات الهاتفية، وانتشار الأجهزة التلفازية القديمة بشكل تدريجي وبطيء.

وشهدت بداية السبعينات تطورات اجتماعية واقتصادية وتعليمية مهمة ببناء خمسة مدارس ابتدائية واعدادية وثانوية، وبناء جامع ثاني سمى جامع السمان، وصالة مؤسسة استهلاكية وتعبيد الطرقات الداخلية للحي، وتطور عمراني كبير فلم تمضي قترة السبعينات حتى ظهرت أحياء حديثة بكاملها منها حي الانشاءات الذي ملأ الطريق الخالي بين الحي والمدينة، والحي الجنوبي وحي جورة العرايس في الجهة الشرقية حتى حدود المحطة من جهة الجنوب، وأزيل خط الحديد حمص طرابلس ...

وكان جل سكان الحي من التركمان والبدو القادمين حديثا إلى باباعمرو، وحي الطاحون في الجهة الجنوبية الذي امتد حتى ضفة الساقية من جهة الغرب وسمي القسم العربي بحارة ( المجدرة ) نسبة إلى طبخة المجدرة ( برغل بعدس).

بالاضافة إلى حي الحاكورة الذي بنته جمعية الأسرة التربوية في جهة الغرب، ويلاصقه من الجنوب حارة غرب المقبرة التي تم تحديدها بالسور وإغلاقها ومنع الدفن فيها تمهيدا لإزالتها، وتم فتح مقبرة جديدة في النعس قرب العاصي في بداية التسعينات، وكانت والدتي من أوائل من دفن فيها عام 1995م.

ثم تبع كل ذلك إنشاء أوستاد الملعب الضخم بين باباعمرو والانشاءات على ضفاف الساقية وسمي بالباسل ...

ومنذ تلك الفترة تسارعت التطورات العمرانية والتعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل سريع وهائل في باباعمرو وأحيائها الجديدة بحيث يصعب مجاراتها ومتابعتها بشكل سريع ومختصر، وخاصة في المجال السياسي الذي شهد تطوراً مهماً بصعود الكثير من شخصيات باباعمرو إلى مراكز قيادية في السلطة والإدارات والتعليم ...

Page 6

تاريخ وأثار بابا عمرو

أما في الجغرافية التاريخية فإن هذا الحي القديم لباباعمرو، والذي دُمر معظمه في القصف الأخير الذي شهده الحي يصعب متابعة تاريخه لأكثر من ثلاثمئة عام مضى، وهذا يشمل تاريخ جامعه القديم الذي يضم ضريح الصحابي عمرو بن معدي كرب الزبيدي...

ورغم وجود مظاهر ومؤشرات على تاريخ أقدم للقرية، فإننا لا نملك أية أدلة وبراهين عن هذا التاريخ، فالجامع والحجارة السود الكبيرة المبنية منها البيوت غير المتناسقة الحجم، والجدران الدك والسقوف الطينية، وبالإضافة إلى بعض اللوحات الصخرية المنقوشة باللغة اليونانية أو الرومانية المتناثرة هنا وهناك، والتي كانت تظهر في الجدران أحياناً أوالشوارع أو أثناء الحفريات، واكتشاف أنفاق ودهاليز طويلة، وقبور قديمة على جوانبها وغيرها من المظاهر تشير إلى تاريخ قديم للمنطقة، ولكنها لم تلق اهتماماً من المؤسسات الأثارية أو الباحثين التاريخيين وضاعت هذه المعالم، ولم تعد موجودة إلا ما بقي منها مدفوناً تحت الأرض،

ويحتاج إلى التنقيب والدراسة...

