Page 1
بـارانويا
(ثمة شيء نتن في دولة الدنمارك)
(هاملت / شكسبير)
تشعر وضحى بأنها تدير معركة في حياتها اليومية؛ معركة الاستمرار، معركة البقاء، معركة التشبث باتزانها وتوازنها، أقنعت نفسها بأنها تزوجت رجلاً عظيم الشأن، رجلاً لم تكن لترقى إلى مستواه الفكري والثقافي·· بيد أنه اختارها لتصبح أم بناته فقط·
أخفقت بعد سنوات في تذكر عظمته تلك· كان يقف بعيدا منها ويراقب، وبدا لها أنه لا يراقب شيئا بل كان يسوطها بنظراته وأحكامه حتى لو لم ينطق بها، لا تفهم ما يقوله في سفسطته المعقدة كأنما هو في جدل مع نفسه فحسب! وهي لم تزل تدير معركة الحياة الواقعية وحدها، وحدها تماما، لا يشاركها، ولا يشجعها، هي من تدير المعركة، وهو يراقبها من بعيد ويحكم عليها·
كانت تعاني في ذلك الوقت ضربا من الأزمة النفسية الحادة -التي أخشى أنه كان يحلو لها أن تسميها ;مأزقا وجوديا;- وبالرغم من أن ما حدث، وقد حدث بمحض المصادفة، قد مثّل لها مواجهة مع محيطها في العمل، إلا أنه كان في الواقع مواجهة مع ذاتها التي كانت تقرّعها وتجلدها في معظم الوقت، لكي تخرج عن ;الطور; الذي حُبست فيه روحها، كان ;حريا بها أن تتمرد على ما تشعر به من تحجيم وارتكاس;!
تبكر وضحى إلى الدوام المكتبي وتنهي ساعات عملها ملتزمة بوقت الدوام، خلافا لأكثر من حولها؛ لأنها كانت تريد أن تفقأ عيوناً متخيلة تراقبها وهي دائما محل مراقبة؛ لأنها كانت مقتنعة بأنها منذورة لمهمة أرفع من وضاعة حياة الآخرين، وكان ذلك سلوتها الوحيدة لتقبل ذاتها··· ولذلك فإن ما حدث في ظهر ذلك اليوم وما بعده، كان محتماً·· وكان اختبارا وتمحيصا ;وجوديا; بقدر ما كان بالطبع ابتلاءً قدرياً في نهاية المطاف·
كان يتعين عليها اختيار السلالم صعوداً ونزولاً، لأنها كانت تخشى ركوب المصعد الضيق مع أحد الفراشين أو الموظفين في ذلك العهد من الثمانينيات، حيث لم يكن هناك أكثر من أربع موظفات من الإناث في سائر أقسام الإدارة، في أدوارها الأربعة· كانت تخشى أن يتعطل المصعد وهي في داخله! فالمبنى قديم نسبيا ولا يخضع لأي صيانة دورية، ثم إن أخشى ما تخشاه وضحى هو أن تحتجز في مكان ضيق وألا يعلم عنها أحد! والسيناريو الأسوأ أن تتعرض لفضيحة مجلجلة بأن تتحول إلى موضوع لحديث الناس في الدوحة، عنوانه كالتالي - بحسب ما تخيلته - موظفة قطرية تحتجز لساعات في مصعد إدارة حكومية·
Page 2
سيعرف القاصي والداني من هي تلك الموظفة في ظرف ساعات· سيعرفون اسمها ويتناقلون الخبر بالهواتف وينالونها بالاغتياب في المجالس، مضيفين إليه التوابل والبهارات المألوفة! وأي شي قد يخفى في مجتمع الثمانينيات ;الصغير; بكل معنى للكلمة!!
