eKtab
EN ع
بغداد حبيبتي (يهود العراق – ذكريات وشجون)
Read free sample

بغداد حبيبتي (يهود العراق – ذكريات وشجون)

by أ.د. شموئيل (سامي) موريه

Page 1
تقديم
 
 
 
بقلم الاستاذ سعد سامي نادر – هولندا
 
شموئيل موريه .. شجون وأحلام وآمال عراقية نقية طيبة
 
كعراقي، وكواحد ممن ترك وطنه مرغماً وعلى مضض، متعة، ان تعيد قراءة "يهود العراق-ذكريات وشجون" للبوفيسور شموئيل "سامي" موريه، ستشدك زفرة ومرارة كلمات بسيطة نابعة من قلب ووجدان ونقاء مواطن عراقي يفيض حبًا ووطنية صادقة يغلفها حنينٌ للوطن بلا حدود. ستجبرك لوعات شجونه على المضي معه عبر طريق أحزان وآلام روح سُبيت وأجبرت يوماً على ترك وطنها الأم مثلنا، على مضض. لوعتك وقرفك كقارئ ومهجَّر عراقي، أنك تعرف أدق تفاصيل أحداثها حتى صغائر خلفيات وخفايا دسائس مؤامراتها. وتعلم أيضاً بأوليات ونهايات عذابات فواجعها الأليمة.
 
قلت انها متعة..! لا شك، ان لطعم مرارة الحزن والأسى والألم، متعة ومذاق إنساني عراقي متفرد. قدرٌ أحمق خصهم الرب وحدهم فيه .. فطعم مرارة الظلم وقسوة الألم ولوعة ساعات التهجير القاتلة ولحظات وداع الأهل ودموع الأحبة، ألم مازوخي له طعم ولذّة، هي ذاتها مَن تزيد إصرارك على المضي في تكملة مشوارك مع ألم ولوعات سرد ذكريات وشجون سامي والسير معها لآخر مطاف جلد الذات بسياط أحداثها الأليمة الدامية. غير إن حلاوة ذكريات صباه المشوقة، تريحك حين تسرح بِك مع "لثغات" لغتها الشعبية-اليهودية المحكية- الضاحكة حد القهقهة ورقرقة العين..
 
أما أحاديث لوعة الوداع والألم، فتصور وقائع وأحداث ليست بعيدة عنك كعراقي، فقد مَسَّت لسعات وجور قسوتها وأثـَّر الكثير من فزع عنفها وهول ترويعها على صلب وتفرعات حياتك وعلاقاتك الحميمة كعراقي مُحب موشوم أصلاً بالمحبة والطيبة والود حد السذاجة، يضاف إننا كمثقفين، نعي بؤس ما جرى لطليعة يهود العراق النجباء اللذين ناضلوا من أجل رفعة الوطن، لكن! عُته ساستنا، فرَّط بهم وبدورهم التاريخي في تأسيسهم افضل طبقة متوسطة مهنية ومتعلمة وأكاديمية في بلدنا*1 وربما في وطننا العربي.
 
حلاوة ذكريات موريه، بحثه المتواصل الملتاع عن مهد صباه، في ذاكرة عراقية مفرداتها الشعبية لوحدها، تكفي منحه "هوية" شرف وطنية بامتياز، وتزكية انتماء كعراقي أصيل*2. هوية وطن كان سعيداً وآمناً ومتحضراً بهم وبأُلفتهم المسالمة معنا.
 
بذاكرة ثاقبة راح حب "موريه" يلملم أحزان أهليه، تعينه عين صبا غارت شوقا بوجوه اقاربه وأصدقائه واحبته المسلمين واليهود الذين تركهم مكرها. 
Page 2
بلغة مؤنسة سهلة يُمليها حنينه المتواصل لبيت صباه في البتاوين، راح يصف لنا أجواء مكان اللعب على دكة باب ذاك البيت، وعن دغدغات عشق طفولته الاولى في ختلات سطحه، حيث بدايات شبق صباه، وحبه المنحوت في خلد طفولته السعيدة في أيام الخير. يصف لنا سامي بإمعان، فناء وصغائر منمنمات دار طفولته كفوتوغراف حفظه في خاطره وشجونه لهذه الساعة. 
 
مازوخية ألَمي تملي عليَّ إعادة شريط "الشجون والذكريات" مرات ومرات. فرغم كونه ألما مبرحا للقلب والنفس والوجدان، غير اني أتجاوز به فكرة "جلد ذاتي". فحين يلح عراقي ٌ مثلي، ويطمع لمعرفة المزيد عن نهايات عذابات وخوف وترويع مشترك مسَّ حواشي القلب والوجدان وهَدَّ كيان الوطن بالكامل، فإنه يرجع لذاكرتي ما يترائى لي في آن واحد، آلاف مشاهد القبح والخوف، وآلاف وجوه أحبتنا من العراقيين الذين عانوا من لوعة سبيهم وتهجيرهم عبر عهر سياسة القمع والترويع والتهجير الطائفي، بقيادة زناة تأريخنا الوطني.!! الديمقراطي الجديد..!.
 
يجبرك موريه على مواصلة قراءة اسطُر شجونه المتبلة بمحكياته العراقية العذبة، والإيغال في تذكر تساؤلات تلك الوجوه التي عاشت معك وشاركتك فرحك وقلقك وخوفك ويأسك. وهل تـُنسى استفهامات عيون أهلنا واصدقائنا الذين شُرّدوا. عيون جفـَّلها الهلع وجفف الفزع والكآبة مآقيها، واخرس اصواتهم هول مشاهد نزيف دم متواصل بدأ حديثاً مع جريمة "الفرهود" الأولى التي صنعها عملاء النازية عام 1941. وها نحن بعد أكثر من سبع عقود من وجع وقهر وطني متواصل، نرى ما يشابهها الآن من أفعال دنيئة فاشية تمارس علينا بهويات وأجندة سافلة لا تحصى. 
 
عودنا التاريخ إعادة مآسيه وقسوته بسخرية سوداء اشد إيلاماً. مرارة المسخرة، ان زناة تاريخنا ما زالوا يلصقون عهر أفعالهم بقدرنا المكتوب في سفر بدء الخليقة وفجر السلالات.. وكأن الرب بجبروته وتكبره وعدالته، عاد لينتقم من العراقيين الطيبين البائسين باسم (قسمتهم السودة). وكأنه يخاف جبابرة الدنيا وطغاتها..! أليس غريبا ان الرب يخطئ في العناوين مرة ثانية وثالثة بل مرات ومرات...؟. لقد أنزل جل غضبه وعقاب جبروته في كل مرة، على ذات المظلومين والمحرومين الفقراء والثقاة الشرفاء المكاريد. ان الله كثير الغفران عن قـُساة وزناة الدنيا ومتكبري العصر، مزوري التاريخ.! لا شك في نقاء الله من آثام عهرهم. ولا شك في عنايته الإلهية.. لكنه يمهل بلا حدود.! ربما التفت أخيراً إلينا. لعله يذكرنا الآن بقوة بأسنا. أخيرا آزرنا وعرَّفنا على قدرة بأسنا وصبرنا في التغيير، وصور لنا سرّ وجبروت عدم خنوعنا لوهم وأساطير أولي الأمر منّا والولي الفقيه.!!. فما يجري من تساقط طغاة وملوك الجمهوريات في أتون لحظات صحوتنا العربية التاريخية، هو ربيع حريتنا وقدرنا الحقيقي المشترك. هل نقل وداعاً لخرافة ميتافيزيقيا الوهم وصناعة الجوع والجهل والمرض واليأس؟؟
Page 3
موقف "موريه" من ميتافيزيقيا اللعنة:
 
سابقاً، عندما سقطت الملكية وأتى تغيير عام 1958، قالوا انها لعنة يهود العراق.! وانتقاما لكل ما جرى بحق بناة الوطن الأوائل. وفي نكبة 1963، رموها على لعنة ما جرى للعائلة المالكة.! بهذا، بَرئوا العائلة من ذنب تهجير اليهود، وشناعة عهرهم ذاك. واستمرت اللعنات مع مسلسل التهجير ونزيف الدم ومع استمرار رب الساسة بميتافيزيقيات لعناته. انتقم من كل العراقيين دون استثناء: يهود وأكراد وعرب وفيليون وتركمان وصابئة ومسيحيون وكل من ناضل بشرف من أجل عراق مواطنة حر مزدهر سعيد. 
 
