eKtab
EN ع
بائع الهوى
Read free sample

بائع الهوى

by حكيم بن رمضان

Page 1

إهداء

أهدي هذه الرواية إلى شهداء الربيع... أولئك الذين علّمونا بالفداء إرادة الحياة... علهم يصيروا ديوان حبّ وعلّنا نفقه سرّ الهوى...

حكيم بن رمضان

Page 2

-1-

الحي ملاذ الشعراء. إنه مأوى أولئك الذين لم يعد لهم إلا الحكايا، وقوتهم الصبر اليومي وبعض الابتسامات التي تدفن خلفها الألم. خلال سنوات عجاف صار الحي حديقة من دون بنفسج، ولا ينبت الزهر فيها ولا حتى شقائق النعمان، وهجرتها البلابل يوماً، وكفرت بها الفراشات ذات ربيع. الناس في الحي الشعبيّ يروون أحلام الآخرين ويحصون مغامراتهم، وليس لديهم سوى بقايا أحلام وأضغاث أوهام وشيء من أمل قد سئم. منذ أيام أصبح الحي مقبرة يحترق فيها الياسمين؛ وفي واحد من تلك الأحياء المجهولة من تلك المدن المنسيّة أضرم شاب النار في نفسه ليحترق فاحترق، لتصبح جثته شمعة في مدينة تشتعل أو ربما تحتضر. قد يسمو جسمه نحو الجنة أو ربما يلقى في النار، ولكن الأكيد أنه وصل إلى السماء محترقاً. قيل صفعته امرأة، وقيل كانت من الشرطة، ولكن لا أحد يعلم إن كان حزّ في نفسه أن تصفعه امرأة أو أن عجز عن ضرب البوليس، ذلك الأمر سر احترق معه. بعد أسابيع سوف يموت، وبموته يدفن الظلام الذي اغتاله من دون أن يشهد بزوغ الفجر؛ فالشمعة لا تحترق مرتين، حسبها أنها أنارت ما حولها. لعلّ الحي صار للغرباء وطناً، فهو منفى الشعراء.

في مدينة أخرى بعيدة وبديعة يزورها السياح ليقتطفوا منها الصور والذكرى، وعند مدخل أحد أحيائها الشعبية في ساعة متأخرة من الليل تقف سيارة أضواؤها محطّمة وأبوابها مهشّمة، فيتفرق شبان الحي الذين اجتمعوا لاستذكار أخبار الناس تاركين القوارير الفارغة على قارعة الطريق. ينزل من السيارة أربعة رجال يتجهون عبر الأزقة الضيقة نحو شقة السيد حيدر قنديل ومن دون قرع الباب يأمرهم رئيس مكافحة الإجرام باقتحام المنزل. الشقة عبارة عن قاعة استقبال ذات مطبخ صغير وغرفة نوم ضيقة وبيت استحمام بالدش.

ينطلق أعوان الشرطة في التفتيش بحثاً عن أمور قد تهمّ القضية وقد لا تهمّها. كانت الفوضى تعمّ المكان وقوارير الجعة الفارغة تملأ غرفة الاستقبال والجوارب والقمصان والملابس الداخلية مهملة بين عدة أركان من المنزل والكتب مبعثرة فوق الكنبة أو حذوها وتحتها. لم يجد الأعوان شيئاً محدداً يسهّل مأموريتهم أو دليل اتهام غير أن أحدهم عثر في أحد الأدراج على شيء من الحشيش، فأمره رئيسه بحمله وجمع الكتب الموجودة بالشقة.

لم يكن السيد حيدر قنديل متورّطاً في أحد الانتماءات السياسية المريبة للنظام أو متّهماً في قضية مخدرات غير أنّ الأعوان لا يناقشون الأوامر كعادتهم ولا يسألون أو يتساءلون، ويجمعون الكتب التي تناثرت بين أرجاء البيت من دواوين شعرية وروايات ومجلات كثيرة عن لعبة الشطرنج. يعثر أحد المفتشين بين الكتب على أحد الأفلام الإباحية باللغة الإيطالية فيحمله ويخفيه خلسة في جيب معطفه.

فصل الربيع يصعب التكهن بأحواله، وليس أمام الناس سوى أن يأملوا أمطار شهر مارس؛ فعلى الرغم من دفء النهار فإنّ الليل غالباً ما تعمره رطوبة في مدينة تحاذي البحر، لذلك قد يلبس الناس معطفاً في إحدى ليالي الربيع. في جنوب البحر المتوسط وعلى أنقاض "نيابوليس" الرومانية أقيمت مدينة شرقية اسمها نابل غمرها البحر يوماً كما أغرق "نيابوليس" من قبل فأقام سكانها مدينة أخرى بعيدة تتحاشى حركة البحر ومزاجه. في ذلك الموسم حلّ فصل الربيع مبكّراً قبل أن تتفتح شقائق النعمان، وجاء الفراش إلى الجنان قبل موعده.

قبل أن يغادر المكان اتّجه رئيس الفرقة السيد "الدالي جمر" نحو غرفة النوم يتفحّص الوسادة ويقلّب اللحاف ويلمس المنشفة المعلقة على باب الاستحمام، فتأكد من مرور المتهم بالمكان منذ زمن غير بعيد. وعند عودته إلى مكتبه على الساعة السادسة صباحاً جلس يداعب بأطراف أصابعه سيجارة الحشيش التي تم الحفاظ عليها ويشمّ رحيقها كأنه يود تدخينها، ويتصفح الكتب المحجوزة ويقرأ أسماء الدواوين الشعرية وعناوين بعض القصائد، ويتأمل صفحات المجلات المختصة في لعبة الشطرنج فلا يفقه معناها: ث 4، ح 5، ج5، ج6......

لقد أمضى طوال الليل يطارد شبح رجل ليس له ماض في دفاتر مكتبه؛ فالبطاقة الشخصية للسيد حيدر قنديل "نظيفة" حسب عبارة البوليس وخالية من السوابق العدلية. رفع "الدالي جمر" السماعة وطلب من مركز الاستعلامات تزويده بمعلومات إضافية عنه. لقد كان السيد حيدر قنديل دليلاً سياحياً لدى إحدى وكالات الأسفار الايطالية، ومتّهماً في جريمة القتل العمد ضد أحد السياح الروس.

