Page 1
مقدّمـــــــة
الدرّاجة وسنتريون(*)
هذا الكتاب هو قبل كلّ شيء مسار بحث وتقصٍّ مع ما يتضمنه ذلك من تجريب؛ ذلك أنَّ المشاركة النشطة في حركيّة عالميّة غير رسميّة، متمثّلة في التحالف من أجل عالم مسؤول، تعدديّ ومتضامن (ت أ ع م م AMSR)، وبتحديد أكثر، في الجمعيّة العالميّة للمواطنين التي التأمت في مدينة ليلّ فيكانونالأوّل/ديسمبر 2001 أقنعتني بأنَّ ثلاثة تحوّلات يجب أن يصار إلى تحقيقها في القرن الواحد والعشرين: الأوّل يتعلّق بالحوكمة لبلوغ تسيير ترابطات جديدة في طبيعتها ومداها وحجمها. الثاني يخص المنظومة الأخلاقيّة لبلوغ تأسيس مقوّمات «العيش المشترك» لمختلف الحضارات، ومختلف الأوساط على قاعدة قيم مشتركة. أمّا الثالث فهو الانتقال من أنموذج للتنمية غير قابل للحياة إلى مجتمع مستدام. ولقد تقدّمنا فيما يخص النقطتين الأولى والثانية بإعلان المبادئ العامّة للحوكمة، وبتبنّي ميثاق المهمات الإنسانيّة الموفرة لعناصر قاعدة من المبادئ الأخلاقيّة المشتركة. ولكن كيف ننتقل من أنموذج للتنمية غير قابل للحياة إلى مجتمع مستدام؟
إن جوهر المشكلة يكمن في نظام الإنتاج والتبادل الذي نعيشه، وكذلك في النظريّة الاقتصاديّة التي يستند إليها هذا النظام، ومعها الفاعلون الأقوياء الذين ينجزون هيكلته. ولكن بماذا يمكن استبدال هذا الواقع؟ لقد تركنا انهيار الشيوعيّة التاريخيّة أيتاماً مفتقدين الحلم. أليس ثمة بديل لأنموذج اقتصاد السّوق السائد، وعقيدته والفاعلين في إطاره؟ فسوق الأفكار لا يخلو من مقترحات، بدءاً من الانكفاء على المحليّ إلى الاقتصاد التضامنيّ مروراً بالتراجع في النمو، ولكن كلّها مقترحات لم تسد جوعي.
فنظامنا الراهن يرتكز على توازن الدرّاجة، هذا التوازن الذي لا يستمدّ وجوده إلّا من الحركيّة، ومن نمو الاستهلاك، خصوصاً وأنَّ استهلاك الطّاقة والموارد الطبيعيّة في تناقض صارخ مع محدودية إمكانات المحيط الحيويّ. أمّا عن التعديلات المقترحة على النظام الحاليّ، والتي يرمز إليها بالمضادّين التنمية المستدامة، فإنَّها تذكّرني بالسنتريون لـ«أستيريكس» (Astérix) الذي، ظناً منه أنَّه تجرّع الدواء السحريّ، يحاول رفع الصخور ثم أحجاراً أصغر فأصغر لينتهي برفع حصاة صغيرة صائحاً: «إنَّني قويّ إنَّني قويّ!»، ولن يكون لنا خلاص على يد مثل هذا القائد الممتطي دراجته.
على هذا النحو انطلق بحثي عن بديل حقيقيّ على قدر الرهانات. وكان عليّ أن أتحاشى الانغلاق داخل العقائد، أيّاً كان منشأها، وأيّاً كانت مغرية وجذّابة. وكان عليّ العودة، بمثابرة، إلى الواقع، وكذلك إلى المعرفة التي بإمكاننا بلوغها وإن ظلّت جزئيّة.
لقد اعتمدت مرحلتين عكسهما الكتاب بقسميه. الأولى كانت مرحلة الجرد، وتهديم ما قدّم لنا على أنَّه في الغالب مسلّمات خارجة عن الزمان: ومن ثمّة فقد لُذْتُ بالتاريخ الواسع اقتناعاً منّي بضرورة فهم مصدر «كلّ هذا». بعد ذلك كان عليّ أن أكوّن فكرة مدعّمة بأفضل وجه، وموضوعيّة قدر الإمكان، حول فضائل الإجماليّة الاقتصاديّة وحدودها. وهذا ما قادني إذاً إلى إجراء دراسة نقديّة للنظريّات المتوافرة، ثم لتقويم إمكانات التجديد التي انطوت عليها مختلف محاولات البحث عن البدائل، وانتهى بي الأمر إلى الاستنتاج القاضي بضرورة بناء نظريّ أكثر تقدّماً. على أنَّ مصطلح «الاقتصاد» كان مشحوناً بالمعاني بدرجة عالية، وشديد الارتباط بالنظريّات والممارسات السائدة إلى درجة بدت معها محاولة تغيير مساره غير ذات جدوى؛ وعندها قررت، طبقاً للأصل الاشتقاقيّ، أن أسمّي «الاقتصاد العادل» ما نطمح إليه على كثرتنا، أي قواعد اللعبة لعمليّتي الإنتاج والتبادل اللتين تضمنان، على السواء، رفاهية الكائنات البشريّة والعدالة بين المجتمعات، والحفاظ على المحيط الحيويّ، وعلى حقوق الأجيال المقبلة. وبذلك فإنَّ القسم الأوّل يختتم، منطقياً، بمنطوق الاقتصاد العادل ودفتر شروطه الذي يبيّن أنَّ الاقتصاد العادل لا يسعى لأهداف أخرى غير الأهداف العامّة للحوكمة؛ فليس على هذه الأخيرة أن تكون خادمة «القوانين الاقتصاديّة» المرفوعة إلى مصاف «القوانين الطبيعيّة»، ولكنَّ الاقتصاد العادل هو فرع من الحوكمة.
لقد كان هذا الإثبات على بساطته الظاهرية، بالنّسبة إليّ، ينطوي على جدوى أساسيّة، إذ إنَّه يسمح بصوغ الاقتصاد العادل بتطبيق المعارف المحققة في مجال الحوكمة عليه. وهذا ما قمت به بطريقة مكثّفة بالتّدرّج من العامّ إلى الخاصّ، وبإبراز البون بين أسلوب السير الحاليّ للاقتصاد وما أدت إليه مبادئ الحوكمة. وهذا قادني، مثلاً، إلى التأكيد على ما من شأنه أن يبني ويحافظ على العلاقات بين البشر والمجتمعات والمحيط الحيويّ، والخروج من التناقضات البسيطة بين رأس المال والعمل، بين الخيرات القابلة للاتجار بها والخيرات غير القابلة، وإلى التصريح بشروط شرعيّة الاقتصاد العادل وإلى إعادة تعريف الروابط بين الاقتصاد العادل والديمقراطيّة، وتعويض الزوج المركزيّ للاقتصاد الحاليّ – المنشأة والدولة – بزوج آخر – السّلسلة والمقاطعة؛ ولتوضيح أنَّها ستكون ترتيبات مؤسّسيّة محكمة بالنّسبة إلى الأولى، والتي تؤلف السّلسلة العمودية للنسيج الاقتصاديّ، وكذلك بالنّسبة إلى الثانية التي هي اللّحمة الأفقية؛ وأخيراً لوضع أسس نظام نقديّ وماليّ جديد.
ولقد واكبت هذا التسلسل في فترات الصيف عندما كنت أتمكّن من التفرّغ نسبيّاً من إدارة (مشلم) خلال المدّة بين حزيران/يونيه 2005 وآب/أغسطس 2008، على أنَّ التسلسل قد غذّته ملاحظات وتفكير ترسّب طوال أربعين عاماً. ولم يكن بوسعي أن أنهي السّبر من دون العون الناجع لأورورلالوك (Aurore Lalucq) التي مكّنتني من أن أوضح دغل الأدب الاقتصاديّ، والتي نجحت، بانتظام، في العثور على المعلومات الثمينة للإجابة عن تساؤلاتي. وكذلك من دون التسامح الودود لزوجتي پوليت (Paulette) التي قبلت المشاق لاقتناعها بضرورة هذا البحث، فإلى كلتيهما عبارات شكري الحارة.
