eKtab
EN ع
بغداد مالبورو
Read free sample

بغداد مالبورو

by نجم والي

Page 1
بداية الطريق: في مكان ما الآن
 
  كلما نظرت إلى جواز السفر الذي أحمله، إلى الاسم الذي فيه وتاريخ الميلاد، تذكرت دانييل بروكس· فحتى يوم ظهوره هكذا فجأة، لم أظن يوماً أن حياتي ستنقلب بهذا الشكل العنيف على عقب، وعلى يد رجل غريب مثله قادم من البعيد· حدث ذلك قبل سبع سنوات في بغداد؛ وهي أصعب السنوات التي عاشتها المدينة، إن لم تكن أكثرها خطورة في تاريخها الطويل· في الحقيقة كلما عدت بالقصة إلى الوراء فكرت بغرابتها، ولو لم تحدث لي أنا بالذات لما صدقت أنها حدثت فعلاً أو أنها جرت في مدينة مثل مدينة بغداد، أو أن اثنين مثلنا، رغم كل ما جرى لهما في الحياة، كان لابد لهما أن يلتقيا، من غير المهم أنهما عاشا وقد فصلتهما عن بعض بلدان وبحار ومحيطات· هو الذي وُلد في نيوأورلينز في ولاية لوزيانا، عند ضفاف نهر المسيسيبي، ونشأ في حي كوينز في نيويورك، وأنا الذي وُلدت في مدينة صغيرة على ضفاف نهر الفرات غرب العراق ونشأت لاحقاً على ضفاف دجلة في بغداد· اليوم يبدو كل شيء حقيقياً، حتى اسمي المزيف وأوراقي الجديدة، مكان الإقامة الجديد، والبلد الذي اخترته صدفة، وتحول بمثابة بلد لي بعد طواف طويل ودوران في بلدان مختلفة من العالم قرابة ثلاث سنوات، لكن في ذلك الوقت، عندما كنت ما كنت عليه بدا لي الأمر مختلفاً، أمر لم أفكر بمنحه تعريفاً معيناً بدأ وانتهى بالطريقة نفسها· تركته يسري على طبيعته· في أحسن الأحوال، ربما ظننت أنها الصدفة وحدها التي قادت ذلك الرجل إلي أو في أسوأ الأحوال أن أحدهم أرسله إلي لكي يلحق بي ما يمكن من أضرار، لكن أن يكون الرجل هذا جاء للبحث عني منذ وصوله إلى بغداد فهذا ما لم أفكر به أبداً· من أين كان لي أن أعرف، أن رجلاً يسكن بعيداً عني آلاف الكيلومترات، انتظر الفرصة السانحة طوال هذه السنوات لكي يلتقي بي· ربما بدا الأمر له أقرب الى المعجزة، أو ربما نسي الأمر مع مرور الزمن، لكن عندما أُعلنت الحرب (أية حرب؟) ودخل الجيش الأميركي إلى بغداد في 9 أبريل 2003، تذكر الرجل وقال لنفسه، ها هي الفرصة قد حانت، لا بد لي من السفر إلى العاصمة العراقية للبحث عن رجلي المطلوب· من دون أن يدري، أنه في اللحظة التي سيزوره فيها سيتبدل رجله هذا، سيتغير وسيعيش حياة جديدة بعد ذلك اليوم التاريخي الذي سيطرق فيه عليه بابه· صحيح أنني لست الوحيد الذي حصل له هذا التبدل، العراقيون أيضاً، بل حتى الأميركان، كلهم تبدلوا بعد ذلك التاريخ· لكن لو كان أمامي ميزان الآن، لوضعت دخول الأميركان في كفة، وما حدث لي بعد تعرفي على دانييل بروكس في كفة أخرى· نعم آلاف العراقيين، بل الملايين منهم غيروا أسماءهم بعد ذلك التاريخ، خوفاً من الملاحقة أو كما فعلوا على عادتهم عندما تكيفوا مع كل زمن جديد· بعضهم هاجر والبعض الآخر ظل مقيماً، لكن الذي تغير عندي: حياتي· نعم حياتي كلها· لا أريد القول إن الحياة التي أعيشها الآن خطأ، وإن التي قبلها كانت صحيحة، أو العكس، بل لكي تعرف أن الشخص الذي يروي لك القصة الآن هو غير الشخص الذي كان عليه في يوم دخل إلى حياته دانييل بروكس· ليس لأن كُلٌ منا لن يكون هو نفسه في زمانين ومكانين مختلفين وحسب، بل أكثر من ذلك بكثير· لكنني الآن، وكلما فكرت بحياتي وما جرى لها، توقفت عند صورة واحدة: مدينة بغداد ودانييل بروكس· 
Page 2
لم يحدث الأمر صدفة إذن· في ذلك الحين وقبل قرابة سبع أو ثماني سنوات، كنت أسكن في بيتي في حي مرموق من بغداد، ليكن اسم الحي الذي عشت فيه حي الخضراء مثلاً أو حي الجامعة، أو إذا شئت ليكن اسمه حي الأطباء أو حي الإعلام لا يهم، من الأفضل التكتم عليه الآن، المهم أنه سيكون أحد تلك الأحياء الراقية من المدينة وليس القديمة منها، مثل حي العطيفية، الكرادة، زيونة أو المنصور، بل أحد تلك الأحياء التي بُنيت في السبعينات· كان بيتي يقع على الشارع الرئيسي قريباً من السوق، ومن مركز شرطة الحي· في تلك الأيام كانت المنطقة، مقارنة بالأحياء الأخرى من بغداد، هادئة بعض الشيء، باستثناء هجوم مسلح على مركز الشرطة في أواخر عام 2003، وحوادث سطو حدثت من وقت إلى آخر في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2004، لم يحدث حتى ذلك التاريخ في الحي ما كان يستدعي الانتقال أو ترك البيت· كانت زوجتي قد انفصلت عني، ذهبت إلى بيت أهلها، ليصبح البيت، الكبير بالنسبة لي أشبه بالسجن· لا العمل في الحديقة الواسعة التي تقدمت البيت ولا الجلوس في صالون البيت ومشاهدة التلفزيون