نزلت وضحى جانباً من السلالم وأصبحت في الطابق الثاني عندما سمعت تهامساً، فلم يكن منها إلا أن أبطأت عفويا وبتلقائية غريزية، وتراجعت قليلاً ثم أطلت برأسها على حذر في مسقط الدرج، لتكون بعدها شاهدةً على تلك اللحظة المشؤومة عندما مال موظف برأسه صوب شخص تبينت وضحى بجلاء أنه السيدة سحر الطابعة، ثم يرتد وجه الموظف متهللاً بعد أن طبع قبلة على موضع ما في وجه المرأة التي ارتج جسدها كطبق من الهلام، ثم اتفق للاثنين (الموظف والموظفة)، أن نظرا معا فجأة إلى الأعلى فتلتقي أعينهما بنظرة وضحى المثبتة عليهما، فتضطرب وضحى أشد الاضطراب، وتعود أدراجها إلى الأعلى! لبثت وضحى دقائق حتى ثابت إلى رشدها وتساءلت ;علام أهرب أنا؟; ثم نزلت الدرج بخطوات مسرعة وخائرة، وكادت أن تهرول هرولة نحو السيارة الواقفة بانتظارها·
هذا المشهد الذي بوغتت به وضحى، نظرت إليه واستعادته في مخيلتها مرات عدة، طوال اليوم، وفي كل مرة يتضاعف الأثر المتخلف في نفسها سوءاً· في آخر اليوم أصبحت تراه باعتباره الجزء الظاهر من جبل الجليد الأعظم والمستور تحت الماء· لقد جعل منها القدر شاهداً جبرياً، وأصبحت الآن ملزمة أمام المراقبين المتخيلين بالوفاء بمسؤوليتها عن التصرف الصائب كما يمليه الواجب والشرف·
منذ سنوات الدراسة في الثانوية ثم الجامعة الوطنية راودتها أحلام النضال من أجل الإصلاح ومكافحة الفساد المستشري في كل مكان· والآن بعد سنوات من تخرجها، وقد اشتغلت في تلك الإدارة التعيسة ووجدت أنها لا تفعل شيئا مما توقعت أنها مقبلة عليه، تجد أن أمراً مختلفاً قد طرأ اليوم ليعطيها إشارة واضحة· لقد انطلقت الصفارة لا بل دوّت عاليا، وها هي الآن في مواجهة لا يمكن الانسحاب منها ولا تجاهلها·
سردت على زوجها ما حدث بأنفاس متسارعة ووجيب قلبها يربك تداعي أفكارها، وكعادته لم يفاجأ! وجد الأمر من الأمور الاعتيادية; وقال لها:
وماذا يعنينا؟; كيف لا يعنيهما! لم تفاجأ وضحى بردة فعله، لا يتفقان كثيراً في آرائهما، وهي تعلم بأنه ليس سوى ذلك الشخص المتكلف، شديد الاعتداد، والتلفلف المسكون بأنانية ولامبالاة لانهائيتين، هو ليس في مكانها! هو لاعب ملتصق بدكة الاحتياطي لا يريد مغادرتها لا بل هو متفرج فحسب!
Page 3
عندما قال لها: ماذا يعنينا؟
قالت بحزم: لن أكون الشيطان الأخرس·
قال: ماذا تنوين؟
قالت: سترى!
لم يعتقد أنها تعرف ماذا ستفعل، ولم يعتقد بأنه قادر على ثنيها عن عزمها أيّاً كان ذلك العزم، هز كتفيه ودخل الحمام! انتظرت خروجه من الحمام لكي يعودا إلى مناقشة الأمر· كانت مشحونة بانفعالات شتى، محمومة ومنتشية، غرفت له غداءه وأقحمت رأسها ثلاث مرات لتنظر في غرفة ابنتها، ونظرت إليها بحزن عميق وهي لاهية بقصقصة ورق على هيئة ورود، وبدت لها البراءة على وجه ابنتها باعثاً على الكرب· إنها الآن تفكر بأنها تدافع عن براءة ابنتها لكيلا تنتهك في عالم من الفوضى والأخطاء والنتن· لا لم يعد يسعها أن تصمت عما حدث، أصبحت تعي بمرور الوقت أن ما وقع لم يكن عبثا· لقد كان قدراً وعليها أن تمضي في الأمر حتى النهاية·
في صباح اليوم التالي التفت إليها زوجها ورأى ذلك التصميم المعهود على وجهها، فأحجم عن سؤالها عن أي شيء· قرر ألا يثير أشد دوافعها هيجانا، الشعور بالاضطهاد والكبح، قدّر بأنه أحيانا من الأفضل أن تتصاعد أبخرة الرأس لكي تتخفف من غلوائها وتهدأ الأعصاب ويخمد الهيجان المصاحب لفورة البركان الساكن·
ربما كان حرياً به أن يسألها، فقد توقعت أن يفعل ولذلك نقمت عليه لأنه لم يفعل! لقد خذلها·· مرة أخرى! ولكنه وجد أن صرف النظر كان موافقاً لمصلحته، فقد جاءت ;قبلة السلالم; في وقتها، لإلهائها وصرف انتباهها عن الموضوع الآخر، الموضوع الذي ظل مشتعلاً بينهما لأسبوع مضى، إنه في الواقع ليس أمراً واحداً بل عدة أمور مشتبكة، مثل سهره المتكرر في الخارج، وانشغاله ببعض الأمور الطارئة عنها، وتلقيه اتصالات طويلة، وانهماكه في العمل، وكذلك عبوات من البيرة وجدتها في الثلاجة وأصرت بعدها على إجراء عملية إخلاء وتطهير بالديتول للثلاجة برمتها، ولا ننسى - ما كانت تدعوه - محاولات تسفيهه لأفكارها، ولمّا صار يتجنب مجادلتها أصبحت تتهمه بإهمالها واستئصالها!!