وكثير من اللقى الأثرية كانت تظهر أو يجدها المزارعون في مناطق متفرقة من أراضي باباعمرو الزراعية خلال الفلاحة أو العزق أو في خربة مرعي، وتل الشور وكفرعايا، وهي مناطق مجاورة لباباعمرو،

وخلال حفر قناة درء السيول قي نهاية السبعينات، والممتدة من طريق الشام شرقاً إلى نهر العاصي غرباً مروراً بمحاذاة خربة مرعي أو الضبية من ناحية الشمال إلى مفرق كفرعايا على طريق بحيرة قطينة، ومن شمال تل باباعمرو ظهر خلال عمليات الحفر اكتشافات أثرية وقبور ومدافن، وعملات ذهبية كثيرة وقديمة جذبت العديد من الباحثين، ومنقبي الأثار ...

لكنها ذهبت سدى، ولم تهتم دوائر الأثار بمتابعتها وحمايتها ودراستها.

كما أن موقع تل باباعمرو جنوب القرية على بعد ثلاثة كيلومترات غرب طريق حمص قطينة لم يخلو من اللقي الأثرية المتنوعة لكنها ذهبت إلى الأيدي الخطأ من تجار الأثار...

Page 7

أحداث السهل الغربي لحمص

إجمالاً قرية باباعمرو تقع في السهل الغربي لمدينة حمص الذي يمتد من أسوار المدينة، وحتى ضفاف نهر العاصي، وهو يعد مدخل المدينة من جهة طريق طرابلس غرباً، ومن جهة باباعمرو القصير جنوباً، وهو سهل منبسط خصب حوله نهر العاصي، والساقية إلى بساتين شجرية مثمرة خضراء، ومناطق انتاج زراعي للخضر والفواكه والمحاصيل الزراعية الصناعية والغذائية المتنوعة.

لذلك شهد هذا السهل أحداثاً وتطورات مهمة خلال التاريخ القديم وصراع الأمم والحضارات السابقة للسيطرة على سورية، وعلى المنطقة الوسطى من سورية، وخاصة خلال الفتح الإسلامي لمدينة حمص.

ويدل تاريخ حمص القديم منذ نشوءها أن هناك عدداً من الأحداث، والمجريات الإقليمية والعالمية العامة أثرت في تطورها وتقدمها، والمناطق المحيطة بها أو العكس.

ففي الوقت الذي كانت فيه حضارة قطنا ( المشرفة ) وقادش ( تل النبي مند ) مزدهرة، وفي أوج قوتها كانت حمص عبارة عن تل صغير ليس له أهمية وشأن يذكر أوربما كان عبارة عن حامية عسكرية فقط .

ولكن مع اندثار حضارة قطنة وقادش بعد الغزو الحثي، وتخريب المدينتين في الألف الأول قبل الميلاد.

وبعد السيطرة الرومانية على مناطق الشرق العربي القديم ومنها سورية، وخلال القرن الأول الميلادي بدأت حمص تنمو وتتطور بسرعة، وتظهر على الساحة الدولية، وخاصة في عهد أسرة شمسي غرام، وظهور عبادة الشمس والحجر الأسود في المدينة، وبدأت تظهر وتتطور عمليات السكن حول التل ( قلعة حمص ) وبعد بناء السور الدفاعي عن المدينة في العصر الهلنستي، وحتى القرن الثاني الميلادي أصبحت المدينة مستقرة على شكلها النهائي داخل السور المعروف.

عند وصول الإمبراطور الروماني كاراكلا إلى الحكم في روما، وهو حمصي الأصل من ناحية أمه التي تزوجها القائد الروماني ( سيفروس ) بدأت حمص تلعب دوراً هاماً في المنطقة، واستمر هذا الدور حتى تولي ولده من بعده...

وقد فقدت حمص أهميتها السياسية بعد نشوء مملكة تدمر ثم عادد للعب دور ما بعد سقوط تدمر لتصبح مدينة حمص موقع استراتيجي هام لصد هجمات الفرس على الإمبراطورية الرومانية، واستمر هذا الوضع حتى الفتح الإسلامي.