على الطّرف الآخر من الهاتف يزوّده أحد المخبرين من مركز الاستعلامات في وزارة الداخلية ببيانات واردة في البطاقة السرية عن الشخص المطلوب.

Page 3

- يعمل في وكالة "فيادجو" الإيطالية منذ سنوات... لا يتحدث في السياسة منذ سنين... يرتاد أحد نوادي الشطرنج في المدينة... تبارى يوم السبت المنقضي مع بطل العالم وتعادل معه في مباراة وديّة... أعزب، يقضي فصل الصيف مع السائحات الإيطاليات، أما في الشتاء فلا يعاشر من النساء إلا اللاتي يعملن في المواخير... يرتاد مقهى الحي صباحاً وحانة الشاطئ ليلاً... شوهد في أحد المساجد يوم عيد الأضحى المنقضي... يتعاطى الحشيش منذ سنوات الكلية... درس الآداب العربية في كلية العلوم الإنسانية بالعاصمة، لكنه انقطع عن دراستها في السنة الأخيرة من شهادة الأستاذية وراح يدرس السياحية... لم يكن له انتماء سياسي واضح غير أنه كان يحضر معظم الاجتماعات الطلابية اليسارية واليمينية المعتدلة منها والمتطرفة... شارك في تظاهرات طلابية عدة في التسعينيات... خلال شهر نيسان سنة اثنتين وتسعين وشباط سنة خمس وتسعين، وفي شهر كانون الأول من العام سبعة وتسعين.. في السنة الأخيرة التي أمضاها في كلية الآداب وقع الاحتفاظ به لبعض شهور في سجن العاصمة مع جمع من زملائه...

- لماذا ؟ (مقاطعاً).

- شتم "المْعلّمْ".

- بطاقته نظيفة (متعجباً).

- لم تتمّ إحالة القضية على المحكمة: صغار يتراقصون مع الكبار (ساخراً). غادر في ذاك العام كلية الآداب وراح يدرس السياحة... كان يمضي أيامها أوقاته في لعب الشطرنج أكثر من متابعة محاضراته... منذ حصوله على الشهادة لم يشارك في أي تظاهرات مثل جميع زملائه: ألم أقل لك؟ صغار يتراقصون مع الكبار (ضاحكاً).... أيام دراسته الثانوية كان ينتمي إلى أحد الأحزاب القوميّة غير المعترف بها، وشارك في تظاهرات المعاهد... أما أيام العطل فكان يرتاد نادياً للشطرنج.

- لم يتزوج بعد. (بشيء من التعجّب).

- يبدو أنه يفضّل الرجال. (ضاحكاً).

كان مركز الاستعلامات في وزارة الداخلية يعلم الكثير عن السيد حيدر قنديل وحتى تفاصيل قد نسيها. حينما يسأله الغرباء عن سبب عزوفه عن الزواج، كان يجيبهم حيدر مبتسماً: "إن كنتم تتساءلون إن كنت رجلاً أم أحب الرجال، فاعلموا بأنني رجل يحب الرجال، أولئك الذين ماتوا من أجل أن نعيش أحراراً. وأحب النساء أيضاً، ربما كل النساء، ففي الصيف أضاجع التي تدفع أكثر وفي الشتاء أدفع أكثر. أنا أبيع الهوى وأشتريه، فأربح أحياناً وقد أخسر فيه". قبل نهاية المكالمة، يسأل "الدالي جمر" زميله عن الجديد من الأخبار.

- لا شيء جديداً، سوى أنه في مدينة "سيدي بوزيد" سكب أحد باعة البقول البنزين على جسده.

- ومن ذاك؟

- مجرّد نكرة.

- ولماذا فعل ذلك؟

- صفعته إحدى الزميلات لبذاءته على ما يبدو. فقد كان يعمل من دون رخصة ويريد مقابلة الوالي للشكوى.

- وماذا قال "المْعلّمْ"؟

- قال: ليمت

- فليمت إذاً. (ببرود) بل أردت سؤالك عن المرتب، أما من زيادات؟

- قال "المْعلّمْ": دع الكلاب جائعة وستجري خلفك.

- وكيف نعيش إذاً؟

- يحيا الشعب. (مستخفاً).

- يحيا الشعب. (ضاحكاً).

قهقه الضابط "الدالي جمر" ضاحكاً وهو يودع زميله، وما كان يزعجه أن يعتبره "المْعلّمْ" كلباً من بين الكلاب، ولكنه تأسف أن يكون كلباً جائعاً. ألقى نظرة أخيرة على أوراق البحث، فقد صارت قضية هذا المتهم أمراً مزعجاً، ذلك أنّ شخصية السيد حيدر قنديل لا تطابق طبيعة الجريمة بقدر ما توافق أحد الأعداء السياسيين؛ فالبوليس يهاب أولئك الذين يقتنون الكتب ويقرأونها. لم يكن من مهام رئيس فرقة مكافحة الإجرام تحليل الدواعي النفسية لارتكاب الجريمة، ولكن كل ما يهمه القبض على حيدر قنديل. الأشخاص في مركز الاستعلامات هم مجرد أسماء فقط، وذلك يكفي أعوان الشرطة.

الزعيم في هذا البلد يلقبونه "المْعلّمْ" كمثل البلطجي، أما حيدر قنديل فقد كان يفضّل أن يكنيه "أبا جهل"، فقد كان محرّماً ذكر اسمه.

Page 4

-2-

المحتويات: ماء وشعير وذرة وسكر وجنجل وملوّن كارامال، بالإضافة إلى حامض اللكتيك وملح الكالسيوم ومثبّت الكراجينات وأنزيمات الاملاز ومضاد الأكسدة وبيروسيلفلت البوتاسيوم. كل ذلك كتب أسفل قارورة الجعّة ذات الزجاج الأخضر. فوق الطاولة المبللة بماء الشعير المخمّر قارورتان وكأس واحدة وصحن من الفول المدمّس. كان حيدر قنديل مع صديقه شادي أبو العلى يلعبان البلياردو داخل حانة تطلّ على شاطئ البحر.