خلافاً لكوميديا ومسخرة "رب الساسة" الغارقة بالدم والألم والآثام، وخلافاً لميتافيزيقيا لعناته الانتقامية، يسحبك سامي موريه مع لغته المشبعة بروح محبة وطيبة متسامحة يغذيها نـُبل إلهٍ متوازن بلا لعنات ودون وعيد وضغائن. إله يكمن في عراقية وروح موريه الوطنية والانسانية. روح نبيل متسامح طيب يتسلل الى وجداننا، يثير بأسى وأسف ومرارة تساؤلنا المشترك: يا إلهي، ماذا فعلنا لنتحمل كل تلك القسوة وهذا الظلم؟ وأي قدر إلهي يحمل كل هذا الكم الهائل من الإثم والكراهية وسيول الدم.. وكل هذا الذنب ؟؟.
 
شجون "سامي موريه".. عواطف مثقف، جاشت روحه الإنسانية نبلاًً ورفعة، متجاوزاً روح الانتقام والتشفي بنا. بل على العكس، ظلّ وفيا نظيفاً يسرد مواويل قهره ووجعه وحبه وحنينه دون توقف وبلا شماتة منتقم حقود. سُمو "سامي موريه"، أنه في الثمانين ظل مثقفاً لبرالياً نبيلا يرفع يديه دوما بالدعاء، لسلام وأمن وحرية معشوقة، كان قد ربط معها في ساعة وجد صوفي، طرف حبله السرّي الآخر الموغل في عمق روحها وقِدَم تاريخها. لكن المؤسف.! إن أسوأ ما في معشوقة كهذه، انها عاهرة دون إرادة. ناكرة جميل سافرة جاحدة مفضوحة بامتياز. الغريب ان نُبل حب العاشق موريه يتجلى بأسئلة عتاب وغزل ودعاء متواصل لها بالتوبة والأمان ولا سواه. عتاب قديس لراهبة حبه الاول. عتاب من قلب ابيض راح يلهب روحنا بسياط كلماته المتبَّلة ببهار بغدادي يثير الضحك حد البكاء. ينقلك فيه بشغف لتحصل على ومضات مضيئة صادحة بالنكت ولحظات رطبة ندية تسليك وتنسيك وتريحك، ثم ما تلبث ان تلهب ذاكرتك وتوخز ضميرك بلسعات سياط ومسامير تساؤلات مضنية تفتت القلب. شدة إيلامها، أن لديك كل أجوبتها الفاضحة لذاك العهر المثير للتقيؤ. أجوبة تنهمر من وجدانك نشيجاً ودموعا طاهرة لا تتوقف رغم نكات ترطيب الخواطر البغدادية الخانقة التي تجعلك هي الاخرى، تنتحِب أكثر وأكثر وأكثر على ضياع وفقدان أعز الجيران والأصدقاء، الموغلين معنا في عمق تاريخ بِدأ الخليقة.
 
ايها العزيز سامي موريه، وطنك الآن بعيد جدا عن وطن أيام الخير. وطن خيال صباك وروحك الطيبة الحالمة به، والآملة له وللجميع بغد حر ديمقراطي أفضل.. فآمالك وأمانيك الطيبة: عشقٌ ساميٌ مترفعٌ يقدم لنا حُباً عُذرياً وعتابَ حبيب لمعشوقة زنت ذات مرة في غفلة من تاريخنا المجيد المشترك. لكني حينما أقلب صفحات ماضينا القريب كي أتحدث بحيادية عن ذات المعشوقة، وطن مآسينا المشتركة، وطن صبا "سامي موريه"، تنازعني بأسى، زحمة ضياع فرص حريتنا وانعتاقنا وفسحات الأمل المهدورة.
 
ليس زنا ان نعري عشيقتنا المريضة المدماة أمامنا الآن . حقيقة الأمر أنها "رمزياتنا" الوطنية الساذجة من نخلة وأرض صماء و... و... رموزنا أوثان خلدت خطأً في تاريخنا وذاكرة طفولتنا وصبانا السعيدة. المؤسف أنها الآن تسرف في ضياع الفرص وتُـفرِّط بفرصتها التاريخية الأخيرة. ماذا نأمل من عهر سياسي لم يتعلم شيئًا، عبر أقدم تاريخ للبشرية في الكون، غير النهب والسلب وصناعة الموت والخوف والكذب، وها هي تصرُّ مكابِرَة على مخالفة كل وصايا وأخلاق السماء؟ 
 
عار معشوقتنا المشتركة أنها عَنودة مُكابرة ، طاب لها أن تذبح روح الله، أي الانسان، وهي تبسمل باسم الرب. ألسنا نتكلم عن أفعال وطن كفعل لسلطة سياسية؟ أفعال أرَّخَتها حروفك الـ"عربية" المضيئة التي وضعت لنا فوق كلّ منها، نقاط دم أهلينا وأهليك. ورسمت لها علامات استفهام مضنية مثيرة للبكاء، سياطاً لنا من نشيجك الساحر لجلد الذات.. ماذا نُسمي سِرّ ترجيك لها إذن؟  "كفاكَ ضياعاً يا عراق"..! يا لفداحة ما فات وما ضاع!
 
لتوضيح المقاصد، وكي أطيبَ خاطرك يا عزيزي.! فعاهرة الجسد لا تـُؤذي إلا حالها. لكن! هل يتغير من يكرر ممارسة عهره السياسي في العلن وفي عصرنا الحر الساحر هذا..؟ إنه الحضيض على ما أظن، فلا أمل يرجى للخلاص دون تغيير!! دعنا نحلم سويةً بمعشوقة جميلة تلم شملنا، تقرب كل الأديان والطوائف والقوميات.. دعنا نحلم بوطن، "أم" فاضلة طاهرة حنونة ذكية يعشقها، يعيش من خيرها الجميع. وكي لا يبقى الوطن رمزا وثنيا لعبادة قادة فاسدين وطغاة قتلة. 
 
ربما ثورة شباب الحرية الصادحة المبشرة بغدٍ حرٍ أفضل، تعيد لنا أحلامنا وآمالنا المشتركة من جديد. إنها رياح التغيير الديمقراطي ..! حلـم قديم بزغ نوره من تمني نبيل لـ" رؤيا مباركة"*3 للحبيب سامي موريه. يا لفداحة خسائر ما ضاع..!!!
 
