eKtab
EN ع
بالأمس كنت هناك
Read free sample

بالأمس كنت هناك

by زياد أحمد محافظة

Page 1
التقديم من رجل رحلَ باكراً

"جرت العادة أن يحصل الإنتاج الأول لأي كاتب على "جواز مرور" للقارئ؛ كلمة لقلم مشهور تتصدر الكتاب، أو جمل موجزة على ظهر الغلاف، أو حملة دعاية واسعة يشترك فيها الكاتب والناشر وأصدقاء الطرفين، يحكون فيها كيف خلقت القصص، وكيف نزفها القلم المجروح وكيف.. وكيف.

أنا أؤمنُ أن الكتاب يجبُ أن يقدمَ نفسه، وإذا عجزَ عن إحراز جزء من طموح كاتبه، فعلى الكاتب أن يقبلَ ذلك ببساطة، كما قبلَ - مرات ومرات- أن يمزقَ قصصاً ليعيدَ كتابتها أو يكتب سواها".

غسان كنفاني

1936-1972

"لكي تكـتبَ نصّــاً جيــداً.. يلزمُـــكَ أن تيـأسَ تمــامــاً".

إنريك فيلا ماتاس

الفصل الأول

ذاتَ نهار.. كانت البداية

كنا حينها وقت الغروب، أحبّ الأوقات إلى النفس الهادئة، حيثُ يكونُ النهارُ قد أفرغ ما في جعبته من حكايا وأحداث، وهمّ بالرحيل هو الآخر، بعد أن فتحَ بيديه الأفقَ لتزاوجٍ مدهش بين الضوء والعتمة. رحيلٌ بعدَ رحيل يمضي النهارُ سريعاً.. مُنهكاً.. ومليئاً بالتفاصيل، فيومُ السفر أضيق من أن يحتمل إنجازَ ما تخطط له؛ وفي سعيك لأن تنجزَ كلَّ أشيائك المهمة، قد يغفلُ ذهنكَ عن بعض التفاصيل التي هي نكهةُ أي سفر وروحه، أما حقيبةُ السفر فلا بد من إغلاقها مهما ضاقت أو اتسعت.. أو حملت قصصاً وأشياء.

كنتُ أظنُّ أن الصداقةَ تنشأُ بين صنوف الناس فقط، أما ما قد يحصلُ بينكَ وبين المكان فهو ألفةٌ لا أكثر، لكن مع كل سفر، أُدركُ أن الصداقةَ يمكنُ أن تنسحب على المكان، بالصورة نفسها التي تنسحبُ فيها على الإنسان أيضاً، وربما بتحيّز أكبر للمكان الذي يعطيك كلّ ما عنده، ويفتح لك إن أَحبكَ قلبه، لتكتشف أشياءه التي خبأها لأجلك منذ مئات السنين. يمكنُ لصداقتك أن تنشأ ليس مع المكان فحسب، بل أحياناً مع جزء بسيط منه، كأن تُصادقَ ملحَ البحر، أو تتعلقَ برائحة مكان، أو حتى ببرودته أو عتمته.

السفرُ سيّدُ الأشياء وأولها، وبدايةُ السرد في كل القصص، هو نقلتكَ الأولى على رقعة الشطرنج في هذه الحياة.. وهو ما يتلو ذلك من نقلات وسقطات. السفرُ روحٌ وخطان في اتجاهين مختلفين.. سفرٌ لذاتك، لعُمقك هو الأقربُ والأصعبُ والأقسى، وآخرُ يأخذكَ إلى فضاءات جديدة. خَطُّكَ الأول ذاتي النزعة والوجهة، لا يشارككَ فيه أحد.. ومن يقوى على الدخول في المساحات المغلقة التي كانت حتى الأمس مجهولةً بالنسبة إليكَ! أما خَطُّكَ الآخر فمشتتٌ قد لا تعرفُ له نسقاً.

مساء يوم سفرنا ذاك، تولّت سلمى ترتيبَ الحقائب، ووضع اللمسات الأخيرة استعداداً للتوجه إلى المطار، حيث كان لكل حقيبة مهمةٌ محددة. حقيبتي اقتصرت على ثلاث بذلات رسمية لأيام عملي الخمسة، ربطاتُ عنق ملونة، قمصانٌ لا تتعدى ألوانها لونين اثنين مهما حاولت، ملابسُ النوم، الجينـز وملحقاته، أحذيةٌ متنوعة وبعضُ زجاجات العطر. أما حقيبةُ سلمى فكانت مسرحاً لملابس تنمُّ عن ذوق رفيع، معطفٌ خريفيٌ طويل تحسباً لبرد مفاجئ، أحزمةٌ جلدية، جاكيتُ جلد وآخر من الشامواه، قمصانٌ بأكمام طويلة وألوان هادئة، أوشحةٌ من الصوف بأحجام مختلفة، ومُجلّدُ القصص القصيرة لغسان كنفاني.

في الحقيقة كان أمام سلمى منذ أن أخبرتها بموعد السفر، وقتٌ قصيرٌ للتحضير لهذه الرحلة التي لم يكنُ مخططاً لها، أو على الأقل في تلك الأثناء التي أعقبت العودةَ من سفر صيفي سنوي اعتدتهُ معها، لكن حين تأتي الأشياءُ على غير المتوقع يكونُ لها رونقٌ مختلف.. كم من مرة كان للمصادفة وقعٌ رائع.. فليس أطيب على النفس من طعم المفاجأة ودهشة الاكتشاف حين تسرقكَ من تخطيط مسبق وتكهنات. كانت سلمى تنتقي الملابسَ وتضعها في الحقيبة بعناية، أما أنا فكنتُ أهربُ إلى غرفة المكتب لأُرتبَ أوراقي العلمية، ومشاريع الأبحاث التي وضعتها في حقيبة جلدية، حملتها معي فيما بعدُ إلى الطائرة.
Page 2
باريسُ وجهتنا هذه المرة. لقد سبقَ وأُجِّلت تلك الرحلة بعد أن كنتُ على وشك القيام بها من قبل. كان تأجيلها غيرَ متوقع، لكن كان له حينها ما يبرره. أخبرني سعيد اليابس وقتها وأكد لي مسيو شوران حين التقيته في باريس لاحقاً، أن الرحلةَ قد أُجِّلت، لأنهم لم يتمكنوا من استخراج التصاريح والموافقات اللازمة لهذا الغرض من النشاطات. فمثلُ هذه الأمور يتطلبُ القيامُ بها الحصولَ على موافقات من جهات أمنية وإدارية وبلدية، وقد يمتدُّ الأمر للحصول على موافقات من مؤسسات تعنى حتى بالبيئة والحياة الفطرية.

ونظراً لضيق الوقت المتاح حينها لاستخراج كل تلك الموافقات والتصاريح، أُجّلت الرحلةُ لأنه لا يمكن القيام بها دون أن تكونَ الشركةُ قد أمّنت موافقة الجهات المختصة. لم تتم الرحلة الأولى كما كان مخططاً لها إذن؛ طولُ الإجراءات وضيق الوقت حالا دون إتمامها، على الرغم من أن توقيتها كان مثالياً بالنسبة إلي، وكنا نستطيعُ أن نجعلها أنا وسلمى رحلتنا السنوية لذاك العام. أما هذه المرة فقد تم التحضير للرحلة مبكراً من قبلهم، وحصلت الشركةُ على كل التصاريح والموافقات التي تحتاج إليها، لكن توقيتها لا يسير في اتجاهي خصوصاً وأنني لم أُبلّغ بموعد السفر سوى منذ فترة قصيرة.

لم يكن توقيتُ الرحلة مناسباً لسببين، أولهما أنني كنتُ قبل عدة شهور مع سلمى في إجازة صيفية ممتعة، لكن على الرغم من أن لتلك الإجازة طعماً لا يزال حلواً في البال، إلا أننا أمضينا فترة طويلة بعدها نعيدُ ترتيبَ أمورنا المالية والتزاماتنا التي بدت وكأنها لا تنتهي. أما ثانيهما فهو بسبب بدء العام الدراسي الجامعي، وصعوبة الحصول على إجازة خلال تلك الفترة من السنة؛ فالالتزامات عديدةٌ ويحتاجُ الأمرُ إلى جهد مضاعف، لكن كل هذا يمكن تدبيرهُ وإيجاد حلول له، فهذه الرحلةُ وبما أعقدُ عليها من آمال، يمكن أن تشكلَ نقلةً حقيقيةً في مشواري العلمي والعملي... وقد كانت كذلك.