أو سماع الراديو، منحاني السلوى أو ساعداني على النسيان، فماذا يفعل المرء في بيت مساحته تجاوزت ثلثمائة وخمسين متراً مربعاً، مئتا متر شكلت البيت المبني، ومئة وخمسون متراً الحديقة· أما انقطاع التيار الكهربائي يومياً فقد أصبح بديهية بالنسبة لنا· المولدات الكهربائية لم تكن هي الشائعة في ذلك الوقت· في بعض الأيام كان يمر عليّ من حين إلى آخر ابن أخي، يظل عندي بضع ساعات أو يبيت حتى اليوم الثاني في أيام نهاية الأسبوع، ما عدا ذهابي إلى محل بيع المشروبات عند نهاية الشارع، الذي يقع خلف بيتي، لشرائي العرق منه أو جلوسي لدقائق قليلة في زاوية هيأها صاحب المحل لزبائنه الدائمين مثلي، كان ابن أخي هو سلواي الوحيدة، حتى تلك المرات القليلة التي ذهبت فيها إلى ساحة الميدان لزيارة صديقنا الشاعر سلمان ماضي، لم تمنحني سلوى مشابهة· أنت لا تعرف كرهه للأميركان، حتى إنه فضل العيش في ساحة الميدان على العيش مع زوجته وابنه، قال إنه المكان الوحيد الذي لن أرى فيه الأميركان، رغم اعتقادي أنه فعل ذلك عمداً آنذاك، ادعاؤه ذلك حجة لا غير· سلمان سكن هناك قبل دخول المارينز إلى بغداد· الأميركان مجرد عذر، دخولهم بغداد سهل له تبرير حلمه بالعيش هناك، نوع من التضامن مع المهمشين، كما قال· ذلك كان ديدنه الذي عرفناه به، وذلك ما صرح به أيضاً مرات عديدة أمامها مفتخراً· أقول حتى الجلسة مع سلمان لم تمنحني السلوى أو النسيان، على العكس، كان منظره يحزنني أكثر، صحيح أننا كنا نشرب سوية، لكن سلمان كان يشرب بإفراط· هذه المرة أخفى في كل زوايا البيت قنينة فيها بقية من العرق؛ فهو يخاف أن ينفد العرق في ساحة الميدان فيضطر للبحث عنه حيث يرى الأميركان· نعم أنا أكن الودّ لسلمان، والكل يعرف علاقتنا القديمة منذ الثمانينات، لكن سلمان تغير كثيراً منذ عودته من حرب الكويت، انغرس في الكآبة كل مرة أكثر، ولم يغير منه شيئاً ما حدث بعد 9 أبريل 2003 إن لم يجعله أكثر غضباً من قبل· كنا نجلس ساعات وساعات لا نتحدث، وإذا بدأ هو بالحديث فبشتم العالم جميعاً· لا أحد يستطيع إسكاته إلا النوم، أما النزول معه إلى حانة الجنون فهو مغامرة كبيرة، فالويل إذا رأى جندياً أميركياً أو دورية مرت من هناك؛ لتنهدر كل كلمات الشتم التي تعلمها· كان الجلوس مع سلمان سيحزنني أكثر حتى إذا وفرت عليه قصة انفصال أزهار عني، والحديث عن الوضع التعيس الذي أنا فيه· على عكس الجلوس مع ابن أخي· كنت أشعر بالراحة كلما زارني؛ فمعه على الأقل أستطيع نسيان حزني ولو مؤقتاً· كان قد بدأ للتو في الدراسة في جامعة بغداد، وكان يستمتع بالقصص التي واظبت على روايتها له عن حياتنا الجامعية في السبعينات، حتى إنه كان يضحك ظناً منه أن ما أرويه هي قصص خيالية، 
Page 3
 عن الطالبات وتنورات الميني جوب، بل الميكروجوب، وكيف أن الحجاب لم يكن أمراً معروفاً، ربما لبسن العباءة لكن حتى هذه كنّ ينزعنها بعد دخولهن الكلية، ويتركنها في غرفة الطالبات· كان عليك أن تشمّ رائحة دخان سجائرهن إذا مررت بشباك غرفة الطالبات، كنت أقول له· قصص سكران بالأحرى، لأنني وفي كل المرات التي جلس فيها معي كنت أشرب· كل صورة أخذها لي كنت أمسك فيها كأس عرق في يدي· لم يكن هو يشرب لكنه كان معجباً بي إلى درجة أنه درس في الكلية نفسها التي درست فيها، كلية البيطرة، الطب الحيواني· في مرة سألته لماذا فعل ذلك؟ فأنا نفسي طلقت مهنتي القديمة واخترت أخرى لا علاقة لها بها؛ ليجيبني: كيف لا أفعل ذلك وأنت الذي قال: إذا كان العالم مستودعاً للحيوانات فإن العراق هو مركزه، فلاحاجة لدراسة الطب البشري· لا أتذكر أنني قلت له ذلك يوماً، لكنني قلت له ذات مرة، بالتأكيد في إحدى لحظات السكر تلك، وقد شطح بي الخيال: هل تعرف كم مرة فكرت بترك مهنتي الحقيرة هذه، مللتها· أريد أن أصبح كاتباً، فعلق بقوله: ولكنها مهنة فاشلة في العراق وفي البلدان العربية عموماً، فبغض النظر عن أنها لا تدر عليك أي ربح؛ فهي تجلب لك المصائب· كنت أعرف إعجابه بي· فمثلما كان يظن أن ما أرويه له قصص من صنع الخيال، خيال شخص سكران يريد أن يصبح كاتباً، ظننت أن إعجابه بي هو الذي جعله يخترع لي الحكايات و ينسب لي جملاً وسلوكاً من صنع خياله· خيال شاب دخل للتو سن العشرين لكي يساعدني ـ رغم جوابه ذاك ـ على تحقيق مشروعي بأن أصبح كاتب قصص· إعجابه هذا ما جعله أيضاً يزورني كلما استطاع، رغم أنني كثيراً ما كنت أقلق عليه أن يحدث له مكروه وهو في طريقه إلي، لكن جوابه كان دائماً: أيها العم الجلوس معك حياة تعادل كل ما يحدث في الخارج من قصص ودمار وخراب· كان مصراً على المجيء، رغم معرفته باعتراض أبيه على الزيارات تلك· وفي الأيام التي لا يستطيع فيها المجيء، في العطل الجامعية مثلاً، عندما يذهب لزيارة أهله، كان عليّ الجلوس وحيداً في البيت لشرب العرق أو الجلوس في مكتبي الصغير في حي الجامعة على شارع أبي غريب مقابل معمل البسكولاتة مباشرة، هل تتذكر؟ المعمل الذي بنته في بغداد شركة نمساوية في الخمسينات؟ وبسبب توقف العمل مؤقتاً أو قلته أو في أحسن الأحوال، لكرهي له، أصبحت ساعات جلوسي في البيت أطول· سرحت الموظفين الثلاثة الذين نظموا عمل المكتب وأبقيت حسن· عامل بسيط يحرس المكتب ويعمل لي الشاي أو المزّة كلما جئت لأشرب هنا لوحدي أو مع أحد الأصدقاء· لكن عندما أبلغني ذات ليلة أن دورية أميركية جاءت في ساعة متأخرة ليلة أمس بسبب صاروخ أطلق عند بوابة البناية، قلت له: حسن، أصبح الأمر خطراً، ومن الأفضل أن تترك العمل أنت الآخر، قال لي: كلا، إنه سيظل هنا، الأميركان عثروا على منصة الصاروخ، والشاب الذي نصبها ليلة أمس يعرفه، وقد ذهب إليه وحذره أمام أهله ألا يكرر ما فعله ليلة أمس، وليذهب ويطلق صواريخه في مكان آخر· لكن إذا كان حسن مصراً على البقاء، ولم أجد أنا سبباً قوياً يستدعيني للتردد على المكان، قلت لأبقيه، فقط رحت أتصل بحسن من وقت إلى آخر، وأكتفي بالجلوس في البيت·
Page 4
في مساء ليلة 31 مارس/آذار 2004، ما أزال أتذكر ذلك التاريخ جيداً، ليس لأنني منذ تعرفي على زملاء لي في كلية الطب البيطري - بعضهم سيصبح صديقاً حميماً لي - شيوعيين، أو بسبب صداقتي بسلمان الذي اتهم عبثاً ذات يوم بأنه شيوعي، رغم فوضاه وصعلكته اللتين عُرف بهما، وأنا أعرف خطورة هذا اليوم بالنسبة لهم؛ لأنه تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، وكان يعني وضعهم جميعاً تحت المراقبة - تخيل حتى المسكين سلمان - أما خروجهم للجلوس في حانة أو مقهى فكان يعني الاحتفال بالذكرى، بل حتى البقاء في البيت كان يعرضهم لشكوك رجال الأمن، أمر بعث على الحيرة حقيقة، ولأنني كنت خارج الشبهات، ربما بسبب مكان ولادتي، هل نسيت؟ المناطق الغربية من البلاد أو بسبب لقبي، أو ربما بسبب خالي الذي كان ضابطاً كبيراً في الجيش· كنت أنقذهم أنا بزيارتي لهم الواحد بعد الآخر، أحمل قنينة الشرب والمزات في الكيس· أتذكر ذلك التاريخ أيضاً، ليس لأن يوم 31 مارس/آذار هذا هو ذكرى يوم زواجي قبل سبع سنوات، فكيف لي أن أنساه، وكان هذا التاريخ الحجة القوية التي استخدمتها أزهار ضدي في الشجار معي كل عام، كانت تقول: أنت ترفض أن يصبح عندنا أطفال، وتقول من أجل إدامة الحب بيننا، لكنك تنسى حتى يوم زواجنا، لا تتذكره ولا تحتفل به، فعن أي إدامة حب تتحدث؟ كلا، كان من الصعب عليّ نسيان ذلك اليوم، ليس لأن قلقي على ابن أخي ازداد مع تزايد الفوضى في بغداد، أمر تحقق بعد أسبوع عندما مات بعد تعرض الباص الذي أقله إلى صاروخ في طريق عودته من أهله إلى بغداد، بل لأنه اليوم الذي سيغير مجرى الحرب في العراق، إن لم أقل اليوم الذي سيدمغ بدمغته كل الحروب القادمة في العالم منذ ذلك التاريخ، عندما يحل المرتزقة بديلاً من الجنود في الجيوش، ففي ذلك اليوم تناقلت الأخبار مقتل أربع مرتزقة تابعين لمنظمة بلاكووتر (وليس كما قيل عنهم رسمياً: قوى مساعدات مدنية أو مساعدون أجانب في إعادة الإعمار كما لو كانوا مهندسين، عمال بناء، أعضاء منظمات إنسانية، أو أخصائيين في بناء محطات لضخ ماء صالح للشرب)، هل تتذكر؟ المرتزقة الأربعة الذين ظلت جثثهم المحروقة معلقة على جسر الفلوجة يومين أو أكثر؟ في ذلك اليوم الذي كان سيمر عليّ مثلما مرت قبله بقية الأيام، فماذا يعني قتل أربع مرتزقة أميركان أمام المئات من العراقيين يومياً· جلست في صالون البيت أصغي للأخبار وللتعليقات التي قيلت بهذا الخصوص في راديو الترانسيستور؛ لأن التيار الكهربائي كان مقطوعاً كالعادة، عندها سمعت ضرباً على باب البيت، ولأرى نمير جاري الذي يقع بيته خلف بيتي يقف هناك· في الحقيقة لم أرَ نمير أو أحدا من عائلته منذ ثلاثة شهور، منذ حفلة رأس السنة الأخيرة، وتعرض مركز الشرطة القريب للهجوم· في الحقيقة لم أستطع إخفاء فرحتي لرؤيته مجدداً حتى إنني لعنت نفسي أمامه في ذلك المساء· اللعنة على النسيان، قلت له وأنا أصافحه وأعانقه بحميمية، لا عتب على أحد في الأيام الصعبة هذه، قال، ثم أوضح لي أنه جاء ليودعني لأنه باع البيت فمن الأفضل له أن يسكن قريباً من مكان عمله، الطريق من البيت، إلى النادي وبالعكس أصبح خطراً عليه· أيقنت أنه على حق؛ فهو يعمل في نادي العلوية في ساحة الأندلس، وقطع الطريق ذهاباً وإياباً يومياً هي شجاعة يُحسد عليها، وما لم يقله لي في حينه اكتشفته أنا لاحقاً، فهو ترك البيت أصلاً بسبب تهديدات له من مسلحين· 