___________________________________________________________
 
*1- احصائيات المؤرخ حنا بطاطو. وكذلك احصائيات وردت في كتاب فاضل البراك "المدارس اليهودية والايرانية في العراق". الذي سحب من الاسواق بعد توزيعه بحجة وجود إحصائيات اعتبرها النظام مديحا يمجد تأريخ يهود العراق..!. أعدم "البراك" بتهمة العمالة..!
 
*2- رفض الدكتور سامي موريه منحه الجنسية العراقية عن طريق كردستان لانها لم تشمل كل يهود العراق. ( نقلا عن مقابلة معه بثها تلفزيون روسيا اليوم)
 
*3- يقول موريه في "الرؤيا المباركة" من ذكريات وشجون: ما أحوج العالم اليوم الى السلام بين الدول والشعوب لخير الانسانية ومسقبل الأجيال القادمة ورفاهيتها عن طريق التعاون في ميادين العلم والتكنولوجيا الحديثة للقضاء على الفقر والجهل والمرض والتعصب الديني والتصحر وتلوث البيئة. 
 
عن "الحوار المتمدن" - العدد: 3323 - 2011 / 4 / 1 
Page 4
"والذكريات صدى السنين الحاكي"
 
يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (1)
 
12/02/2007
 
أ.د. شموئيل موريه
الأيام الأخيرة في مسقط رأسي في محلة حنون صغير في بغداد القديمة
 
المؤلف في المهد في السنة الاولى من حياته في دارنا في محلة حنون صغير ببغداد القديمة - 1933
 
قضيت طفولتي الباكرة في محلة حنون صغير في بغداد القديمة حيث كنا نسكن مع "سِيّدي" (جدي) الحاخام مئير معلم رحمين أبراهام مؤلف كتاب "مقتطفات من كلام الرب" (بغداد، مطبعة شوحيط، 1936-1939) في سبعة أجزاء باللغة العبرية. وكنت أراه طوال ساعات لا نهاية لها جالسا وهو يؤلف كتابه هذا دون ملل أو تعب، وقد ترك مهنة الصياغة التي اشتهرت بها عائلته ليتجنب الغش الذي يمارسه بعض الصياغ في خلط المعادن الثمينة بالخسيسة، وذلك عن تقوى وحبا في الأمانة وطاعة الرب وليتفرغ لواجباته الدينية في سبيل الدين والعلم، يحقق ويؤلف ويراجع المخطوطات والكتب الضخمة. ولكي يكرس وقته لوجه الله والعلم. وقد مال جدي إلى التصوف (القبالا)، ورجالها يؤمنون مثل المتصوفة المسلمين بالرؤيا والأحلام والخوارق والكرامات، وكان يأخذني قبل صلاة يوم الجمعة الى الكنيس الذي كان يؤمه ويلقي مواعظه فيه لكي يفتح سفر التوراة على الإصحاحات التي يجب تلاوتها في ذلك السبت. وقد روى أحد المؤرخين اليهود بأنه كان يؤمن بخلود الروح وانها بعد وفاة صاحبها تأتي لزيارة احبائها على صورة حمامة بيضاء، على الأغلب، وانه طلب من صديقه أن يزوره بعد وفاته، ولما شاهده جدي في الحلم، سأله لماذا لم يَفِ بوعده ويزوره، فأجابه بأنه أتي لزيارته على صورة حمامة بيضاء ودخل غرفة نومه، ولكنه قام بطرد الحمامة ولم يدرك بأنها روح صديقه الذي جاء لزيارته وفاء بوعده. وكثيرا ما يرمز اليهود والمسيحيون الى الروح بحمامة بيضاء. ومن الغريب أننا عندما كنا في سبعة أيام المأتم على روح والدي إبراهيم معلم وحضر الصلاة الحاخام السفارادي الأكبر مردخاي إلياهو وعضر الكنيست أيلي كباي، وكان باب الدار مفتوحا على مصراعيه، وقف طائر من نوع الزرازير على القوس الحديدي لمدخل الحديقة الأمامية أمام المصلين، وصار يصدح بصوت عال وهو يتمايل يمنة ويسرة، حتى استرعى انتباه جميع المصلين وعجبهم. أما العرب في الجاهلية فكانت تعتقد بأن طائر "الهامة" يخرج من رأس الميت، فإذا كان قتيلا نادت الهامة على قبره "أسقوني"، لكي يؤخذ بثأره، وقيل انها تقيم عند أهل الميت لتعلم ما يكون من امر احبائه فتخبر الميت. وقد روى احد اصدقاء العائلة وهو ناجي بن يهنا الذي اغتال قصابٌ والدته لمطالبتها برد دينه إليها، إنه طوال طريق سفره، عندما قدم إلى بغداد بسفينة شراعية بعد أن وصلته برقية نعيها، كان يرافق سفرته طائر أبيض من نوع النورس، وقال بأنه متأكد من أن هذا النورس كان روح والدته ترافق وحيدها في عودته ليشارك في مأتمها. 
 
ولكي تؤمّن معيشة العائلة، قامت جدتي "مسعودة" بإدارة مشغل للتطريز المقصيات بخيوط الذهب والفضة تعمل فيه ما لا يقل عن ثلاثين عاملة لإعالة العائلة. ولعل أخي مراد  ورث منها موهبته الفنية في الرسم وورثت أنا من جدي هذه المثابرة على المطالعة وحب الكتب والتأليف. 
 
وعندما توفي جدي عام 1939 كنت في السادسة من عمري ولم يسمحوا لي، لصغر سني، في الذهاب الى مقبرة اليهود مع حشود المشيعين ممن كانوا يتدارسون كتب جدي في الوعظ أو يستمعون الى مواعظه ودروسه الدينية في أيام السبت في كنيس "فرحة" وكنيس "ريمه" في بغداد القديمة. تركوا الاطفال الصغار ينامون في أسرّة الكبار، غفوت قليلا من تعب السفر من البتاويين الى حنوني. إستيقظت فجأة، لم تكن المفاجأة أنني وجدت نفسي في بيت جدي وفي سرير غير سريري، ولكن المفاجأة كانت مفاجأة روحية غريبة، وتساءلت كيف وصلت الى هذه  الحياة وفي هذا العصر، من حياة سابقة كنت احياها في غابر الزمان، في عالم آخر ودنيا أخرى كنت اعيش فيها، تختلف عن هذا الواقع وهذه الحياة الجديدة عليّ الآن وفي جسدي هذا؟؟ وبعد سنين وأنا ابن العشرين، شعرت بمثل ذلك الشعور العجيب لحياة سابقة عاشتها روحي من قبل. ففي عام 1953، ذهبنا جماعة من الاصدقاء المجندين، قالوا بأنهم يعرفون صريفا خشبيا في معبرة (مخيم للاجئين) "كفار أونو"، تقطن فيه عائلة تستضيف شبان يدفعهم جوعهم الى فتاتهم الجميلة التي رحبت بنا والدتها بقولها، "عندي بنيتي نظيفي اقطيفي، تعجب خاطغكم"، وهناك حين اضعت بتولتي، شعرت بشعور غريب، كأني عرفت هذا التوهج الروحي والجسدي الساحر المسكر في حياة غابرة، مررت به في دنيا آخرى سحيقة في القدم، احياها مرة أخرى من جديد، ووجدتني مرة آخرى أمر بنفس التجربة، تجربة روحية عن حياة سابقة لهذه الحياة، أرسلت في جسدي رعدة من الصفاء الروحي وتجلي دنيا غابرة سحيقة في القدم، عشتها مرات ومرات في حياة سابقة متوغلة في  دهاليز الأبد السحيق.
 
