eKtab
EN ع
بالأحضان يا بلدنا
Read free sample

بالأحضان يا بلدنا

by د. أحمد علبي

Page 1
أََحمد عُلَبي في أدب الرحلة

بقلم الأديب الشاعر: جان سالمه

«بالأَحضان يا بلدنا»!

بهذا العُنْوان البسيط، المغري، يستهلُّ الدكتور أَحمد عُلَبي كتابَه الذي يحملُ الرقمَ السادسَ عَشَرَ؛ بعد «ثورة الزَّنْج»، «ابن المقفَّع»، «طه حُسَين»، «تحت وِسادتي»، «في حنايا الوطن الملهَم»، «يوميّات مجنون ليلى»، وغيرها مِنَ الأَعمال القيّمةِ التي أغْنَتِ الأدبَ اللبنانيَّ والعربيَّ.

نحن أمامَ مصنَّفٍ من نوعٍ طريف، هو كنايةٌ عن رحلاتٍ واعترافاتٍ وحميميّاتٍ، وذكرياتٍ وانطباعاتٍ تُعيدُك إلى أَيّامِ زمان. فتشدُّكَ مِنَ الأَسطُرِ الأولى، مُسْتحوذةً على انتباهِكَ، فإذا أنتَ في دنيا جديدةٍ لا عهدَ لكَ بها، حَوَتْ كلَّ ما لذَّ وطابَ من مِتَعِ السياحةِ، ولو ضِمْنَ البلدِ الواحد. حتّى لكأنّ هذه الحكايات، على حدّ تعبيرٍ للكاتب عن مَوْطنه: «كقطعة السُّكَّر، تلتقطها بلسانِكَ فتجدها زاكيةَ الطَّعْم من جوانبها كافّةً» (ص27).

أغنيةُ وديع الصّافي التي مطلعها «لبنان عَ مدِّ النَّظَر» تلخّصُ أَفضلَ تلخيصٍ محتوياتِ الكتاب، الذي يسوحُ بكَ صاحبُه في معالمِ الوطن، من جنوبه إلى شَماله، ومن سفوحه إلى وِديانه؛ ويرافقكَ إلى رياضهِ الغنّاء، ويشرحُ لكَ، كالدليلِ الأمين، كلَّ ما ترغبُ في معرفته عن هذهِ أو تلكَ مِنَ المناطق.

ولئِنْ نقلكَ تارةً إلى البِقاع وطوراً إلى دُوْما أو إهدن أو غيرهما، فإنّه لا ينسى أنْ يُريكَ وجهَ بيروتَ السّاطعَ، حبيبتِه ومدلّلتِه، فيخصّها بصفحاتٍ مُشرقةٍ لا أَمتعَ منها ولا أَجمل! أَمَّا الفضلُ في ذلكَ فيعودُ إلى اُبنه «وضّاح»، ذلكَ الشابِّ الوسيم الأنيق المثقّف، الذي هو سرُّ أبيه. فلولا إلحاحُه على أبيه في الكتابة عن بيروت، لما حظينا، وما حظيتْ عاصمتُنا بالتالي، بمثلِ هذه التُّحفةِ الثمينة مِنَ الأدب الرفيعِ الممتع. فحديقةُ الصنايع، العزيزةُ على قلبه أكثرَ ما يكونُ، والتي تَبْعُدُ مسافةَ خُطُواتٍ عن بيته، هي محطُّ رِحاله، وملعبُ أُنْسه. كيف لا، وقد خصّها بلفتةٍ طيّبةٍ من نفحات قلمِه السيّال، ومن خلجات روحِه السنيّة!

في هذه الصَّفَحاتِ التي يُطلقُ عليها صاحبها اُسم «في أدب الرحلة»، وهي حقّاً وفعلاً كذلكَ، تعيشُ معه أَيّامَه ولياليَه، وتتنقّلُ في المرتفعات والمنعطفاتِ، ترويحاً عنِ النفس، وطلباً للتسلية، فتُمضي برفقتِه أَلذَّ وأَطيبَ ساعاتِ عمركَ، منتشياً من خمرة الجمالاتِ التي يسكبُها في كؤوسٍ لازورْديّةٍ قُزَحيّةٍ.

عالمُهُ هو عالمٌ معجِزٌ ساحر، هذا الذي يسكنُه أَحمد عُلَبي! فهو يفتحُ لكَ قلبه على مصراعيه، ولا يتركُ سِرّاً دفيناً، بل تراه يُشْركُكَ في تفكيره وأَحلامه ورُؤاهُ الورديّة، ويتحدّثُ إليكَ حديث الصّديق إلى الصّديق. فإذا أشرفَتِ الرحلة «العُلَبيّة» على نهايتها، خرجتَ بأَحسنِ انطباعٍ عَنْ هذا الأديبِ الذي يتميّز بالشفافيّة والموضوعيّة، المفطورِ على المحبّة والأصالة، والذي يأبى إلّا أنْ يقاسمكَ سعادته، ويشاطركَ في نُزُهاته الأُسبوعيّة في رُبُوع هذا الوطن العزيز، وطنِ الأَوطان وعُنْوان الحضارة الآسرة.

يبدو لنا أَحمد عُلَبي في هذا الكتاب مغرماً بكلّ ما هو بسيطٌ، أيْ بالطبيعة ومخلوقاتِها، إذْ يعرفُ كيفَ يستمتعُ باللحظة الحاضرة، نظيرَ كلِّ الذينَ اختبروا الحياة، وتمرّسوا بشؤونها وشجونها، وأحبّوها كلَّ الحبّ. لنقرأ ما يقول عن بلده: «هو وطنٌ بديعٌ، مبدعٌ، ربيعيُّ الأَعطافِ؛ ولكنّه مبتلًى بعلّةٍ، وهي الطائفيّةُ البغيضةُ؛ فلو أنّه عرفَ السبيلَ إلى مداواتها بالديمقراطيّة الراقيةِ الحقيقيّة، لغدا جَنّةَ الوطن العربيّ الفسيح» (ص28).

عسى أنْ تتحقّقَ أحلامُه، ويأتيَ يومٌ نستأصلُ فيه شرَّ هذا الدّاء الوبيل، الضّاربِ بجذوره في أَعماق النفوسِ والعقول. فهل مِنْ شِفاءٍ؟ هل مِنْ رجوعٍ إلى الضمير، إلى قِيَمنا المشرقِيّةِ التي لا بديلَ لنا عنها؟

خلال قطعته «غروب» يقول الدكتور عُلَبي: «نحن نشاهدُ القِشْرَة الخارجيّةَ من طبائعِ البشر، حتّى إذا ما أُتيحَ لنا أنْ نلجَ خلفَ الشقوق، من طريقِ واحدٍ أدرك وروى وأشاع، أو من طريقِ اُمرئٍ طفحَ صدرُه وغَلَتْ عروقُه، فرغِبَ أنْ يبثَّ ويعترفَ، لئلّا تخنُقَه الغُصَصُ وتُرديَه الزفرات؛ إذا ما أُتيح لنا هذا أو ذاكَ هالنا الأمرُ واجتاحَنا العَجَبُ، ورسخَ في ذهننا ما كنّا نعلمُه مِنْ أنّ الناسَ أَبوابٌ مغلقةٌ وآبارٌ مطمورة» (ص35).

لكمْ، لكمْ هذا صحيحٌ! وكم يذكّرني ببيتَيْن شهيرين للشاعر الفرنسيّ الكبير، پــــيار كورناي، في مسرحيّته الرائعة «هوراس» (1640م) حيثُ يقول الشيءَ نفسه:

Le monde qui voit tout seulement par l’écorce

S’attache à son effet pour juger de sa force.