في آخر لقاء جمعني بسعيد اليابس، وبعد أن كان التعاون قد بلغ بيننا مراحل متقدمة، طلب مني الاستعداد والتهيؤ للسفر إلى باريس. قال لي إن سفري إلى باريس قد أصبح ضرورياً لتنفيذ عدد من مشاريع الأبحاث التي سبق وقدمتها، وتمت الموافقةُ عليها خلال الفترة الماضية من التعاون العلمي. أضاف وهو يتحدثُ بحماس عن الرحلة وأهميتها، إن الأفكار والتصورات التي قدمتها خلال الشهور الماضية، وجدت اهتماماً من قبلهم، وأعطت مؤشراً على أننا نسير معاً باتجاه واحد. شجّعتني كلماته تلك، وكان عليَّ عندئذ التفكيرُ في ترتيب أمور عديدة لأضمن القيام بهذه الرحلة بشكل ميسّر، ودون أن يؤثر ذلك على عملي في الجامعة.

كانت سلمى أول من خطر على بالي حين أخبرني سعيد اليابس بموضوع السفر. كنتُ في غاية السعادة وأنا في طريق عودتي إلى البيت لأطلعها على ما لدي من أخبار، ومع ذلك فقد كنتُ قلقاً من ردة فعلها على رحلة خاطفة كهذه؛ فسلمى تحبُ الاستعدادَ المسبق لكل عمل، لكن للمفاجأة دوماً دوراً لا يمكن إغفاله. حين وصلتُ إلى البيت كانت في الحديقة التي لا تملُّ الجلوس بين أزاهيرها، تستمع إلى فيروز وتستمتعُ بنسمات هواء من بقايا صيف طويل.

دخلتُ مسرعاً وباغتها بحضوري لأقطعَ عليها شروداً أنثوياً جميلاً.. قبل أن أجلس بجانبها وأطبعَ على خدها قبلةً مسائية بادرتها بالقول:

- لدي لك شيءٌ جميل.

فاجأها حديثي بتلك الطريقة، وقبل أن أتركها تجيب، أتبعتُ عبارتي الأولى بالقول:

- ما رأيك في رحلة إلى باريس؟

هزّت رأسها باندهاش وقالت:

- باريسُ مرةً واحدة؟ ما هذه الاقتراحات المسائية، أهي واحدةٌ من مداعباتك؟ على الرغم من أنك لا تبدو في مزاج للدعابة..

أجبتها وأنا أكثر جدية:

- من قال لك إنني أمزح؟ أقولُ لك باريس.. وأطلتُ نُطقَ الكلمة الأخيرة.

لم تتمالك سلمى نفسها فأجابت بتهكم:

- أخافُ أن يكون هذا عنوان فيلم سينمائي جديد تدعوني إلى حضوره الليلة، كفاكَ مزاحاً وقل لي ماذا بك؟

قلت لها:
Page 3
- سنقوم برحلة إلى باريس الأسبوع المقبل، وإن كنتِ لا ترغبين أو لا تعجبك الفكرة، سأذهب وحدي.

ردت بسرعة كمن ينفي تهمةً عن نفسه:

- ومن قال لك ذلك، أنت تعلم أنني أحبها كمدينة، وهي التي طالما رغبتُ، ليس فقط في زيارتها، بل في الدراسة والعيش فيها، لكن من أين جئت بهذا الليلة! ولم ضيقُ الوقت هكذا؟ فالموسم ليس موسم الإجازات والسفر، وقد عدنا تواً من إجازة، كما أن رحلةً كهذه تحتاجُ إلى مصاريف، ونحنُ في أمسّ الحاجة لتصويب التزاماتنا المالية كما تعلم.

لم أُرد للحديث أن يذهب بهذا الاتجاه فقلت على الفور:

- لا عليك، إنها رحلةٌ علمية، وسيكون هناك من يتكفلُ بمعظم المصاريف والترتيبات، لا نحتاج إلا إلى تجهيز أمورنا وتحضير أوراقنا لتقديمها للسفارة والحصول على التأشيرات.

سألتني وقد بدا عليها الاهتمام أكثر:

- هل هذا جزءٌ من عملك مع سعيد اليابس والشركة الفرنسية؟

أجبتها وأنا أضعُ رِجلاً على رِجل وأسندُ جسدي إلى ظهر الكرسي:

- أجل، إنه كذلك، وقد أبلغني سعيد اليابس بهذا الأمر اليوم. قال لي إن الفرنسيين يعوّلون كثيراً على الدراسات التي قدمتها لهم مؤخراً، ويتوقعون مني الشيء الكثير خلال زيارتي إلى باريس.. فما رأيك؟

أحسّت سلمى بمتعة خفية إثر كلماتي تلك. بدا عليها السرورُ حتى أنها تحمست بسرعة لدرجة أن نهضت من مكانها وقالت لي وهي تبتسم:

- هل تريدني أن أبدأ بتحضير حقائب السفر منذ الآن؟

أجبتها وأنا أرى السعادة في عينيها:

- أحب أن أراك هكذا.. وليتَ كل مساء يأتي بجديد كهذا!

قالت وقد عادت لتجلس بجانبي:

- أتعلم، منذُ مدة وأنا أشعرُ بالحاجة للقيام بشيء جديد. شيء ما يغير من بطء هذه الحياة.. يُسرّع إيقاعها.. يُضفي عليها متعةً جديدة، شيء ما لكن لا أدري ما هو. تملّكني هذا الشعورُ مرات عديدة خلال الفترة الماضية، لعله شعورٌ ينتابُ الجميعَ في حالات مختلفة، تشعرُ وكأنك تتحفزُ لشيء لكن لا تدري ما هو، تكونُ كمن يتحسسُ أشياءَ حوله لكنه لا يقوى على لمسها أو رؤيتها... اليوم قد جاءت المفاجأة من عندك.

أجبتها لأُعززَ شعوراً جميلاً سرى فيها:

- أعدك برحلة ستغير الكثير من الأجواء.

كان مساءً جميلاً.. فليسَ أجملَ من أن أبدأ مسائي مع سلمى وصوت فيروز يملأ المنزل بشدو لذيذ.. رحنا نتحدث وصوت فيروز يرافقنا بهدوء.. قالت لي: أنا أعلمُ أنك تحب سماعها، لذا أحرصُ دوماً على أن تكون معنا في كل زاوية من زوايا البيت. قلتُ لها: معك حق، فبدونها لن يكون للمساء حضورٌ مختلفٌ وطعمٌ شهي.

أمضينا تلك الأمسية نحلمُ برحلة جاءت من خلف السحاب. نفكرُ في عشرات الأمور التي يجب القيام بها قبل السفر. كان الوقتُ ضيقاً، فبدأنا منذ تلك الليلة.كان لكل واحد منا أمر يشغله، كانت سلمى ترتبُ أشياءها بحسب الأهمية، لتضع دوماً على رأس القائمة تكليف أحد ليهتم بالزهور والنباتات التي تحرص على زرعها في البيت. فأولُ ما تفكر فيه عند اقتراب أي سفر، هو البحثُ عمن يعتني بحديقتها المنزلية الخضراء خلال فترة غيابنا، تلك الحديقة التي أكاد أجزم أن سلمى تعرفُ قصصَ ورودها، وأوقات تفتحها واحدةً واحدة. لكن على الرغم من أهمية هذا لسلمى إلا أن المنقذَ الوحيد في هذه الحالة موجودٌ دائماً. شقيقي كمال الذي اعتاد القيام بذلك في كل رحلة نقوم بها، وهو يقوم بهذا الدور خير قيام، حتى أنه يفاجئنا كلما عدنا من السفر بورود ونباتات جديدة تضافُ إلى الحديقة، وينالُ على ذلك الإطراءَ والاستحسان من سلمى.