وبمجرّد الفراغ من إعداد مخطوط الكتاب دخلنا في تشرين أيلول/سبتمبر، عام2008، في المرحلة الثانية من الأزمة الماليّة ثم الاقتصاديّة التي أطلقتها الأزمة الأميركيّة لانهيار الهرم بسبب العجز عن تسديد سندات الرهنيّات العقاريّة الأميركيّة (Subprimes). لقد كنّا ندرك أنَّ هذه المرحلة الثانية سوف تحدث، وقد قدّمت الأسباب في الكتاب. على أنَّ إذاعة نشرة جوية تعلن عن مجيء زوبعة قد حدثت، هو بمثابة التكهّن بنتائج لعبة الحظ بعد الإعلان عنها. ماذا كان يجب عمله؟ كان تفكيري أنَّ التحليل الذي خضته والمقترحات التي نتجت عنه لا تكتسي أيّ بُعد ظرفيّ؛ إذ إنَّ الأزمة، بعيداً من تجاوزه، أعطت للتحليل وللمقترحات المتمخّضة عنه مزيداً من التحيين ومن الضرورة، ففضلت إذاً إبقاء النص على حاله والبرهان كما تطوّر في شريط الفصول، مع سد الفراغات هنا أو هناك في أسفل الصفحات كلما أتت الأحداث الجديدة بأضواء إضافية، وأترك للقارئ أمر الحكم على وجاهة هذا الاختيار.
كلمة أخيرة، مرّة جديدة، حول طريقة استعمال هذا المؤلَّف، فهو وإن صيغ في شكل بحث فإنَّه لا يقرأ كما تقرأ القصة البوليسية، ولذلك فقد كتبت فهرساً مصحوباً بحوصلة لكلّ فقرة، حتّى يتمكّن كلّ قارئ من الولوج عبر المقتطف الذي يختاره على أمل أن يكون راغباً، بعد ذلك، في قراءة مقتطفات أخرى بدافع من حب الاطلاع المتيقظ.
الدرّاجة وسنتريون(*)
هذا الكتاب هو قبل كلّ شيء مسار بحث وتقصٍّ مع ما يتضمنه ذلك من تجريب؛ ذلك أنَّ المشاركة النشطة في حركيّة عالميّة غير رسميّة، متمثّلة في التحالف من أجل عالم مسؤول، تعدديّ ومتضامن (ت أ ع م م AMSR)، وبتحديد أكثر، في الجمعيّة العالميّة للمواطنين التي التأمت في مدينة ليلّ فيكانونالأوّل/ديسمبر 2001 أقنعتني بأنَّ ثلاثة تحوّلات يجب أن يصار إلى تحقيقها في القرن الواحد والعشرين: الأوّل يتعلّق بالحوكمة لبلوغ تسيير ترابطات جديدة في طبيعتها ومداها وحجمها. الثاني يخص المنظومة الأخلاقيّة لبلوغ تأسيس مقوّمات «العيش المشترك» لمختلف الحضارات، ومختلف الأوساط على قاعدة قيم مشتركة. أمّا الثالث فهو الانتقال من أنموذج للتنمية غير قابل للحياة إلى مجتمع مستدام. ولقد تقدّمنا فيما يخص النقطتين الأولى والثانية بإعلان المبادئ العامّة للحوكمة، وبتبنّي ميثاق المهمات الإنسانيّة الموفرة لعناصر قاعدة من المبادئ الأخلاقيّة المشتركة. ولكن كيف ننتقل من أنموذج للتنمية غير قابل للحياة إلى مجتمع مستدام؟
إن جوهر المشكلة يكمن في نظام الإنتاج والتبادل الذي نعيشه، وكذلك في النظريّة الاقتصاديّة التي يستند إليها هذا النظام، ومعها الفاعلون الأقوياء الذين ينجزون هيكلته. ولكن بماذا يمكن استبدال هذا الواقع؟ لقد تركنا انهيار الشيوعيّة التاريخيّة أيتاماً مفتقدين الحلم. أليس ثمة بديل لأنموذج اقتصاد السّوق السائد، وعقيدته والفاعلين في إطاره؟ فسوق الأفكار لا يخلو من مقترحات، بدءاً من الانكفاء على المحليّ إلى الاقتصاد التضامنيّ مروراً بالتراجع في النمو، ولكن كلّها مقترحات لم تسد جوعي.
فنظامنا الراهن يرتكز على توازن الدرّاجة، هذا التوازن الذي لا يستمدّ وجوده إلّا من الحركيّة، ومن نمو الاستهلاك، خصوصاً وأنَّ استهلاك الطّاقة والموارد الطبيعيّة في تناقض صارخ مع محدودية إمكانات المحيط الحيويّ. أمّا عن التعديلات المقترحة على النظام الحاليّ، والتي يرمز إليها بالمضادّين التنمية المستدامة، فإنَّها تذكّرني بالسنتريون لـ«أستيريكس» (Astérix) الذي، ظناً منه أنَّه تجرّع الدواء السحريّ، يحاول رفع الصخور ثم أحجاراً أصغر فأصغر لينتهي برفع حصاة صغيرة صائحاً: «إنَّني قويّ إنَّني قويّ!»، ولن يكون لنا خلاص على يد مثل هذا القائد الممتطي دراجته.
على هذا النحو انطلق بحثي عن بديل حقيقيّ على قدر الرهانات. وكان عليّ أن أتحاشى الانغلاق داخل العقائد، أيّاً كان منشأها، وأيّاً كانت مغرية وجذّابة. وكان عليّ العودة، بمثابرة، إلى الواقع، وكذلك إلى المعرفة التي بإمكاننا بلوغها وإن ظلّت جزئيّة.
لقد اعتمدت مرحلتين عكسهما الكتاب بقسميه. الأولى كانت مرحلة الجرد، وتهديم ما قدّم لنا على أنَّه في الغالب مسلّمات خارجة عن الزمان: ومن ثمّة فقد لُذْتُ بالتاريخ الواسع اقتناعاً منّي بضرورة فهم مصدر «كلّ هذا». بعد ذلك كان عليّ أن أكوّن فكرة مدعّمة بأفضل وجه، وموضوعيّة قدر الإمكان، حول فضائل الإجماليّة الاقتصاديّة وحدودها. وهذا ما قادني إذاً إلى إجراء دراسة نقديّة للنظريّات المتوافرة، ثم لتقويم إمكانات التجديد التي انطوت عليها مختلف محاولات البحث عن البدائل، وانتهى بي الأمر إلى الاستنتاج القاضي بضرورة بناء نظريّ أكثر تقدّماً. على أنَّ مصطلح «الاقتصاد» كان مشحوناً بالمعاني بدرجة عالية، وشديد الارتباط بالنظريّات والممارسات السائدة إلى درجة بدت معها محاولة تغيير مساره غير ذات جدوى؛ وعندها قررت، طبقاً للأصل الاشتقاقيّ، أن أسمّي «الاقتصاد العادل» ما نطمح إليه على كثرتنا، أي قواعد اللعبة لعمليّتي الإنتاج والتبادل اللتين تضمنان، على السواء، رفاهية الكائنات البشريّة والعدالة بين المجتمعات، والحفاظ على المحيط الحيويّ، وعلى حقوق الأجيال المقبلة. وبذلك فإنَّ القسم الأوّل يختتم، منطقياً، بمنطوق الاقتصاد العادل ودفتر شروطه الذي يبيّن أنَّ الاقتصاد العادل لا يسعى لأهداف أخرى غير الأهداف العامّة للحوكمة؛ فليس على هذه الأخيرة أن تكون خادمة «القوانين الاقتصاديّة» المرفوعة إلى مصاف «القوانين الطبيعيّة»، ولكنَّ الاقتصاد العادل هو فرع من الحوكمة.