يقول أديبنا بلسانِ مَنْ قَرِفَ واشْمأَزَّ من هذا البلد، ومِنْ سياسيّيه وزعمائِه، على الرُّغْمِ من غَيْرته عليه، وتعلّقِه الشّديدِ به، بل وعُشْقِهِ الكَلِف بكلِّ ذَرّةٍ من حبّاتِ ذَهَبِ تُرابِه المقدَّس. فيُطلقُ صرختَه المدوّيةَ، وهي لَعَمري صرخةُ حقٍّ لا يُداخله الباطل. فعسى أنْ يَصِلَ إلى كلّ الآذان، وآذانِ المسؤولينَ بالدرجة الأولى. يقول أَحمد عُلَبي إنّه «لا يزال يأمُلُ، برُغْم جبلِ الهزائم والنَّكَساتِ، وهي ليستْ هزائمَه الشخصيّةَ ولا نَكَساتِه؛ إنّها قِصّةُ عَرَبٍ يخرجونَ مِنَ التاريخ، والثروةُ عندهم بعددِ رمالِ الصحارى، ولكنّها ثروةٌ مضيَّعَةٌ، وحكّامٌ لاهونَ، والزمنُ يتقدّمُ، ونحنُ بالقياسِ نزدادُ بَشَراً أُمِّيّينَ ونتأخّر» (ص91 و92)!
Page 2
رحم اللّه الشّاعرَ الكبيرَ عمر أبو ريشة وهو يهتفُ بالأُمّة العربيّةِ الغافلة:

أُمّتي، هلْ لكِ بينَ الأُممِ

منبرٌ للسّيفِ أوْ للقلمِ؟

لا يقتصرُ الكتاب فقط على النُّزُهات وزيارةِ المعالمِ الأثريّة، والتغنّي بمفاتنِ الطبيعة، بل يتطرّقُ إلى مواضيعَ كثيرةٍ: سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ ولغويّةٍ أيضاً. ويهمّنا هنا رأيُه في الفصحى والعامّية. نحنُ نعرفُ أنّ هناكَ كلماتٍ عامّيّةً لا يصِحُّ الاستغناءُ عنها، وإلّا فقدَ النصّ رونَقه وحيويّتَه، وأحياناً معناهُ الدقيقَ. ويمكن في هذه الحالة أنْ يعبّرَ المرءُ عن فكرته بكلمةٍ عامّيّة يضعُها بين مزدوجين. وهذا يُرضي مَنْ لا يرى للفصحى بديلاً، ولا يعترفُ بالعامّيّة، ويعتبرُها لغةً شعبيّةً لا ترقى إلى ضُرّتها الفصحى بأيٍ مِنَ الأَسباب.

يقول أَحمد عُلَبي: «جبالُ الغيمِ الأَبيضِ متراكضةٌ نحوَ الشَّمال. ما بالُها معجوقةً، كما في التعبير العامّيّ على نحوٍ مؤكَّد، إذْ فعْل «عجق» لا أثرَ له في المعجم. ما هَمَّ، هو نازلٌ في قاموس العامّة، مكرَّسٌ مَصُونٌ؛ فلا يُضيرُه أَلّا يعترفَ به القاموسُ الرسميّ... والذينَ يحسَبونَ أنّ العامّيّةَ ضُرَّةٌ للفصحى ومنافسةٌ وخصمٌ، واهمونَ حالمون. حتّى أَحمد شوقي، كبيرُ شعراءِ العصرِ الذي انقضى، كتبَ بالعامّيّة، كَرْمى لعينيْ محمّد عبدالوهاب. ولم يجدْ في الأمرِ إهانةً لإمارتهِ أو حطّاً من قيمته» (ص94).

إنّ القضايا الوطنيّةَ هيَ شغلُ أديبِنا الشّاغلُ، بل دينُه ودَيْدَنُه. فلا يرتاحُ لحظةً من هذه الهمومِ التي تنغّص عليه عيشَه. كيف لا وهو العلّامة الذي لا ينطِقُ إلّا بلغةٍ واحدةٍ، هي لغةُ العقل. ولنسمعه يقول إنّ هناك نباتاً اُسمه «بو رْوَيْص»، وآخَرَ «قَطِعْ وَصِلْ»، وهما يُغليانِ ويُشربانِ، لأنّهما ينقّيانِ المسالكَ البوليّة ويطردانِ الرمل. «ونحنُ، في هذا الوطن، ابتُلينا بما هو أَخطرُ مِنَ الرمل، فهذا قد عمد بعض زعماء الحرب الأهليّة، الذينَ غَدَوْا حكّاماً علينا، إلى شفطه وتعرية بعض الشواطئ منه! داؤنا مريرٌ ومزمن، والدولةُ عندنا في انحطاطٍ متسارع، فهل مِنْ وصفة عربيّةٍ للعلاج؟ والديونُ تُشرشر، والهِجْرةُ تستفحل، والبلدُ يفرَغُ مِنْ أَبنائه، والمافيا المحليّة تضعُ يدَها على كلّ مِرْفَقٍ وشطٍّ» (ص121)!

إنّ مؤلَّف الدكتور أَحمد عُلَبي هو مِنَ الأَعمالِ المميَّزة، سواءٌ من حيثُ الأسلوب الممتع؛ أو الحكايات الجميلة، والطرائف المستحبَّة؛ أو المضمونُ الغنيُّ بالعِبَر والتأمّل، والتي ينفّس بها عن خيبتِه، مروِّحاً، وهو يرى الوطنَ يُباعُ ويُشرى، ولا مَنْ يسأل أو يُبالي. لنقرأ بَوْحَه وهو ينادي الربيع: «تعالَ. أَضِئْ شمعةً في مغارةِ النفوس. أَطلقْ عُصفوراً مِنَ الصدور التي علاها الصدأُ وعُهْرُ الكلام. نادِ بالمتعبينَ والمقهورينَ والمفلسينَ أنّ الوطنَ لا بدَّ عائدٌ إلى أَحبابه، وإنْ طالَ المدى، وأنّهم أَحقُّ به مِنَ الناسِ الذينَ ذبحوه، ونهبوا تُراثَه، وصلبوا قيَمَه، وتاجروا بعظامِه» (ص159).

ويعود مرّةً أخرى ليبديَ رأيه بموضوعٍ حسّاس، كثيرونَ منّا لا يتجرّأونَ على خوضِه بمثلِ هذه الصراحة. مهما يكنِ الأمر، فإنّ نقدَ أَحمد عُلَبي لا ينطوي إلّا على المحبّة، ولا يتوخّى إلّا الخير للجميع. الحقيقة قد تجرح أحياناً، ولكنْ ليس لنا من شفاءٍ إلّا إذا تقبّلناها بالصدر الرحب، والصبر الجميل. لنقرأ عنده: «ليتَ الناسَ عندنا يفكّرونَ بإحياء المعابدِ القديمة وتوسعتها، مثل دير مار ساسين وغيره من المعابدِ العائدة لجميع الطوائف، وذلكَ بدلَ الإقبالِ على إنشاءِ المعابدِ الجديدةِ الفخمة... إنَّ الأَموالَ الطائلةَ التي تُصرف على هذه الأَبنيةِ الدينيّة لو أنّها بُذلتْ لتشييد مستشفًى أو كلّيّةٍ جامعيّة أو متحفٍ للفنون... لكانَ عائدها العمليُّ والحضاريّ أجدى، لأنّ اللّه ليسَ بحاجةٍ إلى معابدَ إضافيّةٍ لكي يذكره الناس. فالدين سلوك وأَخلاق وسيرة عَطِرة، واللّه في القلب وليسَ طَيَّ الرُّخام البارد» (ص172).

ومرّة جديدة لا أخيرة يعود إلى مسألة العيش المشتَرَك، وكيف أنّ سويسرا البلد الذي يتكوّنُ سكّانه من شعوبٍ ثلاثة لا تتقاتل ولا تشهَرُ السلاح. لنسمعه كيف يصبّ سهامه المحرقة على هاماتِ المنافقينَ والذينَ أحرقوا البلدَ وما رفّ لهم جفنٌ، ولا حرّكَ أحدٌ ساكناً: «عندنا الديمقراطيّة مريضة والمنافقونَ في السياسة كَثُرَ عددهم، ولا أَظنّ أنّنا عرفنا، في تاريخنا السياسيّ، نماذجَ للمنافقينَ الدجّالينَ، كأنّهم خرّيجو معاهدِ تمثيلٍ، كالذينَ نلقاهم في أَيّامنا السُّوْد هذه» (ص173 و174).

هذا غيضٌ من فيض، فالدكتور أَحمد عُلَبي ما هو في النهاية إلّا بسمةٌ منوِّرةٌ فوقَ جبينِ الوطن، أو ومضةٌ عبقريّةٌ تُفَرْفِحُ أَيّامنا، وتكسِرُ مِنْ حدّة ضجرِها ونَسَقِها المطّرد.

إنّها لمتعةٌ أدبيّةٌ خالصةٌ تلكَ التي أتحفنا بها هذا الأدبُ الرفيع، الذي هو صدى عقلٍ منفتح، وثقافةٍ عالية شاملة، وقلبٍ كبير ما عرف يوماً إلّا المحبّة طريقاً إلى القلوب.