أما أنا فقد كان يشغلني أمرٌ آخر هو كيفية حصولي على إجازة من الجامعة، خصوصاً أن الفصل الدراسي قد بدأ منذ فترة قصيرة، ولدي التزاماتٌ أكاديميةٌ عديدةٌ يصعب تأجيلها، لكن على الرغم من هذا لم أكن أريدُ أن أضيّع على نفسي هذه الرحلة، فأنا سأمكثُ في باريس عدة أيام للعمل على مشروع علمي أُعلقُ عليه آمالاً كثيرة، وهذا يعتمد على جهدي وعلى فريق العمل الذي سيكون معي، ويعتمدُ أيضاً على التجهيزات التي ستكون معدةً لي، ولأنني شعرت حينها أن ضيق الوقت المتاح أمامي للحصول على إجازة من الجامعة قد يُشكلُ عائقاً لا بد من تجاوزه، رحتُ أفكر في حل يتيح لي ضمان السفر دون أية معيقات. لذا تقدمتُ لإدارة الجامعة بطلب للسفر من أجل المشاركة في ورشة علمية تعقدُ في باريس، كان عليّ حينها أن أرفقَ مع الطلب رسالة الدعوة من الجهة المنظمة، لذا استعنتُ بسعيد اليابس الذي أمّنَ لي واحدةً من هناك بطريقته الخاصة. وقد جرت الأمور حينها على ما يرام، وتمت الموافقة على طلبي لأن إجازة التفرغ العلمي للمشاركة في ملتقيات علمية هي أسرعُ وأضمنُ وسيلة للحصول على إجازة خاطفة كتلك.
Page 4
كانت كل الأمور ميسرةً لرحلة باريس، منذ أن أخبرني سعيد اليابس، وما تلا ذلك من تحضيرات. حصلنا على تأشيرات السفر بسهولة، أجّلتُ العديدَ من محاضراتي في الجامعة، أنهيتُ كثيراً من الأمور المعلقة قبل السفر، ثم حزمنا أمتعتنا، وتحركنا مع كمال في أواخر الليل إلى المطار.

رحلةٌ ليليةٌ، فبدلَ أن أكونَ حينها في فراشي أُمارسُ أحلاماً دافئة اعتدتها، رحتُ أتنقلُ مع سلمى من سلمٍ متحرك إلى آخر، ومن تفتيشٍ إلى آخر.. تدقيقٌ أمني لم يُبق لي سوى أن أخلع حيائي أمام بوابات وعيون الواقفين بتعب وانضباط، محمّلين بالشك، والأجهزة التي تودُّ لو تقرأ نيّاتك قبل أن تقرأ جسدك وأمتعتك. يومُ السفر مهما طال، لابد أن تُسلّم له نفسك، ليصلَ بك في النهاية إلى وجهة تنشدها.. قد يطفو على سطحكَ تعبٌ وتذمرٌ حتى لو حاولت كظمه، لكن ثمة لذة خفية تتسللُ إلى ذاتك، لتنعشَ ما تبقى لديك من طاقة.

بعد أن حلّقت بنا الطائرة، وبينما كنتُ أهمسُ لسلمى بأمور عديدة، شعرتُ برأسها فجأة على كتفي، استبدّ بها إغراءُ النوم سريعاً، أخذها في رحلة هي ضريبةُ السفر الذي يبدأ مع أول تباشير النهار. تركتها تنام ورحتُ أعبثُ بأشياء أمامي وأستذكرُ ما قاله لي سعيد اليابس عن هذه الرحلة وأهميتها.

لم يكن قرار السفر قراري وحدي.. بل كان جزءاً من خطة عمل تم الاتفاق عليها مسبقاً مع سعيد اليابس. في آخر مرة التقيتهُ، أبلغني وقد بدأ حديثنا يأخذ طابع الرصانة بعد أن أمضينا دقائق اللقاء الأولى في المجاملة والابتسام والخوض في أحاديث عامة، بضرورة الاستعداد للسفر إلى باريس في نهاية الشهر. قال لي: لقد آن الأوانُ لتنفيذ مشروعك العلمي. أجبتهُ والدهشة على وجهي:

- سفرٌ إلى باريس! ما هذه التطورات الجديدة، لكن هذا يعني في أقل من أسبوعين؟

رد بثقة:

- نعم، كل شيء سيكون معداً عند الوصول، هذا جزءٌ مما سبق وتحدثنا به واتفقنا عليه. ما عليك سوى التحضير للسفر، ونحن سنتولى كل شيء.

أجبته وأنا أفكر في التزاماتي العديدة:

- ألم يكن التفكيرُ في تأجيل السفر وارداً، أو على الأقل إعطائي متسعاً من الوقت لترتيب أموري؟

- أنت تعلم أن كل شيء قابل للتدبير، المهم أنك تسيرُ في الطريق الصحيح، وهذا ما نسعى إليه جميعنا.

سألته حينها:

- هل يعني هذا أنهم في الشركة الفرنسية راضون عما قدمت من أفكار ومشاريع؟

أجاب بثقة وهو يطفئ سيجارته الثالثة:

- بالطبع أستاذ زاهي، هذه فرصتك لتقوم بأبحاث ودراسات متقدمة. لقد تم هذه المرة تجهيز كل الأمور الفنية التي أعاقت سفرك المرة الماضية؛ صحيحٌ أن الوقت ضيقٌ لكني لم أرد أن أخبرك بهذا حتى وصلتني الموافقات النهائية من الشركة، وها هي في الملف الذي بين يدي أحضرتها لك لتطّلع عليها بنفسك، وتستعد للسفر على ضوئها.

أعطاني سعيد اليابس الملف الذي كانت به موافقات وأختام السلطات المختصة في باريس، على قيام الشركة الفرنسية بإجراء التجارب المتفق عليها. رحتُ أقرأ الملف بسرعة ثم طويتُه ووضعتُه في حقيبتي، وتابعتُ حديثي مع سعيد اليايس حول ترتيبات الرحلة وتفاصيل الأيام التي سأقضيها في باريس.

لم تزلْ سلمى تغفو على كتفي، حاولتُ أن أعدّلَ طريقةَ نومها فراحت تتململ. خفتُ أن تستيقظ فتركتها على حالها. أخرجتُ من حقيبتي الملف الذي أعطاني إياه سعيد اليابس في ذاك اللقاء، ورحتُ أراجع الوثائق الموجودة فيه. أمضيتُ فترة في القراءة، بعد ذلك بدأتُ أشعرُ بخدرٍٍ يتسلل إلى قدمي ويسري في عروقي؛ شعرتُ بحاجة للنهوض من مقعدي والسير بضع خطوات، إلا أنني لم أتمكن من ذلك لأن سلمى لا تزال تغفو على كتفي، ولم يمض على نومها وقتٌ طويل. قلت في نفسي لن أقلق نومها من أجل بضع خطوات يمكن أن أقوم بها لاحقاً، تركتها تكمل نومها علّها تحظى بقليل من الراحة والهدوء، ثم عدلتُ جلستي وأزحتُ عن رجليّ مجلةً ثقيلةً وأغطية، وسماعات أذن لا تزال في أغلفتها البلاستيكية.

كنتُ أراقبها، وأضبطُ لأجلها تنفسي حتى لا أكسرَ إيقاعَ نومها، نظرتُ إليها مرات ومرات ثم أشعلتُ الضوء فوق رأسي ورحتُ أعبثُ بأوراقي وأنتظرُ بزوغَ الفجر من نافذة الطائرة.

لا شيء أجملَ من أن تحرر ذاتك وأنت على علو شاهق كهذا، أن تغسلَ روحكَ بعشرات الغيوم التي تحيطُ بك من كل اتجاه، أن تَخرجَ من نافذة الطائرة لتسبحَ في ملكوت مفتوح لانهاية له؛ إنها اللحظاتُ التي أحبُّ أن أمارس فيها طقسي المفضل، أن أترك لعيني مداهما دون أن يحدهما شيء، هذا ما اعتدتُ فعله منذ أن جرّبت الطائرة أول مرة، إنها التجربة التي أتلذذُ باستحضارها دوماً. كنتُ حينها يافعاً، ولم أكن أدري أن الحياةَ يمكن أن تخبئ لي كل هذا الكم من المشاهد والأحداث، تُخرجني من كل الأمكنة لتدخلني في الوقت نفسه إلى مساحات أعمق في ذاتي.
Page 5
بدأت أشعةُ الشمس تتسللُ إلى الطائرة، وراحَ الركابُ يتململون في مقاعدهم ويغالبون لحظات النوم الأخيرة... إنه صباح مشرق وصافٍ كرائحة القهوة التي بدأت تعبقُ في أيدي المسافرين، فتزيد الاستيقاظ بهجةً.