لقد كان هذا الإثبات على بساطته الظاهرية، بالنّسبة إليّ، ينطوي على جدوى أساسيّة، إذ إنَّه يسمح بصوغ الاقتصاد العادل بتطبيق المعارف المحققة في مجال الحوكمة عليه. وهذا ما قمت به بطريقة مكثّفة بالتّدرّج من العامّ إلى الخاصّ، وبإبراز البون بين أسلوب السير الحاليّ للاقتصاد وما أدت إليه مبادئ الحوكمة. وهذا قادني، مثلاً، إلى التأكيد على ما من شأنه أن يبني ويحافظ على العلاقات بين البشر والمجتمعات والمحيط الحيويّ، والخروج من التناقضات البسيطة بين رأس المال والعمل، بين الخيرات القابلة للاتجار بها والخيرات غير القابلة، وإلى التصريح بشروط شرعيّة الاقتصاد العادل وإلى إعادة تعريف الروابط بين الاقتصاد العادل والديمقراطيّة، وتعويض الزوج المركزيّ للاقتصاد الحاليّ – المنشأة والدولة – بزوج آخر – السّلسلة والمقاطعة؛ ولتوضيح أنَّها ستكون ترتيبات مؤسّسيّة محكمة بالنّسبة إلى الأولى، والتي تؤلف السّلسلة العمودية للنسيج الاقتصاديّ، وكذلك بالنّسبة إلى الثانية التي هي اللّحمة الأفقية؛ وأخيراً لوضع أسس نظام نقديّ وماليّ جديد.
ولقد واكبت هذا التسلسل في فترات الصيف عندما كنت أتمكّن من التفرّغ نسبيّاً من إدارة (مشلم) خلال المدّة بين حزيران/يونيه 2005 وآب/أغسطس 2008، على أنَّ التسلسل قد غذّته ملاحظات وتفكير ترسّب طوال أربعين عاماً. ولم يكن بوسعي أن أنهي السّبر من دون العون الناجع لأورورلالوك (Aurore Lalucq) التي مكّنتني من أن أوضح دغل الأدب الاقتصاديّ، والتي نجحت، بانتظام، في العثور على المعلومات الثمينة للإجابة عن تساؤلاتي. وكذلك من دون التسامح الودود لزوجتي پوليت (Paulette) التي قبلت المشاق لاقتناعها بضرورة هذا البحث، فإلى كلتيهما عبارات شكري الحارة.
وبمجرّد الفراغ من إعداد مخطوط الكتاب دخلنا في تشرين أيلول/سبتمبر، عام2008، في المرحلة الثانية من الأزمة الماليّة ثم الاقتصاديّة التي أطلقتها الأزمة الأميركيّة لانهيار الهرم بسبب العجز عن تسديد سندات الرهنيّات العقاريّة الأميركيّة (Subprimes). لقد كنّا ندرك أنَّ هذه المرحلة الثانية سوف تحدث، وقد قدّمت الأسباب في الكتاب. على أنَّ إذاعة نشرة جوية تعلن عن مجيء زوبعة قد حدثت، هو بمثابة التكهّن بنتائج لعبة الحظ بعد الإعلان عنها. ماذا كان يجب عمله؟ كان تفكيري أنَّ التحليل الذي خضته والمقترحات التي نتجت عنه لا تكتسي أيّ بُعد ظرفيّ؛ إذ إنَّ الأزمة، بعيداً من تجاوزه، أعطت للتحليل وللمقترحات المتمخّضة عنه مزيداً من التحيين ومن الضرورة، ففضلت إذاً إبقاء النص على حاله والبرهان كما تطوّر في شريط الفصول، مع سد الفراغات هنا أو هناك في أسفل الصفحات كلما أتت الأحداث الجديدة بأضواء إضافية، وأترك للقارئ أمر الحكم على وجاهة هذا الاختيار.
كلمة أخيرة، مرّة جديدة، حول طريقة استعمال هذا المؤلَّف، فهو وإن صيغ في شكل بحث فإنَّه لا يقرأ كما تقرأ القصة البوليسية، ولذلك فقد كتبت فهرساً مصحوباً بحوصلة لكلّ فقرة، حتّى يتمكّن كلّ قارئ من الولوج عبر المقتطف الذي يختاره على أمل أن يكون راغباً، بعد ذلك، في قراءة مقتطفات أخرى بدافع من حب الاطلاع المتيقظ.
Page 2
القسم الأوّل
احتمالات المستقبل
دروس التاريخ
1. أسلوب تنمية بالٍ
ثمة خطر في البيت
في خطاب شهير ألقاه رئيس الجمهورية الفرنسيّة جاك شيراك سنة 2002 في الندوة العالميّة حول التنمية المستدامة انعقدت بجوهانسبورغ في مناسبة مرور عشر سنوات على قمة الأرض لسنة 1992 قال: «إن المنزل يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر»، فهل نحن بصدد تأكيد براءتنا وجهلنا ولاوعينا إزاء المشكلات؟ بالتمعن في طريقة استعراضها، يبدو لي أنَّنا ننظر إلى المنزل يحترق بكثير من القدرية والافتتان المرضي، ثم نعود إلى اللهو في أنشطتنا اليومية، حسبما يقول باسكال، للنّظر من جديد لمعرفة أين وصل الحريق. أو بالأحرى لنقُل، مستعيرين مفهوم أرسطو، إنَّنا في وضعيّة هزال، في وضعيّة من يرى ما يجب عمله من دون أن نجد في ذواتنا الحافز المعنوي والطّاقة لإنجازه؛ وباختصار، فليست معرفة المشكلة هي التي تعوزنا، فعلى العكس من ذلك، نحن واعون جدّاً بها حتّى الثمالة.
عدم جدوى البحث عن كبش فداء
في سنة 1994 قام اتّحاد الجمعيّات الدوليّة، ومقرها بروكسل، وهو يجمع عدداً كبيراً من المؤسّسات العامّة والخاصّة المهتمة بالمشكلات الدوليّة، بنشر موسوعة المشكلات العالميّة والمقدّرات البشريّة([1]) تحت إشراف أنطونيو جودج (Anthony Judge) والذي مثّل برنامجاً كاملاً. فقد أحصت الموسوعة مائة وسبعين مشكلة عالميّة بعد أن جمعت، بالاستعانة بالحاسوب، عدداً مهولاً من وثائق هذه المؤسّسات المحترمة، وانتقت من ثمة عشرين ألف كلمة محوريّة من خلال مائة ألف رابط، فجاءت القائمة طبيعيّاً على طريقة پريڤير (Prévert). وكما يبيّنه الناشرون أنفسهم، فإنَّ كلّ مؤسّسة تملك مواقع اهتماماتها الخاصّة وبرامجها الخاصّة وحتّى هوسها الخاصّ. وإذا رثى بعضها غياب الحرّية لدى الأفراد فقد انزعجت الأخرى من أهوال الفرديّة المفرطة. ومع ذلك، فكما هو الحال، كلما كانت بين أيدينا كميّات من المعلومات بهذا الحجم، فإنَّ منظراً كاملاً يتجلى تدريجاً، وبعض «الحزمات» الكبيرة من المشكلات تطفو من دون أن تقدِّم، أي هذه المشكلات وتلك التجمعات أمراً جديداً للقراء، على أنَّ العمل الشموليّ الذي تطلّبه جرد هذه المشكلات جعل منها صورة طيبة للائحة المشكلات التي نجدها في ألف مناسبة، إمّا ببعدها الإيديولوجي لتحديد مهمات المجموعة الأممية، وإمّا للتنديد بهزال نظام اقتصاديّ وسياسيّ واجتماعيّ يسير بالإنسانيّة إلى هلاكها المحقق.
فالمائة وسبعون مشكلة عالميّة التي تعرف عليها أنطونيو جودج يمكن تجميعها، بعد التثبت، في سبع حزمات كبيرة يجدر توصيفها، باختصار، لفهم ما كان يختمر في صيرورة المجموعة العالميّة منذ عشرين سنة.