عندما تزوجا، كان كل منهما يظن أنه يعرف الآخر، فهو ابن خالتها ورفيق أخيها، وكانت دائما عروسه المحجوزة له، فلم أصبحت تراه غريباً؟ هل تغير حقاً عما كانه أم أنها ظنت بأنها قمينة بتغييره وإصلاحه وتقويمه، كما تفعل كل امراة صالحة مثابرة؟ هي اليوم شخص تعتريه هزة صحوة، وتشعر شعوراً طاغياً بأنها تواجه يوماً عسيراً في حياتها، لسوف تحمل على عاتقها لا تغيير زوجها فحسب بل تغيير وسط أكبر!
مع كل خطوة تقدمت بها في أروقة الإدارة شعرت بأنها مرصودة ومراقبة، مضت بحزم رافعة رأسها، مرقت على مكتب سحر ورأت بطرف عينها دون أن تلتفت أنها لم تكن على مكتبها، كان الوقت مبكرا على كل حال·
Page 4
منحها ذلك وقتا لكي تفكر هل يجب أن ترسل إليهما ملاحظة؟ هل يستحق الموظف حمد أن تستوضحه، لقد رأت كل شي بعينها؟ أليس الأمر واضحاً وفاضحاً· يجب أن يرتدع كل من يظن بأنه سيفلت من العقاب، فهناك من يتصدى للفساد، هناك شرفاء في هذا العالم يجب ألا يُلطخوا بقذارة الخاطئين، لكن ربما يجب تقديم النصح للسيدة سحر فهي متزوجة وعندها أولاد، ويجب أن ترعوي وتخجل من المضي في هذه الطريق·
عندما عاد زوجها إلى البيت في ذلك اليوم وجد دموعها تهطل هطولا لا يكاد يرقأ لها دمع، لقد أصابها الهلع مما تواجه من كمية القباحة والادعاء والصلافة في هذا العالم، وأخبرته بما حدث في الإدارة· لقد سعت إلى الحديث مع السيدة المشبوهة ولم تكد تشير إلى الموضوع إياه حتى قامت سحر من مكانها وطردتها من مكتبها شر طردة!
;تصور! أخذت تنبح نباحاً·· وسمعها الناس حتى ظنوا بأنني أهنتها ولم يعرفوا السبب·· كيف لي أن أقول لهم ما السبب؟ أما ذلك الموظف ناقص الحياء فقد وقف على باب المكتب وهددني!!