هما شابان لا يبدو عليهما تجاوز العقد الثالث من العمر، ولكنهما تجاوزاه. كان حيدر وشادي صديقين لا يفترقان أيام المعهد ولكن الكليّة فرقت بينهما، فقد درس شادي الموسيقى، ولكن البيرة المبرّدة لا تزال تجمعهما. كانا يرتشفان مذاق النبيذ المعتّق بزهو وهما يقرعان الكأس بالقارورة، ذلك أنّ حيدر لا يحبّذ الشرب من الكأس.

- الشر كله في بيروسيلفلت البوتاسيوم هذا. يا شادي.

- وما هو ذاك؟

- لا أدري، ولكن لم يطمئن له قلبي حينما قرأته على القارورة.

رفع حيدر قارورته وأشار إلى ذلك الاسم الغامض وأخذ يشرب ما تبقى في قاعها، وحينما يضعها كانت تسيل فقاعات النبيذ منها فيدركها بلسانه ويلتهم الفول من الصحن ويقول لصاحبه يمازحه:

- لو احتوى الفول على بيروسيلفلت البوتاسيوم هذا لحرّمه علينا شيوخ جامع الزيتونة.

- حيدر هل أنت سكران؟

- بل عطشان. لقد جفّت القوارير والحناجر.

يشير حيدر إلى النادل بإصبعيه ليطلب قارورتين من النبيذ المبرّد، وقد كان هو من يتكفل منذ قدومهما في ذاك المساء الربيعي بطلب المشروب كأنه يملي على صديقه مسايرته في الشرب... كأن هذه الليلة هي ليلته.

- ما بك الليلة؟ هل تريد أن تسكر؟

- أسكر؟ أنا أسكر؟... أنا... أنا... أنا أشرب دجلة والفرات ولا أسكر... و... وأبتلع النيل برمّته ولا ينطق لساني بالمنكر... وقد ظننت... وقد حسبت حبها ديناً... وقبلتها خمراً وأفيوناً أو أكثر... لكني نسيت ملامحها ولون بشرتها وسحر عينيها ومذاق نهديها... و... حتى اسمها... ما عدت أذكر.

كان النادل حينها على مقربة منهما وسمع ما دار بينهما من حديث فحمل إليهما القارورتين وشاركهما الحوار. التواصل في الحانة لا يحتاج إلى تكلف، ويحلو الحوار فيها بين الناس لأنّ الكلام يكون مخموراً، وكل حديث السكير يصير مباحاً. علّ الحانة صارت المكان الأخير للحوار، وعلّ هذا المكان المحرّم أصبح ملاذاً للتعبير المباح. قدّم النادل المطلوب، وكان اسمه "عاشور"، والتفت إلى حيدر يمازحه.

- بعد القارورة العاشرة صرت تنطق شعراً، لكن بعد هذه فلن تنطق أبداً.

- أعطني، يا عاشور، جعّة نظيفة أعطك قصيدة نظيفة. (كأنه جاد في قوله).

- أشتري منك قصيدة لو هجوت حماتي. (ضاحكاً).

- أما هذه فلا. فأنا أبيع الحب وأبيعه بالمجان. أنا أبيع الهوى. (باسماً).

Page 5

- يا حيدر، لقد جعل منك المنكر شاعراً. (مبتسماً) أو ربما كنت شاعراً مجهولاً.

- شاعراً؟... (يصمت قليلاً، كأنه يداري عن الناس أمراً) إنّ الشاعر الذي كان يسكنني قرأت خبر وفاته في إحدى الصحف... لقد انتحر. (يمرر أطراف أصابعه بين خصلات شعره الطويل) لم أحضر جنازته ولكن حينما تمت مراسم دفنه قرأت عليه الفاتحة. (كأنه أفشى أخيراً سرّه).

يدفع حيدر عصا البلياردو بشدة ولكنه يخطأ مرماه وتسقط الكرة البيضاء من على الطاولة، فيدركها شادي ليضعها في الوسط وكذلك تنتهي المقابلة. يهنئ عاشور شادي ويواسي حيدر.

- يموت الفنان ليحيا الفن يا حيدر. إشرب، فحين يذهب عقلك سيعود لك الإلهام. الشعراء شياطين وعرابيد.

كان عاشور رجلاً في الأربعين من عمره تقريباً، وقد اشتغل في الحانات سنوات، وحذق العمل بها حتى صار خبيراً في نفوس السكارى، فهو يعاملهم بوقار الشيوخ إلى حدود القارورة الخامسة فإن طلبوا أكثر حادثهم كالشبان، فإن شربوا أكثر من عشر تعامل معهم كالأطفال. كان حيدر يلقبه بخبير النفوس. أما عاشور فكان يرحب بهذا الدليل السياحي بحفاوة في فصل الصيف لكثرة البقشيش ولكن فصل الربيع أقل جوداً. على مقربة منهم كان شخص ذو قبّعة سوداء يصغي إليهما ويبتسم لحديث "عاشور" من دون أن يشاركهما الحوار.

إنها حانة على ضفاف الشاطئ. يغمر المكان دخان السجائر وصياح الحناجر، ويتقطع الحديث وتتعالى الضحكات أحياناً والسب والرفث أحياناً أخرى. فجأة يشتد الشجار بين بعض الحرفاء الذين يتبادلون الشتم فيتدخل عاشور لفك النزاع بينهم ويقود رجلين نحو باب الحانة وهو يشاركهما في لعن الآخرين.

يدخل في ذاك الوقت رجل في الخمسين من العمر أو يزيد، وقد اشتعل بياض الشعر في رأسه ولحيته؛ وكان يرتدي جاكتة مجعّدة بألوان زاهية كأنه قذف من زمن السبعينيات، وكان يحمل معه قفة تخفي ما فيها. حينما توسط القاعة ألقى السلام فلم يجبه أحد، فنادى في الحضور كمن خطب في شعبه أيام الستينيات: "يا أهل المنكر والمسكر أما فيكم من رجل رشيد؟".