تتصدر الحزمة الأولى بنحو 20 % من العناصر، وهي تخص التنمية المشوّهة لمجتمعاتنا بمعطياتها، مثل اللامساواة وعدم ملاءمة الهياكل الاجتماعيّة والبطالة، واستغلال من هم أكثر فقراً، إلخ. وتأتي بعدها ثلاث حزمات متقاربة الحجوم أوّلها يتوجّه للافتقار للأمن وللعنف ابتداءً من مستوى ما بين الأفراد وصولاً إلى مستوى ما بين الدول. أمّا الثاني فإنَّه يتعلّق ببؤس المحيط الحيويّ، وبتداعيه وتلوّثه وبانجراف المخزون والأراضي، وكذلك بالاستعمال السيّئ للموارد الطبيعيّة. في حين يتعلّق الثالث بتقلّبات حياة الأفراد بين المرض والموت والعزلة الاجتماعيّة. وتلحق بهذه الحزمات الثلاث المتقاربة الحجم حزمة خامسة هي حزمة المآسي الاجتماعيّة الجمعيّة من جوع وفاقة.
ثم تأتي مشكلة الحوكمة من المحليّ إلى العالميّ بنحو قرابة الـ12 % من المشكلات سواء أتعلّق الأمر بلامسؤوليّة الحكام، أم بعدم نجاعة العمل العموميّ، أم بالفساد، وكذلك بانعدام الديمقراطيّة.
وبعدها تأتي في المستوى ذاته تقريباً، بنسبة 10 % من المجموع، ما يمكن وسمه بفقدان أو أزمة القيم الأخلاقيّة وتذبذب المرجعيّات إزاء عالم متحرّك. وأخيراً يأتي دور بعض المواضيع القليلة التداول مثل صراع الثقافات ونقص الأخبار. أمّا المشكلات، الماليّة فإنَّها لم تذكر إلّا مرّة واحدة. ومن مزية هذه الكميّة من المشكلات مجمعة على هذا النحو، أنَّها تحدّد جانباً من الأسئلة الكبرى التي يتوجّب على الإنسانيّة الراهنة مواجهتها. وبالرغم من أنَّها لا تقول شيئاً عن الأسباب، فالصورة العامّة هي صورة نمط تنموي لم يفلح، بالرغم من الثروات المكدّسة، في بناء مجتمعات عادلة ومنصفة على نحو معقول في كلّ مكان، وقادرة أن تضمن لأفرادها الحدّ الأدنى من الحماية ضد مصادفات الحياة، والأمن، وأن توفر مرجعيّات مقبولة من الكلّ لإقامة تماسك اجتماعيّ حقيقيّ. عالم يمضي في طريق التدمير التصاعدي للمحيط الحياتيّ الذي يرتبط به مستقبل البشريّة. وأخيراً عالم عاجز على بلوغ أنماط شرعيّة من التنظيم والحوكمة تسبغ الصّدقية على الحكام، وتضبط حدود موازين القوى. وتبرز هذه اللوحة المعاصرة تقريباً لقمة الأرض 1992 بأنَّ التنمية المستدامة لا يمكن تصوّرها من زاوية حماية الطبيعة فقط بل إنَّ عليها إدماج أنماط التسيير الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة.
احتمالات المستقبل
دروس التاريخ
1. أسلوب تنمية بالٍ
ثمة خطر في البيت
في خطاب شهير ألقاه رئيس الجمهورية الفرنسيّة جاك شيراك سنة 2002 في الندوة العالميّة حول التنمية المستدامة انعقدت بجوهانسبورغ في مناسبة مرور عشر سنوات على قمة الأرض لسنة 1992 قال: «إن المنزل يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر»، فهل نحن بصدد تأكيد براءتنا وجهلنا ولاوعينا إزاء المشكلات؟ بالتمعن في طريقة استعراضها، يبدو لي أنَّنا ننظر إلى المنزل يحترق بكثير من القدرية والافتتان المرضي، ثم نعود إلى اللهو في أنشطتنا اليومية، حسبما يقول باسكال، للنّظر من جديد لمعرفة أين وصل الحريق. أو بالأحرى لنقُل، مستعيرين مفهوم أرسطو، إنَّنا في وضعيّة هزال، في وضعيّة من يرى ما يجب عمله من دون أن نجد في ذواتنا الحافز المعنوي والطّاقة لإنجازه؛ وباختصار، فليست معرفة المشكلة هي التي تعوزنا، فعلى العكس من ذلك، نحن واعون جدّاً بها حتّى الثمالة.
عدم جدوى البحث عن كبش فداء
في سنة 1994 قام اتّحاد الجمعيّات الدوليّة، ومقرها بروكسل، وهو يجمع عدداً كبيراً من المؤسّسات العامّة والخاصّة المهتمة بالمشكلات الدوليّة، بنشر موسوعة المشكلات العالميّة والمقدّرات البشريّة([1]) تحت إشراف أنطونيو جودج (Anthony Judge) والذي مثّل برنامجاً كاملاً. فقد أحصت الموسوعة مائة وسبعين مشكلة عالميّة بعد أن جمعت، بالاستعانة بالحاسوب، عدداً مهولاً من وثائق هذه المؤسّسات المحترمة، وانتقت من ثمة عشرين ألف كلمة محوريّة من خلال مائة ألف رابط، فجاءت القائمة طبيعيّاً على طريقة پريڤير (Prévert). وكما يبيّنه الناشرون أنفسهم، فإنَّ كلّ مؤسّسة تملك مواقع اهتماماتها الخاصّة وبرامجها الخاصّة وحتّى هوسها الخاصّ. وإذا رثى بعضها غياب الحرّية لدى الأفراد فقد انزعجت الأخرى من أهوال الفرديّة المفرطة. ومع ذلك، فكما هو الحال، كلما كانت بين أيدينا كميّات من المعلومات بهذا الحجم، فإنَّ منظراً كاملاً يتجلى تدريجاً، وبعض «الحزمات» الكبيرة من المشكلات تطفو من دون أن تقدِّم، أي هذه المشكلات وتلك التجمعات أمراً جديداً للقراء، على أنَّ العمل الشموليّ الذي تطلّبه جرد هذه المشكلات جعل منها صورة طيبة للائحة المشكلات التي نجدها في ألف مناسبة، إمّا ببعدها الإيديولوجي لتحديد مهمات المجموعة الأممية، وإمّا للتنديد بهزال نظام اقتصاديّ وسياسيّ واجتماعيّ يسير بالإنسانيّة إلى هلاكها المحقق.
فالمائة وسبعون مشكلة عالميّة التي تعرف عليها أنطونيو جودج يمكن تجميعها، بعد التثبت، في سبع حزمات كبيرة يجدر توصيفها، باختصار، لفهم ما كان يختمر في صيرورة المجموعة العالميّة منذ عشرين سنة.
تتصدر الحزمة الأولى بنحو 20 % من العناصر، وهي تخص التنمية المشوّهة لمجتمعاتنا بمعطياتها، مثل اللامساواة وعدم ملاءمة الهياكل الاجتماعيّة والبطالة، واستغلال من هم أكثر فقراً، إلخ. وتأتي بعدها ثلاث حزمات متقاربة الحجوم أوّلها يتوجّه للافتقار للأمن وللعنف ابتداءً من مستوى ما بين الأفراد وصولاً إلى مستوى ما بين الدول. أمّا الثاني فإنَّه يتعلّق ببؤس المحيط الحيويّ، وبتداعيه وتلوّثه وبانجراف المخزون والأراضي، وكذلك بالاستعمال السيّئ للموارد الطبيعيّة. في حين يتعلّق الثالث بتقلّبات حياة الأفراد بين المرض والموت والعزلة الاجتماعيّة. وتلحق بهذه الحزمات الثلاث المتقاربة الحجم حزمة خامسة هي حزمة المآسي الاجتماعيّة الجمعيّة من جوع وفاقة.
ثم تأتي مشكلة الحوكمة من المحليّ إلى العالميّ بنحو قرابة الـ12 % من المشكلات سواء أتعلّق الأمر بلامسؤوليّة الحكام، أم بعدم نجاعة العمل العموميّ، أم بالفساد، وكذلك بانعدام الديمقراطيّة.