نعم هددها وإلا فما معنى أن يقول لها ;لا تقحمي نفسك في مسألة لا تعنيك·· ستندمين يا وضحى;·
قال لها زوجها: قلت لك! مالك ولهما؟
دقت الأرض بقدمها محتّدة: لا· لا يحق لهما·· في مكان حكومي! كيف لي أن أغمض عيني؟ ماذا سيقولان عني؟ ماذا سيحصل أكثر من ذلك؟ إذا سكت فأنا مشاركة معهما·· لا·· لا أقبل· يجب أن أبلغ المدير· إنه واجبي·
قال لها زوجها: أنت تبالغين في ردة فعلك·
وقالت لنفسها: لا يهم حتى لو كان المدير صديقاً لحمد·· لا يهم! بل هو أدعى أن أقوم بما يمليه علي ضميري الحي بغض النظر عن النتائج! كيف سنشعر بالأمان إذا فرطنا؟ كيف سأنظر إلى نفسي في المرآة؟
في اليوم التالي لم تجد بداً من المضي برغم ترددها إلى مكتب المدير، دخلت إليه وأخذت تحكي له وقد سقط وجهها في الأرض، خجلا من إعادة سرد ما حدث من تفاصيل ;قبلة السلالم;، كما أصبح زوجها يدعوها متهكما·
قال لها المدير بوجه خال من التعبير: سأتصرف· عودي إلى عملك وخلّي الموضوع علي·
Page 5
بعدها بنصف ساعة اقتحم حمد مكتبها هائجاً هادراً كالبعير، لم تصدق كيف تغيرت الأدوار وانقلبت، ها هو ذا يصرخ عليها مستشيطا: هل أنت صحيحة العقل؟ قولي لي·· ماذا تريدين من هذه الإثارة؟ ماذا تريدين؟ أحسن لك كفي شرك عني يا بنت الناس!
وتقاطر الموظفون والفراشون وبعض أصحاب المعاملات إليهما، ورمقها بعضهم بنظرات مستفهمة ومستريبة! ;يالله! يا إلهي ماذا سيقولون عني، ماذا سيخبرهم لاحقا؟ لعله سيجعل مني المخطئة، سيسيء إلى سمعتي;·
وفي حمأة خواطرها المرعبة، كرّ ببالها شريط طويل من الأفكار المفزعة هبت واقفة، وراحت تهرول ثانية، إلى مكتب المدير، صعدت الدرج اثنتين اثنتين ووقفت في أشد حالات الاضطراب والذهول أمام سكرتير المدير: أدخلني حالا!
وأشار السكرتير بيده: تفضلي، لم تكن كتيبة من الحرس الوطني قادرة على صدها والوقوف في وجهها دون الدخول في تلك اللحظة!
عندما فتحت الباب صعقت عندما رأت حمد قد سبقها! وها هو ذا يضطجع متكاسلاً على أريكة الضيوف مثل قط سمين مدلل في حضرة صاحبه، ورفع الاثنان (المدير وحمد) رأسيهما معا، ونظرا إليها في اللحظة ذاتها، ما كشف لها مدى تواطؤ المدير وانحيازه إلى الفساد والتحلل·
قالت لنفسها: يا له من شخص ضعيف معدوم المهارات لا يستحق قطعا منصب المدير، ولا يملؤه، لعله خائف منذ تعينت في الإدارة!
يراها تعمل بجد فيظن بأنها تثير انطباعاً حسناً لتأخذ مكانه، تقدمت إلى منتصف الحجرة وعندئذ هالها أمر أشد وقعاً! لم تكن قد انتبهت بعد إلى أن الطابعة سحر كانت تجلس في مكان غير بعيد على يمين مكتب المدير الفاره، في وضع مسترخ وهادئ ترتشف قهوتها بلا انزعاج تقريبا من دخول وضحى المفاجئ، ويبدو أنها لم تفاجئ أحداً بل هي من فوجئت بمرأى خصومها مجتمعين·
ارتج عليها للحظة، نقّلت نظراتها بين الثلاثة المتآمرين ثم قالت بصوت متهدج: أرى·· أنكم··· مجتمعون!