وخلال تلك الحقبات التاريخية لعبت سهول حمص الغربية دوراً مهما في الصراعات الحربية، والغزوات الخارجية التي جرت في المنطقة، وقد شكل السهل مكاناً مناسباً لتجميع القوات وتجهيز الجيوش، وتعبئتها للقيام بالحملات والغزوات ومتابعتها إلى مناطق حمص الشرقية أو الشمالية أو كان مكاناً وموقعاً استراتيجياً لعسكرة الجيوش الغازية للمدينة، وحصار المدينة لفتحها وحدوث معارك طاحنة، وفاصلة بين الأطراف المتحاربة....

فالسهل يحده من الغرب نهر العاصي ثم الساقية في وقت متأخر، وهو كان يؤمن مياه الشرب للجيوش، وسقاية الخيول والدواب، ويعتبر النهر حاجزاً طبيعياً لحماية ظهر ومؤخرة الجيوش ومروج السهل مراعي جيدة للعسكرة ورعي الدواب والمواشي.

شهد السهل من مدينة حمص وحتى القصير، وعلى ضفاف النهر الشرقية معارك

وحروب طاحنة بين الحضارات المختلفة من المصريين والحثيين والكنعانييين والكلدان والفرس والرومان، وأخيراً المسلمين ...

فكان السهل الغربي مكان تعسكر الجيش الإسلامي، وقاعدة انطلاقهم لمحاصرة المدينة، وساحة المعركة الفاصلة بينهم وبين المدافعين، فيؤمن لهم السهل والعاصي موقعاً مناسباً للمناورة وشن الغارات والامداد والتموين...

Page 8

وتشير الدراسات الأثرية أن السهل كان مزدهراً زراعياً يقطنه الفلاحون بكثرة في أيام الأمن والاستقرار، وقد أقاموا في أنحائه عدة حواضر صغيرة أهمها، وأقربها إلى المدينة قرية تسمى ( الخالدية ) نسبة إلى القائد الإسلامي العظيم خالد بن الوليد وتقع على بعد 3 كيلو متر شمال المدينة، وقرية تلبيسة على بعد سبعة كيلو متر..

وإلى غرب المدينة وجنوبها كانت قرية بابا عمرو على بعد خمسة كيلو متر، وكفر عايا وتل الشور، وربما غيرها زالت وبقيت أسماؤها فقط كخربة مرعي وهي أرض ما زالت تظهر فيها اللقي والقطع النقدية والفخارية.

ودلت التنقيبات في مناطق مختلفة حول حمص إلى وجود أثار السكن منذ العصر الهلنستي التي تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد.

وقد اكتسبت هذه الحواضر أهميتها الكبيرة بعد الفتح الإسلامي، فسكنها المسلمون الأوائل لاحقاً وعمروها، وبنو المساجد على أضرحة الصحابة الذين استشهدوا أيام الفتح منها جامع خالد بن الوليد وجامع عمرو بن معدي كرب الزبيدي وغيرهما...

ويروي الواقدي في فتوح الشام أخبار معارك الجيش الإسلامي لفتح حمص فيقول: أن أبو عبيدة بعد فتح بعلبك توجه إلى حمص للالتحاق بجيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد، وعند موضع اسمه الزراعة وجه على مقدمة جيشه ميسرة بن مسروق العبسي ثم تلاه بضرار بن الأزور في خمسة آلاف، وبعده عمرو بن معد يكرب الزبيدي ثم قدم أبو عبيدة ببقية الجيش، ونزل فيه على النهر المقلوب ( العاصي ).

واجتمع الجيش في سهل حمص الغربي وراسلوا الرومان في المدينة، فرأ هؤلاء الدفاع عن مدينتهم.

عندها قسم أبو عبيدة عسكر المسلمين إلى أربع فرق الأولى بقيادة المرقال بن هشام بن عقبة بن أبي وقاص، ونزل على باب الرستن من جهة الشمال، وفرقة بقيادة يزيد بن أبي سفيان ونزل على باب الشام، وفرقة مع المسيب بن نجية الفزاري، فنزل على باب الجبل مما يلي الباب الصغير، ونزل أبو عبيدة وخالد بن الوليد على الباب الصغير ...