وبعدها تأتي في المستوى ذاته تقريباً، بنسبة 10 % من المجموع، ما يمكن وسمه بفقدان أو أزمة القيم الأخلاقيّة وتذبذب المرجعيّات إزاء عالم متحرّك. وأخيراً يأتي دور بعض المواضيع القليلة التداول مثل صراع الثقافات ونقص الأخبار. أمّا المشكلات، الماليّة فإنَّها لم تذكر إلّا مرّة واحدة. ومن مزية هذه الكميّة من المشكلات مجمعة على هذا النحو، أنَّها تحدّد جانباً من الأسئلة الكبرى التي يتوجّب على الإنسانيّة الراهنة مواجهتها. وبالرغم من أنَّها لا تقول شيئاً عن الأسباب، فالصورة العامّة هي صورة نمط تنموي لم يفلح، بالرغم من الثروات المكدّسة، في بناء مجتمعات عادلة ومنصفة على نحو معقول في كلّ مكان، وقادرة أن تضمن لأفرادها الحدّ الأدنى من الحماية ضد مصادفات الحياة، والأمن، وأن توفر مرجعيّات مقبولة من الكلّ لإقامة تماسك اجتماعيّ حقيقيّ. عالم يمضي في طريق التدمير التصاعدي للمحيط الحياتيّ الذي يرتبط به مستقبل البشريّة. وأخيراً عالم عاجز على بلوغ أنماط شرعيّة من التنظيم والحوكمة تسبغ الصّدقية على الحكام، وتضبط حدود موازين القوى. وتبرز هذه اللوحة المعاصرة تقريباً لقمة الأرض 1992 بأنَّ التنمية المستدامة لا يمكن تصوّرها من زاوية حماية الطبيعة فقط بل إنَّ عليها إدماج أنماط التسيير الاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة.
Page 3
بعد مضي عشر سنوات، بينما كانت أورور لالوك تمضي فترة تربص (تدريب) في مؤسّستنا، قامت بالتمرين ذاته في مناخ أقرب إلى الحركيّة المناهضة للعولمة، فأحصت قرابة 250 «تحدّياً»، وهو ما حدا بأصدقائي الشبّان من سن 14 و15سنة أن يسألوني، بإلحاح، كم تحدّياً من هذه التحدّيات استجمعت في نصف نهاري؟! سؤال طيّب للإعراب عن الشعور بالانسحاق والاختناق الذي يتسلل إلى الحنجرة عندما نستعرض مثل هذا العدد الهائل من التحدّيات حبة حبة مثل حبات السبحة؛ أمّا قائمتها فتقع ضمن منظور يتصف بنضاليّة أعلى من سابقتها إن جاز القول، بمعنى أنَّ المنطوقات تقع في منتصف الطريق بين النتائج والأسباب، وهي تبحث، الآن، عن آليات للتفسير المطبوع بوضوح بفكرة الإجماليّة الاقتصاديّة للعقود الأخيرة؛ وهو، وإن لم يمثّل التفسير النهائي فإنَّه في أقلّ تقدير، يمثّل معطى جديداً؛ وتبرز للعيان في قائمة أورور لالوك ثلاث حزمات كبيرة.
الأولى تخص مَوْلَنَة العالم (اختصار العالم والاقتصاد ببعديهما الماليّين)، وهي مولنة مقطوعة إلى حدّ كبير عن النشاط الفعليّ للمجتمعات، ولكن مع انعكاسات لا حصر لها.
أمّا الثانية فتتعلق بالآثار المخلة بالتوازن للإجماليّة الاقتصاديّة على الحوكمة، وبفقدان الدول لاستقلاليّتها بحيث تصبح عاجزة عن القيام بدورها الناظم التقليديّ، وبالشركات المتعدّدة الجنسيّات التي تخرج عن كلّ رقابة، وبأثر الإجماليّة الاقتصاديّة المخل بالتوازن في العلاقات بين الدول المتفاوتة التطوّر عندما تعجز الحوكمة عن إعادة التوازن بين القوى؛ كما تتعلق بانهيار هيكلة المجتمعات، ولاسيّما المجتمعات القديمة التصنيع التي بنت نفسها في أعقاب الحرب العالميّة الثانية اعتماداً على توازن بين رأس المال والعمل (ما يسمّيه الاقتصاديّون «التوافق الفورْدي fordiste»)؛ وتتعلق أخيراً بحركة التسليع (تحويل العالم إلى سلعة) المعممة لتطال المعرفة والفنّ والثقافة.
أمّا الحزمة الثالثة أخيراً، التي أصبحت تقليديّة، فهي التي تتعلق بتهاوي المحيط الحيويّ والتنوّع الحياتيّ من ماء وأرض وغابات وهواء تحت وقع نمط التنمية الذي نسير وفاقاً لأحكامه.
وبالإمكان مضاعفة مثل هذه القائمة بقدر ما نشاء؛ فعلى سبيل المثال، وضعنا مع فرانسواز فُغاس (Françoise Feugas) من جمعيّة ريتيمو (Ritimo) قائمة الكلمات التي تشكلّ مداخل ميزت الألف ورشة المنظمة ذاتيّاً للملتقى الاجتماعيّ العالميّ الذي التأم في كانون الثاني/يناير 2003 في مدينة مومباي؛ فهي لا تسعى أن تكون قائمة المشكلات، ولكن بالأحرى قائمة الالتزامات والعمليات المناضلة المواطنية الراهنة. وهي تضم، تقريباً، المحاور ذاتها، ولكن مع مسحة سياسيّة مباشرة أكثر تركيزاً مثل إبراز تأثيرات الحوكمة التي تسيطر عليها، حاليّاً، المصالح الكبرى لبلدان الشمال والشركات المتعدّدة الجنسيّات [التعديلات الهيكليّة، المفاوضات مع منظمة التجارة العالمية (م ت ع OMC)، إلخ]، ومع مسحة أخرى ذات توجّهات إمّا مطلبية، مثل المساواة بين النساء والرجال، وإمّا ساعية وراء بدائل مثل الاقتصاد التضامنيّ.
وفي تقديري، إنَّ هذه التسميات وهذه القوائم، باعتبارها نابعة من منهجيات وآفاق مختلفة، تبدو لي أنَّها تعطي صورة طيّبة عمّا يثير اهتمام الإنسانيّة اليوم، أقلّه في البلدان الغنيّة. ولكن هناك نقيصتان لهذه القوائم تلتقيان في المحصلة، على الرغم من تناقضهما الظاهري.
أمّا النقيصة الأولى فتتمثّل بالتسمية القطاعيّة للمشكلات. فـ موسوعة المشكلات العالميّة والمقدّرات البشريّة قد عملت على تحليل هذه النقيصة جيّداً عبر الملاحظات التي صاغتها حول القائمة، إذ ثمة لكلّ مؤسّسة من حيث نزعتها واندماجها الاجتماعيّ والسياسيّ، أو من حيث أفضليّاتها بعض المشكلات المفضلة، وهي تخصص لها طاقتها في سياق فرضية لم تعلن قط، ولكنَّها ضمنيّة، ومفادها أنَّ كلّ واحد من جهته إذا واجه، وبشكل منفرد، مشكلته فإنَّ الأمر يفضي إلى الأفضل، والعالم سيكون بالضرورة أحسن حالاً. وهنا، نحن أمام واحد من الانحرافات التي انزلقت إليها الحوكمة العالميّة على مرّ الأعوام. وفي غياب فكر إجماليّ حول التوازنات العالميّة، وفي غياب الإرادة لدى الدول لبناء نظام عالميّ يتخطى القوميّات بسبب حرم المس بالسيادة الوطنيّة، فإنَّ المجموعة الدوليّة عددت الأهداف والمؤسّسات المتخصصة، كلّ واحدة تتولى هدفاً معيّناً. وهذا ليس مع الأسف، أفضل سبيل لإيجاد لوائح تنظيميّة عالميّة، ناجعة وشرعيّة، يسهل قراءتها. من جهته، المجتمع المدنيّ، وبالتحديد المنظمات غير الحكوميّة (ONG م غ ح) لا يختلف في شيء عن هذا السياق من حيث الممارسات. فهذه المنظمات، باسم ضرورات البساطة، وهي الشرط المعلن للتعبئة النضالية، وكذلك باسم الضغوطات ـ شرط قلّما هو مباح بهـ، التي يخضع لها كثير من المنظمات غير الحكوميّة جراء اعتمادها على التمويلات الخارجيّة فإنَّ لكلّ منها، إن جاز القول، كوّتها الخاصّة في السّوق، وأولوياتها وكذلك ميدان خبرتها، وأخيراً مرتكزها السياسيّ والاجتماعيّ. وبكلّ أسف، فإنَّ ما هو لزومي لوصف مشكلات العالم ليس ناجعاً على الدوام لصوغ رؤيا وإستراتيجيّة للتغيير. ولقد احتفظت على الدوام في ذاكرتي بالمقولة الصادمة لفليب دي ووت (Philippe De Woot)، أستاذ الإدارة في جامعة لوڤان في بلجيكا: «عندما تقوم منشأة بجرد مشكلاتها الأساسيّة العشرين فهي لم تنجز شيئاً، أمّا عندما تعدّ قائمة بالمشكلات الأساسيّة الخمس، عندئذٍ تكون قد أنجزت عمليّاً إستراتيجيّتها.» وهذه مقولة أطبقها بكلّ تأكيد على المجتمع بأكمله.