Page 5
 حديقة بيته فيها أشجار كثيفة، كما يقع في مواجهة الشارع الذي يقود إلى محل بيع المشروبات، ويُمكن أن يُستخدم نقطة انطلاق أو مأوى للأسلحة لرصد أو مهاجمة جنود المارينز الذين يأتون من حين إلى آخر بسيارات الجيب العسكرية لشراء علبة بيرة أو علبتين، ولأن من غير المسموح لهم شرب الخمرة في معسكرهم القريب، يشربونها بعجالة في أحد الشوارع القريبة الضيقة، لكنه لم ينسَ أن يقول لي قبل أن يذهب بأنه سيكون سعيداً إذا زرته في نادي العلوية، رجل طيب مثلك نادر العثور عليه في هذه الأيام، قال لي، على الأقل يستطيع هو أن يخدمني في الكافتيريا هناك، يرد لي شيئاً من دَيْن حسن الجيرة· في الحقيقة، أراد أن يقول لي ذلك منذ زمن طويل، فهو كلما رأى ضوءاً في صالون البيت أو في الحديقة، حزن عليّ، الجلوس وحيداً يحتاج إلى طاقة وسلوان، أما فيما يخص بطاقة العضوية فسيحصل عليها لي بسهولة، رغم أن مقاولاً مثلك لا يحتاج إلى وساطة في هذا المجال· شكرته ووعدته بالمجيء، لكنه وقبل أن يذهب استدار وقال، نسيت أن أقول لك، قبل يومين جاء أحد المقاولين إلى النادي رجل أميركي لوحده، الغريب أنه كان يتحدث اللغة العربية بطلاقة، قال إنه يبحث عن مقاول عراقي· كان يبحث عنك أنت بالذات؟ وكم دُهش الرجل عندما قيل له إنك لا تأتي إلى هنا، قال، عجيب، أليس هذا هو نادي المقاولين والتجار؟ في الحقيقة، كل ما دار في رأسي في حينه، أن نمير هو الآخر، مثله مثل الكثير من العراقيين، يُبالغ، ربما كانت رغبته أن أزور النادي هي التي جعلته يخترع تلك القصة لي، فالجميع كان يبحث عن مقاولات وصفقات في تلك الأيام، فلماذا لا أكون أنا واحداً من أولئك أيضاً؟ ربما فكر نمير بذلك، لماذا لا؟ كان النادي، ومنذ تأسيسه بالنسبة للقسم الأكبر منهم، مكاناً تُعقد فيه صفقات المقاولات، أمر لم يكن يعنيني في ذلك الوقت بتاتاً· كنت متعباً أفكر بالراحة أكثر من المال، بالكاد تحملت انفصال زوجتي عني حتى أصابني موت ابن أخي، وبالطريقة العبثية تلك في الصميم، العمل في المقاولات يحتاج إلى أعصاب قوية بشكل عام، فكيف هي الحال في تلك الأيام؟ عليك أن تتملق كثيراً، تمسح مؤخرات، كما يقول المثل عندنا، ليس ذلك وحسب، بل إن تنفيذ مشروع ما وإتمامه لم يخلُ من المغامرة، فمن لا يكلف حرساً خاصاً من إحدى شركات الأمن، التي بدأت بالتكاثر مثل نبات الفطر في تلك الأيام، ستتعرض مواد مشروعه والمعدات للسرقة، وأجور الحرس تختلف، حسب مكان المشروع وحجمه ومدته· إن أغلب أولئك الذين يطلقون على أنفسهم مقاولين أو تجاراً من الذين يترددون على النادي هم أثرياء جدد، جمعتهم علاقات مع رجال في الحكومة، يأخذون المقاولات ليس لتنفذيها بل لبيعها إلى مقاولين آخرين صغار، حتى أنا عُرض علي تنفيذ هذا المشروع أو ذاك لكنني رفضت· كان ذلك هو الشائع في أوساط المقاولين والتجار، بخاصة زوار تلك الأندية منهم· ربما أنقذت سمعة النادي هذا أنه ناد قديم مثل النادي القريب منه، نادي الهندية· بناهما الانكليز الذين أدخلوا تقاليد النوادي في سنوات العشرينات على عكس النادي الآخر، نادي الصيد الذي بنته السلطة البائدة في سنوات السبعينات، لكن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً·
Page 6
كانت تلك هي المرة الأولى التي سمعت فيها برجل أميركي جاء يبحث عني، في المرة الثانية سمعتها من شاب غريب الأطوار كان يأتي من حين إلى آخر إلى محل بيع المشروبات عند نهاية الشارع· في الحقيقة حتى ذلك اليوم، لم أعرف إذا كان هذا الشاب أحد سكان الحي أم أنه ظهر هكذا فجأة، لأنني لا أتذكر أنني رأيته سابقاً، وأنا أسكن الحي منذ نهاية السبعينات، لكن متى انتبه أحدنا إلى تفاصيل مثل هذه إذا لم يحدث فجأة ما يجعله ينتبه إلى ما حوله؟ إلى جيرانه الذين يسكنون قريباً منه أو في الشوارع المجاورة، وبشكل عام يجب أن يكون الحدث هذا عادة حدثاً غير عادي، حدثاً كبيراً، لكن اسمح لي أن أقول لك، فهو في حالة العراقيين، يجب أن يكون أكبر من الحرب؛ لأن الحروب تحولت إلى روتين بالنسبة لهم· العراقيون ومنذ أن تأسست دولتهم عام 1921 رأوا سلطاتهم تصول وتجول في حروبها شمالاً وجنوباً، فلماذا يدهشهم دخول الأميركان بغداد مثلاً؟ أنا نفسي وقفت في الحديقة، وفي يدي كوب الشاي أراقب بهدوء الدبابات الأميركية وهي تسير باتجاه مركز بغداد، كأن الأمر لم يعنيني أبداً· على أية حال، كان لابد أن يحدث في حالتي ما هو أكبر من الحرب، أن يأتي شخص مثله يسأل عني مثلاً، لكي أعرف أن هناك شاباً في الحي اسمه محمد باريس ظهر فجأة في الحي وعليّ تقبل وجوده، وأنني لم أنتبه إلى اسمه الأصلي إلا لاحقاً، لكن في ذلك الوقت، وكلما ظهر في محل بيع المشروبات، سمعتهم ينادونه بذلك الاسم· لم ينادِ عليه أحد باسمه الحقيقي، محمد خضر الواثق، قيل إنه لقب بباريس بسبب أناقته، عندما كان يعمل بائعاً للثلج في إحدى أسواق المنطقة، بعد أن حل الأميركان الجيش العراقي· كان يرتدي بنطلوناً قصيراً وفانيلة ملونة، فلقبوه محمد باريس إشارة إلى باريس عاصمة الأناقة العالمية، وكان حسب ما عرفت من القصص التي دارت عنه ، جندياً في الجيش العراقي السابق، تحول بعد أبريل 2003 إلى خاطف محترف، أراد السير على خطى روبن هود، كما سيقول لي ذات يوم، يختار ضحاياه من كبار اللصوص الحواسم، أولئك اللصوص الذين انتشروا في بغداد مباشرة بعد دخول القوات الأميركية إليها لسرقة ما يمكن سرقته بدل القتال في أم الحواسم، كما أُطلق رسمياً على المعركة مع الأميركان، والطريف أن محمد هذا الذي دخل في البداية جهاز الدفاع المدني، عبر القوات الأميركية التي أرادت الاستفادة من معرفته بأوساط المجرمين، لم يخفِ نشاطه أبداً، سمعته لمرات عديدة يتحدث في منتهى الجدية، مفتخراً أمام رواد محل المشروبات بأن الأميركان كانوا يدفعون له على الأقل مئة دولار عن كل مجرم يُسلم لهم، لكنه تخلى عن هذه المهنة، وبدأ يعمل لحسابه الخاص، يختطف الأثرياء وكبار اللصوص· صحيح أنه كان ينفذ عمليات الخطف في مختلف الأوقات، لكنه كان يفضل القيام بها في النهار، من شروق الشمس وحتى مغيبها، وعندما يسأله البعض، جادين كانوا أو مازحين، عن بعض تقنيات عمله، يقدم نصائحه مجاناً ويقول: من المستحسن اختيار الأوقات التي يتوجه فيها الناس إلى أعمالهم أو يعودون منها إلى منازلهم، أما عمليات الهروب فيشرحها بالتفصيل، وكيف أنها ستكون صعبة في الليل، بسبب حواجز الشرطة في طرقات المدينة· 
Page 7
محمد هذا ـ الذي لا أروي لك هنا قصته عبثاً ـ والذي كان يلبس كل يوم الزي ذاته: زياً رياضياً زيتوني اللون، هو الذي جاء هذه المرة ليخبرني بأن هناك رجلاً أميركياً جاء يسأل عني· حدث ذلك في يوم حار بعد ثلاثة شهور تقريباً على زيارة نمير لي في يوم 28/حزيران 2004، بالضبط في اليوم الذي أعلن فيه للعراقيين عن تسليم الحاكم المدني الأميركي السلطة لهم في بغداد· أتذكر أنني في ذلك اليوم أردت الاحتفال بالمناسبة، طبعاً ليس بمناسبة تسليم السلطات للعراقيين كما قيل رسمياً، هراء، بل بمناسبة هروب الحاكم هذا بطريقة تليق به، فلكي يغطي على تسلله خفية من مطار بغداد بطائرته الخاصة، مثل لص محترف خاف إلقاء القبض عليه، دعا إلى مؤتمر صحفي في مكان آخر، ولأننا نقتنص المناسبات، خصوصاً وأن ليس هناك ما يفرح في البلاد، قلت لأذهب وأشرب نخب الكاوبوي السافل هذا مع زبائن محل المشروبات· في ذلك المساء، وبعد ساعتين أو أكثر من وصولي إلى هناك، ظهر محمد باريس على عادته، وبدل أن يبدأ برواية مغامراته سمعته يسأل صاحب المحل إذا كنت أجلس في زاوية المحل، حتى إن صاحب المحل قال له وهو يغمز له بعينيه، ماذا يا محمد، هل تريد اختطافه وهو لا من الأثرياء ولا من الحواسم؟ بإشارة منه إلى سمعته التي شاعت، ضحك محمد وقال له: كلا، أريده لأمر عاجل، وعندما خرجت له بنفسي سحبني إلى جانب المحل لكي نقف لوحدنا· كانت تلك هي المرة الأولى التي أرى فيها محمد باريس وجهاً لوجه، بهذا القرب، صحيح أنه في أواسط الثلاثين من عمره، لكنه بدا لي وكأنه في الخمسين، أصلع الرأس، وجهه نحيف غطت نصفه لحية غزاها الشيب، حتى صوته بدا لي منهكاً وهو يحذرني، قال لي: من الأفضل لك مغادرة المنطقة والنوم في مكان بعيد، وعندما حدقت في وجهه مستفسراً عن السبب، أجابني إنه وهو في طريقه إلى هنا رأى قبل دقائق سيارة دوج كبيرة تحمل رقماً أميركياً جلس في داخلها رجل لم يرَ وجهه جيداً، لكنه رآه ينزل ويدق على باب بيتي، رجل طويل وضخم، أسمر، داكن البشرة، لكي لا يقول أسود، على ما يظن· وقوف سيارة تحمل رقماً أميركياً أمام البيت لا يجلب غير المصائب، ثم أضاف وهو يربت على كتفي، في كل الأحوال ولأنني رجل طيب فإنه لن يتردد عن حمايتي· أنت تعرف أين أسكن، قال لي، قبل أن يختفي مع قنينته· 
 