ونظرا لأهمية السهل الغربي للمدينة فقد أقام أهل المدينة من جهته ثلاثة أبواب، وهي باب القلعة ( الجبل ) كما سماه الواقدي نسبة إلى تل حمص وسمي تجاوزاً بالجبل تشبيهاً له لعدم وجود جبل في المنطقة جول حمص وسمي لاحقا باب التركمان ، وباب هود ( الباب الصغير ) ثم الباب المسدود.

وطالت مدة الحصار على المدينة واشتدت المعارك وكثر القتل من الجانبين، ولم يتزحزح الرومان عن مواقعهم قيد أنملة، فلجأ المسلمون إلى الحيلة، فاستشار أبو عبيدة المسلمون في الحل، فوقف رجل من سادة خثعم سديد الرأي فقال أبو عبيدة " قل ما عندك يا أبا عمرو فأنت عندنا ناصح للمسلمين " فأشار عليه أبا عمرو أن يعرض على أهل حمص أن يعطوهم ميرة خمسة أيام من الزاد والعلوفة، فيرحلوا عنهم إلى مدينة أخرى، ويشتروا منهم الزاد والعلوفة بأسعار مغرية حتى تقل مونتهم، فلا يبقى عندهم ما يقوون به على الحصار ...

وكان ذلك فوافق أهل حمص على هذا الشرط ثم أمر أبو عبيدة أن يشتري الجند الزاد والعلوفة مقابل ما غنموه من البسط والخيم والطنافس، ومما ثقل وزنه وزاد حمله وأتعب الدواب بثلث الثمن والقيمة، ليطمعوا أهل حمص فيه، فاستمرت عملية التبادل والبيع ثلاثة أيام...

ورحل المسلمون إلى الرستن وشيزر ففتحوهما ثم عادوا مسرعين، وفرضوا الحصار على حمص، فلم يقووا عليه فخرج جيش الروم والتقى معهم المسلمون في السهل الغربي، وجرت معركة عظيمة، واستدرج المسلمون الروم بعيداً عن الأسوار وأبواب المدينة، فانهزم المسلمون أمامهم كأنهم يطلبون الزراعة وجوسية، وطمع الرومان فيهم ولحقوا بهم، فعزلهم المسلمون عن المدينة، وانتهت المعركة بسحق جيش الرومان وتم فتح المدينة ...

طبعا كانت تلك البداية أيضاً فقد شهدت المدينة حروباً كثيرة أيام الخلافة الأموية

ثم العباسية ثم أيام الحكم الحمداني والأيوبي والمملوكي ثم الصليبي، وحروب نور الدين الزنكي وصلاح الدين، والمماليك إلى أيام الحكم العثماني ومحمد علي باشا وابنه إبراهيم ثم حروب العرب والعثمانيين ....

لتكون في هذه الفترة معالم مدينة حمص والمناطق المحيطة بها قد أصبحت واضحة ومستكملة الوجود، وبدأ ذكرها يظهر في المراجع التاريخية والصور والوثائق المكتوبة منذ المرحلة الأخيرة للحكم العثماني التركي لسورية أي نهاية القرن الثامن عشر الميلادي...

وحتى لاتنسى ذاكرتنا المشوشة المعالم التاريخية لباباعمرو كان لابد من تحقيق، وانجاز هذا المؤلف التاريخي الوثائقي عن قرية وحي باباعمرو في التاريخ، وتسجيلها وحفظها في سلسلة مؤلفات سيكون بدايتها هذا المؤلف عن تسمية باباعمرو بهذا الاسم، وارتباطه بالصحابي العظيم عمرو بن معدي كرب الزبيدي، وحقيقة وجود ضريحه في باباعمرو وعلاقة جامع باباعمرو بهذا التاريخ والوجود متمنيا من الله سبحانه وتعالى أن يكون في عوني وتوفيقي لانجاز هذه المؤلفات بالشكل والمضمون الذي يليق بباعمرو التي سميت يوماً ما بؤرة الثورة السورية.