بالاختصار، كتاب «بالأَحضان يا بلدنا» هو سِفْرٌ فريدٌ ستُقبِلُ عليه بظمأِ الصَّادين، وتَوْقِ العاشقين.
Page 3
الفصل الأَوّل

من هنا وهناك

موطنٌ كقطعة السكّر

النبع السرّيّ

غروب

«الوَرْدانيّة» أو الرحلة الانطباعيّة

ويك أند في «إهدن»

إمشوا تصِحُّوا

وانهدم جِدار الغُرْبة

«سوّاح» في البلاد والكُتُب

أَسفار صاحبي!

«عِبْدِين»

تحت ظِلال المِشْمِشة

موطنٌ كقطعة السكّر

لقد استغرقتُ، على الدوام، في التمرُّغ طَيَّ جمالات موطني الصغير، لبنان. فالمطالع لكتابيَ «في حنايا الوطن الملهَم، نُزُهات وحكايات» (2001)؛ والقارئ لمقالاتي الوصفيّة الغزيرة حول موطن الأَرز، والتي تتواتر مع جَرَيان نهر العمر؛ يقع على عاشقٍ مدنَف يستهويه الترحالُ في كلّ بقعةٍ من بِقاع لبنان.

فهو تارةً جوّال في عكّار، يقطع، سيراً على الأَقدام لساعاتٍ، وممتطياً الپولمان لساعاتٍ أُخَر، هذه الدائرة الكبرى: العَبْدِهْ ـ بِبْنين ـ بِرْقايل ـ حْرار ـ مِشْمِشْ ـ فْنَيْدِق ـ القمُّوعه ـ القبيّات ـ البِيْرِهْ ـ الدُّوْسه ـ حَوْشب ـ حلبا ـ عَرْقا ـ العَبْدِهْ. ويكتشف هناك، في القاطع الأَوّل: فقراً وتخلّفاً وقروناً وسطى؛ ثم تسحره الجمالاتُ السويسريّة للقاطع الثاني، فلا يملك سوى الصياح والاندهاش.
Page 4
وما زال صاحبنا يطرق أَبواب الشَّمال، فها هو يمضي في الپولمان مستعرضاً: أَميون ـ كُوْسبا ـ حَدَث الجبّه؛ والتي اصطاف فيها لسنواتٍ ثلاثٍ قبل الحرب الأهليّة؛ وها هو يراها، شتاءً، بعد طول انقطاع، وقد غمرها الثلج ببياضه الناصع. ثم هناك الدِّيْمان، حيث يرتاح صيفاً الرجل الكبير البطريرك صفير، وهو يعتلي هذه السُّدَّة التاريخيّة منذ عَقْدين. ونصل بعد ذلك إلى حَصْرون ـ بَزْعون؛ إلى أن نبلغ المفترق، على اليسار، الذي ندلف منه مشياً، لنخترق هبوطاً وادي قنُّوبين حتّى أسفله البعيد.

بماذا أُحدّثكم وماذا أَروي لكم؟ إنّ التعرّف إلى كلّ تلّةٍ أو حَنِيّة أو صخرة أو وادٍ أو منعطف، يشتمل عليها هذا الوطن، الصغير بحجمه، الكبير بأَهله، الغزير بجمالاته، الطافح بمواهبه؛ هي مواضع لهفتي واحتفائي. وماذا تُرانا نحتفل، في القاعات الكبرى، من حينٍ إلى حين؟ أليس بباقةٍ من النوابغ في وطن تطلع فيه المواهب كالرياحين، فيزدان بها ـ كما تزدان طرقات «شانَيْه» الفرعيّة، وهي المَصِيْف الذي أَلوذ به، تزدان بأَزهار الختميّة الطالعة، من تلقائها، بكوكبةٍ من الأَلوان الزاهية.

خُذُوني إلى طورزيّا ـ إهمج ـ اللقلوق. خُذُوني إلى العاقوره ـ المنيطره ـ أَفقا. خُذُوني إلى غزير ـ الكفور ـ يحشوش ـ وادي أدونيس. خُذُوني إلى الغِيْنِهْ، حيث الثلج يتهاطل شتاءً كالورود؛ أو إلى أَعالي البترون، حيث يخيّم الجمال ويزهو؛ أو إلى حالات، على البحر، حيث يقيم الموج هامساً موشوشاً.

حبّي لهذا الوطن لا حدود له، أَكان المطرح شَمالاً، أو بِقاعاً، حيث كامد اللوز ـ السلطان يعقوب ـ الخياره؛ وحيث العَقَبه ـ بيادر العدس ـ راشيّا الوادي؛ وهناك تنعقد الدبكة حاميةً في مقهى ليالي وادي التَّيْم. هو حبّ لا يتجزّأ، سواءٌ أَكنتُ في الروضة البِقاعيّة أم في معاصر الشوف، أَصعد منها إلى أَرزها، وأَنحدر من هناك هابطاً بحدّة إلى كفريّا ـ خِرْبة قَنَفار؛ حيث تطالعك الزراعة المتأنّقة، وحيث تحسَبُ نفسك في بُقعة أوروپّـــيّة الملمح.

هذا موطن كقطعة السكّر، تلتقطها بلسانك فتجدها زاكية الطعم من جوانبها كافّةً. هل قصدتَ جزّين، ومن هناك مشيتَ إلى كْفَرْحونه ـ عرمتى ـ الرِّيحان ـ العَيْشيّه؛ وأطللتَ على مناظر طبيعيّة تأخذ بالأَلباب؟ ولديك خِيار آخَر، وهو أن تمضيَ، قبل ولوج جزّين، إلى ضهر الرمله ـ حيطوره ـ زحلتا ـ جباع ـ عين بوسوار، حيث مياه نبعها متعة ودواء. ولك أن تتابع المسير، بعد الارتواء، إلى جرجوع ـ عَرَبصاليم ـ حبُّوش. وإن شئتَ أن تتناول المآكل الجنوبيّة، وقد أوصيتَ عليها هاتفيّاً، فلك أن تقصد المقهى المحاذي لقلعة الشقيف، وأدناها أرنون، والتي لم يَدَعِ الاحتلال الإسرائيليّ منها سوى الأَطلال!

هو وطن بديع، مبدع، ربيعيّ الأَعطاف؛ ولكنّه مبتلى بعلّة، وهي الطائفيّة البغيضة؛ فلو أنّه عرف السبيل إلى مداواتها بالديمقراطيّة الراقية الحقيقيّة، لغدا جنّة الوطن العربيّ الفسيح.

(2006)

النبع السرّيّ

تنوشك الذئابُ من غير جانبٍ، وتنهش في جسدك البهيّ عصاباتٌ وقُطْعان؛ وأنت، شأنَ الأسطورة، تلثم الجراح، يا وطني، وتضمّد النَّزْف، وتبرأ من القَيْح، وتطفر مثلَ مُهْرةٍ ناشطة، وتأرَجُ بالصمود والمقاومة، وتختطّ للمستقبل درباً هو الأمنيّة والمُحال اختلطا واقترنا. فأيّ هَجَساتٍ عجيبة يختزنها شعبك، وأيّ تطلّعاتٍ جريئة تعتلج في صدرك الصابر الطموح؟
Page 5
برغم حَلَكِ الليالي، برغم فَجَواتِ الدمار والدم، برغم نافورة اليأس ومستنقع القهر وليل الانتظار، ستطلع، يا وطني، من كُوّة العَتَمَة، وشبابيك الزنازين، لتعانق نداوة الإصباحات المنتظرة. عناقٌ مثلُ لهفةِ المحبّين إلى المواعيد، تَوَقانِ الجدول إلى اليَنْبوع؛ مثلُ الرغبة المشبوبة في سحابةٍ، حُبْلى بالوعود والاخضرار، لأن تنهمر وتفيض. مَنْ قال إنّ لبنان مات واندثر، كمَنْ قال إنّ القمر ودّع كوكبنا، وإنّ تمتمات العاشقين قد غارت واضمحلّت في هذه الدنيا.