هل تعرف، ربما تعتقد أنه الغرور أو أنها اللامبالاة، أو في أسوأ الأحوال أنه الجهل، ما جعلني لا أحمل ما قيل محمل الجد، لكنني حتى اليوم، وكلما فكرت بالأمر، أيقنت أن من غير الممكن بالنسبة لي التصرف بطريقة أخرى غير الطريقة التي تصرفت بها، ففي تلك الأيام أصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والخيال، الاختراع والواقع، بين الأمنية والزيف· يكفي أن يطلق أحدهم شائعة ما حتى تجدها في اليوم الثاني على كل لسان، كل شيء يعدي في بلادنا، الكذب ومثله النميمة، الحسد ومثله إلحاق الأضرار، الاعتداء ومثله القتل، الاختطاف ومثله الابتزاز، الاغتصاب ومثله الدعارة، نعم، كل الصفات الشريرة تلك تنتقل مثل الفيروس بين الناس، على عكس الصفات الحسنة، لا عدوى تنقلها؛ لأن لم يعد لها وجود أصلاً، الصدق والكرم ومساعدة الآخرين مثلاً، أو الطيبة والكرامة 
Page 8
والإخلاص هي صفات أصبحت في عداد الماضي، هذا إذا كانت وُجدت عندنا ذات يوم، كل شيء زائف، كل شيء ادعاء، فلماذا كان عليّ التصرف بطريقة أخرى؟ وإذا كنت لم أصدق ما قاله جاري نمير وهو رجل بسيط، لا أجد عندها ما يستدعي الكذب عليّ، فكيف لي أن أصدق ما قاله شخص أراد أن يكون روبن هود العراق، بدل ذلك قلت لنفسي إن البلاد كلها جنت منذ دخول الأميركان حتى الآن، تدهور الأوضاع جعلهم لا يكتفون باختراع القصص لأنفسهم وحسب بل وللآخرين أيضاً، ألم يخترع نمير قصة بيعه للبيت؟ فبعد يومين أو ثلاثة من ادعائه ذلك رأيت بنفسي، وأنا في طريق عودتي من محل الشرب، سيارة بيك أب جلس فيها رجال ملثمون ومسلحون عددهم ستة أو سبعة تدخل بيته· أما القصص التي رواها محمد باريس عن نفسه فلم أصدق واحدة منها، روى مثلاً أن إحدى ضحاياه صبي في الثامنة من عمره، اختطفه لأن أباه كان مديراً سابقاً في مصرف الرشيد، وأن المدير هذا الحواسم، (كما أُطلق على الأثرياء الجدد الذي جمعوا ثروتهم بعد هزيمة أم الحواسم كما سمى النظام الذي ولّى في معركته مع الأميركان) سرق وقت دخول الأميركان بغداد 40 مليون دولار· طبعاً أنا لا أشك أن الرجل هذا مدير البنك لم يسرق 40 مليون دولار، معاذ الله، فهو ما كان حصل على منصبه في العهد السابق لو لم يكن تمتع بموهبة الحرامي، لكن ما هو غير معقول بالنسبة لي ولا يصدقه عقل هو أن محمد باريس أفرج عن ابن اللص هذا مقابل 20 ألف دولار فقط! أو القصة الأخرى التي تقول إنه ربح مئة وتسعين ألف دولار دفعة واحدة من عملية اختطاف رجل ثري بطلب من زوجته، قالت له، إن زوجها ثري كبير عمل مع الابن الأكبر للحاكم السابق، وإنه حصل على جزء من ثروته بعد هروب الحاكم وأولاده، وإنها تريد الانتقام منه لأنه تزوج بصبية، وحسب ما رواه محمد باريس، كانت عملية اختطاف سهلة؛ فوفقاً لتوجيهات زوجته الأولى اختطفناه وهو في طريقه إلى منزل زوجته الجديدة، طرحناه أرضاً وكبلناه ووضعناه في صندوق السيارة ولذنا بالفرار· بعد أيام لم تكتفِ الزوجة بدفع الفدية وأخذ حصة لها بلغت أربعة أضعاف ما حصل عليه، بل إنه منذ ذلك الحين أصبح عشيقها المفضل، ينام عندها متى شاء، يضاجعها متى شاء، وفي كل الأوضاع، من الأمام، من الخلف، من الفم، من كل ثقوبها، كما قال، تحقق له كل ما يريد، حتى إنها لا تمانع إذا كبلها من يديها ورجليها متى شاء· فكيف تريدني أن أصدقه إذن؟ ومن اعتاد اختراع القصص، لماذا عليه أن يكون موثوقاً بما يقوله، حتى إذا كان لقبه الواثق كما في حالة محمد خضر؟ فهل من المعقول أن يأتي أميركي يبحث عن مقاول عراقي بسيط مثلي؟ ربما شغلتني هذه القضية قليلاً لكنني حاولت للمرة الثانية نسيانها، طردها من مخي، وكنت نجحت في ذلك لو لم يتصل بي حسن بعد ثلاثة أو أربعة أيام من مكتبي، ويقول لي بصوت حزين بالكاد حبس دموعه، إن الشاب الذي نصب منصة الصواريخ أمام المكتب ذات مرة جاء في سيارة بيك آب يصحبه أربعة أو خمسة رجال ملثمين، صعدوا إلى السطح لينصبوا هذه المرة منصة صواريخهم على سطح البناية، وعندما طلب منهم النزول صوبوا رشاشاتهم نحوه ، قالوا له، عليه المغادرة فوراً والذهاب إلى رب عمله لكي يخبره، إن المكتب مصادر منذ ذلك اليوم، وإنهم هنا بانتظار زيارة أصدقائه الأميركان· الحقيقة يا أستاذ لا أعرف عن أي أميركان يتحدثون؟ ولا أنا، قلت له، صحيح أنني لم أخبره عن قصة زيارة الأميركي لبيتي، إلا أنني وللمرة الأولى بدأت أربط بين الزيارة المفترضة للأميركي للبحث عني في المرتين السابقتين وبين ما جرى في المكتب، فمن غير المعقول أن حسن هو الآخر يكذب عليّ· الشكوك التي غزتني تلك لم تدم طويلاً حتى تصبح حقيقة، إذ في اليوم الثاني من حديثنا في التلفون رأيت سيارة البيك آب نفسها التي دخلت بيت نمير تقف عند باب بيتي، لا أدري إذا كانت هي ذاتها التي نصبت منصة الصواريخ عند مكتبي، ولا أدري إذا كان الرجال الستة أو السبعة الذين جلسوا فيها، الرجال الذين هددوا حسن أيضاً، هم أنفسهم الذين دخلوا عليّ بأسلحتهم في ساعات الصباح الأولى، وطلبوا مني مغادرة البيت فوراً وهم يصرخون الله وأكبر إنهم مقاومة، قالوا لي، وإن واحداً مثلي يتعاون مع الأميركان لا مكان له في الحياة عادة، وإنهم لن يقتلوني احتراماً لعائلتي· أبوك كان شيخاً فاضلاً، قالوا، وأخوك مجاهد مثلنا· هل تعرف، لقد عشت لحظات مرعبة كثيرة في 