Page 9

-1-
جامع بابا عمرو أثر خارج ذاكرة التّاريخ دراسة وتحقيق
أهمية موقع الجامع

يقع ضريح الصّحابيّ الجليل عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ وجامعه العامر في محافظة حمص، وهي ثالث المحافظات السّوريّة من حيث الأهميّة الاقتصاديّة والإداريّة وعدد السّكّان، ويخترق نهر العاصي سهول سورية الغربية الوسطى، ويمرّ غربيّ مدينة حمص محاذياً سهلها الغربيّ الّذي يبدأ من منطقة القصير جنوباً إلى سهل الغاب شمالاً وإلى جبال لبنان الشّرقيّة غرباً، وتتفرّع من النّهر عند بحيرة قطّينة ساقية للرّيّ، التي تسمّى ( المجاهديّة )(1)، والتي شقّها عام 584 هـ الملك المجاهد شيركوه الثّاني، فسمّيت باسمه، والساقية تسير بمحاذاة الضّفّة الشّرقيّة لنّهر العاصي وتتجه شمالاً حتّى تصل حدود مدينة حماة، لتروي ما تمرّ به من الحقول والبساتين، وتزوّد مدينة حمص وحمّاماتها وجوامعها بالمياه الّلازمة .

وشكل سهل حمص الغربيّ عبر التاريخ أهميّة استراتيجيّة وعسكريّة كبرى، فقد شهد منذ القديم صراعاً خطيراً على النّفوذ بين الحثّيّين والمصريّين ثمّ من بعدهم الرّومان والفرس وتدمر، واستخدمته تلك الجيوش، لتحمي ظهورها، بنهر العاصي وتؤمّن مياهها الّلازمة منه ثم جاء الفتح الإسلامي ليلعب دوراً مهما في تطورات حمص ومناطقها المحيطة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية ..

وباباعمرو كانت من أهم القرى في السهل الغربي للمدينة والّتي تقع جنوب غربيّ حمص على بعد خمسة كيلو مترات منها، وتدلّ حجارة جدران بيوتها القديمة وأحجارها المنقوشة وآثارها المدفونة التي تعود إلى العهد الرّومانيّ على أقلّ تقدير(2)، فقد كشفت عمليّات الحفر البنائية عن مقابر قديمة وأجران وأقنية وسراديب ودياميس(3)، كما وجد النّاس في الحيّ القديم بعض الألواح الحجريّة المنقوشة والمكتوبة بلغة يونانيّة أو لاتينية قديمة، شاهدت بعض نماذج منها شخصياً..

لم يسع إلى حفظها أوفكّ رموزها المؤسسات الأثارية أو الخبراء، فضاعت مع مرور الزّمن مثلما ضاعت أجرانها الحجريّة وأوابدها الأخرى .

Page 10

نسبة الجامع والقرية إلى عمرو...

من أهم آثار هذه القرية التّاريخيّة جامع بابا عمرو القديم الّذي يضمّ ضريح الصّحابيّ الجليل والفارس والشّاعر المخضرم عمرو بن معدي كرب الزّبيديّ، وهذا على قول وتأكيد سواد النّاس وعامّتهم في تلك المنطقة، وقد سمي الجامع على اسمه جامع عمرو .....واسم القرية باباعمرو ...

فمن أين جاءت هذه النّسبة باباعمرو، وكيف ترسخ في أذهان الناس أن الضريح هو للصحابي عمرو ....؟

كانت مهمة الكشف عن هذه الحقائق من أصعب المهام وتحتاج إلى بذل جهد كبير

ومراجعة الكثير من الكتب التاريخية التي توثق لهذه المنطقة مدينة حمص وما حولها بالإضافة إلى دراسة ما بين أيدينا من وثائق أو مكتشفات أثرية وهي قليلة أو نادرة واستنتاج المعلومات التاريخية منها للوصول إلى معرفة تقارب الحقيقة والوقائع السائدة في أذهان الناس ...