أَراك، يا وطني، عصيّاً على الموت والانقراض. يذبحونك وتنهض، يضطهدونك وتنتصب مثلَ رُمْحٍ عربيّ قادمٍ من كهف التاريخ ومهوى الصبابات. يضربونك بالنار ليُرْدوك قتيلاً، فإذا بها مَعْمُوديّة، صهر، إصرار، ورجال ملءَ الساحات تزحم الأَحلام. من أين لك هذه القوّة القهّارة؟ من أين يتدافع منك هذا الماء الدفّاق؟ يحمل استمراريّة النكسات والقتال، الهدم والبناء، الإذلال والإبداع، الفِتَن والجبهات تجبهها وتطؤها. أَراك، يا شعبي، تُخفي نبعاً سرّيّاً يفور بالغليان، فأين المفرّ لأَعداء الوطن وعَبَدَة الظلمات؟

يجلدونك بالأَكاذيب تلو الأَكاذيب، ولكن حتّى متى تبقى التخرّصات والأَوهام والخيالات؟ أَليست نهارات الحقيقة، تُشرق على شعبنا وتتغلغل في شرايين وعيه، كفيلةً بتسفيه الدُّعاة، ونسف الأَضاليل، والقضاء على «أَجزخانة» المراهم والمهدّئات؟ إنّهم ينافقون، إنّهم يقتلون جياد الغد ومطامح التغيير وبَسَمات الصغار. ولكنّهم عبثاً يفعلون، وعبثاً يكابرون، وعبثاً يفترعون الحقائق؛ والحقائق، باُسم الصدق والشعب والوطن والمستقبل، سوف تفترعهم في نهاية المطاف، وتقضّ مضاجعهم، وتطوي صفحة أَحلامهم السوداء.

انتفاضة الاستقلال، مهما قال القائلون، وافترى المنظّرون، واستهان بها اللامبالون، ومهما آلت بها الأَيّام وتبدّد شمل دُعاتها أو تفارق أو انتكس، هي إشراقة كبرى في تاريخ بلدنا؛ بل في تاريخ منطقتنا العربيّة التي يكتنفها ظلام الاستبداد السياسيّ، يُنيخ بكلكله على الصدور كأنّه الرَّبْوُ أو السِلّ أو البَرَص! هو ليل «النابغة» المطبق؛ وليل لبنان مع الانتفاضة أَنجمٌ زُهْرٌ.

هذه مزيّة رقعة صغيرة، هي أَشبه، بين الأَوطان العربيّة، عند القياس والمقارنة، بصحنٍ لفنجان قهوة! مساحة السودان 2.505.813 كيلومتراً مربّعاً. وهو حافل بالغابات وبالمياه الدافقة؛ ولكنّه منكوب، منذ استقلاله، بالديكتاتوريّات العسكريّة التي تكاد تُفضي بالسودان الشاسع إلى الانفراط والتقسيم. مساحة الجزائر 2.381.741 كيلومتراً مربّعاً. لهذا طال تمرّد الأُصوليين هناك، وشنّعوا تمثيلاً بشعبهم، فهم يسرحون في شبه قارّة. مساحة ليبيا 1.759.540 كيلومتراً مربّعاً. واستولى على مقدّراتها، منذ عقود، ضبّاط شبّان فاستباحوها، وجعلوا الناس هناك يترحّمون على السنوسيين أَبطال الاستقلال. لن نذكر مساحة لبنان، لئلّا يُصاب بالعين.

(2006)

غروب

إنّه الغروب. فالساعة هي السابعة مساءً، ونحن في مطالع شهر أيلول. لم يعد هناك شمس ولا أَشعّة ساطعة تمسح بأَصابعها التلال والرُّبى، وتنعكس بعض سهامها على أَلواح زجاجِ بعض الأَبنية البعيدة فتضيء، وكأنّ بها مسّاً من غرابةٍ وحنينٍ ودهشة. سكون عجيب يخيّم على الطبيعة، وكأنّه صمت يداخله صمت! تبدو الكائنات والأَشجار والبيوت والمنحدرات متواطئةً متحالفة مع هذا الخشوع المهيمن والصمت المطبق. وأَتلفّع بكيمونو من كَتّانٍ فوق پــيجامة الرياضة، الحشيشيّة اللون، التي أَرتديها، وذلك اتقاءً من هواءٍ منعش يهبّ في هذا الأوان؛ يداعبك برقّته ويدغدغ حواسّك المنفعلة، ولكنّها المنضبطة أيضاً خَشْيَةَ أن تجرح هذا السكون المنعقد.

وأَسرح في تأمّلاتي وتمنّياتي، يسيّجني شعور غامر من الغِبْطة الداخليّة. وأَتطلّع إلى سلسلة الجبال الغربيّة، والانقشاع مسيطر، ولا غيمة بيضاء أو سوداء تنعقد في الأفق، والسماء صافية كقلبٍ ودود، والزرقة فيها كابية كشوقٍ دفين؛ فأَحسَبُ أنّ قلم رصاصٍ قد خطّ رؤوس القمم، وأنّه عمد إلى خربشة بعض السفوح، فإذا هناك غابة أَرز عين زحلتا ـ نبع الصفا قُبَالتي تماماً، وإذا هناك عن يميني في المنتأى غابة أَرز الباروك.
Page 6
غروب وكأنّ الدنيا فقدت حركيّتها، واستكانت إلى هدوءٍ خاشع لا منتهى له. ويزيد من هذا الصمت المعلَّق أنّ البيوت المنتشرة فوق هضبة مجدلبعنا الصخريّة الصامدة، كجبينٍ لا يطأطئ للخطوب، وفوق تلال رويسات صوفر وبِدْغان والمشرفه؛ هذه البيوت لا تزال تستسلم إلى النهار الآفل، في لحظاتٍ انتقاليّة بين النور والظلمة، فلم تستضئ بعدُ بالكهرباء، كما أنّ البلديّات هنا وهناك، لم تعمد، بوساطة العيون السحريّة، إلى إشعال عقود الجُمان التي تربط القرى بعضها ببعض، مزينةً المرتفعات بفوانيسِ فرحٍ بين البيدر والدير، قصدتُ: ضهر البيدر ودير القمر. وهذه الفوانيس الكهربائيّة تبدو في الأفق البعيد مرتجفةً، فكأنّها تغمز لك بآلاف العيون الجذلى!

هذه البيوت الساكنة، في مرحلة الغروب، لكأنّها منطوية على أَسرارها. مَنْ يعرف، وراء الأَبواب المغلقة، أَحوال الناس وأَشجانهم على حقيقتها؟ فالدنيا قِصص، وما الكتابة سوى قَطْرةٍ من محيطٍ حاشد بالأَحزان والأَشواق. نحن نشاهد القِشْرة الخارجيّة من طبائع البشر، حتّى إذا ما أتيح لنا أن نلج خلف الشقوق، من طريق واحدٍ أدرك وروى وأشاع، أو من طريق اُمرئٍ طفح صدره وغَلَتْ عروقه، فرغب أن يبثّ ويعترف، لئلّا تخنقه الغُصَصُ وتُرديَه الزفرات؛ إذا ما أتيح لنا هذا أو ذاك هالنا الأمرُ واجتاحنا العَجَبُ، ورسخ في ذهننا ما كنّا نعلمه من أنّ الناس أَبواب مغلقة وآبار مطمورة. مع الغروب لكأنّ الطبيعة توقّفت عن الحِراك، والنفوسَ خلدت إلى سكونٍ وهدنة. أمّا الأَبواب فازدادت إيصاداً، لكأنّ الرَّصَد حلّ بها!

وما يزيد الغروبَ هدوءاً على هدوءٍ أنّ الجَلَبَة التي تصعد أحياناً، في هذا الوقت، من الصبايا والشباب المتنزّهين، إلى حيث نحن في الطابق الثالث فوق الأرض، هذه الجلبة المسائيّة تلاشت تماماً. فقد مضى أَصحابها إلى مدارسهم وجامعاتهم. انقضت الصيفيّة، وانطوى، بين هؤلاء وأَولئك، فصل المسامرة والمغازلة والمنادمة إلى غير رجعةٍ الآن. لم يبقَ في الجبل سوى المتقاعدين وهواة الطبيعة المغرمين بهذا الفاصل الجميل بين صيفٍ مولٍّ وخريفٍ زاحف. بقي عُشّاق الخُضْرة والقمر، السكينةِ والتأمّل المديد. ها أنا على الشرفة أَترقّب قدوم الغروب، لأُمتّع حواسيَّ، لكأنّه قطعة حلوى ذاتُ نكهة، كأسُ شرابٍ مصقَّعٍ يبرّد الصدر. وها أنّ الغروب يغمر الدنيا ويسربلني بعباءةٍ من المتعة الناعمة، تدبّ في مفاصلي دبيب النمل الأليف.