قال المدير ببشاشة متصنعة: تفضلي·· تفضلي! هذه فرصة! سنحل المسألة وكلها سوء تفاهم·· ويزول·
لم تقبل دعوته للجلوس وكان عليها أن تضع الأمور في نصابها منذ البداية: أنا·· لن أجلس مع·· مع هذين الـ··· ولن أقبل·· المساومة ولن··
Page 6
وطاش لب حمد: لولا مقام بو فيصل لكنت رددت عليك بما تستحقين! أمسكي لسانك يا···
ولمس المدير كتفه فأسكته· قال: لا·· لا يا حمد لا داعي لهذا الكلام·
ثم التفت إليها وضحك فجأة ضحكة مجلجلة: اجلسي يا وضحى··خلينا نتفاهم· مالكم شايطين يا جماعة؟ انتو اش فاطرين الصبح؟
يتصعد الدم إلى رأسها، لن تُدفع إلى المساومة على مبادئها ولن تتصالح مع أصحاب المواقف المهزوزة! لقد أهينت توا ولكن موقفها المستضعف المتفرد المُتآمر عليه أصبح يطربها تماما، فهو يجعلها في صورة الشهيدة لا الضحية··· والشهادة ضرب من البطولة السامقة·
زرّ المدير عينه بدا نافد الصبر الآن مع كل مظاهر تصلبها: ماذا تريدين بالضبط؟
قالت: أريد الصواب· لم تكن قد فكرت ملياً فيما تريده لكن الكلمات تدفقت تلقائيا من فمها: أريد لجنة تأديبية وعقاباً شافياً·· وأن توضع الأمور في نصابها!
اصفرّت سحر وزحفت اليها: ما الداعي لكل ذلك يا أخت وضحى؟ والله والله أنت مخطئة، ما رأيتيه ليس كما تظنينه! أعوذ بالله! لا·· لا إنما المسألة بسيطة وممكن أشرحها لك وأفهمك··
أوقفتها وضحى بإشارة من يدها المرتعشة: رأيت ما أعلم بأني رأيتـه·· لا تظني أنه يمكنك التشكيك في شهادتي·· وفي شخصـي·
تبادلت سحر نظرة سريعة مع المدير وتسلم منها دفة الكلام:
منذ جئتِ إلى إدارتنا يا أخت وضحى ونحن نقدرك ونضع لك اعتباراً·
وأكملت سحر مندفعة: وأنتِ على ما أنتِ عليه منذئذ·· تنظرين إلى الآخرين من عالي سمائك·· أعرف أمثالك وأحفظهم عن ظهر قلب··· فخورين متظاهرين ومتكبرين على خلق الله·· تحيطين نفسك بهالة وأنتِ تخربين بيوت الناس ولا تبالين إلا بتحصيل المدح·· أنتِ- بلا صغرة - دائما على صواب ولذلك الناس كلهم·· على خطأ·
قال المدير وهو يهز رأسه: كفى يا سحر الأخت وضحى امرأة من عائلة طيبة ونفسها كريمة ولا ترضى الإضرار بأحد·
Page 7
شعرت وضحى بأنها تتعرض لهجوم مزدوج: الله أكبر! أنا من أسبب الضرر؟ وأي ضرر؟ كيف ترضى··· أنت·· أنت الـ·· مدير··· بهذا الأمر في إدارتك؟ ماذا سيقع·· أكثر لو تهاونا؟ هل تظنون أنكم·· أنكم تنجحون في الضغط علي·· لإرهابي·· وإسكاتي أنتم····· مخطئون! لن أسكت·· ولن أنثني ولن تجعلوني الـمخطئة· أنا·· أنا سأرفع ذلك إلى··· أعلى جهة· أنا··· سـأ سأ·· سأفضح كل هذا··· الـ··· تواطؤ، تريدون تحويل الجميع··· إلى أشباه·· لكم؟··· إلى شركاء···· تريدون تلويثي؟ تريدون تلويثي؟
وفي حركة مسرحية استدارت بأنفة وكبرياء وأمسكت مقبض الباب ثم التفت بجانب وجهها فقط وقالت: سترون··!