أخذت النوافذُ ترتفعُ قليلاً ليتسلل عبرها ضوءٌ برتقاليٌ كأنه وصل إلى الطائرة تواً، ضوءٌ راحَ يصبغُ الوجوهَ الناعسةَ والمتعبة، وتلك التي استفاقت من نوم متقطع. شعرتُ بحركة استيقاظ سلمى، رفعتْ رأسها عن كتفي، ثم قالت لي وهي بين النوم واليقظة:

- صباح الخير، لم أكن أعلمُ أنني نمت هكذا، أشعرُ بخدر في رقبتي.. هل نمت أنت؟

أجبتها وأنا أرتبُ أشياءَ كثيرة تكوّمت أمامنا:

- بقيتُ مستيقظاً طوال الوقت، قرأتُ قليلاً وأعدتُ مراجعة بعض الأوراق... أتمنى أن تكوني نمت جيداً، هل أطلب لك قهوةً؟

أجابت وهي تمسح بقايا النوم عن عينيها، وتراقبُ من نافذة الطائرة غيوماً بيضاء كثيفة بدت وكأنها تشاركنا أول الصباح:

- أجل سيكون هذا رائعاً.

- حسناً سأطلب كوبين من القهوة... لا.لا. دعيني أذهب وأحضرهما بنفسي لأنني أحتاج أن أمشي قليلاً.

سألتني كمن يعتذر عن شي اقترفه:

- هل أتعبتك طريقتي في النوم؟

أجبتها نافياً:

- لمَ تقولين هذا! لقد كنت في غاية الراحة وأنت تسندين رأسك إلى كتفي.

تركتُ مقعدي وتوجهتُ لإحضار القهوة، بينما لملمتْ سلمى ما تناثرَ أمامها من أشياء، راحت تعدّلُ تسريحة شعرها، وتداعبُ طفلاً أشقر أطل برأسه من مقعد أمامها. كنا حينها في المرحلة الأخيرة من الرحلة، عدتُ بالقهوة مسرعاً استعداداً لهبوط الطائرة، ثم رحنا ونحن نرشفُ القهوةَ نتابع هبوط الطائرة التي كلما هبطتْ، بدأت تضاريس الأرض تبدو من نافذتها أكثر وضوحاً، هنا بيوتٌ وجسورٌ وشوارع وغابات وحركة سيارات في كل الاتجاهات.. ونهر يتلوّى كمن يرقص على أنغام مزمار.

خلال عملية الهبوط بدا الكلُّ مشغولاً في التأكد من وضعية المقاعد، واتباع التعليمات التي يحرص المضيفون على تكرارها على مسامع المسافرين، إنها اللحظاتُ التي تتبدلُ فيها الملامح، ويعلو الوجوهَ خوفٌ حقيقي تثيره أصوات المحركات، وتسللُ صداع مفاجئ إلى الرأس، فهبوطٌ من علوٍ شاهق كهذا أشبهُ باستيقاظ مفاجئ من نوم غير هانئ، لا تدري عندها ماذا يدورُ في رأسك من ألم وهواجس، وانتفاخ يظل يشتد كلما اقتربت من الأرض أكثر.

هبطت الطائرةُ على مهل، واستقرت على أرض المطار كطائر أسطوري ينفث الهواء من تحت جناحيه، وهدأت مع صمت محركاتها نفوسٌ خائفة وقلقة. كان هبوطاً هادئاً قابله الركاب بتصفيق وراحة، ثم حركة دائبة لتجميع الحقائب المتناثرة والتأكد من لملمة كل الأغراض قبل الخروج. تحرك المسافرون في طابور طويل كلٌ يحمل حقائبه وأحلامه وآماله، وتوزعوا عبر عدة بوابات.. في حين اتجه الباقون ونحن منهم إلى شبابيك الجوازات استعداداً للخروج من المطار.

في المطارات، لا تدري لماذا يزدادُ إيقاعُ النبض لديك، أهي حركةُ الطائرات أم الزحام والإرهاق؟ أم كثرة الوجوه التي تطالعك؟ أتراها رهبةُ التفتيش وإجراءات الأمن؟ ربما... لكنه المطار.. ذاك المكان الذي تتقاطع فيه الأزمنة، ويتبدل فيه عليك التوقيت والوجهات، ولا تعلم لماذا تصبح عندها حركات الناس وتصرفاتهم مثار نقدك دون أن تشعر.

في مطار شارل ديغول بدا كلُّ شيء مألوفاً لدي، فقد تجولتُ في مطارات العالم سنوات طويلة، كما سبق لي التوقف مرةً في المطار ذاته خلال سفري للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، كان عبوراً من بوابة لأخرى ولم أخرج حينها من المطار، على الرغم من أنني كنت أمنّي النفس بذلك، فمنذ أن لاحت أمامي فرصة الدراسة في أمريكا، وأنا أسافر سنوياً فأقلع من مطار وأحط في آخر، وأشعر في كل مرة بزهو وسعادة التجربة الأولى.. ولم يعكر صفو تجاربي وذكرياتي سوى حادثة واحدة في مطار ديترويت، حادثة كادت أن تعصفَ يومها بمستقبلي برمته، وتأخذني إلى عوالم لا يدري أحد أين يمكن أن تستقر بي، كانت تجربة مريرة لكنها مرّت بكل ما حملت حينها من توتر وقلق.

يومها وبعد العودة إلى أمريكا من إجازة الصيف، كان موظفو مكتب خدمات الهجرة والجنسية يدققون في جوازات سفر الركاب وتأشيراتهم عند باب الطائرة. كان هذا أمراً مفاجئاً لجميع الركاب الذين اصطفوا في طابور طويل، وعندما جاء دوري للتفتيش، نظر الضابط في وجهي مطولاً، ثم طلب مني الوقوف جانباً والدوران للخلف، بعد ذلك قام أحد الموظفين بتقييد يديّ أمام الركاب لأسباب أمنية كما ادعى، اقتادوني بعدها إلى غرفة داخلية، وعندما سألتهم ما الذي يجري بالضبط، رد أحدهم:
Page 6
- هنالك أمرٌ ما في صلاحية تأشيرة الدخول الخاصة بك، ونريد أن نتأكد من أشياء أخرى.

توجستُ خيفةً قبل أن أرد:

- ماذا تقصد بالضبط، إنها تأشيرة دراسة طالب وهي صالحة لمدة سنتين قادمتين.

رد بتذمر:

- أعلم هذا جيداً، لكننا نريد أن نستوضح عدة أمور أخرى قبل السماح لك بالدخول، تفضل معنا والتزم الهدوء لو سمحت.

خلال السير نحو الغرف الداخلية انضم إلينا اثنان من عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي، وبدأوا بسؤالي مرة أخرى عن المدعو جمعة الدوس، وهو الشخص نفسه الذي كانوا قد سألوني عنه في المرتين السابقتين اللتين حقق فيهما عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي معي. كنتُ مضطرباً وقبل أن أبدأ بالإجابة عن أسئلتهم طلبتُ أن يحضرَ التحقيق معي محام، فزجرني أحدهم قائلاًً بأنه لا يحق لي ذلك، لأنني لم أدخل الأرض الأمريكية بعد.. تلك الحادثة بتفاصيلها المزعجة، وما تلاها من تطورات، كنت أظنها قد أصبحت ذكريات لا أودّ حتى استرجاعها، لكن من يا ترى يملكُ القدرةَ على تصنيف ذكرياته ليخفي بعضها ويسترجع الأخرى متى شاء!