وعلى حين غِرّة، والسكون يجلبب الكون، والوقت غروب، ينبعث من جامع الشعّار، بمئذنته البيضاء، في الرويسات، قُبَالتنا، في القاطع المقابل عن بُعْدٍ، لجهة اليسار؛ ينبعث صوت رخيم يرتّل بعض آيٍ من القرآن الكريم؛ ومن حظّي أنّها كانت «سورة الإنسان» (76/12 ـ 19)، وفيها دُرَرٌ من الكلام: {وجزاهم بما صَبَروا جنّةً وحريراً. مُتّكئين فيها على الأَرائك لا يَرَوْنَ فيها شمساً ولا زمهريراً. ودانيةً عليهم ظلالُها وذُلِّلَتْ قُطُوفها تذليلاً. ويُطاف عليهم بآنيةٍ من فِضّةٍ وأَكوابٍ كانت قواريرا. قواريرا من فِضّةٍ قدّروها تقديراً. ويُسْقَوْنَ فيها كأساً كان مِزاجها زنجبيلاً. عيناً فيها تُسمَّى سلسبيلاً. ويطوف عليهم وِلدانٌ مخلَّدون إذا رأيتهم حسِبتهم لؤلؤاً منثوراً...}.

وأَذكر أنّي كنتُ، ذات مرّةٍ، برفقة كبيرنا، رئيف خوري، وأتينا على المنحى القَصَصيّ والجمال الأدبيّ اللذين نلقاهما أَحياناً في القرآن، فما كان من رئيف إلّا أن تدفّق ببعض هذه الآيات البيّنات. وبعدُ، فقد علا الأذان يخترق غَبَش الغروب الهابط، وفيه «حَيَّ على الفَلَاح» يجلجل ويجمّل قُبّة السكون المنسدل بهذه الدعوة المباركة إلى الإقبال على طريق الظفر والنجاح.

والقمر، مع الغروب، حاضر، ولكنّه الآن هلال أَبيضُ يبكّر في الظهور ولا يلتفت الناس لحضوره. وهذا الهلال رأيتُه، منذ أَيّامٍ، فوق الكروم، خلال نزهتي الليليّة، وكان يميل إلى شيءٍ من اصفرار باهت، فحسبتُه خرطةَ شمّامٍ عاجيّةً شهيّةً، قريبة المنال. لم يغدُ بعدُ، كما رأته نازك الملائكة، في قصيدتها الشهيرة «كأس حليبٍ مثلَّجٍ تَرِفِ». وهذا الهلال يزداد امتلاءً كلَّ مساءٍ، ويزداد الحليب فيه دَفْقاً، فأَخاله وجهاً ينضح بالرونق لفتاةٍ زاكية الملامح بريئة اللفتات. حتى إذا ما تقدّم الشهر، وقَرُبَ القمر من أوان بدره، فهنالك الروعة، عندما يُطلّ، وكأنّه يتلصّص، من وراء السلسلة الغربيّة، دائرةً كبرى صفراء؛ ثم لكأنّه يتّكئ على قِمم الجبال، وينهض بعدئذ رويداً رويداً في كبد السماء.

(2005)
Page 7
«الوَرْدانيّة» أو الرحلة الانطباعيّة

عند الطرف الجنوبيّ لإقليم الخرُّوب، على مقربة من الساحل، فوق «الرميله»، وعلى علوٍّ متواضع يبلغ الثلاثمائَةِ والخمسين متراً فوق البحر، تقع «الوَرْدانيّة»، مطلّةً، على ظمأ المَشُوْق، على هذا «المتوسّط»، تتخلّل ساحلَهُ الزُّرْقةُ بتدرّجاتها اللونيّة. وكيفما قلّبتَ نظرك هناك فأنت واقع على خُضْرة حقولٍ مضيئة، وعلى قِرْميدٍ أَحمرَ تعتمر به المباني الحجريّة الجميلة الحديثة. حتّى إذا ما صعّدتَ، في أَعالي هذه البلدة الخرُّوبيّة، أطللتَ من شاهقٍ على الوديان والمرتفعات، وعلى القرى المنتثرة، مثل «الجميليّه» و«المغيريّه» و«مزموره».

الوردانيّة نفسها نظيفة عامرة؛ على أنّ شوارعها الداخليّة ضامرة الخصر، مسوَّرَة الجَنَبات، نحيلة، بحيث تصلح لأنّ تسلكها الخيول أو الدرّاجات الهوائيّة والبخاريّة، فهي تضيق على مرور السيّارات بالاتجاهين معاً. وعندما اجتزنا بالسيّارة باحة صغيرة جدّاً، ضائعة الشكل، مبعوجة، أخبرني مُضِيفي، وهو صديق حميم، أنّها ساحة البلدة، فأجبته لتوّي ضاحكاً: إنّها الساحة الحمراء!

إنّ إقليم الخرُّوب، واقع بين نهرين: نهر الدامور في الشَّمال، ونهر الأَوّلي في الجنوب؛ وهذا يفصل الإقليم عن صيدا وبساتينها وعن إقليم التفّاح وسائر قضاء جزّين. وإقليم الخرُّوب هو الجزء الأَسفل من الشوف المسمَّى السويجاني. ومنذ سنوات وأنا أَبحث عن أصل هذه التسمية، التي قرأتُها لأَوّل مرّة في بعقلين، حيث لمحتُ آرمة لمقرّ اتحاد بلديّات الشوف السويجاني. حتّى طالعت مؤخّراً، في «تاريخ إقليم الخرُّوب» لمحمّد حسين الميسو الحجّار (ص 15)، والمطبوع سنة 1978 في مزرعة الضهر لدى مؤسّسة البيادر؛ وذلك نقلاً عن كتاب «مجمع المسرّات» لشاكر الخوري (بيروت 1908)؛ من أنّ النسبة تعود إلى بني سويجان الذين وفدوا على لبنان، ونزلوا الشوف فحمل اُسمهم. وهناك القسم الأَعلى من الشوف، وهو الشوف الحيتي، ويضمّ باتر ونيحا وبتلون والباروك وعين زحلتا وعين داره. ولا أَدري مبعث النسبة. وكان هناك سابقاً الشوف البيّاضي، ويشتمل على المريجات وبوارج وقب الياس، ومركزه زحله. ودُعي بالبيّاضي نظراً لبياض التربة والصخور في زحله وضواحيها.

لشدّ ما كانت الأَيّام الثلاثة، المقتَطَعَة من عيد الفِطْر، والتي أَمضيتها في الوردانيّة وجوارها، عابقةً بالبهجة وبضروب الحوار الثقافيّ الماتع، ينعقد حول موضوعات متفارقة متجانبة متداخلة؛ ولا يغيب عنها الفنّ التشكيليّ بخاصّة، فمُضيفي، علي شمس، فنّان نابه شهير ذو باعٍ جليل في الرسم والتلوين. وعندما شاهدتُ مائيّاته التي أنجزها في العام 2005، مستوحياً إيّاها من الطبيعة في الإقليم ودير القمر، اجتاحني دَفْقٌ من الإعجاب يخالطه دَفْقٌ من السكينة والغِبْطة الداخليّة. فالفنّ الراقي، والمائيّات (أَكوارل) في التشكيليّ ربّما هي الأَكثر صعوبةً ودلالة ورهافة، يستنهض عندنا مكامن الروح الغافية، ويهزّ كياننا، فإذا به ينداح في نشوةٍ صوفيّة بالغة الطرب. وأيقظتْ أَعمال صديقي الفنّيّة، الشفّافة النَّضِرة، أيقظت في صدريَ بدائع المدرسة الانطباعيّة؛ هذه التي شاهدتُها، ذات عامٍ غابر، في مُتْحفٍ مخصّص لها في العاصمة الپاريسيّة، على مقربة من المِسلَّة المِصْريّة، في الشانزليزه.