غمر صوته الجوهري المكان فانحنت له الحناجر ولانت له الوجوه بشاشة. كل من تعرف عليه استقبله بابتسامة، أما من رآه لأول مرّة فرمقه بنظرة ملؤها الريبة. إنه بائع اللوز الذي يجوب الحانات ليلاً ليعرض على الحرفاء ما احتوت عليه قفته. كان يضاعف أثمان السجائر والفواكه، فإن جادله أحد في السعر حدثه عن الأداءات في هذا الزمن الصعب على الرغم من أنه ما كان له من أداءات يدفعها. مازحه شادي يوماً: "أتجوب الحانات كلها تكتشفها كمثل ذاك الباحث ابن بطوطة؟"، فأجابه حينها: "أنا لست ابنه بل والده". كذلك لقّب بين الناس "بطوطة". كان بشوشاً كثير المزاح مع الناس من دون أن يطيل المقام بينهم، فيجالسهم ثم ينصرف عنهم حينما تتعالى قهقهاتهم ليرسم على وجنتيه ابتسامة أخيرة ويرحل.

كان شادي يطيب له سماع حديث هذا الرجل المكنوز بالأسرار، فهو يحمل في قفته ما يخفى عن الأبصار وفي بشاشته آمال الشباب على الرغم من شيبته، وفي كلامه قصصاً وخرافات وألغازاً. فلما لمح دخوله دعاه ليجالسهما، فاشترط بطوطة كعادته كأساً من "البوخة" أسرع شادي في طلبها.

- قص علينا يا بطوطة رواية عن الحب أعيدها على مسامع زوجتي. أعلم أنها ستذهب عني نشوتي بلومها لتأخري.

- دعنا من الحب وهمومه يا شادي. بل احكي لنا يا بطوطة قصة عن الخمر وأسرارها.

- سأروي لكما خرافة عن الحب ملؤها الخمر، فبفضل الحب اخترع الإنسان الخمر. غير أني لا أرى على الطاولة برهانه.

نهض شادي من مكانه ليحمل إليه كوباً من "البوخة" وهي عصير التين المخمّر من بين اختصاصات البلد. قبل أن يبدأ بطوطة في سرد خرافته، ترشّف من الكأس مرتين، ثم روى فقال:

"يحكى أن رجلاً سقط من السماء فلما تكشّف على المكان اكتشف وحدته، فعاشر القردة حتى سئم ميوعة مجالسها فهجرها فزاره الشيطان يوماً يعرض عليه الصلح وصحبته، ولكنه طرده وفضّل وحدته، وبينما كان في أحد الأيام يجول الحدائق رأى خطى تشبه خطاه فتبعها حتى وجد عندها امرأة تبكي، فسألها: ما أبكاك؟ فقالت: أخاف النوم في العراء، قال: ستبيتين عندي. فاشترطت عليه أن لا يعاشرها إلا إذا أحبها، فإن أحبها، غازلها فإن غازلها، داعبها فإن داعبها، عانقها فإن عانقها، عاشرها، فقبل شرطها وعاشرها.

ومن الغد حينما خرج يجمع لها الخضر والغلال جاءها الشيطان يسعى قال: هل رضيت بخله عليك؟ قالت: لا أستطيع الحياة من دونه. قال: أسفي عليك، ثم خرج. فلما عاد صاحبها تمنّعت. قال: ما لك الليلة على غير حالك؟ قالت: أتحبني؟ قال: نعم، فقالت: أريد مهراً، قال: لك كل غلال الأرض، لكنها قالت: أريد عصيرها. فخرج يجمع لها أطيب الغلال وألذها وصادف الشيطان بين الكروم فتطيّر منه فسأله: هل تبحث عن خير فاكهة تعصرها؟ قال: أغرب عن وجهي. سمعت نصحك من قبل وندمت. قال له: كل الغلال طيبة، ولكن إياك عصر العنب فمذاقه مر. وانصرف.

فألقى ما له من فاكهة، وراح يبحث عن الكروم كي يعارض نصحه، فلما وجد العنب عند أرض منبسطة قطفه وعصره بيديه في إناء صنعه من جوز الهند، وحينما ذاقته قالت: إنه مر. قال: الكروم أنواع. وصارا يرتشفان منه كل مساء، وكلما شربا منه أكثر تعود لسانهما على مرارته حتى تطعّما حلاوته. في إحدى الليالي شربا كل ما حوى قاع الإناء، فانتشيا وزهت عيونهما وانشرحت وجوههما حمرة وتراخت أجسامهما، فلما أسلمت له نفسها عاشرها من دون أن يداعبها، وأدركها النعاس فنامت ليلتها مرهقة. من الغد استيقظت حانقة فيه: كانت هدية مغشوشة. قال: ما قصدت خداعك. قالت: تزوجني لعلي أصفح عنك. قال: فمن يعقد قراننا؟ فصمتت وأدارت عنه سحنتها.

خرج بين البوادي باحثاً عن أهل الثقة، فصادف الشيطان عن غير مصادفة. قال: قد غرّ بيّ عصير العنب. قال: ألم أحذرك مرارته؟ قال: قد غرتني حلاوته. قال: ذلك لتعهد لنصحي من بعد. قال: أتشهد زواجي بها؟ قال: بشرط، قال: لا تعسّر عليّ أمري، فقال: يكون لك بنون ونفير فيكون لي النصف. قال: قبلت. فشهد قرانهما.

عندما أنجبت أول أبنائها ذهب إليهما مهنئاً. قال: جئت لآخذ الغلام. قال: إنه أوّل أبنائي وأمه شغوفة به. فذهب ليعود إليهما مختالاً في مشيته إثر الولادة الثانية. قال: أما هذا الغلام فهو لي. فأجابه: إني شغوف به. قال: إنك عاهدتني، ردّ قائلاً: إنك نكثت العهد من قبل، فقال: لأغوينّ سلالتك جمعاء وأتخذ منها جنداً وعبيداً، قال: سأنصح بنيّ منك، قال: ما علمتك من الناصحين، أجاب: أخرج عني، قال: قد خيرتك أن تعطيني النصف وها قد منحتني أكثر. ضحك مقهقهاً ثم خرج.

ظل الرجل يطارده لاغتياله ولكن لا يجد إلا أثره حتى يئس منه ونسي أمره. كان الشيطان يختفي في إناء عصير العنب ويسكن قاعها، غير أن الرجل نسي أن يبحث عنه فيه".

بينما ابتسم حيدر مسروراً، تطيّر شادي من هذه الحكاية، فقد اشتاق ليلتها لزوجته، وكان بطوطة يستقبل تضجّر جليسه وبذاءته بالقهقهات، حتى سأله شادي متذمراً.