لكن على الرغم من أن تلك الحادثة تغافلني في أي مطار أصل إليه، إلا أنني حافظتُ على طقس السفر، لما يشكلُ لدي من متعة لا تضاهى. سافرتُ مع سلمى مراتٍ كثيرة، إجازات ورحلات حرصنا على القيام بها متى تمكنا من ذلك، مع سلمى ليس السفر بحد ذاته تجربةً مثيرةً، بل الحياةُ برمتها أيضاً؛ هي تستطيع أن تبدل أوقاتي كلها في لحظة، وتلوّن تفاصيل يومي بكل الألوان، لا يكفي أن أكون معها بل أحب أن أعيشها في كل مكان وأن أبقى في محيطها ودفئها وكلماتها.

سلمى التي التصقت في وجداني منذُ أول مرة رأيتها فيها، لا تزال كما عرفتها وعشقتها، تشكلُ لي عالماً متكاملاً من الحنان، تمدني بسحر أنثوي فريد. أذكرُ حين اشتبكت عيوننا لأول مرة في ذاك النهار الربيعي المشمس، أحسستُ بعاصفة تدبُّ في كياني.. شعرتُ بنبضة خجلى ارتعشت معها كل خلية من خلاياي.. رعشةٌ لا تزال تسري في جسدي حتى اليوم، وقتها أدركتُ ببساطة شديدة أنها الإنسانة التي أريد أن أقرأ معها صفحات هذه الحياة، وكل يوم يمر أزداد تعلقاً بها، وكل كلمة تكتبها أشعرُ بأنني أسمعها وأقرأها لأول مرة.

بعد أن انتهينا من إجراءات الدخول في المطار، حملنا أمتعتنا وتوجهنا نحو بوابة الخروج، عندها لامسَ وجهينا هواءٌ خريفي بارد رافقتهُ رعشة لا إرادية، هو الانتعاش الذي بدأ يأخذ دوره بعد رحلة طويلة ودرجة حرارة منضبطة، فلا أجملَ من الدقائق الأولى التي تقف فيها خارج بوابة المطار، إنها المشاهد التي تسرقُ من كل الوجوه الدهشةَ واللهفةَ وكثيراً من الأمنيات.. هي الدقائق التي تبدأ فيها متعة الاكتشاف وتبدأ معها الرحلة الحقيقية.

أمسكتُ يد سلمى وشددتُ عليها بحرارة، وباليد الأخرى دفعتُ عربة الحقائب وسرتُ أتفحص الوجوه التي تنتظر المسافرين عند بوابة الخروج؛ فحين تشعر أن الجميع ينظر إليك لا تملك عندها إلا أن تتفحص الوجوه كمن يبحث عن عزيز.

وقفنا برهة في الصف انتظاراً لركوب التاكسي والتوجه نحو الفندق؛ خلال ذلك كنتُ قد أخرجت عنوان الفندق الذي سنمكث فيه خلال إقامتنا في باريس، والذي كان سعيد اليابس قد زودني به قبل السفر. حين جاء دورنا، ركبنا التاكسي وتوجهنا إلى الفندق.. أثناء الطريق كنا نهمس أحياناً، وأحياناً أخرى نكتفي بالصمت والاكتشاف. وفي لحظة هدوء بينما توقفت السيارة لإشارة ضوئية حمراء، بادرنا السائق بلكنته المغاربية بالقول:

- هذي أول مرة تيجون باريس؟

فاجأنا حديثه، فردت عليه سلمى وهي تلتفتُ بكل اتجاه محاولةً اقتناصَ أكثر عدد من المشاهد في مخيلتها:

- نعم هذه أول مرة نزور باريس.

- وكيف تشوفونها؟ سألها مجدداً وهو يبتسم.

تابعت سلمى حديثها مع السائق الذي بادرنا بالسؤال بعد أن سمعنا نهمس بالعربية، ونتطلعُ في شتى الاتجاهات، أظنه أدرك أنها زيارتنا الأولى، أو ربما أراد أن يكسر بسؤاله ذاك تقليد سائقي التاكسي في الغرب، ويفتحُ البابَ لحديث عابر، يعرف أنه لن يدوم أكثر من مسافة الطريق للفندق. قلتُ في نفسي فليكسر كل التقاليد علّه يخرجُ نفسه من هذه السيارة التي حشر فيها نفسه طوال حياته، هذا الغريبُ الذي يوصل الناس إلى وجهاتهم كل يوم، دون أن يسأله أحدٌ عن وجهته، أو عن قبلته التي يتوجه إليها بعد عناء نهارات متعبة.. ربما يتوقُ ليتكلمَ لغةً طالَ عنها غُربةً! أو يودُّ لو يشارك بعضهم فرحته ومتعته، فهو أولُ من يمتص رحيق الدهشة من القادمين.. وهو الذي يعرف أكثر من غيره، أول الانطباعات وأصدقها.

قالت لي سلمى بعد أن انتهت من حديثها الخاطف ذاك:

- تبدو المدينةُ جميلةً.. إذا كان هذا الانطباع الأول فكيف سيكون عليه الحال حين نسير في الشوارع ونكون جزءاً من حركتها وصخبها حتى ولو لأيام!

أجبتها وأنا أشعر بتيار من الفرح يسري في جسدها كلما دخلنا المدينة أكثر:
Page 7
- معك حق فباريس مدينة لا تحتاج كثيراً من الكلام.

قالت وهي تشير بيدها نحو مبانٍ قديمة تكسوها عراقة لا تخفى على أحد:

- أنظر ما أجمل هذا الطراز المعماري الرفيع الذي يكسو المباني كلها.. هناك، إلى تلك النوافذ.. إلى تلك الشرفات التي تتزين بالورود والستائر البيضاء المزركشة.. إنه أسلوبُ حياة أكثر منه أسلوب بناء، أسلوبٌ يعود بك إلى حقبة كانت تتنافس فيها المدن لتثبت كل واحدة ريادتها في عوالم الفن والموسيقى والأدب والعمارة.. أليس كذلك؟

قلت لها على الفور:

- أتفق معك، فمدينة مثل باريس كانت ولا تزال تفاخر وتباهي بما لديها من جماليات وخصوصيات، بما تحتويه من متاحف وقصور وقلاع وشوارع ورموز ثقافية وإنسانية عديدة، المدينةُ كالأنثى تتجمل لزائريها، وتتطلع لتكون في حيوية دائمة.

ملتُ برأسي بعد ذلك باتجاه سلمى التي بدت عليها علامات الارتياح، فشعرتُ أنها قد دخلت في جو الرحلة مبكراً، وربما أنَّ التجديدَ الذي تنشدهُ قد بدأت بوادرهُ بالظهور. قلتُ في نفسي أظنها فرصة مؤاتية لنعيش إجازةً حقيقيةً، إجازة تتمكن خلالها سلمى من العودة مجدداً إلى الكتابة، لعلها تفكرُ الآن في نص أدبي جديد، فأنا أعلم الحالات التي تنتابها حين تفكرُ في مشروع ما، وأتحسسُ كلماتها حين تبدأ بالفوران في كل اتجاه، ربما هي فرصة مؤاتية لتكون رحلتنا هذه بداية مشروعها الكتابي القادم. كانت تقول لي دائماً حين أسألها عن أي كتابات جديدة لها، ليس المهمّ أن تكتبَ بل الأهمُ هو ما قبل الكتابة.. الكتابةُ كالشجرة تأتي من ملايين الجذور الصغيرة، لكن القارئ لا يرى سوى ما نبت منها فوق الأرض.

تابعت السيارة طريقها وسط الزحام، ضممتُ سلمى بحرارة، وأزحتُ عن وجهها خصلات شعر طار بها هواءٌ باريسي بارد.. بقيتُ طوال الطريق أنظر إليها وأتمنى أن تبدأ الكتابةَ هنا، أو تخط على الأقل سطراً. منذ مدة لم أقرأ لها شيئاً جديداً، سلمى التي حازت من قبل جائزة أدبية عن نصوص رفيعة كتبت على مهل، لم تعد تملك القلم كما كانت، لستُ ألومها على هذا فهي مؤخراً تعيش في قلق، ويكاد يغزو تفكيرها موضوعٌ واحد لا غير.. الحمل، أليست هي الأنثى التي تأمل أن تحمل في أحشائها طفلاً! كيف يمكن لحروف مبعثرة مهما بلغت من شأن، أو جوائز آخر مكانها الجدار أن تحققَ لها ذاتها، أو تعوضها عن ذلك الذي تنشده كل حين، الأنثى كما تقول لي دوماً مهما بلغت من شأن فلا شيء يعادل عندها لحظة صدق.. لحظة أمومة واحدة، تركنُ فيها لطفل.