ومنذ صغري أدركت بأني لا أصلح للتجارة التي كان يمارسها الكثير من يهود العراق. كنت في الثالثة من عمري، عاشقـًا لكحلا ابنة عمتي ريما، ذهب الجميع وبقينا وحدنا في البيت وقد أصابنا الملل. عرضتُ علي ابنة عمتي عرضا لا يمكن ليهودي رده: "تالي (تعالى) انبيع!"، قالت: "ميسيغ (ممنوع) تطلع للدرب لَيْكونْ يضغبك المسلم"، قلت: "وليش يضربني المسلم؟". أجابت: "ألم يحذرك والداك؟" لم آخذ تحذيرها بمأخذ الجد، فتشت عن بعض الملاعق والشوكات والسكاكين الفضية "من شغل العجم"، وهي من مهر والدتي الذي دقق والدي في الحصول على كل حاجة شرطها في وثيقة الزواج. فحسب تقاليد اليهود تقدم عائلة العروس الجهاز والمهر للعريس، تصل تكاليفها في بعض الأحيان إلى أن يقضي والد العروس العمر في تسديد ديونه. فتحت الباب بعد أن صعدت على كرسي ووضعت الملاعق الفضية وغيرها على طبق من الصيني. ضحك بعض المارة لصغر سن هذين "التاجرين": "هذولي غير أيهود؟ والله بعد مفقسوا (لم يخرجوا) من البيضي وقيشتغلون بالتجارة!". جاء "ويحد ليبس چراوية وزبون": "وِلْكُم هذا شِنْهَـوْ ؟ هذا بيش اتبيعونه؟"، قلت: "أبدينار"! حمل لابس الچراوية الطبق وسار في طريقه غير مكترث لصراخي وأنا متشبث بذيل دشداشته: "وين الدينار، وين الفلوس؟"، دفعني ومضى دون أن يجرؤ أحد على اعتراض طريقه. عدت باكيا إلى البيت، قالت كحلا، "مقلتولك لا تطلع للدغب (الدرب)؟". غضب الوالدان، وقالت أمي: "وي غماد! (رماد عليك) مقلتولك لا تطلع للدغب ليضغبك المسلم؟، الله سوالك نيس! (هذه كرامة من الله)، مليح ما طلع خناق الولاد وذبحك!". وقال الوالد: "قَـتْغيد أخلص خبزك هسّه؟ قلتولك كغـّة (مرّة) وألف لا تطلع للدغب ابحدك تغا يضغبوك!"، (اتريد أن اقضي عليك الآن! ألم أقل لك ألف مرة ومرة لا تخرج لوحدك، سيضربونك!" علق عمي يونا على الحادث: "هذا أشلون تاجر؟، ما شا الله علينو، من أول غزاته انكسرت عصاته!". 
Page 5
وأدركت منذ ذلك الحين، من تجربتي الأولي الفاشلة في التجارة بأنني لا أصلح لمثل هذه المهنة التي مهر فيها يهود العراق خاصة. ثم جاء الإثبات الثاني على عدم صلاحيتي للتجارة حين قالت لي الست فاطمة في مدرسة السعدون ضاحكة، بعد أن فشلتُ في حلّ مسألة في درس الحساب عندما امتحنتني بالرياضيات: "وِلَكْ انتَ شلون يهودي؟ أشو عجبا إنت ما شاطر بالحساب؟، مو كل اليهود لازمين البنوك والحسابات مال كل الدوائر الحكومية بالعراق والسوق بيدهم وحتى الإسلام يعزلون ويّاكم يوم السبت، ووزير المالية مالتنا كان اليهودي ساسون حسقيل، هاي شلون ايهودي انت؟". صدقت الست فاطمة هذه المرة أيضا، فقد فشلت في كل صفقة تجارية عقدتها في حياتي، سوى في زواجي الأخير من فتاة فنلنديّة "خايفة رَبْها وغشيمة" مثلي. 
 
وعندما كنت أسافر في كل عطلة صيفية وفي سنوات التفرغ للأبحاث لإنجاز الكتب التي بدأت بتأليفها (سلالة مثل جدّي) التقيت ببعض الأصدقاء ممن كانوا متفوقين في الرياضيات في مدرسة شماش، ووجدت ما شاء الله، أنهم قد أصبحوا من أصحاب الملايين في إنكلترا والولايات المتحدة. ثم يسألونني فيما إذا كنت نازلا في فندق هيلتون أو غيره، فأقول لهم بل في مضافة الجامعة، فيتعجبون قائلين: "ما انت صاير دكتور وبروفيسور! وكشخة وقلابالغ، لَكَنْ أحْسَـنِـلْـنا اشتغلنا بالتجارة! فنحن ننزل في أفخر الفنادق!" وعندما يعلمون بأن عليّ أن أقدم حسابات ووصولات للجامعة ولضريبة الدخل عن كل فلس أصرفه، وخاصة أجرة المواصلات والفنادق وشراء الكتب، قالوا: إذا فألقابك فارغة "ما تْطَعّم خبز". فإذا نسيت طلب الوصولات من سائق تاكسي مثلا، وكثيرا ما أنسى، "فقد راحت عليّ!". أما أحد الأساتذة "الشطار" فقد كان يذهب إلى محطات القطار والباصات ليفتش عن بطاقات سفر مهملة فيأخذها ويضيفها إلى قائمة المصاريف لكي لا تطلب منه ضريبة الدخل إعادة بقية المنحة.
 
 بدأت العلاقات بين اليهود والمسلمين تتأزم يوما بعد يوم بعد أن أخذت أسماء مثل هتلر وموسليني والنازية والمحور والحلفاء والفتوة وكتائب الشباب، تتردد في نشرات الأخبار والصحف وفي حديث الكبار، وأخذت العلاقات الحميمة التي كانت تربطنا بجيراننا من المسلمين والمسيحيين تصاب بالبرودة والفتور ثم تتفاقم فتصبح عدائية وعنيفة أحيانًا.
 
خرجت أختي كلادس فرحة بثوب الدانتيلا الذهبي في يوم عيد رأس السنة العبرية "لتكشخ" (تفتخر) أمام جدتنا بثوبها الجديد الذهبي الزاهي، أمسكت بها "مْسِلمييّ كبيغي" (بالغة) حسدًا ومزقت ثوبها قائلة: "إي بنت السبت، اشو روحي عيدي، دنشوفج!" ورجعت باكية محمرة العينين وقد أصابها الهلع: "المسلمييّ شقتا الدغييتي (مزقت ثوبي) الجديدي!".
Page 6
يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (2)
 
انتقالنا إلى محلة البتاويين
 
15/02/2007
 
أ.د. شموئيل موريه
 
قرب بيتنا في البتاويين عام 2009 الذي يقع بعد بيتين من وقوف الأديب والصحفي مازن لطيف، تصوير د. أمل پورتر
 
استبشرنا بانتقالنا عام 1936 إلى دارنا الجديدة التي بناها والدي من مهر أمي بعد أن باع حصتها في بيت جدي بسبب شق شارع الملك غازي الجديد. انتقلنا إلى دارنا الجديدة التي خططها الوالد وأشرف على بنائها بنفسه أمام بستان مامو في محلة البتاويين، وسمي شارعنا فيما بعد بشارع الرافدين وكانت أختي أسبرونس كلما دخلت الدار تذكر رقمها لنستطيع تذكر العنوان للعودة إليه بمساعدة "أولاد الحلال" إذا تاه أحدنا في محلتنا الجديدة وتقول باعتداد لتمكنها من القراءة: "رقم الدار، بستان مامو، 6 د / 13 / 1"، ثم تقرأ ما كتب على تاج الباب: "سـنة 1936"، وكانت دارنا من أوائل الدور التي بنيت في بستان مامو بالبتاويين، تحتوي على 5 غرف كبيرة وغرفتين صغيرتين فوق المرافق وغرفة الكيل (المخزن) سكن في إحداهما أخي جاكوب وفي الثانية جدتي بعد أن تأرملت، وتتوسط الدار حديقة داخلية كبيرة. 
 