وبعد فترة استمرت شهور قاربت العام من الدراسة والمراجعة والبحث والتدقيق توصلت إلى نتائج مهمة لم تكن إجمالاً لصالح الذاكرة الشعبية عما ترسخ فيها من مرويات عن قرية باباعمرو وعن جامعها وعن حقيقة نسبة الضريح الموجود في الجامع إلى الصحابي عمرو بن معدي كرب الزبيدي ...

فيبدو أن نسبة الجامع أو الضريح إلى عمرو ليست قديمة كثيراً بل هي غالبا وليدة مطلع القرن العشرين أو نهاية القرن التاسع عشر على أبعد تقدير، وذاكرة الرجال المسنّين من أهل تلك القرية لا تملك من تاريخ الجامع أية وثائق أو معلومات تاريخية مؤكدة وموثقة تثبت حقيقة نسبة الضريح إلى صاحبه.

وقد حكى لي بعضهم منهم قريبي الحاج ابو ذكور وهو شاهد عيان على ذلك أنّ حقيقة الضّريح أثارت جدلاً واسعاً بين النّاس في باباعمرو والوجهاء وأهل العلم من المدينة في الأربعينات من القرن الماضي موضوعه نسبة الضريح إلى الصحابي عمرو .....

ولحسم هذا الجدل قامت مجموعة من كبار أهل باباعمرو بنبش القبر والكشف عليه، وقبل الوصول إلى الّلحد وجدوا لوحةً صخريّةً، نقش عليها كلمتان اثنتان فقط وهما ( عمرو الزّبيديّ )، وبعض الكلمات الأخرى والتاريخ مطموسة الأحرف والأرقام وغير مقروءة ..

ويبدو أنّ هذه الّلوحة جزء صغير من لوحة أكبر، لم يتمّ العثور عليها وقتئذ، أو ربما لم يهتموا بالبحث عن بقيتها، فرأى بعض هؤلاء أنّ في هذا الجزء من الّلوحة دليلاً قاطعاً على نسبة الضّريح إلى ذلك الصّحابيّ الجليل...

وقد كان يرى بعضهم ومنهم مفتي حمص الشيخ طاهر الرئيس أنّ هذا الضّريح هو لأحد مشايخ التّركمان، وطالب أهل باباعمرو بإزالة اسم عمرو الصحابي عن الضريح مما سبب الجدل السابق والنتيجة المذكورة...

والمعروف أنّ أغلب سكّان بابا عمرو كسكّان مدينة حمص(4) من التّركمان الّذين هاجروا من بلاد وسط آسيا، واستوطنوا أرجاء حمص خلال الحروب الصّليبيّة والغزو المغوليّ، والمدينة نفسها وقتئذ مركز رئيس لتجمّع العساكر الإسلاميّة وموقع استراتيجيّ مهمّ لمختلف الجيوش فكان من الطبيعي أن يعتقد بعضهم أن الضريح لأحد مشايخ أو وجهاء التركمان.

وبما أنّ ذاكرة النّاس مضطربة في نسبة هذا الضّريح إلى صاحبه، ولم يستكمل البحث والتنقيب في الضريح وليتهم استكملوه، فإننا نحتاج إلى معلومات أكثر توثيقاُ ومصداقية ربما نجدها في بطون الكتب والمراجع التاريخية ...

ولكن للأسف بعد مراجعة مجموعة كبيرة من كتب التاريخ الإسلامي وتاريخ مدينة حمص والكتب التي ذكرت ضريح الصحابي عمرو أوقرية بابا عمرو

لاحظت أنّ معلومات تلك المصادر المتوفرة لم تذكر باباعمرو والجامع والضريح إلا خلال القرون الثّلاثة الماضية فقط، وأن المعلومات مضطربة ومتناقضة إلى حدّ كبير وخاصة في نسبة الضريح،

فالشّيخ عبد الغني النّابلسيّ في كتابه ( الحقيقة والمجاز في رحلة بلاد الشّام والحجاز) يذكر عام 1130 هـ : " أنّه مرّ على قرية بابا عمرو، وفيها جامع بابا عمرو وضريح الصّحابيّ عمرو بن عبسة "(5) .