(2006)
Page 8
ويك أند في «إهدن»

رحم اللَّه الدكتور عبدالغني شَهْبَندر، فقد كان طبيب العائلة عندنا، وكان يتكلّم بلهجة شآميّة، ولا غَرْوَ، فالرجل دمشقيّ المنبِت. وكانت عيادته تقع في برج أبي حيدر، في بناءٍ يملكه ولا أَجمل؛ وصار اليومَ، بعد الهدم وإعادة العِمارة، بناءً ولا أَقبح! وكان طبيبنا يُصدر مجلّة علميّة طبّيّة هي «الحكمة»، وكنّا بالطبع مشتركين فيها، وما زلت ذاكراً بعض محتوياتها. والدكتور عبدالغني هو ابن العمّ اللزم للسياسيّ السوريّ المرموق، الدكتور عبد الرحمن شَهْبَندر؛ وكان هذا الزعيم مرهوب الجانب، وكانت الكتلة الوطنيّة التي تضمّ القوتلي ومردم بك تحاول استمالته، لكنّه كان يهدف إلى أن يحلّ محلّها! وقد نفاه الفرنسيّون إلى مصر، ومات اغتيالاً وهو في عيادته؛ ويعتبره بعض الدارسين طليعة العَلْمانيّة في سوريا.

المهمّ، بعد هذه المقدَّمة، أنّه كان للدكتور عبدالغني أَحكام جميلة، منها هذه العبارة عن بلدنا: لبنان متل حجر السكّر، وين ما لحَسْتو حلو! تناهت هذه العبارة إلى حافظتي وأنا أَقطع البلدات: أَميون، سِبْعل، أَيطو... صعوداً إلى إهدن، وذلك في الويك أند الفائت، 5 و6 شباط، عندما كان حديث العاصفة الثلجيّة يطِنّ في الآذان، والمَرْصَد يتهدّد المواطنين بمنخفضٍ جوّيّ وافد علينا من البلقان، وتؤكّد مصلحة الأَبحاث أنّه عالي الفعالية يتأثّر به لبنان، وهو سيستمرّ لعدّة أَيّام، ترافقه رياح شَماليّة غربيّة باردة قطبيّة المصدر! طبعاً هناك برق ورعد وأَمطار غزيرة، وتراكمٌ للثلوج وزخّات من البَرَد.

أَعود أَوّلاً إلى عبارة الدكتور عبدالغني، فقد قال: حجر السكّر، لأنّ السكّر قديماً، ما بين الحربين العالميتين، لم يكن يأتي إلينا مكرَّراً ناعماً، شأنه في أَيّامنا، إنّما يفد علينا مخروطيّ الشكل على هيئة قِمْعٍ أو مِسَلَّةٍ، ويدعونه السكّر الروسيّ، وكان لدى الناس نوع من البَنْسَه، من الفرنسيّة pince ، وهي أداة لمعالجة القِمْع وتكسيره ثم استعماله. على كلّ حال فإنّ السكّر الذي عرفناه في صِغَرنا كان شديد السُّمْرة، غير مكرَّر؛ في حين أنّ التجّار يغدرون بنا اليوم ويُدِلّون علينا في بيع السكّر الأَسمر، باعتبار أنّه أَفيد وأَصحّ، وذلك بأَسعار باهظة! تجارة، ويقولون إنّ النبيّ بارك التجارة؛ ولكنّه لم يبارك اللصوصيّة وممتهنيها.

وأَعود ثانيةً إلى الصعود إلى إهدن، والجوّ مكفهرّ، والقلوب واجفة. أنا، شخصيّاً، لم أُبالِ بهذه التهديدات المُناخيّة، لأنّ منطقيَ البسيط أخبرني أنّ الطقس كان بارداً متقلّباً ممطراً منذ بداية الأسبوع، وبالتالي فقد آن له الاستراحة ولو قليلاً في نهايته. ثم إنّ القائمين على الرحلة هاتفوا الأوتيل، فأجابهم القيّم المجرِّب أنْ لا خوفَ، فالطريق مفتوحة، وإنْ تساقط الثلج حَوَالى الأوتيل فالجرّافة حاضرة لجعلها سالكة على الپولمانات. كانت ثلاثة پولمانات مريحة، وقال سائقنا، على الميكروفون، مطمئناً الركّاب، إنّها من طراز حديث ومجهَّزَة بكلّ ما يلزم؛ والسائق، كما في التعبير التراثيّ، اُبن بُجْدَتها، أي ابن كار وهو عتيق فيه عالِم به. وكان الذين حجزوا للرحلة مسبقاً مائة وواحداً وخمسين راكباً، لكنّ الرعب دبّ في رُكَب قُرابة عِشْرين، فاصطكّت هلعاً؛ وهكذا دفعوا المئات من الألوف ثمن اشتراكهم، لكنّهم خسروها بسبب تلكّؤهم وتخلّفهم عن الذهاب، ناسين الآيةَ الكريمة التي يعرفونها، ويقولون إنّهم يعوّلون عليها: {فإذا عَزَمْتَ فتوكّل على اللَّه، إنّ اللَّه يُحبّ المتوكّلين} (آل عِمْران 3/159).

ويا إهدن، جئتُكِ ملهوفاً، وفي البال قصائد الشاعر أسعد السبعلي الذي تغنّى بكِ طويلاً:

إهدن غنّيّة لبنان

عحدود النجمه مجالا

وشمس الجانحها بردان

عم تتبورد عا جبالا

وغيمه بتكمشها بالإيد

جايي عناقيد عناقيد

عم تتمشّط عالقرميد

وعالأرض تجر ديالا

.

كان الويك أند رائعاً ممتعاً دافئاً. وهو ليس دافئاً بعامل التدفئة في الغُرَف وقاعة الطعام فحسب، إنّه خصوصاً دافئ بما تخلّله من ساعاتٍ مترعة بالنشوة والفرح الغامر. وعند العَشاء الحافل جلستُ إلى طاولةٍ مع الأَصدقاء، بحيث كنتُ مواجهاً لزجاج كبير يُطلّ على الخارج. ويا له من منظرٍ آسر، فالثلج يتهاطل من وراء الزجاج نُدَفاً، فكأنّ مئات الفراشات تتناوب على التماوج والاختلاط. واعتلتِ المسرحَ سيّدةٌ حمراء الشعر، طبعاً صِباغ، ذاتُ قدٍّ مشيق على شيء من الامتلاء، وتمايست بحذاقةٍ على وحده ونص، فكأنّها استعارت من الراقصة «راوية» بعضاً من المهارة والإثارة. كان الثلج يتكدّس في كلّ مكان، على المرتفعات يغمرها؛ وعلى الجلالي المتدرّجة يغطّي سطوحها، فتبدو مكسوَّة من جانب السطح عارية من الجانب العموديّ.

ظلّ الثلج يهمي ليلاً، فاستفقنا، بعد ليلةٍ ساهرة، وهو يغمر الطرقات والسيّارات والمساكب؛ فتظهر الأَشجار العارية وكأنّها رِماح مشكوكة في الثلج. وفي قاعة المِدْفأة (الشومينه) كانت النار تتكتك من حينٍ إلى حين وهي تستلّ روح الجُذُوع، ثم تتهاوى هذه على بعضها وقد صارت الجِمار حُطاماً ورماداً. وعندما أَقلعنا، ما بعد ظهر الأحد، عائدين، كانت الپولمانات مغطّاة أَسطحها بالثلج، وكانت تسير متّئدةً في محيط إهدن وجوارها، حتى إذا ما جاوزت بِقاع الثلج اندفعت مسرعة. وعندما بلغنا الساحل، بين طرابلس وبيروت، كانت خيوط الماء تتدافع فوق الزجاج متتابعة في جَرَيانها، ذلك أنّ الثلج، الذي تعتمر به الپولمانات، أخذ عند الشطّ، وقد تغيّرت الحرارة، في الذوبان.

(2005)
Page 9
إِمشوا تصِحُّوا

أنا من عباد اللَّه السائرين، يحلو ليَ المشيُ في كلّ حين. والمكتب الذي أَجلس إليه الآن، لأَخطّ خواطري، وهو من السنديان، شأنَ جميع رفوف مكتبتي وخزائنها، أَوصيت عليه، قديماً، عندما كنت في ريعان الشباب، لدى نجّار أرمنيّ في محلّة الدوره. وكنت أَقطع المسافة بين ساحة البرج أو الشهداء أو الحريّة، أو 14 آذار كما اقترحتُ في مقالة سابقةٍ، إلى الدوره مشياً على الأَقدام، يرافقني في هذه النزهة صديقي أبو توفيق؛ وذلك لنتفقّد مجرى العمل في المكتب المذكور، أو طاولة الكتابة، فضلاً عن خزانة كتبٍ أيضاً. ونعود من الدوره إلى ساحة البرج فرأس النبع حيث نقطن، من غير أن يُلمّ بنا نَصَبٌ أو ملل؛ إنّما نباغَت غالباً بأنّنا صرنا أمام باب البيت، وأنّ النزهة انتهت، ولكنّ حبل الكلام لم ينتهِ!