وفي أيام العزّ هذه كان أبو علوان بائع الحليب الذي كان يسكن في كوخه الطيني أمام بيتنا ويعمل أيضا "بستانجيا" عندنا، يأتي ببقراته إلى دورنا ليحلب البقرة أمامنا، فقد كان الباعة يحملون بضاعتهم إلينا، إلى أن شـيدت أمانة العاصمة سوقها الحديث الذي بني أمامه كنيس "صلاة مئير طويق" فأصبحنا نذهب إلى السوق. وكانت زوجته أم علوان تساعد والدتي في بعض أمور المطبخ والتي كانت والدتي "المدامة" مدرسة اللغة الفرنسية سابقا و"التندعي بيها" (فخورة معجبة بنفسها) "تستنكف" العمل في المطبخ وحتى الدخول إليه. وكانت باهيزة أم محمد زوجة أبو علوان الثانية خبّازة العائلة. وكانت الوالدة تأخذني إلى تنور باهيزة قرب كوخ أبو علوان وزريبة بقرتيه لنشتري الخبز. وعندما كانت باهيزة ترانا مقبلين من بعيد كان وجهها المستدير "كالقمر ابو ارباطعش" يضيء بابتسامة رائعة. كانت صديقة حميمة لوالدتي أكثر من أم علوان، وكان الوالدة ترشدهما في تربية الأولاد ومعالجة أمراض الأطفال وتزودهما بما يزيد من الملابس والطعام عن الحاجة، وترسل لهما في الأعياد الحلوى والبخشيش. فإذا رأتنا صاحت باهيزة: "صلوات على النبي صلوات! سامي بيك وأمه المدامة جايين خطّار عدنا!" ثم تردف قائلة: "صلوات على هل عيون السود، صلوات! والله لأخبزلك حنونة (قرص صغير يخبز للأطفال خاصة) تلوگ الحلگك". وتأخذني بين ذراعيها لأرى كيف "تستوى الحنونة" ورائحة الخبز الناضج تعبق من ثيابها فأشعر بالحب والعطف يغمرانني وأنا بين ذراعيها، فأهنأ من حرارتين، حرارة التنور (الفرن) وحرارة كلمات الترحاب بنا وما تبديه من حب وحنان نحوي وأنا بين ذراعيها وهي تقبل وجنتيّ. ثم تناولني الحنونة اللاذعة بحرارتها ورائحتها العطرة وهي تقول بحب وعطف: هاي الحنونه لعيون سامي"، فأشعر بأني طفل مدلل لوالدتين تحبانني وتعطفان عليّ. 
 
وكانت هناك امرأة أخرى معجبة "بالعيون السود"، جارتنا راشيل ام حسقيل مدرسة أختي كلادس، فما أن تراني ألعب خارج الدار حتى تطلب من كلادس: "ابدالك لزمينو قداغيد أبوسو" (فداك، امسكيه لأني أريد تقبيله). لا أدري لماذا كنت أحب قبلات باهيزة الرقيقة برائحة الخبز الحار في ثيابها السوداء الصوفية وغطاء الرأس الأسود المعقود على رأسها، ولماذا يصيبني القرف من عطر "القلونيا" الذي كان يفوح من الست راشيل بثيابها الأوروبية. هل كان بسبب اعتدادها بنفسها كمعلمة تحصل على كل شيء بالأوامر، كما كان يفعل والدي؟ هل بسبب قبلتها الرطبة المغتصبة الجسورة تأخذها غصبا بدون "حنّـونة" ودون ترحاب يفيض من القلب. كانت تناديني "سامي تال (تعال) دبوسك!" فأرفض فتطلب من أختي كلادس "أبدالك صيدينو دبوسو"، وتنصاع أختي كلادس لأوامر معلمتها، وتمطرني الست راشيل بالقبلات الرطبة، فأفلت من يديها، حتى ضجرتُ وصحتُ بها ذات يوم غاضبا وأنا امسح مكان القبلة: "ولك إنتِ متستحين تتحاغشين بالغجيل؟" (ويلك ألا تخجلين من التحرش بالرجال؟)، ضحكت الست راشيل ضحكة عالية، "هذا اشلون ولد وكيح (جسور)، ابن أربع سنين وشيّف نفسو غجال (رجل) !". ثم تروى لزوجها وللأصدقاء ما قلته لها وهم "يغوصون" من الضحك وتصبح هذه النكتة مدار حديث الرجال والنساء في حَـيّـنا لمدة أسابيع. ومنذ ذلك الحين صار كل من يراها من المعارف، يقول لها ضاحكا: "ويلك! ألا تخجلين من التحرش بالرجال؟"، وهكذا تأدبت وتابت الست راشيل من تقبيل "أبو عيون السود"، بعد أن كانت تظن أن لها الحق في القيام بكل ما ترغب فيه عن طريق الأوامر وبدون مقابل، لا لشيء سوى لأنها معلمة. عندما سمعت عمتي مريم وقد جاءت لزيارتنا من العمارة، ما قال "أبو عيون السود" للست راشيل، قالت: "إي، عيونو السامي حلوة، عندو عيون مال عِـغْبِـي (الإعرابي / البدوي)". وعندما سمع أخي البكر ما قالته العمة، صاح: "أي والله! لَكَنْ (إذن) من اليوم انسميك أبو عيون العِغْبِـي"، وقال لأصدقائه فرحا: "من اليوم وغادي انسمينو السامي أبو عيون العِغـْبِـي!" ومنذ هذه الحادثة بدأ الشقاق بيني وبين أخي البكر، فقد أفسد علي دائما فرحة ترحاب الفتيات والنساء بالعيون السود. وبقي يعدد "أصيات" (جمع صيت) (ألقاب) "الشرف" التي منحها لي حتى بعد أن سافرنا إلى لندن للدراسة لنيل لقب الدكتوراه من جامعة لندن. ثم أدركت فيما بعد بأن هذه عادة عراقية يتمتع بها الكبار بإغاظة الصغار وتحقيرهم لكي يشعروا بسطوتهم وجبروتهم على من هو أصغر منهم. واليوم يطبق العراقيون هذه العادة على الأقليات الأخرى، يطبقها السنة على الشيعة وبالعكس والعرب على الأكراد للغض من مكانتهم والتفتيش عن المثالب والعيوب في الآخرين ويزرعون الشقاق الذي ورثوه من سياسة الغزاة: "فـَرّقْ تَسُـدْ".
Page 7
هذه الصداقات الحميمة في البتاويين استمرت سنوات قليلة. وصرنا نحن أطفال اليهود نتكلم اللهجة الإسلامية بطلاقة مما اكسبنا ثقة بالنفس وشعورا بالمساواة. كان عزرا اليهودي الساكن في شارع في ظهر شارعنا رمزا لهذه المساواة. يلبس الدشداشة ويشد وسطه بحزام مثل صغار أولاد العرب من الطبقة العاملة وكان يلعب "الدعبل" و"الچعاب" و"الطره بلبل" مع كبار الأولاد المسلمين ويتبادل معهم السباب والضرب دون مراعاة لأحد. كان إذا "زاغله" (خدعه) أحدهم، يضربه على قفاه ويسبه بقوله: "ولك أخّ الكـ..ـة تزاغلني!"، فلا يرد عليه خصمه بمسبة بل يعتذر. مـّّر أحد "المعدان" من سكان "ورا السـدّة" وشاهد ما لا يستطيع عقله استيعابه، يهودي واسمه عزرا يضرب أولاد المسلمين ويشتمهم دون أن يردوا عليه ويعلموه درسا في آداب الذمة والصحبة وحسن المعاشرة مع المسلمين. ثارت نخونه البدوية وصاح متحرشا بعزرا: "ولك! انته شـسمك؟" فَـهِـم عزرا بأن هذا الغريب عن "العگـد" (المحلة) يتحرش به ويريد اختلاق سبب لضربه وتأديبه. رمى عزرا الكعاب من يده بغضب وانتصب واقفا ورفع يديه وأبرز صدره ونطح به خصمه وصاح به غاضبا: "ولك آني إسمي <عـِذْرا>!" فترنح الخصم لهذه النطحة المفاجئة وتراجع قليلا وخاصة عندما رأى أنه لا يوجد من بين المسلمين من "يَتفزّعْ لَهْ" وأجاب مفتشا عن طريق للتخلص من هذه الورطة التي زج نفسه بها، فقال: "ها زين، بس أگول! (طيب، أردت الاستفسار فقط!) وذهب لشأنه قانعا من الغنيمة بالهزيمة. ولا يعلم هذا القانع بالهزيمة أي مغنم غنم. فلو واصل هذا "الخايب" "العركة"، لتلت نطحة الصدر "براسية" (نطحة رأس أو كلّة) هائلة ولا نطحة زيدان لاعب كرة القدم في منتخب فريق فرنسا، ولسقط على إثرها مضرجا بدمه فلا يخرج من مستشفى "المجيدية" بأقل من أربع "قطبات" في جبينه. 
 