- وما العبرة من هذه الخرافة التي رويت؟

- ولِمَ تبحث عن العبر والحكم يا شادي؟ إنها خرافة مخمورة، كمثل تلك الكأس التي في يدك. هل للتدخين من لذّة سوى الحركات يا حيدر؟ كذلك قصصي ما لها من عبرة سوى الكلمات.

اكتفى حيدر بابتسامة. لم يرق له سؤال شادي كثيراً، فقد بدا له دون جدوى ولكنّه حينما سمع جواب بطوطة استماله الحديث فمضى يستدرجه في الكلام كي يخبره كيف يؤلف حكاياه، وقد سمع منها الكثير.

- أنا لا أؤلف القصص بل أرتجل الأحداث. ليست لدي الجرأة لكي أكون أديباً يقول ما يريد ويقرر ما يريد ويفعل بالبطل ما يريد ويذيق عدوه ما يريد ويقوّل شخصاً ما يريد وآخر ما يريد. أنا أشاهد ملامح الناس فإن ابتسموا أضحكتهم وإن عبسوا أبكيتهم وإن تكدّروا أحزنتهم وإن انشرحوا أفرحتهم. الناس يكتبون حكاياتي بمحياهم وبمزاجهم، أما أنا فلا أفعل أكثر من أن أنقل إليهم أخبارهم. كل إنسان يحمل في ذاته فناناً.

Page 6

- فلِمَ لا يصبح جميع البشر فنانين؟

- للفن ثمنٌ يجب دفعه، وأغلب البشر أشحاء.

- والفنان؟

- الفنان هو ذاك الذي ما له من ثمن. إنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.

دعاه حيدر لتناول كأس أخرى من "البوخة" فلم يمانع، وكان خير من يعلم طباع هذا الرجل، فكلاهما يراود المكان منذ سنين وكلاهما يعلم طباع الآخر وطبع الجميع. لم يعلّق حيدر على ذاك الحديث واختار أن يكتنز ما سمعه في زاوية من ذاكرته. كان لبطوطة حضور كذاك الأستاذ الذي يحاضر أمام طلبته من دون أن يقاطعوه أو يرتجل الكلام الذي دوّنه في أوراقه دون سرد ما فيها، وكان يحذق الحديث بما يوحي بمستوى محترم من التعليم. كان له كالجميع بعض الأسرار.

- هل في قفتك شيء من الشوكولاته؟

- أي شوكولاته تريد يا حيدر؟ للصغار أم للكبار؟ (يقلّب المكان بنظرات حذرة كأنه يكتشفه).

- أشتري منك كليهما.

يخرج بطوطة قطعة من الشوكولاته من القفة ثم يبحث في جيبه عن قرطاس صغير يعطيه إياه وهو يواريه عن الأنظار. حينما فرغت كأسه استودعهما بطوطة خيراً وانصرف نحو طاولة أخرى ليتّخذ مكاناً حذو من دعاه، وكلما فرغت كأسه انتقل إلى مجلس آخر بين الحرفاء، فالسكارى بطبعهم كرماء. تلك عادة بطوطة أن يجالس السكارى ويمازحهم حتى يطيب مقامه بينهم فإن استلطفوا مجلسه باعهم اللوز وما احتوت قفته، فإن ابتاعوا سلعته ودّعهم ليجالس غيرهم قبل أن يبتلعوا تلك الرشفة التي توارى الشيطان بين قطراتها.

كانت الحانة تطلّ على شاطئ مهجور من مدينة نابل، وهي مدينة صغيرة وجميلة وتطيب فيها الحياة لمن لم يلتمس من العيش إلا الحياة. تستيقظ مدينة نابل عند طلوع الشمس وتغلق أبوابها مع غروبها تحت الأضواء الخافتة التي تضيء شوارعها لمن استيقظ حينها ليجوب مقاهيها وملاهيها. حينما فرغت القارورتان طلب حيدر أخريين شرباهما على عجل وغادرا أيضاً. عند باب الحانة فضّل حيدر المشي على ركوب سيارة شادي، فافترقا.

- إنها تمطر يا حيدر.

- إنه رذاذ.

خلع نعليه واتجه نحو الشاطئ يتمشى فوق الرمل المبتل رافعاً رأسه إلى السماء ليغسل وجنتيه بالمطر. كان يهيم بالبحر ويطيب له العوم تحت الرذاذ. يلتفت إلى الحانة فيراها ظلماء فيفتح أزرار سرواله ليتبوّل، وكان يمسك قضيبه ممازحاً إياه: "يا لئيم تبوّل وتبلّل. مالك عبوس؟ ألا تبتسم يوماً؟ (باسماً) ما بك لا تزال صغيراً؟ أعرفك منذ سنين ولا تزال كما أنت. ألا تكبر؟ (ضاحكاً) ألا تعلم ماذا قال الشاعر؟ ماذا قال؟ أوف لا أذكر ماذا قال. لا أذكر أي شاعر. أوف إنهم كثر. بل صدق بطوطة إنهم استثناء". بينما كان يلاعب ذكره تحت المطر، فاجأه صوت خافت من خلفه:

- ألا تستحي يا رجل؟ إنه البحر. أتتبوّل على صديقك؟

يلتفت حيدر مذعوراً من هذا الصوت ذي الصدى ومغتاظاً من هذه النبرات الساخرة، فيرى أمامه رجلاً ذا هيبة يرتدي رنديكة قاتمة اللون وطويلة إلى حد كعب قدميه ويخفي عينيه تحت برطل طويل وأسود. أوجس حيدر خيفة من هيئة هذا الشخص الذي يطارده ليلاً في خلوته، فهو بحكم عمله في القطاع السياحي من أدرى الناس بتجارة اللواط التي تزدهر شتاء في غياب بنات عيسى، كما تسمى الأجنبيات في هذه المدينة.

- ماذا تريد يا رجل؟

- لديّ مرسال إليك: سيدي الطاووس يهديك التحيّة ويوصيك بنفسك خيراً، وأول تعاليمه لك أن تؤمن بنفسك قبل الإيمان بغيرك.

- ومن سيدك الطاووس هذا؟ (متعجباً).

- إنه الأستاذ. أستاذ الشعراء.

- لقد أخطأت يا سيد. فلست ذاك الذي تبحث عنه، أنا لست بشاعر. بل أنا رجل مخمور وأريد أن أتبول. فهل تركتني لأقضي حاجتي من فضلك؟

- إنّ الطاووس أستاذ لا يخطئ في تقييم تلاميذه. إنه طاووس الجنة.