Page 9
حياتي، سواء على الجبهة الإيرانية في بداية الثمانينات، في الجنوب، في أهوار الناصرية وأهوار ميسان، أم لاحقاً في حرب الشمال في جبال كوردستان، لكنني أقول لك، إنني لم أرتجف، لم أشعر بالخوف يسري في كل مسامات جلدي، مثلما حصل لي في اللحظات القصيرة تلك· من الصعب وصف المشهد، نعم رأيت بشراً يحملون السلاح منذ أن فتحت عيني على الحياة، ورأيت الناس حولي تحمل السلاح هناك في البرية في سهوب المناطق الغربية، رأيت الناس تحمل السلاح وتطلق النار، سواء الرعاة أم المهربون، المحتفلون بالأعراس أو المعزون في المآتم، حتى في البيت عندنا رأيت أبي يطلق النار، حدث ذلك في عرس أعمامي أو أخوالي بل حتى عند ولادة ابن أخي الذي مات· طبعاً عندما انتقلنا إلى بغداد، وبدأ أبي بالعمل في المقاولات تغير الأمر، لكنني لم أرَ أبي يتخلى عن السلاح حتى ساعة موته· ظل ينام وبندقيتان تحت سريره أحياناً· وأتساءل كيف كان هؤلاء يمارسون الجنس وتحت سريرهم السلاح· ليس أبي فقط· ملايين الرجال فعلوا الشيء نفسه، حتى أخي الأصغر كان مهوساً بالسلاح لدرجة أن أبي حذره ذات يوم، عليه أن يتحكم هو بالسلاح وألا يسمح للسلاح بالتحكم به، السلاح هو زينة الرجال، قال له، لكن في حدود أمر جعل أمي تضحك وتقول له، عليه قبل أن يعلم ابنه الحكمة أن يتحكم هو بالسلاح، وعندما مات كان أول ما فعلته أمي أنها جمعت البندقيتين اللتين ملكهما أبي مع المسدسات، خمسة أو ستة مسدسات على ما أظن، هدايا خاصة من المسؤول هذا أو ذاك، وطلبت مني أن أرميها في النهر في مكان بعيد، قالت لي، إنها حزينة لموت أبي، لكنها للمرة الأولى ستنام سعيدة وتشعر بأمان، أمر جعل أخي الأصغر يغضب حقيقة· كان قد دخل الكلية العسكرية، للتو وعندما عرف ما فعلناه أنا وأمي غادر البيت فوراً، قال، إننا لم نحترم إرث أبي، السلاح المتروك، تلك هي وصيته لنا، إنه شرفنا، وعندما قلت له، عن أي شرف تتحدث، قال لي، إنه لا يأخذ دروساً في التربية من أخ صديق للشيوعيين وللشرگية و··· وسكران، ما زلت حتى اليوم أسمع رنين الصفعة التي أنزلتها على خده· غادر أخي غاضباً ولم تسنح لي بعدها فرصة الاعتذار له حتى عندما ماتت أمي لم يأتِ إلى مأتم العزاء، أقام مأتماً خاصاً به في بيته، وحتى وفاته لم يفهم ابن أخي ما هي أسباب الخلاف بيني وبين أبيه، هل أقول له السبب هو حمل السلاح؟ لكنني ولقول الحقيقة، ولا علاقة للأمر هنا برفضي حمل السلاح وكرهي حتى لمنظره، هو أنني ربما شعرت بالخوف من منظر السلاح، في الجيش أو في الشارع، في أيام الحرب أو في أيام السلام (متى كان عندنا سلام؟) لكنني لم أرَ الخطر ماثلاً أمام عيني مثلما رأيته في ذلك الصباح· التهديد الذي رأيته يلمع في عيون المسلحين الملثمين أولئك، خصوصاً في عيني رئيسهم كما يبدو، الملثم بالغترة، والذي ظل جالساً في مقدمة السيارة، صامتاً تماماً يراقب المشهد، لم أرَ له مثيلاً من قبل· في الساعات الأولى من صباح اليوم الصيفي الحار ذلك خطر في ذهني أمر واحد وحسب، أن أغادر البيت فوراً، وعندما وصلت إلى ساحة الميدان؛ أو عندما صعدت درجات السلالم التي تقود إلى شقة صديقنا الشاعر سلمان ماضي، أو ربما عندما طرقت على باب الشقة تلك أو عندما، وذلك هو الأكثر رجحاناً، رأيت سلمان يفتح لي الباب سكرانَ على عادته؛ وهو يقول لي أهلاً وسهلاً بك في المنطقة المحررة، ساحة الميدان عرفت أنني هربت بثيابي التي ألبسها وحسب، وأنني لم آخذ معي ما أحتاج إليه: لا حقيبة ملابس، ولا الصندوق الصغير الذي حوى مدخراتي، كل ما ادخرته لكي أعيش بسلام· نعم، تركت كل شيء في البيت لهم باستثناء مبلغ بسيط احتفظت به دائماً في بطانة السترة لأيام الضيق، من دون أن أدري، أنني بالذات وعن طريق ذهابي إلى سلمان، كنت أسير بالضبط بالاتجاه الذي شاءت القصة السير إليه، الطريق الذي لم أختره أنا إنما اختارته لي الحياة، السير باتجاه الرجل الأميركي الغامض الذي جاء يبحث عني، كأنني مثل بطل رواية بدأت تُكتب للتو، رماه المؤلف ليواجه قدره هناك، لكن إلى أين كنت سأذهب في بغداد في تلك الأيام، والقتل على الهوية قد بدأ للتو على قدم وساق في بغداد، إن لم أذهب إلى صديقي سلمان؟ لكن وقبل الحديث عن الرجل الأميركي الغامض الذي سألتقي به لا بد من الحديث أولاً عن سلمان ماضي، فمن دون معرفة سلمان من الصعب فهم القصة وما جرى لي في تلك السنوات· نعم من الصعب معرفة لماذا كان على حياتي أن تتبدل منذ ذلك الحين