كان لعزرا هذا خمسة أخوة وكل واحد منهم "مگطّع ديس أمّه"، و"يودي الشيطان للشط ويرجعه عطشان". كان الباعة و"الحماميل" (العتالون) والجيران يتقون شـرّهم. كانوا يطيرون اكبر طيارات أم الشناشيل، يرسلونها بالخيوط المعززة بالصمغ ومسحوق الزجاج لكي يمنعوا الآخرين عن اصطيادها لأن خيطها الزجاجي يقطع خيوط الطيارات التي تتحرش بها وليصطادوا الطيارات الكبيرة الأخرى وخاصة "أم الصناطير" التي كانت تصفر متهادية بهيبة وجلال في تحليقها دون أن يبالوا من يطيرها، مسلم أو يهودي أو مسيحي، و"الما يعجبه خلّي يطخ راسه بالحايط". فإذا اقتربت طيارتهم ذات الذيل الواحد القلابة بخيطها ذي المسحوق الزجاجي، قلبوها على خيط "أم الصناطير" أو "أم الشناشيل" وجذبوه، فينقطع الخيط وتسقط، فيدوّي عگدهم والعگود (المحلات) المجاورة بصيحات الاستحسان والتعجب من مهارة هؤلاء الأولاد "العركاويين" الذين يشترون الشر بفلوس، ويعدو الأطفال والشبان بصخب وجنون وراء الطيارة الساقطة ليأخذوها غنيمة باردة لهم. 
 
كان "عذرا" هذا وإخوته يجيبون على كل من ينادي على بضاعته من الباعة المتجولين بمسبة مقذعة ذات قافية طنانة متعارف عليها بين العتالين. كان يهبط ذات يوم درجات بيته إلى الشارع فسمع بائع اللبن وهو ينادي على بضاعته "اللبن" المحمولة بحقيبة الصفيح "بشكاسات" (اقداح) جميلة من الفرفوري الفاخر المصفوفة على رفوفها بداخل الحقيبة: "لبن! لبن!" فأجابه عزرا دون وعي منه وبصورة تلقائية: "كـ..ـا..ـت أمك إتْـگـَلـُبـَنْ!". ما أن انتهى عزرا من قافيته الرنانة حتى وجد فمه قريبا من أذن بائع اللبن الغريب عن المحلة وقد امتقع وجهه وعرت جسمه رعدة الغضب العنيف وأمسك بيد عزرا اليهودي: "ولك انت إلْ مَنْ دَتْسِبّه" (ويلك، من تسب)، صاح عزرا بأعلى صوته ليسمع أخوته ويأتون لتخليصه من هذه الورطة الغير متوقعة: "والله مو إلك! عبالي (ظننت) هذا عليوي أبو اللبن مالتنا وآني وياه ميانة (وأنا ومعه صديقين دون كلفة بيننا)". وعندما رأى بائع اللبن أخوة عزرا المحاطين به وعلى وجوههم تصميم خوض معركة لا يسلم منها ولا تسلم "شكسات" اللبن، "داس على نفسه" (تمالك نفسه) وقبل العذر مرغما: "ترى لا تسوّيها بعد!" وما أن أبتعد البائع حتى بدأت "جوقة العفاط" وراءه وهي تتنافس بأطول "زيگ"، بحيث لو سمعها شيخان "العربنچي" من محلة "الميدان" كان سيخجل من عفطاته التي ستبدو فاترة أمام هذه الجوقة المتحمسة. وشيخان العربنچي هذا هو الذي تبارى مع وزير الدفاع الجنرال جعفر العسكري وغلبه في مباراتهما في العفاط. فما بالك بعفطات "عـذرا" هذا وإخوته التي كادت تصل إلى باب الشرقي والى سينما غازي.
Page 8
يهود العراق، ذكريات وشجون، الحلقة (3)
 