- يا سيد. لست فناناً ولا شاعراً، أنا... من أنا؟... أنا لست إلا... عربيداً.

- تسكنك روح شاعر، كذلك قال الطاووس. فاتبع خطاه وسيجعل منك الرجل الذي هو أنت. واستمع إلى نصحه وستكون الشاعر الذي تريد أن تكون.

- لست شاعراً يا هذا. لقد طلّقت الشعر ونسيت الأوزان منذ زمن. أنا دليل سياحي وكفى.

- ألا تسوّي أزرار سروالك أولاً سيد حيدر قنديل؟

ينظر حيدر إلى الأزرار فيستحي ويهمّ بإعادة تسويتها بينما ينصرف ذلك الشخص الغريب يتمشى على حافة البحر نحو الظلام.

- كيف عرفت اسمي يا رجل؟

لم يجبه ذلك الغريب عن المدينة بل واصل المشي على حافة الماء، بينما كان حيدر يصيح فيه بالغروب عن وجهه: "آه لقد عرفتك، لقد تذكرت. لقد كنت في الحانة تجالس الناس ولا تشرب. لقد رأيت ابتساماتك الساخرة. ولقد رأيتك من قبل أيضاً ولكن نسيت أين. هل أنت شرطي أم مخبر؟ إنك من البوليس السياسي، أليس كذلك؟ بلّغ رؤساءك بأن حيدر قنديل قد هجر السياسة من سنين وما ذاك رهبة من بطشهم ولكن تعالياً على سخافتهم. بلّغهم بأني لا أخشاهم بل أحتقرهم. هذا مرسالي إليهم. أنا لا أتبوّل على البحر فهو صديقي وصاحبي ونديمي بل أتبوّل على أسيادك الذين أرسلوك لتفسد عليّ نشوتي". يفتح أزرار سرواله ثانية ويخرج قضيبه ويتبول بعيداً عن الماء بزهو وطرب ويخاطب ذكره ضاحكاً: "ها قد كبرت فجأة. ها إني أراك تبتسم وتضحك لأول مرة في حياتي. هيا تبوّل عليهم وانتشي دونهم علّك تصير ذكراً. هيا تبوّل وتبلّل".

لم يكن لحيدر أن يرى عيون ذلك الضيف، فسماته مغمورة وقد أسدل القبّعة على أنفه في سواد الليل. لقد غاب ذلك الشخص الملثّم بالسواد، وكان يمشي على الماء من دون أن تبتل قدماه. يخرج حيدر من جيبه شوكولاته الكبار التي ابتاعها من بطوطة ليشعلها بأطراف أصابعه ويمزجها ببعض السيجارة ثم يدخنها بتأن وغبطة. يخلع قميصه ويلقيه أرضاً ثم يلقي بنفسه في الماء تحت المطر.

Page 7

-3-

- الاسم؟

- حيدر.

- اللقب؟

- قنديل.

- السن؟

- عمر المسيح.

- ماذا؟ العمر؟ (بضيق).

- ثلاثة وثلاثون عاماً وبضعة أشهر من عمر قد رحل.

- ثلاثة وثلاثون. المهنة؟

- دليل سياحي.

- مكان العمل؟

- بين حضارات تاريخ الأمم.

- ما هي المؤسسة التي تعمل فيها؟ أجبني على حسب السؤال. (بحزم).

- وكالة "فيادجو" للأسفار.

- تعمل مع أي جنسية من السياح؟

- الإيطاليين.

- هل تعرف السيد ميهيلوف فيدوفسكي؟

- نعم.

- كيف وهو روسي؟

- قدم من إيطاليا، وقد أمضى عطلة آخر الأسبوع في فينيسيا للفسحة واللعب في كازينو المدينة.

- هو من أخبرك بذلك؟

- لا بل الآنسة ماريا التي قدمت معه من موسكو.

- ما طبيعة العلاقة التي تجمعكما؟

- مع ماريا؟

- مع السيد ميهيلوف فيدوفسكي؟

- علاقة دليل سياحي مع أحد الحرفاء.

- فحسب؟

- فقط.

- لِمَ أمضيت معه كامل أيام إقامته هنا؟

- كنا نتلاقى للعب.

- في الكازينو؟

- ذهبنا إلى الكازينو معا،ً ولكن كنا نلتقي للعب الشطرنج أيضاً.

- لماذا قتلته؟

- لم أقتله.

- قال عون الاستقبال بأنك دخلت النزل عند المساء وشاهدك حارس الشاطئ تغادر"بانقالو" السيد ميهيلوف فيدوفسكي على الساعة الواحدة صباحاً تقريباً.

- لم أقتله.

- قد اتهمتك صديقة الضحية الآنسة ماريا رومانوف في هذه الجريمة.

- لم أقتله. صدقني.

- هل تريد أن أكذّب كل هؤلاء وتصديقك أنت؟ لماذا؟

- لأنني لم أقتله.

- أين قضيت ليلة الخميس المنقضي؟

- مع فيدوفسكي.

- بالفعل. لقد وجدنا بصماتك في "البانقالو" .

- لم أقتله. . ولكن كيف مات؟ هل مات بمسدس؟

- نعم.

- هل هو مسدس أسود روسي الصنع؟

- نعم.

- هل أطلقت منه رصاصة وبقيت في داخله اثنتان؟

- كيف عرفت كل هذه المعلومات إن لم تكن القاتل؟

- لقد قتله الطاووس.

- من؟ أي طاووس هذا؟ لا تتصنع الجنون فلن ينفعك ذلك في شيء. (حانقاً)

- طاووس الجنة. لا تعرفه لأنه غير مدون في دفاتر الأحوال الشخصية. انس ذلك الآن. أعرف كيف مات. لقد أطلق النار على نفسه.

- تعرف بأنّ السيد ميهيلوف فيدوفسكي قد قتل برصاصة مسدس أسود روسي الصنع وأنه أطلقت منه رصاصة وبقيت في داخله اثنتان. وتدعي بأنه انتحر؟ الذي يريد أن ينتحر لا يضع ثلاث رصاصات في المسدس.

- لم أقل بأنه انتحر ولكنه أطلق النار على نفسه.