وفي مقابل هذا التفتّت للأهداف والسياسات نجد تفسيرات ذات نزعة إجماليّة تحيل كلّ شيء إلى سبب أوّلي أو إذا شئنا إلى حلّ نهائي. وجيلي الذي بلغ سن الرشد في العام1968، عشق لمدّة هذه التغييرات الشاملة جدّاً، والمُرضية للغاية للفكر إلى درجة أنَّها تحوّلت إلى حشو. فكم من طبيب، بمفهوم موليير (Molière)، أدلى بدلوه بكلّ علم ومن دون نقاش ممكن، وباللجوء إلى رطانة خلطت بين الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة، لتفسير كلّ الذي يحصل بالقول إنَّه وليد الرأسماليّة!
لقد قدّم لنا الاقتصاديّ ميشال بو (Michel Beaud)، بحس من الدعابة، وهو ممّن يصعب اتهامه بالليبرالية المفرطة، شرحاً يقول فيه إنَّه، ولحدّ حادث تشرنوبيل، لم يكن يجد صعوبة للتأكيد على أنَّ فاجعة نوويّة مثل هذه لم يكن لها أن تحدث إلّا في بلد رأسماليّ حيث صحة السكّان يضحى بها على مذبح الربح القصير المدى. أمّا سقوط حائط برلين والتحليل الأوضح لجرائم الستالينيّة التي صمتت عنها لوقت طويل ذكريات التحالف التاريخيّ للاتّحاد السوڤياتيّ والقوى الغربيّة ضد النازية، وكذلك النتائج الكارثيّة للثورة الثقافية الصّينيّة فقد أسكتت المتملقين، لمدّة وجيزة عن التفسير النهائي والعشية الكبرى. ولكن لم يدم ذلك وقتاً طويلاً، فقد وجد سبب أوّل آخر هو الإجماليّة الاقتصاديّة.
الأولى تخص مَوْلَنَة العالم (اختصار العالم والاقتصاد ببعديهما الماليّين)، وهي مولنة مقطوعة إلى حدّ كبير عن النشاط الفعليّ للمجتمعات، ولكن مع انعكاسات لا حصر لها.
أمّا الثانية فتتعلق بالآثار المخلة بالتوازن للإجماليّة الاقتصاديّة على الحوكمة، وبفقدان الدول لاستقلاليّتها بحيث تصبح عاجزة عن القيام بدورها الناظم التقليديّ، وبالشركات المتعدّدة الجنسيّات التي تخرج عن كلّ رقابة، وبأثر الإجماليّة الاقتصاديّة المخل بالتوازن في العلاقات بين الدول المتفاوتة التطوّر عندما تعجز الحوكمة عن إعادة التوازن بين القوى؛ كما تتعلق بانهيار هيكلة المجتمعات، ولاسيّما المجتمعات القديمة التصنيع التي بنت نفسها في أعقاب الحرب العالميّة الثانية اعتماداً على توازن بين رأس المال والعمل (ما يسمّيه الاقتصاديّون «التوافق الفورْدي fordiste»)؛ وتتعلق أخيراً بحركة التسليع (تحويل العالم إلى سلعة) المعممة لتطال المعرفة والفنّ والثقافة.
أمّا الحزمة الثالثة أخيراً، التي أصبحت تقليديّة، فهي التي تتعلق بتهاوي المحيط الحيويّ والتنوّع الحياتيّ من ماء وأرض وغابات وهواء تحت وقع نمط التنمية الذي نسير وفاقاً لأحكامه.
وبالإمكان مضاعفة مثل هذه القائمة بقدر ما نشاء؛ فعلى سبيل المثال، وضعنا مع فرانسواز فُغاس (Françoise Feugas) من جمعيّة ريتيمو (Ritimo) قائمة الكلمات التي تشكلّ مداخل ميزت الألف ورشة المنظمة ذاتيّاً للملتقى الاجتماعيّ العالميّ الذي التأم في كانون الثاني/يناير 2003 في مدينة مومباي؛ فهي لا تسعى أن تكون قائمة المشكلات، ولكن بالأحرى قائمة الالتزامات والعمليات المناضلة المواطنية الراهنة. وهي تضم، تقريباً، المحاور ذاتها، ولكن مع مسحة سياسيّة مباشرة أكثر تركيزاً مثل إبراز تأثيرات الحوكمة التي تسيطر عليها، حاليّاً، المصالح الكبرى لبلدان الشمال والشركات المتعدّدة الجنسيّات [التعديلات الهيكليّة، المفاوضات مع منظمة التجارة العالمية (م ت ع OMC)، إلخ]، ومع مسحة أخرى ذات توجّهات إمّا مطلبية، مثل المساواة بين النساء والرجال، وإمّا ساعية وراء بدائل مثل الاقتصاد التضامنيّ.
وفي تقديري، إنَّ هذه التسميات وهذه القوائم، باعتبارها نابعة من منهجيات وآفاق مختلفة، تبدو لي أنَّها تعطي صورة طيّبة عمّا يثير اهتمام الإنسانيّة اليوم، أقلّه في البلدان الغنيّة. ولكن هناك نقيصتان لهذه القوائم تلتقيان في المحصلة، على الرغم من تناقضهما الظاهري.
أمّا النقيصة الأولى فتتمثّل بالتسمية القطاعيّة للمشكلات. فـ موسوعة المشكلات العالميّة والمقدّرات البشريّة قد عملت على تحليل هذه النقيصة جيّداً عبر الملاحظات التي صاغتها حول القائمة، إذ ثمة لكلّ مؤسّسة من حيث نزعتها واندماجها الاجتماعيّ والسياسيّ، أو من حيث أفضليّاتها بعض المشكلات المفضلة، وهي تخصص لها طاقتها في سياق فرضية لم تعلن قط، ولكنَّها ضمنيّة، ومفادها أنَّ كلّ واحد من جهته إذا واجه، وبشكل منفرد، مشكلته فإنَّ الأمر يفضي إلى الأفضل، والعالم سيكون بالضرورة أحسن حالاً. وهنا، نحن أمام واحد من الانحرافات التي انزلقت إليها الحوكمة العالميّة على مرّ الأعوام. وفي غياب فكر إجماليّ حول التوازنات العالميّة، وفي غياب الإرادة لدى الدول لبناء نظام عالميّ يتخطى القوميّات بسبب حرم المس بالسيادة الوطنيّة، فإنَّ المجموعة الدوليّة عددت الأهداف والمؤسّسات المتخصصة، كلّ واحدة تتولى هدفاً معيّناً. وهذا ليس مع الأسف، أفضل سبيل لإيجاد لوائح تنظيميّة عالميّة، ناجعة وشرعيّة، يسهل قراءتها. من جهته، المجتمع المدنيّ، وبالتحديد المنظمات غير الحكوميّة (ONG م غ ح) لا يختلف في شيء عن هذا السياق من حيث الممارسات. فهذه المنظمات، باسم ضرورات البساطة، وهي الشرط المعلن للتعبئة النضالية، وكذلك باسم الضغوطات ـ شرط قلّما هو مباح بهـ، التي يخضع لها كثير من المنظمات غير الحكوميّة جراء اعتمادها على التمويلات الخارجيّة فإنَّ لكلّ منها، إن جاز القول، كوّتها الخاصّة في السّوق، وأولوياتها وكذلك ميدان خبرتها، وأخيراً مرتكزها السياسيّ والاجتماعيّ. وبكلّ أسف، فإنَّ ما هو لزومي لوصف مشكلات العالم ليس ناجعاً على الدوام لصوغ رؤيا وإستراتيجيّة للتغيير. ولقد احتفظت على الدوام في ذاكرتي بالمقولة الصادمة لفليب دي ووت (Philippe De Woot)، أستاذ الإدارة في جامعة لوڤان في بلجيكا: «عندما تقوم منشأة بجرد مشكلاتها الأساسيّة العشرين فهي لم تنجز شيئاً، أمّا عندما تعدّ قائمة بالمشكلات الأساسيّة الخمس، عندئذٍ تكون قد أنجزت عمليّاً إستراتيجيّتها.» وهذه مقولة أطبقها بكلّ تأكيد على المجتمع بأكمله.