هي الآن تشعر بقوة جبارة، بتجلٍ علوي، بشعور خارق يتقمصها· أصبحت الآن تعلم بأنها مرتبطة بوعد، بقدر! إنها على حق ولذلك يتكتلون في جبهة واحدة ضدها! إنهم يقفون معا لكي يخفوا السوءات التي سوف يكشفها موقفها الشجاع·
عادت إلى مكتبها وهي تفكر بما جرى في مكتب المدير: ;هكذا إذاً! هم إذاً يفكرون بي منذ وطأت قدماي الإدارة· إنهم منزعجون من وجودي· إن نزاهتي ونصاعتي تهددهم وها هم يتحالفون ويجتمعون لمحاربتي;·
وبقدر ما أثار ذلك قشعريرة فزع في جوانبها، بقدر ما أثبت لها أنها تسير على الدرب البطولي اللاحب·
وفي الأيام الثلاثة التالية تأكدت من كل شكوكها! أنها ملاحقة بالفعل، وإلا فلم يسير الفرّاش وراءها أينما ذهبت، وإذا صوبت إليه نظرها اضطرب وفرّ من أمامها خائفاً، ثم إذا وجدته أمامها مرة أخرى انتهرته فماذا يفعل؟ يتلجلج وينقّل نظره بينها وبين الجدار· الله كريم! ولمَ يحدق بها الموظفون؟ يطلون من أبواب المكاتب يخرقون ظهرها بنظرات ثاقبة· إنهم ينتظرون علام تسفر المعركة لكنهم لا يتدخلون! وحمد يتصرف بوقاحة لامتناهية، يدخل ويخرج، رافعاً صوته بلا مبرر، وأحيانا يقف على باب مكتبها متحدياً متخصراً، بلا رادع ويطلب أوراقا أو ملفات لا يحتاج إليها قطعا! إنه أسلوب تنغيص وملاحقة· لقد شاهدت سحر تتحدث إلى أحدهم في شؤون الموظفين ومرت بها وهي تدخل إلى قسم التصوير· ماذا تحوك حولها؟ ماذا تزرع في عقول الناس وبم تسمم أفكارهم؟ الله المنتقم! سيرون! سيرون!
استدعاها المدير بعد يومين من ذلك اللقاء ;العاصف; وكان هذه المرة وحده، اكتسى وجهه بالجد والهم:
Page 8
وضحى يجب أن تعلمي بأنني أنا من طلبك لتأتي إلى إرارتي·· وضمن فريقي، لاشك بأنك مكسب وأنا فخور بعملك وجهدك، وأعرف زوجك وأهلك الكرام، ويعلم الله لو أراد المسؤولون في المستقبل أن يضعوا امرأة في منصبي فأنا أول من يزكيك بالرغم من··· إنه منصب ذو أعباء ثقيلة، لكن المسؤولين اختاروني برغم أني غير حاصل على شهادة بكالوريوس كما تعلمين، ووضعوا ثقتهم بي لاعتبارات كثيرة·· وثقي بأنهم يعرفون كل شي·· كل شاردة وواردة، وهم لا يختارون إلا من يملأ المكان ويديره كما يرغبون·· أنا لا أضمر لك إلا كل تقدير واحترام، ولا أحب نبرة التهديد ولا أرضخ لها ولا أقبل بها· نحن هنا عائلة واحدة ونحل مشاكلنا بالحسنى والتراضي ولا ننشر غسيلنا على الملأ· لا هذا ليس من شيمنا كمجتمع ولا سياستنا في الإدارة· يا أخت وضحى·· ما يحدث في هذه الإدارة يبقى داخل جدرانها··
خبط المدير سطح المكتب بيده بقوة فجأة وكرر: يبقى بين جدران هذا المكتب·· أتسمعين؟
اضطربت: ماذا تعني؟
قال متعجباً: أقول ما سمعتيه·· نجعل ما حدث وراء ظهرنا·· وننساه
تحشرجت: أنا·· أنا لا أصدق هذا!
قال: ما الذي تصدقينه أو لا تصدقينه؟ لعلمك لم يحدث شي! أنت صنعت من الحبة قبة· ما وقع لا يعني أي شيء وأنت تثيرين فتنة في الإدارة·· في إدارتي·
فركت يديها: استدعيتني لتقول لي··· هذا الكلام؟ لكي··· تقرّعني·· وتؤنبني لأنني···· فعلت الشي·· الصائب··· يعني··· بدلاً من توجيه اللوم·· والعقوبة للجناة·· للمخطئين؟
بهت المدير: ما هذا الكلام؟ أي جناة؟
أكملت وضحى: ثم··· ثم···· من قال لك إني أريد··· منصبك·· وإن كنت أحق به منك···هل هذا هو كل··· كل همك؟؟ هل هذا ما تخشاه؟ لا تخش مني! اطمئن·· أنا لا أرضى أن أكون في مكانك··· ولن أتنازل عما أؤمن به وأعيش له لكي···· أعقد صفقة بـائسة·· وأجلس على··هذا الـمكتب ال··· تعيس ولــن أرضــى حتــى بالاسـتمرار في العمل معك في هذه الـ الادارة الـ الـ مشبوهة الـ التي لا···· لا يشرفني أن·· وأنت تديرها بهذا الـ الـ······ أسلوب الـرخيص وتتستر على تلك الـ أفعال المـشينة·
عندما غادرت مكتبه، انعقف وجهها ألما، وأصابتها رجفة شديدة ;ماذا قلت؟ ماذا فعلت؟; وكأنما انتبهت تواً من كابوس!