لم يكن الطفلُ هاجسها وحدها بل كنت أترقبه أنا كل يوم. أراه يكبر في عيني سلمى وأمنياتها وحتى كلماتها، لكني كنتُ مؤمناً بقدومه حتى ولو طال انتظاره. كنتُ على يقين أن رحمة الله ستشملنا، وتهدي إلينا مولوداً طال ترقُّبه.

خلال الطريق إلى الفندق، طلب مني السائق العنوان مرة أخرى ليتأكد من المكان، ثم خفف السرعة قليلاً والتفّ يميناً وأوقف السيارة.

- هذا هو الفندق بحسب عنوانكم، قالها وهو يترجل من السيارة، بينما أنزل الحمّال الحقائب وصفّها فوق العربة بعناية، وتوجه نحو بهو الفندق. شكرتُ السائق الذي بدا هو الآخر سعيداً بهذه الرحلة وبالحديث الذي دار بيننا طوال الطريق.

في الواقع لم يكن الفندق الذي بدت عليه الفخامة والبساطة الأوروبية في الوقت نفسه بعيداً عن قلب المدينة المليئة بالحركة.. فقد اختير بعناية ليتيح لنا حرية التحرك بسهولة؛ لم تستغرق إجراءات الدخول سوى دقائق معدودة، كنا بعدها في غرفتنا ذات الإطلالة الباريسية الرائعة. كانت الغرفة ذات الجدران المطلية بالأصفر الفاتح، دافئةً بعض الشيء، لكن ما أن فتحت سلمى النافذة حتى أصبح مزيجُ الهواء ساحراً.. كان في الغرفة سريرٌ كبيرٌ مرتبٌ بعناية، يتوسط طاولتين جانبيتين، ومرآة تمنح الغرفة عمقاً آخر، فيها لوحةٌ كبيرة بإطار خشبي عتيق للبازليكا دي سكراكور، في الزاوية البعيدة مكتبٌ صغير وأريكة وثيرة تتسع لشخصين، أمامها طاولة زجاجية وضعت عليها مياه معدنية وسلّة فاكهة شهية، ورسالة ترحيب من إدارة الفندق فيما توزعت إضاءات ذهبية لامعة في زواياها الأربع.

كانت الغرفة متصلة بشرفة صغيرة، لكنها كافية ليجلس فيها اثنان، ولتسرق عبرها أجمل مشاهد باريس، على حافتها الأمامية حاجز من الحديد المشغول ضم دوائر حديدية، وضعت فيها أصصٌ احتضنت وروداً طبيعية تدلى قسم منها إلى الأسفل.

قالت سلمى وهي تنظر من الشرفة وتبعد عنها ستارة بيضاء وأخرى شفافة:

- الهواء باردٌ لكنه منعش، تعال وانظر كم هو جميلٌ المشهد من هنا.

قلت لها وأنا أتجه نحو الشرفة:

- حذار البرودة، فهي قد تباغتنا دون أن ندري. لا أريدك أن تصابي بزكام فيفسد علينا ذلك متعة الرحلة، لقد أحضرتُ معي بعض الأدوية لمثل هذه الحالات الخفيفة لكن أرجو ألا نضطر لاستخدامها.

عادت سلمى وجلست على الأريكة قليلاً ثم بدأت تفرغ الحقائب بتأنٍ نسائي محكم، شأنها في هذا شأن كل نساء الأرض، بينما سعيتُ أنا لأبحث في رفوف الخزانة عن مكان مناسب لحقيبتي الجلدية وملفاتي العديدة، بعدها قادتني قدماي نحو باقة جميلة من الورود يبدو أنها وضعت في الغرفة قبل وصولنا بقليل، عليها بطاقة ترحيب موقعة باسم مسيو شوران.
Page 8
يبدو أن هذا الأخير لا ينسى شيئاً، قلت لسلمى وأنا أتفقد الورود، فهو يتقنُ الاهتمام بالتفاصيل، ولقد بدا هذا واضحاً لي في كل مرة جرى فيها تواصل بيننا، وما حرصهُ على تقديم باقة ورود ترحيباً بقدومنا سوى دليل على هذا. لقد كانت الورود ندية للغاية فلم أستطع منع نفسي من قطف وردة حمراء ووضعها في شعر سلمى التي كانت قد أتمت إفراغ الحقائب وتعليق الملابس، والتحضير لحمّام منعش.

بعد ذلك الحمّام الدافئ الذي أزاح عن كلينا تعب السفر، جلسنا في الغرفة فترة من الوقت، ثم انطلقنا في مشوارنا المسائي الأول. قد يكون التعبُ رفيقك في مثل هذه الحالات، وقد يكون الكسلُ أقوى سطوةً منه، لكن من يا ترى يستطيعُ أن يمكث في غرفة فندق في أول أيامه في باريس! قد يتكالب عليك التعب والكسل لكن ليس باستطاعتك أن تقاوم لذة الخروج والتعرف على معالم المدينة وقراءة حكاياها ومخالطة ناسها.

حين خرجنا من باب الفندق، كان أول ما عشناهُ غروب يستعد للرحيل، شمسٌ تلملمُ خيوطها من كل الجهات، وتفرغُ قبل أن ترحل ما تبقى لديها من نور. أضواءُ المدينة بدأت تستعدُ للسهر وتتبارى فيما بينها بالألوان والحركات، وقرصٌ برتقالي اللون يصارعُ كي لا يذوبَ في الأفق المتخم بالزرقة، أما الغيومُ... فبيضاءُ كثيفة تسبح وحدها على استحياء.

أمسكتُ يد سلمى وخرجنا من باب الفندق بزهو واشتياق من خبر المكان وزاره من قبل. يميناً.. يساراً لا يهم فأيُّ اتجاه يفي بالغرض؛ كانت الشوارعُ مزدحمةً بعض الشيء، سيارات تسيرُ ببطء ودراجات تراوغُ مسرعة، أشجار باسقة تقفُ بتراص فيما سقطَ قسمٌ كبيرٌ من أوراقها على يافطات المحلات ومظلات الشوارع، أشجار أخرى مربعة الشكل شذّبت بعناية فائقة، هواء خفيف يعبرُ بسرعة من شارع إلى آخر، وأرصفة ملأى بالمارّة لا يزيدُها اكتظاظاً أو يخففُ عنها سوى ما تقوم به فتحات المترو، فتبتلع دفعةً من المشاة تارةً، وتارةً أخرى تلفظُ وجبةً جديدةً من مرتادي ذاك العالم السفلي، طراز معماري فاتن يكسو واجهات المباني الملونة، أرصفة مكتظة بمقاهٍ باريسية جميلة.

مشينا فترة لا بأس بها، ثم توقفنا لنشتري كوبين من الشاي السّاخن ونكمل المسير. قلت لها وأنا أعطيها كوب الشاي: كأنني عشتُ هذا الطقس من قبل، ولعل هذه ميزة المدن الكبرى التي تراها وتسمع عنها وتعرف شوارعها وقصصها، وتتلذذ بحكاياها حتى قبل أن تزورها، أجابت وهي تمسك الكوب بكلتا يديها: لكن أن تقرأ عن المدينة فهذا شيء، وأن تعيش قصتها فذلك شيء آخر.

مشيت مع سلمى مسافةً تكفي لأن أقرأ السعادة في عينيها، بعدها كان علينا أن نرتاحَ قليلاً؛ توجهنا إلى مطعم يعجّ بالزبائن، وقد امتدت طاولاتهُ الخشبيةُ الملونة وكراسي القصب على طول الرصيف حتى أول الشارع.