وفي مقابل هذا التفتّت للأهداف والسياسات نجد تفسيرات ذات نزعة إجماليّة تحيل كلّ شيء إلى سبب أوّلي أو إذا شئنا إلى حلّ نهائي. وجيلي الذي بلغ سن الرشد في العام1968، عشق لمدّة هذه التغييرات الشاملة جدّاً، والمُرضية للغاية للفكر إلى درجة أنَّها تحوّلت إلى حشو. فكم من طبيب، بمفهوم موليير (Molière)، أدلى بدلوه بكلّ علم ومن دون نقاش ممكن، وباللجوء إلى رطانة خلطت بين الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة، لتفسير كلّ الذي يحصل بالقول إنَّه وليد الرأسماليّة!
لقد قدّم لنا الاقتصاديّ ميشال بو (Michel Beaud)، بحس من الدعابة، وهو ممّن يصعب اتهامه بالليبرالية المفرطة، شرحاً يقول فيه إنَّه، ولحدّ حادث تشرنوبيل، لم يكن يجد صعوبة للتأكيد على أنَّ فاجعة نوويّة مثل هذه لم يكن لها أن تحدث إلّا في بلد رأسماليّ حيث صحة السكّان يضحى بها على مذبح الربح القصير المدى. أمّا سقوط حائط برلين والتحليل الأوضح لجرائم الستالينيّة التي صمتت عنها لوقت طويل ذكريات التحالف التاريخيّ للاتّحاد السوڤياتيّ والقوى الغربيّة ضد النازية، وكذلك النتائج الكارثيّة للثورة الثقافية الصّينيّة فقد أسكتت المتملقين، لمدّة وجيزة عن التفسير النهائي والعشية الكبرى. ولكن لم يدم ذلك وقتاً طويلاً، فقد وجد سبب أوّل آخر هو الإجماليّة الاقتصاديّة.
Page 4
وإذا كنت لا أقلّل من أهمية هذه الإجماليّة الاقتصاديّة ومن جدتها النسبية، حتّى وإن جاء كتاب فيليب نورِلّْ (Philippe Norel) اختراع السّوق، تاريخ اقتصاديّ للعولمة([2]) ليذكّر في أوانه بعراقة التجارة العالميّة (نسبة انفتاح الاقتصاديّات على التجارة الخارجيّة لم تكن سنة 1990 أرفع ممّا كانت عليه قرناً قبل ذلك، وهو ما طمسته النزعة الحمائية لما بين الحربين!) بمقدار ما يذكّر بتعقد العلاقات التي تأسست على مرّ القرون بين الدول والسّوق، وبين السلطـات السياسيّة والتجـار. ولا أقلّل كذلك من الأهمية– ولي عـودة إلى هـذا الأمر –، التي اكتساها تاريخيّاً التوحيد ثم الإخلال بتوازن الأسواق الماليّة، وهو ما أطلق عليه المولنة (اختصار العالم ببعده الماليّ)، ومن ثمة فإنَّ اتّخاذ الإجماليّة الاقتصاديّة ومولنة العالم مصدر كلّ آلامنا ينطوي على خطوة كبيرة لا أعتقد أنَّه من المفيد قطعها، لاسيّما وأن القائمة الطويلة للمشكلات لا تصنع إستراتيجيّة، كما أنَّ التعرف على السبب الأوّل يحمل في ذاته رؤية تبسيطية للإستراتيجيّة: فلنُزِلِ السبب الأوّل، وفجأة كلّ شيء سوف يسير على أفضل ما يكون في أفضل العوالم. وإذا كان الأمس قد عرف الثورة السياسيّة لإقامة الشيوعيّة فإنَّ اليوم هو للتصدي للإجماليّة الاقتصاديّة ولإخضاع العالم لمنطق المال. ولكن من أجل أيّ هدف؟ مع كامل التقدير لطاقة التعبئة لجمعيّة أتّاك (Attac)، والأمل الذي ولّده التطوّر السريع للجمعيّة على المستوى العالميّ والتعاطف الشخصيّ الذي أكنّه لبعض منشطيها فقد اعتبرت، منذ المنطلق، بأنَّه من الخطأ أن ينبني هذا التحشيد على كذبة، على فكرة أنَّ إخضاع العملات لسلطة المال وللتأرجح هو مصدر كلّ آلامنا، ومن ثمة فإنَّ فرض ضريبة على التدفّقات الماليّة من شأنه أن يحلّ الأساسيّ في المشكلات، وقد تطلب الأمر بضع سنوات لكي يعترف مسؤولو أتّاك بخطأ اعتقادهم، وليغيروا مجرى الرهان من فرض ضريبة على تدفّقات الرساميل من أرضيّة مرابح المضاربة حيث كانت ضريبة توبيْن (Tobin)، في تقديري، غير ذات جدوى تقريباً، إلى أرضيّة البحث عن قواعد صلبة لفرض ضريبة عالميّة في خدمة التنمية، وهو الأصح. ولا غرو، فقد التقيت خارج فرنسا مناضلين أسخياء ومقتنعين، بناء على سمعة مطلقي حركة أتّاك وجدّيتهم، بضرورة السير خلف قادة يملكون الحلول البسيطة العادلة والناجعة للعالم.
وعلى هذا النحو، فإنَّ لائحة المشكلات أو التحدّيات مثلها مثل التفسيرات الشموليّة، تترك بشكل كامل، كلاهما يترك مسألة الرؤية والإستراتيجيّة كاملة: فإلى أين نذهب؟ وكيف نذهب؟
2. العولمة والإجماليّة الاقتصاديّة
لبناء رؤية جديدة، وأعلم كم يتطلب هذا من وقت، يتوجّب البدء بالتحلّي بالوضوح: ما هو الأمر الذي لا يقبل التراجع حقيقةً، وما هو الأمر الذي يقبل ذلك؟ ما هو الأمر الذي يدخل في عداد قانون للطبيعة، وما هو الذي يرجع إلى البناء الإنسانيّ حيث بالإمكان استبدال مكان بناء إنسانيّ بآخر؟
ما هو الأمر الذي لا يقبل التراجع وما هو الذي يقبل ذلك؟ هنا يكمن كلّ الفرق بين العولمة والإجماليّة الاقتصاديّة، وذلك بسبب عدم استقرار المصطلح، ولأنَّ اللغة الإنكليزيّة تجمع تحت تسمية «Globalisation» ظواهر ذات مدلولات مختلفة تلتبس على الأذهان.