Page 10
عودة لابد منها: بداية أيام الجمر
 
العراق 1984- 1991
 
 
 
تعود معرفتي بسلمان إلى أيام الخدمة العسكرية، إلى شتاء 1984 على ما أظن، العام الذي بدأت فيه رحلة استخدامي في العديد من الوحدات العسكرية، التي قاتلت في جبال ومدن وقصبات كردستان· حتى ذلك الوقت، وقبل أن أتسلم أول أمر استخدام لي إلى كتيبة الاستمكان في قاطع مدينة السليمانية، في سد دوكان بالتحديد، كنت خدمت في قسم الشؤون الحيوانية العسكرية التابع لمقر الفيلق الثالث في البصرة· كانت ما تزال الحرب العراقية الإيرانية على أشدها، وكان القصف بالمدفعية والطائرات والبارجات روتيناً يومياً على الجبهة الجنوبية، صحيح أن القوات العراقية توغلت إلى عمق كبير داخل الأراضي الإيرانية، إلا أن الهدف المعلن في بغداد كان دائماً، السيطرة أولاً على مدينة عبادان، والانطلاق منها للسيطرة على كل إقليم خوزستان الغني بالنفط، هدف كبير بالأحرى، إن لم يكن نوعاً من الانتحار، فمثلما لغّمنا نحن المناطق التي عرفنا أن الإيرانيين سيزحفون منها على البصرة، لغّمت إيران أيضاً كل المناطق المحيطة بعبادان، ومن أجل إبطال مفعول الألغام هذه التي أعاقت تقدمهم، أرسل الإيرانيون مجاميع كبيرة من الأطفال الصبيان الصغار يحمل كل منهم مفتاح الجنة، للسير عليها، أمر لم يستطع العراقيون القيام به، فعن أية جنة سيكون الحديث، والحزب الذي يحكم البلاد حزب علماني؟ ولا أدري من كان صاحب تلك الفكرة العبقرية، الذي اقترح أن أفضل ردّ على الإيرانيين هو إرسال الحمير بدل الشباب اليافع، طبعاً من دون تزويدها بمفاتيح دخول الجنة، لا تضحك أرجوك، حتى الحمير لم تسلم من الحرب، على أية حال، ولأن أغلب الحمير التي جالت بحرية ذات يوم على طول الحدود بين إيران والعراق هربت مباشرة بعد اندلاع الحرب باتجاه دول الخليج، كان لابد من إجبارها على العودة· آلاف الحمير كانت تُنقل يومياً إلينا من دول الخليج، ومن الكويت خصوصاً، وكانت مهمة وحدتنا معاينة الحمير تلك وفرز الصالح منها لإرساله للسير على الألغام، لأن بعضها كان متعباً جداً، سينهك بعد سيره بضعة أمتار· وأكثر من عام دارت وحدتنا على طول الجبهات وعرضها وهي ترسل الحمار بعد الحمار· ليست هناك إحصائية بعدد الحمير التي ماتت هناك، لكنها بالتأكيد كانت مجزرة كبيرة· كان عليك أن ترى منظرها، العديد منها كان يرفس وينهق كأنه عرف ما ينتظره بعد ساعات، وعندما تغير مجرى الحرب أو لنقل عندما لم يعد هناك حمير لا في البلاد ولا في دول الخليج، قررت وزارة الدفاع توزيعنا، الضباط منا بصورة خاصة، من خريجي الطب البيطري، على الوحدات العسكرية التي كانت تقاتل الأكراد في الشمال، الفيلق الأول في السليمانية، والفيلق الخامس في أربيل حتى مثلث الحدود العراقي التركي الإيراني· كانت مهمتنا في المرة هذه إيقاف ظاهرة انتحار البغال التي شاعت فجأة في ربوع كردستان· مهمة عبثية أخرى لكنها من ناحية أخرى أفضل من المهمة السابقة، ليس بسبب خطورة جبهات القتال على طول خطوط التماس مع إيران، وبخاصة الجبهات الجنوبية حتى جبهة الوسط عند واسط ومندلي، لأن الحرب في الشمال لم تكن أقل خطورة منها، كلا، بل لأنني على الأقل أعيد في المرة هذه الحياة لحيوان ولا أسلبه حياته بالطريقة الشريرة كما فعلنا في البصرة· أنت تعرف أنني لم أخدم في الجيش مثل بقية الخريجين من غير الحزبيين، الذين كان عليهم أن يكتفوا في فترة خدمتهم برتبة نائب عريف، بل خدمت برتبة ضابط، ولم يكن سبب حصولي على الرتبة هذه انتمائي إلى الحزب الحاكم، كما حصل للخريجين من هذا الصنف، بل أكثر من ذلك بسبب لقبي عائلتي ومكان ولادتي، فأنا لست من سكان الجنوب حصلت على هذا الامتياز· كان من المسموح لي التمرد لكن إلى مدى محدود، هل نسيت كيف أنني كنت أدور على أصدقائي الشيوعيين الذين تحصنوا في بيوتهم أحمل قناني العرق لهم في يوم عيد ميلاد حزبهم في 31 آذار، أتحدى رجال الأمن الذين كانوا يراقبونهم؟ كنت أعرف أنني لن أتعرض للاعتقال مثلهم· مرة واحدة تجرأ شرطي أمن على سؤالي، وعندما قرأ اسمي في الهوية وعرف مكان الولادة اعتذر مني،