كانت الطاولاتُ متلاصقةً إلى حد ما والمظلاتُ التي تغطيها توحي لك بأنك تحت قبة سماوية. أما المكان فكان مُسيجاً بشجيرات قصيرة يعبثُ بها هواء خريفي بارد. قلت لسلمى:

- أعرفُ أن الجوَّ باردٌ بعض الشيء لكن ما رأيك أن نجلس في الخارج؟

ردت وهي تشيرُ نحو طاولة متطرفة منحتها مظلةٌ حمراء دفئاً استثنائياً:

- المهم أن أكونَ بقربك، ورسمت على شفتيها واحدةً من ابتسامات المساء الساحرة.

جاء النادلُ مسرعاً حين لمحنا ننتظر من يُجلسنا، قفز نحونا بخفة وأزاحَ لنا كرسيين لنجلسَ عليهما ثم وقفَ بعيداً ليعطينا بعض الخصوصية.

سألتها وقد بدأنا نشعرُ بفارق التوقيت:

- هل أتعبتك رحلة الطائرة؟

ردت بحيوية:

- كلا، فقد نمتُ أثناء الرحلة فترةً لا بأس بها، ولعل هذا ما يمدني بالنشاط الآن.

- كان يجب أن نرتاحَ من الرحلة ونبقى في الفندق، لكن أيامنا محدودةٌ في باريس ولا نريدُ أن نضيعَ أي دقيقة دون الاستمتاع بها... ما رأيك أن نطلبَ العشاء، هل تودين شيئاً معيناً؟

هزت كتفيها وقالت:

- لاشي محدداً، دعنا نرى لائحة الطعام.

تقدم النادلُ بسرعة وأعطانا لائحة الطعام، ثم انحنى ليضيء شمعهً تتوسط الطاولة؛ كنتُ أشعر بجوع شديد فلم أتركه يغادر طاولتنا، بل اخترتُ مع سلمى أطباقاً تبدو شهيةً في الصور، وأوصيتُ النادل بسرعة تجهيزها، ثم رحت أتأمل المكان والشوارع وحركة الناس.

كان المكان حولنا هادئاً على الرغم من أنه مليء بالزبائن، رحتُ دون أن أشعر أراقبُ أولئك الذين يحاصرونني بعرقهم الأبيض وعيونهم الملونة وخطواتهم الواثقة، أتفرسُ في ملامحهم، في وجوههم اللامعة، في أناقتهم وانضباطهم وسرعة حركتهم، ضحكاتهم التي تطوف حولي، كؤوسهم التي سكبوا بها نبيذاً صافياً، شموعهم التي تتراقص حولي كأشباح، وعطورهم الهادئة التي تعبرُ تجاويفَ الأنف على مهل.

يحاصرني ذاكَ الغربُ الشاسع من كل اتجاه، يدعوني في كل مرة أزوره لمنازلة لا تحتملُ أكثرَ من طرح أسئلة، يستفزني وأنا أحاولُ أن أجيبَ نفسي عن أسئلة غدت لي رتيبة.. أحاولُ أن أسيطرَ على ذهني الذي راحَ يعقدُ مقارنات لم أكن أريدُ التفكير فيها في جلسة كتلك، أتحسرُ على ما وصل إليه حالنا، وكيف اتسعت الفجوة بهذا الشكل حتى أصبحَ التفكيرُ في عملية النهوض أمراً محبطاً، كيف أننا لانزال حتى اليوم نكافحُ أمراضاً تستشري بدل أن تتلاشى.

المستقبل وأسئلته الملحة هما أكثر ما يقلقني، كيف نتصالحُ مع أنفسنا؟ كيف نفكرُ في غدٍ أفضل؟ وكيف نتشاركُ في صنع مستقبلنا الذي لا نعرف حتى شكله أو مصيره؟ راحَ ذهني أبعد من ذلك بكثير، ولم يقطع عليّ شرودي ذاك سوى رغبة سلمى في استعادتي من جديد. قالت لتقطعَ عليَّ صمتاً سرقني منها:

- يبدو أنها مدينةٌ لا تنام، فلم يمض على وصولنا وتحركنا عدة ساعات لكني أكاد أرى جمالَ الحياة في كل مكان. أضافت وهي تضعُ على كتفها شالاً أبيض أضفى عليها جمالاً أخاذاً: يبدو عليكَ الشرودُ فإلى أين وصلت؟
Page 9
تنهدتُ بحسرة وقلت:

- لم أغادر مكاني هذا، لكنني كلما سافرتُ وزرتُ مكاناً جديداً أتحسرُ على ما نحن عليه، وأفكرُ في ما وصل إليه حالنا، وأتساءل لعلي أجدُ جواباً واحداً يفسرُ ما نحن عليه من إحباط وسوداوية.

ردت لتطردَ عني سحابةَ تشاؤم:

- لم أعهدك متشائماً هكذا.

أجبتها كمن نفضَ يديه من موضوع ما:

- لستُ متشائماً بطبعي وأنت تعرفين ذلك، لكني أعيشُ واقعنا بكل ما يحمل من ألم ومرارة، تعبتُ من البحث عن أشياء إيجابية، لا تستغربي إن قلت لك بأنني لم أعد أرى في الأفق أي أمل.

وصل النادلُ يحمل أطباق العشاء وراح يصفّها على الطاولة بعناية؛ كانت رائحةُ الخبز شهية وكأنه خرجَ تواً من الفرن، طبقُ السَّلطة كان يحوي أصنافاً عديدة من الخضار الطازجة التي امتزجت مع خليط الزيت والليمون، أما رائحةُ الأطباق ومذاقها وهي تغرقُ في سيل من الصلصات والتوابل والأعشاب البرية فلا سبيلَ لمقاومتها.. سألني النادل بأدب بعد أن وضعَ الأطباقَ أمامنا بطريقة جميلة: هل تريدون شيئاً آخر؟ أجبتهُ وأنا أستعجلُ ذهابه: كلا لكن سنناديكَ إذا احتجنا إلى شيء.

في الحقيقة لم أرغب في أن نواصل حديثنا عما وصل إليه حالنا، على الرغم من أن هذا الموضوع بكل ما يحمل من منغّصات، أصبح واحداً من الأحاديث التي اعتدتُ نقاشها مع سلمى، ونقاشها باستفاضة أيضاً مع زملائي الأساتذة وطلابي في الجامعة، ولم أكن لأتوخى الحذرَ مؤخراً لولا سعي إدارة الجامعة للتعميم على الأساتذة بتجنب الخوض في النقاشات السياسية في الصفوف. في واقع الأمر لم أفهم أنا وكثيرٌ من الأساتذة ذاكَ التوجه القمعي الذي قامت به الجامعة التي راحت تمارس السلطة الأبوية، لتفرض على طلابها وأساتذتها ماذا يقولون وكيف يفكرون؛ كنتُ أظنُ أن الجامعات ملاذ للتفكير الحر، ومحطة لتهيئة عقل الشاب وإنضاجه، لكني وجدتها مع مرور الوقت معقلاً آخر من معاقل السلطة، تزرع فيها ما تشاء.

ما زلتُ أذكرُ ذاك النهار الذي تطورَ فيه نقاشٌ سياسي حاد بيني وبين أحد الأساتذة، كنا وقتها عائدين إلى الكلية من مسيرةٍ صامتةٍ نُظّمت في الجامعة.. مسيرة صامتة!! لستُ أجدُ سُخفاً أكثر من ذلك، كيف يصبحُ الصمتُ وسيلةً للتعبير عن غليان حقيقي! حين تريدُ أن تُخرجَ أحشاءكَ احتجاجاً ورفضاً لما يجري، ثم تحاولُ بكل انضباط أن تقنعَ نفسكَ أن الصمتَ أرقى وسيلة للتعبير.. لعل الأسخف من ذلك هو حين تُقنعُ ذاتكَ بأن أقصى ما يمكن أن تفعلهُ هو أن تحرق علماً.. أو شمعةً مقابلَ وطن يضيع، أن تشعرَ أن بطانيةً بالية، أو قطعةَ قماش مستعملة تتبرعُ بها، قد تكفي لتستر ضعفك وخنوعك وانكسارك.