17/02/2007  
 
أ.د. شموئيل موريه
 
تأزم العلاقات بين اليهود والعرب
 
في مثل هذا الجو المتسامح أيضا كنا نلعب مع أولاد باهيزة، محمد وحسنة ومع دحام ابن أخت باهيزة الذي اعتاد أن يأتي في أيام السبت ليسأل إذا كنا نريد أن "يِعْلِگ لمبة التبيت؟" (يشعل موقد "التبيت" إذا انطفأ. والتبيت هو طعام اليهود يوم السبت المكون من دجاجة محشوة بالتوابل والحمص واللحم، يوضع على نار خفيفة من مساء الجمعة والى ظهر يوم السبت بطول الليل وذلك لأن إشعال النار محرم أيام السبت عند اليهود)، أو لإشعال قنديل السبت ليضيء. وكان هؤلاء الصغار يأتون لمساعدة والدتي وخاصة في يوم السبت بعد ذهاب إستير في بعض الأحيان إلى عائلتها لعطلتها الأسبوعية. كنا نناديهم إذا انطفأ قنديل يوم السبت أو موقد (كانون أو لمبة عال العال) "التبيت" ليشعلوها. ورويدا رويدا أخذ يشوب صداقاتنا شيء من البرودة. شعرنا بها للمرة الأولى عندما انقطع دحام عن المجيء يوم السبت والطرق على الباب: "أعْـلگلكم اللمبة؟" ويخرج غانما. رأيته ذات مرة من النافذة يسير في احد أيام السبت قرب دارنا وينظر إلى بابنا بخوف وحذر، ناديناه: "دحام وينك اشو مدنشوفك، هاي وين لين؟" رفض الاقتراب منا، قلنا له: "دحام! اشصار؟ شكو؟ مو كنت اتحبنا؟"، قال وهو يجتهش بالبكاء والسائل اللزج الأخضر يصعد وينزل من منخاريه، قال بخوف: "إذا أطب عدكم ماتگتلوني (إذا دخلت بيتكم ألا تقتلوني) ما تذبحوني؟" قلنا له بتعجب: "منو گلك نذبحك؟ وليش نذبحك!"، أجاب والدموع في عينيه: "الفتوة! گالوا لي لا تطب ببيوت اليهود، ترى أيذبحوك، گالوا هذوله اليهود يذبحون ولاد الاسلام بالعياد مالهم!". قالت الطباخة استيغ (استير) من محلة ططران والتي كانت تساعد الوالدة في تدبير البيت: "وي غماد! وي أبيل (الويل والثبور) وأسود على الفتوة القيعلمونو هكيذ تعلوم أسود ومصبوغ، سِـقْـطونوا (افسدوا) الولد الخايب علينا وسمّـمونو العقلو! أش بعد يطلعون (يخترعون التهم) علينا؟ دحّام! لا تخاف، ليهود ميذبحون احد!". ثم وافق أخيرا على أن "يطب ويعلگ اللمبة" (يدخل الدار ويشعل الموقد). خرج دحام من دارنا وقد أضاءت وجوهه ابتسامة عريضة بعد أن غسلت استير وجهه ويديه بالماء والصابون وملأت أمي جيوبه بالملبس والحلقون والبعابع (الكليچة) وهي توصيه: "سلمنا على خالتك باهيزة أم محمد، اشتقنا لها". 
Page 9
الوالدة سنيوره معلم- موريه مع السيدة ينائيت بن تصفي زوجة رئيس الدولة اسحق بن تصفي
 
عام  1962 في محاضرة لها عن يهود العراق في معهد بن تصفي ليهود الشرق
 
ثم حدثت حادثة أخرى تصاعدت فيها مشاعر الحذر والخوف من المستقبل. ففي احد أيام السبت التالية خرجتُ مع أخي البكر جاكوب، هذا الذي كان فخر العائلة، فقد أستطاع أن يقرأ كتاب "السيلابير" للغة الفرنسية للصفوف الابتدائية في مدرسة الأليانس وهو في سن الرابعة، وكان يتنافس مع صديقه أيلي خضوري (كدوري) الذي أصبح فيما بعد أستاذا للعلوم السياسية في جامعة لندن، على الأولية في صفهما. خرجنا للتنزه ولرياضتنا الصباحية وهي لقط التمر المتساقط من النخيل في بستان مامو الذي كان ما زال في أوج ازدهاره بسواقيه التي تسقى بالمضخات وأشجار البرتقال والنومي (الليمون) الحلو والحامض تنمو تحت ظلال النخيل الباسقة التي تحنو عليها بسعفاتها الوارفة. خرج علينا ولـد حافي القدمين في سن السابعة بين سـن أخي وسني وصاح: "ولكم يهود! ولد الكلب وين رايحين؟ لأنعل ابوكم يا بو دينكم، أطلعوا من هنا!" انحنى ليلتقط حجرا ليضربنا به، بادرته بحجر على ظهره ففر "يعوي" وهو يكفر بالدين ويهدد. تهيأ أخي للهرب فلما رآه قد فر هاربا قال متعجبا: "هايي أشلون مخفت مِنّو؟ اشلون ما نِهْزَمْت؟" قلت لأخي: "ليش اخاف منوّ؟ نحنا ثنين ونخاف منو وهوى ويحد؟ معينت أشلون أنهزم!" خجل أخي الذي تربى في محلة يهودية في بغداد حيث يصول فيها أولاد المسلمين ويجولون شتما وضربا بأولاد اليهود الذين اعتادوا الفرار واللجوء إلى دورهم اتقاء للشر، وإلا صاح الولد المسلم إذا تجاسر ورد عليه "يهودي جسر وعركاوي" الصاع صاعين: "يا امة محمد أيهودي كفر بديني!"، وهكذا يتلقى اليهودي درسا لا ينساه مدى الحياة في آداب الذمة وآداب معاشرة المسلمين والخوف والحذر و"كِفْيانْ الشر" إذا سبه مسلم أو ضربه. ثم قال لي بعد أن أصبحت الاعتداءات على اليهود تتكرر وتزداد عنفا: "لا بد لنا من تعلم المصارعة للدفاع عن أنفسنا". وفي اليوم التالي جاء بكتاب "المصارعة الحرة" لعباس الديك المصارع العراقي، كان قد أشتراه من مكتبة المثنى. قيل عن عباس الديچ هذا انه فاز في مباراته مع بطل ألمانيا العالمي في المصارعة وهو (هر كريمر)، في عام 1935 فاحتفى به الشعب العراقي والملك غازي احتفاءا بالفوز الباهر.  فقد روى أصدقاؤنا الأساطير عنه وعن قوة وبطولة "عباس الديچ" وفنونه في المصارعة الحرة. تعلمنا من الكتاب "فك قبضة الياقة" بأن نعصر على إبهام قبضة الخصم لشل قوته "وفك الياخة" (ياقة)، والضغط على كف اليد والساعد لشل مقاومته كما يفعل رجال الشرطة أثناء القبض على المجرمين، وتعلمنا ما سميناه "ضرب المخيط" وهي مسكة مؤلمة توضع فيها إصبعين بين أضلاع الخصم لتشل حركته، و"الكـلابند" وهو وضع القدم وراء قدمي الخصم ودفعه إلى الوراء فيصرع على ظهره بسهولة. كانت هذه التدريبات قد عززت ثقتنا بالنفس فلم نعد ”ننهزم لأول مسبة وكفر بدين اليهود"، وصرنا نشترى "الشر بفلوس" لنجرب على الخصوم مسكات "عباس الديج"، حتى قال الوالد: "تغا لا تسيغون مثل العريضى بدرب الاسلام، ليطلعكم ويحد حامض بولة، ويهبشكم!" (لا تصبحوا معاكسين في درب المسلمين، فقد تلاقون مسلما سريع الغضب ويذيقكم الأمرين). وفي البتاويين لم تكن تهمة "أيهودي كفر بالدين" سارية المفعول. كنا أصدقاء "روح بالروح"، وإذا تخاصمنا مع المسلمين، نتبادل مسبة بمسبة وكفخة بكفخة، أو چلاقة بچلاقة، وتنتهي المشكلة. أما في محلات مثل الست هدية وعباس أفندي والمهدية والفضل والكرخ وغيرها من المحلات التي تسكنها الأغلبية المسلمة، فالويل لليهودي الغريب عن المحلة، فليس له "حرمة دفاع المسلم عنه" التي تمتد إلى "سابع جار". فإذا جرؤ مثل هذا اليهودي على رد المسبة بمسبة، فسرعان ما يصيح المسلم: "يا امة محمد! أيهودي كفر بديني!"، وتعال يابا خلصنا؟" إذ كثيرا ما تنتهي المسألة "بفشخات" يسيل فيها الدم، ويؤخذ الضحية إلى "القلّغ" أي مركز الشرطة، وهناك "لازم تلَعّـِب إيدك" (تدفع الرشوة) وتسوّي واسطات، لكي تخلص من الورطة التي وقعت فيها. كنا أخوتي وأنا "ولاد ما نقعد على أرض الله دقيقي راحة" كما كان يقول الوالد. ولكي تتخلص الوالدة من "وكاحتنا ولغاوينا" كانت ترسلنا في العطلة الصيفية عند خالي حاييم او عمتي هيلة اللذين كانا يسكنان في محلات سكن تقطنها غالبية مسلمة متعصبة. 
Page 10
في مباراة الملاكمة لبطولة مدرسة شماش على ساحة مناحيم دانيال في البتاويين، 1949
 