Page 9
عادت وضحى إلى البيت وقلبها يقرع طبولا ،انتظرت زوجها بفارغ الصبر، لتخبره بما حدث، أرادت أن تخبر أحداً! ومنذ لحظة دخوله من الباب صبت في أذنيه ما دار بينها وبين المدير· أجملت إلى حد ما ما قاله المدير وتوخت أن تسرد ما قالته بدون أن تشير إلى ما كان قد اعتراها من تأتأة وسخونة واهتياج، فأعادت ما قالته·· تقريبا، بل في الواقع أضافت اليه ما أرادت أن تقوله ولم يسعفها التركيز لاستحضاره آنذاك· لم ترد أن تكذب ولكنها ظنت بأنها قد قالت كل تلك الأمور·· ضمنيا· كل ذلك الكلام كانت على استعداد تام لقوله، ولكنه تاه منها بسبب عدم ترابط أفكارها وفقدانها رباطة جأشها· ساقت كل ذلك في الحديث بدون أن تؤكد بأنها قالته حينئذ·· وهي على كل حال تقوله الآن وتعنيه، وإنما أضافت تلك الملحقات لكي يكون موقفها واضحاً ومفهوماً لمن يسمعها· وفي آخر السرد بدت وضحى مقتنعة بأنها نقلت الواقعة بحذافيرها كما وقعت بدقة، لأن ذلك اللقاء أصبح الآن بعد انتهائه مادة قابلة للتجميع والصقل، ومحلاً للاستخلاص، فالمدير أراد لي ذراعها وهي فهمت كل تورياته ومعنى كل إشاراته حين ذكّرها بكونها موظفة تحت إمرته وتحت رحمته، وأنه محمي ومصان بثقة المسؤولين فيه، وأنه يمنّ عليها ويهددها تهديداً مبطنا، وأنه ضالع في ;المؤامرة;، هكذا أصبحت تسميها الآن·
ماذا يمكن أن نكون بدون أعدائنا؟ حتى لو كانوا وهميين! أو دمى تحركها أياد خفية أو حتى أشباح في الظلام لقوى الشر التي تريد سحقنا ومحقنا ومحونا من الوجود!
إن أعداءنا يحددون من نكون وما نكون عليه، وما نحن قادرون على بذله لكي نتغلب عليهم· إنهم يحفزوننا ويستفزوننا ويصنعوننا ويوجهوننا عن بعد! هذه المرة، هذه الواقعة، هذا التحدي، موسوم في حياتها بأنه الأكثر حسما، لأنه وضع على المحك ما يجب أن تظهره وتثبته لزوجها ولكل أولئك المتخاذلين والمتفرجين والجواسيس في الإدارة، لاسيما المراقبون الخفيون، كانت ثمة حوادث أخرى سابقة وقد واجهتها بما جبلت عليه من تصلب وصرامة· لم تتهاون كما تذكر في أي من تلك المواقف، وقد يسمى ذلك عناداً ومثالية وحتى سذاجة ولكنها لا تتنازل حين يتنازل سواها ويستسلم!
لقد تخرجت في الجامعة وتزوجت فوراً من ابن خالتها الذي عاد خريجاً من جامعة أمريكية، اعتادت على فكرة أنها ستتزوجه·· وربما أحبته حينئذ·· ذلك الحب البديهي القانع· اليوم تحس بأنها تقف على النقيض من نفسها، وعلى الطرف الآخر من غنوصية زوجها وفساد الواقع وتلاشي تصوراتها عن كل شيء!