كنّا في أوج الأُمنيات، ومشاريعنا حول الثورة، والوَحْدة العربيّة، واستعادة فَلَسْطين، وتحرير المستعمرات، ومعاضدة الماو ماو في كينيا، وبناء مجتمع العدالة الاجتماعيّة حيث الحريّة ممارسة والديمقراطيّة أُقنوم لازم؛ كانت هذه كلّها، وغيرها من الطموحات، تستعِرُ في صدرينا، وبالتالي كانت لنا حلول ثوريّة؛ وكنّا، صراحةً، في عجلة من أمرنا، نريد أن نحرق المراحل، وأن نجعل بيارق الغد خفّاقة فوق سارية حياتنا الحُبْلى بالانتصارات. كان ذلك كلّه قبل زلزال النكسة في 67، الذي أحال حياتنا وما زال جحيماً؛ وكان النقاش بيني وبين أبي توفيق يجري رخيّاً، ويتقافز في مناحيَ شتّى، خصوصاً وأنّ مطالعاتنا المحمومة كانت تمتدّ في كلّ أفق. وعندما كنت أُبدي رأياً جديداً على جوّ نقاشاتنا يطول البيولوجيا أو الفلك، كان أبو توفيق يخاطبني بمودّته المعهودة، وروحه المحبَّـــبَة، وحماسته الجميلة، قائلاً: هاتِ لنا مصادرك!

إنّ طاولة العمل السنديانيّة، المتقدّمة الذكر، نقلتُها، عندما افتتحت بيتيَ الخاصّ، من عند الأَهل إلى بيت الزوجيّة، وهي بقياس قُرابة مترٍ عرضاً إلى مترين طولاً. ولا غرابة أن أَجعلها من هذا القياس، لأنّ غرفتي الخاصّة لدى أَهلي تكاد تكون في حجم نِصْفِ بيتٍ حديث! وكانت هذه الغرفة تُدعى عندنا: الليوان. وإحدى خزائن الكُتُب طلب منّي نجّار آخَر علوّها، فنظرت إلى سقف غرفتي الذي يرتفع إلى قُرابة ثمانية أَمتار لدى أَهلي، وقلت له: ثلاثة أَمتار. فالأُمور نسبيّة. لهذا عندما نقلتُ المكتب والخزانة، المذكورة منذ هنيهة، إلى بيتيَ الخاصّ الحديث، قصصتُ هذه الخزانة قطعتين؛ كما أنّ النجّار اضطُرّ إلى نزع أَرجل المكتب، ليتمكّن من إدخاله إلى الغرفة التي يستقرّ فيها الآن، ثم أعاد الأَرجل طبعاً إلى موضعها، وإلّا لكان غدا المكتب طبليّة!

وما زلتُ، حتى يوميَ هذا، مولعاً بالمشي؛ لذا تجدني في كثيرٍ من الآحادِ أُغِذُّ السير لكيلومترات، قد تصل إلى خمسةَ عَشَرَ؛ وآلة التصوير مدلّاة من رَقَبتي، محفوظةً في وعاءٍ جلديّ فاخر، على أنّه أَسود، وقد أوصيت عليه فجلبه لي من نيو يورك صديق عزيز. فكيف لا أَستعيد هواية التصوير الفوتوغرافيّ، التي فارقتها لزمنٍ، وعن جانبيّ، خلال الآحاد، مناظر طبيعيّة خلّابة؟ فأنا تارةً أَسلك طريق جزّين ـ كفرحونه ـ عرمتى ـ الريحان ـ العيشيّه؛ وطوراً أَهبُطُ وادي قنُّوبين، أُطالع الجبال المهيبة فوقي، وأُصيخ السمع لوشوشات المياه المنحدرة هنا وهناك. وكم هو ممتع السير في شباط على طريق الغِيْنِه ـ غباله ـ عذرا ـ جورة بدران ـ يحشوش، ونَدْفٌ خفيف جدّاً من الثلج يُداعبك ويُنعش روحك. كذلك كم هو جميل أن تصعّد، سالكاً طريقَ الحصون ـ فرحت ـ طورزيّا ـ إهمج حتى اللقلوق، حيث يتكدّس الثلج، وتستعيد معه ذكريات الشباب عندما كنتَ تهوى التزلّج. فلبنان حيث تذهب، مستتراً في حناياه، يطالعك بطبيعته المعطاء، وإنسانه الطيّب، ولقمته السائغة، وسمائه الزرقاء، وبنسيمه الذي يتغلغل في أَعطافك فكأنّه يداعبك مدغدغاً إيّاك.

وما يزيد هذا المشيَ روعة أنّك بصحبة رُفَقاءِ طريقٍ، وذلك من خلال جمعيّة أهليّة تُعنى بتهيئة هذا البَرْنامج؛ وقد بات بعضهم أَصدقاءَ لك، لأنّكم تشتركون في نزهة المشي والكلام والتنكيت واكتشاف بعضكم لبعضٍ، ثم هناك الغداء اللذيذ بعد سيرٍ حثيث. وإذا كان الحديث يقول: صوموا تصِحُّوا، فإنّ الجمعيّة تذهب إلى شعارٍ متقارب: إمشوا تصِحُّوا. ولها في هذا مآرب طبّيّة عديدة، وإن كانت مآربي الشخصيّة، من هذه الرحلات: أن أَستنشق هواءً نظيفاً لا غِشّ فيه ولا تلوّث؛ وأن أَتنزّه، ليس كما كان يفعل روسُّو في كتابه «اعترافات متنزِّه متوحِّد»، فأنا تُسعدني الجماعةُ وتُغنيني الصداقةُ؛ ثم أن أُحرّك جسميَ الذي يظلّ، معظم أَوقات الأسبوع، مصلوباً إلى المكتب السنديانيّ الذي تقدّم الكلام عليه؛ وأخيراً أن أُجدّد روحيَ ونشاطي، لأنّ معايشة الطبيعة، خصوصاً وهي تتفتّح مع الربيع الطالع، هي متعة ما بعدها متعة ورعشة أيُّ رعشة.

أمّا أن تذهب لائحة للجمعيّة أنّ المشي ينظّم الضغط الشريانيّ؛ فأنا أُنظّمه بالأَدوية، وهي الأَصحّ بالطبع والأَفعل، وذلك في الصباح الباكر، مع تناول الإفطار في الخامسة. لكنّ من فوائد الرحلة، سحابةَ الأحد، أنّ شهيّتي للأكل تنفتح، فإذا بي، في حوالى التاسعة، أَتناول إفطاراً ثانياً مع المجموعة! أمّا أنّ المشي يحرّض الأَمعاء ويحول دون الإمساك؛ فأنا بغنًى عن هذه المنفعة، لأنّ مَعِدَتي، كالساعة السويسريّة في دقّتها، فإنّ توقيتها الصباحيّ هو عَقِبَ النهوض من الفراش. أمّا أنّ المشي يقوّي جهاز المناعة، وبالتالي يطيل العمر؛ فبرنارد شو هو القائل إنّه لاحظ أنّ الرياضيين بين الناس هم أَكثرهم ذهاباً حَتْفَ أُنوفهم، لهذا فإنّ صديقاً غالياً سمّى كورنيش البحر، حيث تتوالى أَرتال المشاة والرياضيين: كورنيش برنارد شو!

أُقرّ مع اللائحة أنّ المشي ينشّط العقل، أمّا أن يقوّي الذاكرة فأنا في شكٍّ من ذلك؛ على أنّه بالتأكيد يساعد على ولوج عالم النوم الهانئ المريح. إنّ آخِر الابتكارات للائحة الجمعيّة هو أنّ المشي يكافح العجز الجنسيّ، فلقد أشارت الدراسات، حَسَبَ رأيها، أنّ الرجال الذين قطعوا حاجز الأَربعين، وكانوا مثابرين على تعاطي الرياضة، هم أَقلّ عُرْضة للإصابة بالعجز الجنسيّ، بالمقارنة مع الذين لا يقربون الرياضة. ولو أنّ الأمر كذلك لوجدتَ طرقات الدنيا حاشدة بالسائرين عليها من الرجال، ولشاهدتَ ملاعب الرياضة حافلة بالمحتشدين فيها، وذلك حفاظاً على لياقتهم الجنسيّة. أليس في هذا تخليط ومجالطة؟! جاء في كُتُب التراث أنّه «قيل لرجلٍ من العرب: قد نزلتَ بجميع القبائل، فكيف رأيت خُزاعة؟ قال: جوع وأَحاديث». ومعظم ما جاء في اللائحة هو بمنزلة «أَحاديث»!