كنا يومها مجموعة أساتذة نتحدثُ في استراحة الكلية عن الحاجة إلى المزيد من الحرية والديمقراطية، كنتُ أتحدثُ بهدوء وتلقائية عن أهمية أن تقفَ السلطةُ ولو مرة واحدة في الصف نفسه الذي يقف فيه الشارع، أدعو لأهمية المشاركة في صنع القرار وعدم احتكاره من قبل جهة واحدة، كنتُ أستهجنُ وأتساءلُ أيضاً عن مبررات استماتة السلطة وأجهزتها في التحكم في مفاصل الحياة كافة، وأتمنى أن نصلَ إلى اليوم الذي تتقلصُ فيه أذرعُ الدولة لمصلحة المجتمع ومؤسساته المختلفة.. أثناء ذلك احتدَّ زميلٌ لي فجأة، علا صوتهُ وراح يتهمني أمام من كانوا في تلك الجلسة بأنني أعمل ضد مصلحة الدولة، وبأنني أطرحُ أجندات خارجية وغيرها من تلك العبارات المجمدة التي يقذفونك بها حين تصل معهم إلى طريق مسدود. لستُ أعلمُ منذ متى أصبحت الديمقراطية تقفُ في صف مضاد للسلطة! لم أكن أعلمُ أن نشدان الحرية سيصبحُ يوماً ما تهمة تطاردكَ أو لعنة تصيبك فلا تجد منها فكاكاً.

كان وصول النادل حاملاً أطباق العشاء، فرصة لتغيير جو الحديث الملبد الذي لا أعرف كيف بدأته مع سلمى، لذا حاولتُ أن أخرجَ على الفور من هذه المواضيع القاتمة التي نهرب منها إليها. اقترحتُ أن نفكر في أيامنا المقبلة وكيف سنمضيها باستمتاع، خصوصاً أنني سأكون خلال الأيام المقبلة مشغولاً ومرتبطاً بعملي مع الشركة، بعدها سأتحرر من التزاماتي وسأكون متفرغاً لسلمى تماماً. سألتها بعد أن انتهينا من العشاء:

- أرى أن نبدأ صباح الغد جولتنا الأولى، نتعرف إلى باريس بشكل عام قبل أن أبدأ بعد غد برنامج عملي معهم فما رأيك؟

قالت وهي تتدفأ على الشمعة التي تتوسط الطاولة فينسلّ ضوءٌ خافت من بين أصابعها:

- هذا ما أفكرُ فيه أيضاً، فيوم غد نقومُ بجولة عامة ونترك تفاصيل الأماكن حتى انتهائك من التزاماتك العلمية.

بعد أن تناولنا العشاء سرنا قليلاً دونما وجهة محددة، عدنا بعد ذلك باتجاه الفندق.. فالمشي من أحب الطقوس لدينا.. وهو ختامُ معظم نهاراتي مع سلمى، كما أن الفندق لم يكن بعيداً عن المكان الذي كنا قد وصلنا إليه. حين دخلنا الفندق، كان ثمة رجلٌ في البهو ينتظر قدومنا، كان يبدو عليه الضجر من طول الانتظار، تقدم منا بثقة وسلّم علينا، ثم عرّف بنفسه، وهمس لي:
Page 10
- أتمنى أن تكون جاهزاً غداً في الثامنة صباحاً لو سمحت، سأمرُّ لاصطحابك في سيارتي، أرجو أن لا تتأخر عن الموعد.

قلت له كأنني أُصححُ له الأمر:

- هل هذا تعديلٌ مفاجئ في برنامج العمل؟ أظن أن بدايتي ستكون بعد غد.

رد بسرعة كمن يعتذر:

- أنا آسف على أي إرباك قد يسببه لك هذا. لقد طلب مني مسيو شوران أن آتيك إلى الفندق لأطمئن إلى سلامة وصولك ولأبلغك أيضاً بهذا التعديل، لكن أرجو أن تتدبر الأمر، سأكون في انتظارك صباح الغد.

قلت له:

- أشكرك على ذلك، لكن ليتني عرفت هذا مسبقاً، على كل حال سأكون جاهزاً في صباح الغد.

تحججت سلمى برغبتها في الصعود إلى الغرفة لإعطائنا حرية أكثر في الحديث، فما كان من الرجل إلا أن قال بلباقة:

- لا عليك سيدتي فقد أبلغته ما أريد.. تصبحون على خير، وتوجه مسرعاً نحو باب الفندق.

قلت لسلمى ونحن في طريقنا إلى الغرفة بعد أن ودّعنا الرجل:

- أظنه أحدُ موظفي الشركة، لم أكن أتوقعُ أن أجدهُ في الفندق لأنني أعرفُ برنامجَ العمل وآلية التحرك مسبقاً، وقد تم الاتفاقُ على هذا من قبل، لكنهُ تعديلٌ في البرنامج لا أعلمُ غايته.

قالت لتجعلَ الأمرَ عادياً:

- لا أظنُّ أن هذا يعرقل لنا أي شيء، فلا تقلق.

حين وصلنا إلى الغرفة بدا التعبُ جلياً على سلمى، تعبُ الرحلة والتجوال المسائي، نزعتْ من قدميها حذاءً خفيفاً كانت تنتعله ثم خلعتْ ملابسها، ولبستْ ملابسَ النوم وتوجهتْ من فورها نحو السرير. قلتُ لها لأعرف بماذا تفكرُ للغد:

- سأبدأ إذاً من صباح الغد.

أجابتني وهي تستلقي على طرف السرير:

- لا عليك، ولا تشغل بالك فأنا سأتدبرُ أمري، قد تكون فرصة جيدة لتُنهي التزاماتك العلمية مبكراً...كل ما أريدكَ القيام به الآن هو أن تخلدَ إلى النوم لتستيقظ غداً باكراً، حتى لا تتأخرَ عن الموعد، فالرجل سيكونُ بانتظارك في البهو عند الثامنة صباحاً كما قال.

سألتها وأنا أستعدُّ لمشاركتها في السرير:

- هل عندك أي برنامج ليوم الغد؟

- قلت لك لا تقلق بشأني، سأكون على خير ما يرام وسأتدبر أمري، المهم أن تؤدي أنت ما هو متوقع منك.. تعال واستلق بجانبي.

تذكرت على الفور كمال، فقلت لها:

- أريدُ قبل ذلك أن أتصلَ بكمال لأبلغه بوصولنا، ولنتأكدَ أيضاً أن حديقتك تحظى برعايته واهتمامه.

ردت وقد رمقتني بنصف نظرة:

- هل تتهكمُ على حديقتي؟

ضحكتُ.. وقبل أن أجيب قالت بسرعة:

- حسناً لن أهديكَ شيئاً منها بعد الآن.. واندستْ من فورها في الفراش.

خلال دقائق كنتُ بجانب سلمى في السرير أسترجعُ معها تفاصيل يومنا.. أمضينا ساعات طويلة في الطائرة وحين وصلنا بدأنا بالاكتشاف والمتعة، بعد ذلك ومهما طالَ طوافكَ لا بد أن ينتهي بك الأمرُ في الفراش... حينها تتزاحمُ الصورُ والمشاهدُ التي اختزنتها في عقلك لتأخذ نسقاً لا يستقر بك على حال.

بعد دقائق من دخولنا في السرير، دخلت سلمى في نوم عميق، بينما بقيتُ أنا يقظاً فترةً ليست بالقصيرة، كنتُ أفكرُ في عشرات الموضوعات دون أن أركز على شيء محدد. رحتُ أفكرُ في هذا التعاون الذي قادني إلى باريس هذه الليلة، لأصنعَ فيها ما فكرت فيه طويلاً وشغل بالي على الدوام. فرَّ النومُ من عيني.. ربما هي عادتي حين أكون في مكان جديد، أقضي وقتاً طويلاً أتعرف إلى المكان حتى آلفه... وقبل أن أتوهَ في زحمة الأحلام، أفكرُ ملياً في أولى الخطوات التي عليّ القيام بها صباح الغد، بعد ذلك أُغادرُ هذا العالم وأُسلم ذاتي طواعيةً إلى عالم النوم الذي وصفه هيراقليطس بالقول "الناس المستيقظون، ليس لهم إلا عالم واحد. أما النائمون، فلكل واحد عالمه".