Page 10
منذ ولدت ابنتها الأولى، أصبحت تتجنبه لأنها تشعر ببروده وتطلبه معا·
لجأت إلى التشبث بجزيرة الأمومة وأعبائها الطبيعية الهادئة لكي تنأى عن كل المشاعر المؤذية المحيطة بعلاقتهما· وعولت كثيراً على مستقبلها الوظيفي وعلام تركن إلى سواه؟ وليس يوجد في دنياها غير الأمومة والوظيفة! ولكن أجواء العمل أظهرت لها عدائية الناس وفظاظتهم وسوء ظنهم، الناس الذين لم تتأقلم معهم بمرور السنوات ولم تسلم من شرهم، ولم يثيروا سوى ارتيابها وحساسيتها؛ تلك المشاعر التي أصبحت الأكثر تسلطا على تفكيرها! إنها وحيدة ولكن الله يقف معها، وسوف يوقع عقابه العاجل والمؤجل والحتمي على كل أولئك الذين يكيدون لها في الخفاء فرداً·· فرداً·
لا تشعر وضحى بتميزها الشخصي تماما، بل الأمر أقرب إلى الوقوع في دائرة الابتلاء الرباني فحسب· شعرت بالكرب منذ قدّر عليها أن تشهد ما ;شهدته;، وأصبحت منذئذ رهينة الشعور بالشقاء والتهديد· منذئذ شعرت بهجوم العالم الصارخ على نقائها وطهرانيتها؛ وهي مدفوعة الآن للدفاع عن خلاصها وسمعتها وأمنها الخاص؛ لأن ما وقع يهدد شعورها بالأمان والاتزان والامتلاء· سوف يتعين عليها منذ الآن أن تشك في سلوك من حولها، من كان يتصور أن مثل ذلك الشر ممكن ومحتمل·· وقريب؟
هدأت الأمور خلال أسبوع كامل، بدت المسألة عائمة على السطح ولم تكن ثمة مضاعفات، إلا أن وضحى ازدادت خلالها حموضة وريبة وتوجساً، وفي بداية الأسبوع التالي سرت الحياة عاصفةً في أوصال الإدارة المقبورة؛ تراكض السعاة في كل مكان وقدم عمال نظافة لمسح الممرات وتلميع النوافذ، وأزيحت حاوية القمامة التي كانت أمام المدخل إلى الوراء· اصطفقت الأبواب ورصت الملفات وبعض الأصص البلاستيكية القبيحة، وضعت أضابير على المكاتب الفارغة ولكن دون تكدس؛ لكي يستنتج وكيل الوزارة الذي سيقوم بزيارة تفقدية فجائية (!!) بأن العمل على قدم وساق ولكن دون تثاقل أو إهمال· وأزيحت فناجين القهوة المتكدسة وأكواب الشاي، وحظرت سندويشات البيض و(الكيمة) و(الشباتي)، وبعد ساعتين شرّف سعادة وكيل الإدارة بحضوره· سار الهوينا متجولا بين الأقسام ماراً بالمكاتب· لم يلبث إلا لثوانٍ على الأبواب المشرعة في يوم هادئ كانت تُسمع فيه قرقرة البطن وصوت التلمظ وطرقعة الأصبع وهسيس الثياب وصرير الأقلام· وجاءت لحظتها المنتظرة عندما طُرق الباب المفتوح ووقف الوكيل على الأعتاب يحمل (بشته) على ساعده، مبتسما كأنما يتموضع استعداداً لصورة تذكارية· رجل نحيل ربعة يميل إلى السمرة ذو زغب مكان شاربيه المحفوفين، قد تجاوز الأربعين بكثير ولابد أنه يخفي صلعة لامعة تحت غترته الناصعة· ساورها القلق بينما كانت تنتظره ولكنه عندما وقف على بابها شعرت بأنه إنما جاء من أجلها! ساقه القدر سوقاً إليها·· وحدها· كان قلبها ينوء بالهم وتشعر بالجزع من كل شيء، بينما ها هي ذي الوجوه تطفح بالبشر وهي ترافق الوكيل وتحيط به كالسوار على المعصم· حيّاها بهزة من رأسه وتمتم (يعطيكم العافية) ومضى، جرى كل شيء في ثانيتين تقريبا· قفزت وراءه كالملسوعة وبصورة لم تخطط لها سمعت صوتها يخرج متحشرجا مبقبقا: يا سعادة··· الــوكيل·