- لقد ذقت بك ذرعاً. (بقنوط) سيد حيدر قنديل إنك موقوف بتهمة القتل العمد ضد السيد ميهيلوف فيدوفسكي، وستحال إلى مكتب السيد وكيل الجمهورية ثم قاضي التحقيق قبل مثولك أمام المحكمة. لكن قبل ذلك سنستضيفك عندنا بعض الوقت للترحيب بقدومك بيننا.

- هل يمكنني أن أشعل سيجارة؟

- سنشعلها لك نحن وستطفئها أنت.(ساخراً).

كذلك كان أول لقاء بين حيدر قنديل والدالي جمر، ولكنه ليس الأخير.

Page 8

-4-

كان حيدر يحدّث شادي عن مباراة في الشطرنج لعبها بالأمس وهما يحتسيان النبيذ المبرّد، وقد حمل معه الرقعة والقطع ليفسّر له أحداثها بالتدقيق. طلبت منه وكالة الأسفار التي يعمل فيها مرافقة "شخص مهم جداً" حسب العبارة المستعملة في القطاع السياحي طيلة مدة إقامته في البلاد. كان هذا السائح ضيفاً من روسيا يدعى السيد "أليسندرو زيبروف" وهو بطل العالم الجديد في الشطرنج والذي تمت دعوته من قبل الجمعية الوطنية إلى ندوة أقيمت على شرفه بعد حصوله على اللقب، وذلك في نطاق التعريف باللعبة ولأغراض سياحية أيضاً، وقد نظمت الجمعية مقابلة استعراضية تبارى فيها السيد "زيبروف" ضد عشرين لاعباً في الوقت نفسه قد اصطفّوا أمامه في شكل نصف دائري، وكان ينتقل من طاولة إلى أخرى بخطى ثابتة، وبالطبع لم يجد من عناء في الغلبة عليهم جميعاً ولا حتى من متعة في التباري معهم على الرغم من انتمائهم إلى الفريق الوطني ودرجات بعضهم المرموقة في السلم العالمي. اقتصر حضور حيدر على الترجمة وذلك لإتقانه اللغة الانجليزية ولمعرفته لقوانين اللعبة، غير أنه ما استطاع كبح نفسه عن متابعة مهارة هذا البطل؛ وبعد نهاية العرض اختلى حيدر بالسيد "زيبروف" ليسرد عليه تعليقاً تحرّج أول الأمر في البوح به.

- سيد "زيبروف" ألا تزال تذكر اللاعب رقم سبعة عشر؟

- أتذكر المباراة.

- لو أنه حرّك الحصان ب-6: أ-4 ما كان لينسحب بعد ذلك بلعبتين، على ما أعتقد. أليس كذلك؟

- لقد لعب الفيل "كش". ما أغنى عنه ذلك من شيء. وماذا لو لعب الحصان أ-4؟ هل كان سيبدل من الأمر شيئاً؟ الملكة كانت حينها تحمي أ-2.

- لكن الفيل الذي غيّر موقعه كان يهدد ب-2 من قبل. أليس كذلك؟

- الفيل... (يخلع نظارتيه المستديرتين ويتمهل قليلاً قبل أن يبوح بكلمة)... آه... فهمت. ربما كان ذلك أفضل له بعض الشيء. (بشيء من التعالي).

- في كل الأحوال لم يكن له من حظ كبير في الفوز، فلقد حوصر ملكه حتى اختنق.

- هل تلعب الشطرنج؟ يا سيد ...

- قنديل. حيدر قنديل.

- هل تريد أن نلتقي هذا المساء بعد العشاء للعب يا سيد قنديل؟

- آه. نعم. (مزهواً) يسرني ذلك كثيراً.

كان الأمر كذلك، ففي مساء ذلك اليوم وبعد انقضاء الندوة، حيث قام السيد "زيبروف" بتحليل مباراة جمعته في النهائي ضد منافسه الهندي، التقى بدليله السياحي في بهو النزل حيث انسحبا نحو ركن من قاعة الاستقبال، وعلى الرغم من تكتمهما على الأمر فإن تواجد السيد "زيبروف" جلب فضول المشاركين في الندوة واللاعبين المقيمين في النزل وحتى بعض السياح. غاب التشويق في هذه المباراة، ولكن لم تمضِ إلا دقائق معدودة حتى وجدا نفسيهما محاصرين بجمهور غفير. كان من بين الحضور السيد "ميهيلوف فيدوفسكي"، ذلك السائح الروسي الذي قدم من إيطاليا وعاش أيامه الأخيرة قبل أن يتوفى ضمن ظروف غامضة.

Page 9

- لقد كان ضيفي لذلك تركت له الأولوية للعب بالأبيض، تلك آداب الشطرنج. لعب "زيبروف" ج-4، أي قدّم البيدق ج-2 بمربعين، فلعبت ج-6، على الطريقة السلافيّة، فلعب البيدق ح-4 فأجبته ح-5. هكذا انظر يا شادي. ح-4 x¤ ح-6 x ج5 ثم حصان ب-3: حصان ب-6.

يحاول شادي التركيز، غير أنه غير مولع بهذه اللعبة التي تستوجب أحياناً عناء المطالعة؛ فالتفاصيل ترهقه كثيراً، أما أن تكون مباراة لبطل عالمي فذاك أمر يعجز عن فهمه، ولكنه ظل يصغي لصديقه باهتمام لكي لا يكدّر عليه نشوته، فمنذ زمن لم يرَ هذه الغبطة في عيونه، ولكي يتجنب بعض الأمور التي تتجاوزه فإنه يلقي من حين إلى آخر بعض الأسئلة.

- كيف تنتهي مباراة في الشطرنج بالتعادل؟ لم أعلم ذلك من قبل.

- ذلك أن تتساوى القطع أو الوضعيتان في النهاية، فيطلب أحد اللاعبين التعادل ويرضى به الآخر.

- وكيف قبل "زيبروف" التعادل معك؟

- بل هو من عرضه عليّ أمام دهشة الجميع، فقبلت.

- حقاً؟

- نعم. لقد كنت في هذه الوضعية بالضبط وكانت قطعه هكذا، فلما هاجم بالرخ في ج-1 ليسيطر على الصف الأفقي لعبت الحصان ج-6 هنا، وكانت لعبة دفاعية وهجومية أيضاً فقد أجبرت ملكته على التقهقر إلى الخلف.