(2005)
Page 10
وانهدم جِدار الغُرْبة

تغنّى عمر فاخوري في «الحقيقة اللبنانيّة»، كذلك رئيف خوري في مقالاتٍ كثيرة وردت له في «المكشوف»، و«صوت الشعب»، و«الطليعة»، و«الطريق»، بما لهذا الشعب الصغير الذي يسكن لبنان من ميزةٍ نضاليّة وتطلّع تحرّريّ واستشرافٍ لكلّ جديد يدقّ أَبواب الحياة. إنّ الشعب اللبنانيّ لا تنقُصُه استنارةٌ، وليس هو مُغْمض العينين عمّا يضطرب في دنيانا من جَيَشانٍ ديمقراطيّ. إنّ أَبناءه ساحوا في المعمورة منذ ما يزيد على قرنٍ، طالبين الرغيفَ والعيش والهناءة؛ فغدا أَولاد وحَفَدَةُ حَمَلَةِ «الكشّة» نوّاباً وسنتورات ورجالَ أَعمالٍ ومخترعين. ولا عجب، كانوا يفتقدون المجتمع العادل العصريّ، فرفدتهم مهاجِرهم بالعلم وفُرَص الحياة؛ ولا يبقى متخلّفاً عن الركب سوى الجاهل والخامل والكسول. ومن الطبيعي أنّ الناس في تلك البلدان البعيدة لا يتاجرون بالطائفيّة والمذهبيّة؛ إنّ احترام الإنسان المواطن هو الأساس الراسخ لبناء مجتمعهم، وخير الناس أَنفعهم للناس هو حديث هناك قيد التداول والتطبيق، وليس هو للوعظ والتغنّي.

أنا كثير التَّجْوال في أَنحاءِ لبنانَ وحناياه، أَبغي رياضة المشي فوق طرقاته ومنحدراته؛ أُصغي إلى خرير النهر وهو عنّي محتبس خبيء، حتى إذا ما اكتشفته رافقته في جريانه والقلب منّي فَرِحٌ طليق. ولا يمكن لأحدٍ أن يعشق وطناً من غير أن يعرفه عن كَثَبٍ، أن يتمرّى في صَفَحات بحيراته المرتعشة فالهواء يداعبها فتتموّج، أن يلج مطارحه الأثريّة وأَديرته الدهريّة ومساجده الحافلة بالرونق والخشوع. وأنت حيث تتنقّل في لبنان يطالعك البهاءُ، بهاء الطبيعة وبهاء الإنسان. وهذا القاطن في الجبل أو الريف تسمع به وتقرأ عنه، ولكنّك في الواقع لا تعرفه حقّ المعرفة. وأنا لا أَتحدّث طبعاً عن سكّان مناطق الاصطياف، فهؤلاء قد غلب على جُلّهم الجَشَعُ، ولم تعد لهم سريرة صافية ولا نَفْس تنضح بالأريحيّة وتهفو إلى إكرام العابر والضيف؛ حتى العونةُ انتفت بينهم، وصاروا أَشبه بقاطني المدن الغرباء عن بعضهم بعضاً. أمّا قلب جبلنا وقلب ريفنا فلا يزال يخفق على إيقاع المحبّة والوداد.

ولأَيّامٍ قريبة كنّا نصعّد في بلاد جبيل، سيراً على الأَقدام، كمألوف عادتنا، فاجتزنا «الحصون»، وقطعنا «فرحت»، وعند كوعٍ قاسٍ في «طورزيّا» استضافنا بيتٌ متواضع، حيث شربنا بلهفة الماء القُراح، وقد أنهكنا التصعيد، وارتشفنا القهوة الساخنة، وما أَطيبها حوالى الظهيرة. وكان عندهم مريض في الداخل، وكان بيننا طبيب، فولج وقام بواجبه في المعالجة. ومن شرفةٍ أطلّت امرأة ممشوقة القدّ، ترتدي الأَصفر والأَسود، وسألتنا، بعد التحيّة، من أين أنتم؟ ولمّا أَجبناها أنّنا من بيروت أهّلت وسهّلت ودعتنا إلى النزول عندهم. وغيرَ بعيدٍ عنها طالَعَنَا عمّالٌ يحاولون إدخال جسرِ حديدٍ، عَبْرَ ثغرةٍ في أَعلى الحائط، إلى بيت قديم لتدعيمه وتقوية سقفه. وقلت في نفسي: وطن من غير سقفٍ متين لا يُجْدي! وفي الطريق مررنا بكنائسَ ومساجدَ، فالمنطقة مختَلَطَة بين موارنة وشيعة؛ وأَعرف أنّ الناس فيها ظلّوا، خلال الحرب الأهليّة، بخيرٍ ووئام، لأنّ النفوذ السياسيّ فيها «كُتْلَويّ»، وبالتالي فالعقل راجح والغريزة منطفئة. لبنان لأَهله، مهما بَعُدَت شِقّة الخلاف السياسيّ بينهم، فالرويّة والديمقراطيّة والاحتكام إلى عِبَرِ التاريخ كفيلة بأن تجعل الناس إخوة متحابّين في السرّاء والضرّاء. وحبّذا الاختلاط السكّانيّ، على مستوى الطوائف، لأنّ هذا الاختلاط يجمّل الناس في منطقهم ومسلكهم؛ كحال مَنْ يتعلّم في مدرسة مختَلَطَة للبنين والبنات فإنّ التهذيب حيال الجنس الآخَر يغلب عليه، ثم إنّ الأَوهام حول الجنس الآخَر تتبدّد في مخيّلته!

أَكتب هذه الأَسطر وعيني وسمعي وخاطري تنصبّ على متابعة الهبّة الشعبيّة التي لم يعش لبنان مثيلاً لها في طول تاريخه الحديث وعرضه. إنّ مأتم رفيق الحريري، الذي اغتيل على نحوٍ بربريّ، كان جماهيريّاً بشكلٍ لافت جدّاً. فعلى مدى ساعةٍ ونِصْفٍ توالت الحشود الهائلة مخترقةً شارعَ الاستقلال حتى ساحة بشارة الخوري، ثم انحدرت إلى ساحة الشهداء. وسبق لي أن شاهدتُ، وكنت فتًى يافعاً، مأتم إميل إدّه الذي مرّ أمام مدرستنا، مدرسة اللاييك عند محلّة الناصرة، وكانت تتخلّله أَلعاب السيف والترس كما أَذكر. كما أُتيح لي أن أُعاين عن قربٍ مأتم رياض الصلح، الذي كان يسكن قُبَالة بيتنا في شارع عمر بن الخطّاب، وقد جاء بشارة الخوري، رئيس الجمهوريّة عهدذاك، لوَدَاعه والسير وراء نعشه. ولكن لا يمكن مقارنة هذين المأتمين بالحشود الغفيرة حقّاً، التي واكبت جثمان الحريري ورفاقه. فهو مأتم فريد لرجلٍ استثنائيّ من لبنان، وليس من السهولة التاريخيّة أن يتكرّر، مهما كان حكمنا الهادئ على الحريري.

ما يعنيني في هذا المشهد الشبابيّ المنقطع النظير، الذي يتقاطر فيه شباب لبنان وشابّاته، كالجداول المنسابة، تلتقي عند ساحة الحريّة، هاتفةً بفمٍ واحد لمجد لبنان وعزّته واستقلاليّته، وطناً للأَحرار من بنيه، يشيدونه على أُسسٍ من الديمقراطيّة ومن التلاحم الوطنيّ الرائع؛ ما يعنيني أنّهم هدموا جِدار الغُرْبة الموهوم الذي كان يقسّمهم شِيَعاً وطوائفَ، فقد كانت كلّ فئة تنسج حولها خيوط العُزْلة والانكماش، وتحسَبُ أنّ سائر الفئات غرباءُ عنها وربّما أَعداء. الوطنيّة تجمع، والطوائف تفرّق. هلّا حفِظنا هذا الدرس البديع الذي وهبتنا إيّاه هبّة لبنان الشعبيّة المجيدة.

(2005)