أما المرة الأولى الذي وقفت فيها على معاملة المسلمين لليهود في بغداد القديمة فقد كانت عندما أرسلتني والدتي لتتخلص مني إلى بيت عمتي هيلة القاطنة في محلة "عباس أفندي". وقفت على عتبة الدار فجاء ولد صغير لابسا دشداشة وحافي القدمين وقال لي: إيهودي! شِتْسوّي (ماذا تفعل) واقف هنا؟"، قلت له كما اعتدنا أن نجيب في البتاويين على مثل هذا السؤال: "امشي سرسري! لانعل ابوك يابو الجابك (ومن ولدك)"، وبكل جسارة دخل الولد دار عمتي هيلة وصاح: "هذا إبنكم سبني، لازم أبسطه (أضربه) وأأدْبَه!" قالت له عمتي: "ميخالف ابني مشيها، كل المسبات عليّا!"، أجبتها بغضب: "لا علينو، علينو، أنعل أبونو يابو الجابو!"، صاحت عمتي: ابدالك إبن اخوي ابراهم شالوم، اسكت بقى، ليش هوني البتاويين، فتغيد تبلينا اببلوه؟". قدمت الملبس للولد وقالت له: "مشيها ابني، ميخالف، هذا جاي من البتاويين، هناك صايرين اليهود عشره ويا الاسلام مو مثل هنا!". 
 
وفي مناسبة أخرى لمثل هذا الجلاء القسري من بيتنا في البتاويين لترتاح الوالدة من "وكاحتي"، كنت واقفا في ساعات الصباح على عتبة دار خالي حاييم في "الست هدية" أرقب "الجايين والرايحين"، فاذا ببنت صغيرة في العاشرة من العمر جاءت تتحرش بي: "ايهودي گواد، ابن الكلب! أش واگـف تسوي!، تتفرج على النسوان؟!". ظننت أن هذا "العگد" مثل البتاويين، مسبة بمسبة وتنتهي المشكلة، قلت لها باللهجة الإسلامية التي أتقنتها في مدرسة السعدون: "امشي گرعا (قرعاء)، انعل ابوچ يا بو الخلفچ!" وإذا بها "تصفق الصوت" بأعلى صوتها وتضرب رأسها صارخة: "يا امة محمد! إيهودي يگولّي گرعا!" (يهودي يقول لي قرعاء!) وإذا "بفزعة" تقوم على قدم وساق، وينسل الأولاد والشباب من كل حدب وصوب وهم يصرخون: "ولچ وينا اليهودي، لنلعنلچ دينه ووالْـدِيه!". أخذت الحجارة والطابوق تنهال والضرب "بالتواثي والمگاوير" تتلاحق على الباب حتى كاد أن يتحطم. أغلقت الباب بسرعة وهرعت بلانش وإيفلين وجاكلين بنات خالي وأقفلوا الباب الذي كان يدوى ويهتـز مع كل طابوقة ترمى عليه فدعمناه بتخت ثقيل، وصعدنا إلى السطح والبنات يبكين ويولولن: "وي غماد! وي ابيل! ابدالك سامي اسويت (ما عملت)! ساعة السودا ولا طلعت بغا (خارجا)! ليش قتخمل (أتظن) هوني مثل البتاويين؟ هوني يذبحوك والله!". وبعد ساعة هدأ ضرب الحجارة وساد السكون! جاء خالي حاييم وزوجته وموريس ابنهما البكر وأزاحوا أكوام الحجارة المتراكمة وسألوا "أش دعوى؟ أش ساغ؟"، أخبرتهم بحادثة "الگرعا" وسبها لي وصراخها: "يا امة محمد!". قالت سليمة زوجة خالي: "لكون تطلع لدغب بعد، تغا والله يقتلوك، غدا من الصباح ترجع إلبيتكم، بيش فتغيد تبلينا؟ا". وبعد أن غربت الشمس وحل الظلام، أردت أن أتنفس هواء نقيا باردا بدل هذا الهواء الحار الخانق في البيت ونظرات الاتهام واللوم تلاحقني. وقفت على العتبة، فإذا بالفتاة تأتي مسرعة مع والدها: "يابا! هذا هو ليهودي الگلي گرعا!" (يا أبي، هذا هو اليهودي الذي قال لي: قرعاء). صاح والدها وقد تهدج صوته من الغضب: "ولك گواد! ولك أنت گلتلها البنتي گـرعا؟" أدركت بالغريزة أنني لو دخلت مسرعا إلى البيت لعلم بأنني المعتدي، وقفت برباطة جأش وقلت له: "لا! مو آني، هذا واحد من الگرايب (الأقرباء) سمعنا اشگال (ماذا قال) للبنت، بسطناه (ضربناه)، ورجعناه البيته!". اخرج والدها سكينا من عبه وقال لي، اسمع ولك يا خَـلـَگ (خَـلِـق) إيهودي، والله والله! لو انته گايلها گرعا جان ذبحتك هسا!". أجبته: "لا عمّي! مگلتلك إحنا ضربناه ورجعنا البيته بالعلوية". وقال والدها: "زين سويتو رجعتو الأبن الكـ..ـة لمهجومه (الى بيته الخرب) كان هسا ذبحته!"، ثم أخذ بيد ابنته "الگرعا" وهي تشك فيما قلته وتتلفت لتتأكد من صدق كلامي، فجرها والدها من ذراعها وذهب. دخلت الدار وأنا أتنفس الصعداء ولا أكاد أصدق بنجاتي. ومنذ ذلك الحين وبعد "الهرجة" التي عملتها عمتي هيلة وسليمة زوجة خالي حاييم، تابت أمي من إرسالي "للتصييف" في بيوت أقربائنا في مناطق تسكنها الأغلبية المسلمة وأرسلنا الوالد بدلها لنتعلم اللغة العبرية بعد أن حرّمت وزارة التربية والتعليم تدريس اللغة العبرية، إلي الكنس اليهودية القريبة من دارنا مثل "كنيس أبو داوود" وهو من أقربائنا وكنيس مسعودة شمطوب، وأخيرا إلى كنيس مئير طويق قرب دارنا بعد أن تمّ بناؤها.