- أين البيرة؟ لا بد أن نحتفل بهذا التعادل على أنه انتصار. يا عاشور.(يقلّب المكان بعينيه بحثاً عن النادل وقد أعياه ضنى التركيز).

لم يفهم شادي الكثير، ولكنه حرص على أن يشارك حيدر فرحة ذاك اليوم، وأن يسقي بالنبيذ نخوة الاعتزاز التي غمرت صديقه فطلب من النادل المزيد من النبيذ.

عند نهاية هذه المباراة مع السيد "زيبروف"، اجتمع الجميع حول حيدر يهنئونه بهذا الانجاز وهم يحللون الوضعية الأخيرة، وكان يرد على مدحهم بابتسامات متواضعة تواري نشوته. أما السيد فيدوفسكي فقد فضّل أن يكتفي بابتسامة للدليل السياحي وتحيّة السيد "زيبروف" حيث دار بينهما حوار بالروسية لم يفهمه أحد، وبدا على الرجلين معرفة قديمة تجمعهما، ثم انسحبا ليلتمسا ركناً في حانة النزل ويشربا "الفودكا"، ذكرى من الوطن.

Page 10

-5-

يدق منبه الساعة بطريقة متواترة ومزعجة فيتقلب حيدر تحت اللحاف ويخفي رأسه تحت الوسادة وهو يتمتم بضجر لتواصل الرنين وازدياده، فيخرج يده من تحت الغطاء ويمسك بالساعة من على الكوميدينو ويلقيها وقد تراخت عضلاته، فتصطدم بالحائط وتسقط أرضاً. ما كاد يسدل حيدر ذراعيه حول رأسه حتى ينبعث ذلك الضجيج من جديد، فيرفع اللحاف ويقف أخيراً لإسكات المنبه ويتجه نحو بيت الاستحمام. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً.

- تبّاً

يخرج من بيت الاستحمام يتصبب ماء حيث لم تكن المنشفة في مكانها. يشعل سيجارة بينما كان يحضر القهوة على عجل. وعندما ينتهي من تحضيرها تكون سيجارته قد شارفت على الانطفاء.

- تبّاً.

يتجه نحو بيت الاستقبال باحثاً عن ثيابه، فيجد قميص البارحة منكمشاً وقد فاحت منه رائحة الكحول، فيبحث في المكان عن ثوب آخر حتى يجد قميصاً حذو الكنبة يلبسه على عجل مع أول سروال يصادفه وطرفي جراب ذي زرقة ولكن ليس من اللون ذاته. ينظر إلى ساعته، إنها السابعة وعشر دقائق تقريباً، وموعده مع السياح على الساعة الثامنة في بهو الاستقبال. عرف السيد حيدر قنديل في النزل أنيقاً، ولكن الأناقة تستلزم شيئاً من التأني.

- تبّاً.

يركب دراجته الناريّة ويتجه نحو النزل ليجد الحافلة في انتظاره. يرفع عينيه نحو السائق للتعرّف عليه ويدير رأسه كأنه تكشّف على عورة الشيطان حينما يرى "الفرجاني".

- تبّاً.

إنه سائق الحافلة التي ستقود يومها السياح في فسحة إلى العاصمة وزيارة قرطاج. كانت تجمع بين الرجلين معرفة قديمة إلى حد أنه لم يعد أحد يطيق رؤية وجه الآخر، وقد طلب حيدر يوماً من الوكالة عدم تعيين هذا السائق بالذات معه، ولكن لم يكن بالإمكان إيجاد سائق آخر اليوم على ما يبدو.

- أنت؟ هل أنت ثمل كالعادة؟

- قل صباح الخير أو اصمت يا فرجاني.

- ألا تصعد؟ أم تريد أن نقضي اليوم كمثل تلك المرّة ..

- ماذا تنتظر لتشغيل المحرك؟... تبّاً.

يبتعد حيدر عن الحافلة ويشعل سيجارة أخرى وهو يلعن وكالة الأسفار وموظفيها ومالكيها. يتأكد من مجيء جميع السياح، عندها يأمر الفرجاني بالانطلاق. يذكّر السياح باتجاه الرحلة ويقفل الميكروفون ليترك موسيقى "البلووز" تغمر أجواء الحافلة ويغمض عينيه.

يوقظه الفرجاني من نومه بعد مضي ساعة لينبهه باقترابهما من الكنيسة التي تتوسط شارع بورقيبة وسط العاصمة. يفتح الميكروفون وعيناه لا تزالان مغمضتين، ويمنح ضيوفه ساعة لاكتشاف المكان والفسحة في هذا الشارع البديع، وبعد نزولهم يفتح عينيه. ومن دون الحديث مع الفرجاني يتجه مباشرة نحو أحد المقاهي الفاخرة ليطلب قهوة سريعة يشربها في رشفة واحدة على الطريقة الايطالية، ويطلب واحدة أخرى يرتشفها عن مهل وهو يدخن سيجارة أخرى متأملاً المسرح البلدي وقد أغناه ذلك المعمار عن النظر إلى مرور الجميلات الراغبات والمتمنّعات. حينما داهمه الوقت ترك بعض الدنانير على الطاولة وعاد مهرولاً نحو الكنيسة. لم يكن ذهنه مهتماً بهندسة هذا الأثر المعماري كما يبدو، وإنما كان هائماً في ما قد يدور فوق ركح ذاك المكان العتيق. حينما كان طالباً في العاصمة كان يراود ذاك المسرح ليعود إلى منزله مسحوراً بعظمة الفن.

يقف أمام باب الحافلة منتظراً صعود السياح وهو يخفي عنهم نعاسه، حتى مرت أمامه فتاة ذات فتنة تداعب بأصابعها الرقيقة خصلات شعرها الأشقر الذي يضاهي الأمواج حين ثورتها ويتراقص فوق أكتافها، وهكذا استيقظ من سباته. وبينما هامت مخيلته بين محاسن مؤخرتها، حدثه رجل بدين باللغة الانجليزية، وما كانت تلك عادة الايطاليين استئذاناً للمرور. صعد حيدر وهو يترصد مكان تلك الشقراء، فاكتشف اصطحابها لذلك الشخص.