العولمة التي لا عودة عنها
بالنّسبة إليّ يدخل في منظور العولمة كلّ ما يوصّف الترابطات المتبادلة بين المجتمعات من جهة، وبين الإنسانيّة والمحيط الحيويّ من أخرى. هذه الترابطات، أعتقد أنَّها أصبحت لا عودة عنها. إنَّ الإنسانيّة كلّها تسهم في العلاقات مع البيئة الحيويّة اللهمّ إلّا إذا حدثت كارثة عظمى ينجم عنها تقلص فجائي وهائل في عدد سكّان الكرة الأرضيّة. وإن لم يكن ذلك بالمعنى السياسيّ والاجتماعيّ فأقلّه بالمعنى البيئيّ ما دام الكوكب الأرضيّ قد أصبح فعليّاً قرية، بمعنى أنَّ الكلمة الطيّبة للتضامن قبل أن يكون لها معنى أخلاقيّ فإنَّ لها معنى مادّياّ هو عبارة عن مجموعة ترتبط كلّ مكوّناتها الواحدة بالأخرى. وهذا ما حدا بي في كتابي تفتّت الديمقراطيّة إلى التأكيد، في ما يتعلّق بمفهوم الحوكمة، أنَّ العالم هو الآن، وبشكل لا رجعة عنه، فضاؤنا العائلي. وما القارات والبلدان والأراضي إلّا تقسيمات لهذا الفضاء العائلي. كما أنّي أعتقد أنَّه لا عودة عن تطوّر الأنظمة التقنيّة، وبخاصّة تطوّر تكنولوجيات الإعلام والاتصال: مهما كانت الحواجز السياسيّة التي تهدف إلى إعاقة تبادل الأخبار والصور فإنَّها قادرة على الانتقال في كلّ حين من منطقة إلى أخرى في وقت زهيد عمليّاً حاملة على أجنحتها الأفكار والأرقام على السواء. هذا بالنّسبة إلى اللاعودة.
وعلى هذا النحو، فإنَّ لائحة المشكلات أو التحدّيات مثلها مثل التفسيرات الشموليّة، تترك بشكل كامل، كلاهما يترك مسألة الرؤية والإستراتيجيّة كاملة: فإلى أين نذهب؟ وكيف نذهب؟
2. العولمة والإجماليّة الاقتصاديّة
لبناء رؤية جديدة، وأعلم كم يتطلب هذا من وقت، يتوجّب البدء بالتحلّي بالوضوح: ما هو الأمر الذي لا يقبل التراجع حقيقةً، وما هو الأمر الذي يقبل ذلك؟ ما هو الأمر الذي يدخل في عداد قانون للطبيعة، وما هو الذي يرجع إلى البناء الإنسانيّ حيث بالإمكان استبدال مكان بناء إنسانيّ بآخر؟
ما هو الأمر الذي لا يقبل التراجع وما هو الذي يقبل ذلك؟ هنا يكمن كلّ الفرق بين العولمة والإجماليّة الاقتصاديّة، وذلك بسبب عدم استقرار المصطلح، ولأنَّ اللغة الإنكليزيّة تجمع تحت تسمية «Globalisation» ظواهر ذات مدلولات مختلفة تلتبس على الأذهان.
العولمة التي لا عودة عنها
بالنّسبة إليّ يدخل في منظور العولمة كلّ ما يوصّف الترابطات المتبادلة بين المجتمعات من جهة، وبين الإنسانيّة والمحيط الحيويّ من أخرى. هذه الترابطات، أعتقد أنَّها أصبحت لا عودة عنها. إنَّ الإنسانيّة كلّها تسهم في العلاقات مع البيئة الحيويّة اللهمّ إلّا إذا حدثت كارثة عظمى ينجم عنها تقلص فجائي وهائل في عدد سكّان الكرة الأرضيّة. وإن لم يكن ذلك بالمعنى السياسيّ والاجتماعيّ فأقلّه بالمعنى البيئيّ ما دام الكوكب الأرضيّ قد أصبح فعليّاً قرية، بمعنى أنَّ الكلمة الطيّبة للتضامن قبل أن يكون لها معنى أخلاقيّ فإنَّ لها معنى مادّياّ هو عبارة عن مجموعة ترتبط كلّ مكوّناتها الواحدة بالأخرى. وهذا ما حدا بي في كتابي تفتّت الديمقراطيّة إلى التأكيد، في ما يتعلّق بمفهوم الحوكمة، أنَّ العالم هو الآن، وبشكل لا رجعة عنه، فضاؤنا العائلي. وما القارات والبلدان والأراضي إلّا تقسيمات لهذا الفضاء العائلي. كما أنّي أعتقد أنَّه لا عودة عن تطوّر الأنظمة التقنيّة، وبخاصّة تطوّر تكنولوجيات الإعلام والاتصال: مهما كانت الحواجز السياسيّة التي تهدف إلى إعاقة تبادل الأخبار والصور فإنَّها قادرة على الانتقال في كلّ حين من منطقة إلى أخرى في وقت زهيد عمليّاً حاملة على أجنحتها الأفكار والأرقام على السواء. هذا بالنّسبة إلى اللاعودة.
Page 5
الإجماليّة الاقتصاديّة، ثمرة الظروف
تعتمد الإجماليّة الاقتصاديّة من جهتها على فكرة أنَّ العالم لا يمكن إلّا أنَّ يتطوّر لفائدة الجميع طالما أزحنا العوائق أمام التداول الحر للبضائع والخِدمات، وطالما حوّلنا كلّ شيء إلى سلع، ومن ضمنها السلع اللامادّية، بما فيها معرفة الحيّ والجينات (المورّثة) والثقافة والفنون. هذه الإجماليّة الاقتصاديّة لا شيء فيها غير قابل للعودة عنه.
فهي مندرجة بالتحديد في التاريخ ومحرّكاتها معروفة. وإزاء فكرة أنَّه ممنوع وضع الحواجز أمام تداول السلع والخِدمات ولكنَّه ممكن في المقابل كما هو الحال – إقامة أسوار عالية شيئاً فشيئاً لتحول دون انتقال الأشخاص فتغرق بلداننا الغنيّة في موجة من الغزو من قبل معذّبي الأرض– هذه الفكرة ليست بديهية ولا هي غير قابلة للعودة عنها.
فالمبادلات الدوليّة ليست جديدة إذ عمرها خمسة آلاف عام أو أكثر. وقد مارستها كلّ المجتمعات المنظمة وخصوصاً الإمبراطوريّات كلّها. لقد كان التاريخ منذ القرن الثامن عشر متميزاً بتعاقب موجات الحمائية والتبادل الحر، فكان لكلّ مجتمع، ولكلّ بلد، ولكلّ إمبراطوريّة اختيار النظريّة التي تتلاءم ومصالحه الظرفية. أمّا المنشآت المتعدّدة الجنسيّات فهي تعود من ناحيتها في أوروبا إلى فترة الاكتشافات الكبرى، وكانت في الغالب شديدة الارتباط بمصالح الدول، ولكنَّها استطاعت، أحياناً، الفوز بسلطات وامتيازات وحتّى فتح أراضٍ كاملة بما يجعل شركاتنا المتعدّدة الجنسيّات الحاليّة في حالة شحوب من شدّة الرغبة. واستمرّ التداخل بين السياسات العموميّة والشركات الخاصّة قوياً، كما كان حال شركة الهند في القرن الثامن عشر. أمّا إعادة أعمار اليابان أو تنمية كوريا بعد الحرب فقد تطلب شراكة واسعة بين المنشآت والسلطات العامّة. وتسعى كلّ من أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة لدعم «أبطالها» القارّيّين.
والملاحظة عينها نسوقها فيما يتعلّق بتداول الرساميل. فكانت لها بالتأكيد صيغ أخرى خلال القرن التاسع عشر، على أنَّ اتصال الأسواق الماليّة بعضها ببعض لم يكُنْ من ناحيته جديداً.
إن مراحل الحركة الحاليّة، الكثيفة لدرجة توحي لنا بأنَّها وحيدة في التاريخ، كانت معروفة، ويكفيني إذاً التذكير بها بإيجاز على مراحل أربع: صعود القوة العملاقة للولايات المتّحدة الأميركيّة بعد الحرب العالميّة الأولى ومصلحتها في تحرير الأسواق؛ دور النزعة الحمائية الأوروبيّة في فترة ما بين الحربين، وخصوصاً بعد أزمة 1929، في صعود النزعات القوميّة وتحضير حرب 1939-1945، ممّا أدّى بعد الحرب إلى الربط في الأذهان، عن حق أحياناً، بين تنمية المبادلات وبناء السلم؛ سقوط جدار برلين وذوبان الكتلة الشيوعيّة التي تركت الإيدولوجيا الليبرالية من دون منافس، ومثّلت التبرير بَعديّاً للثورة المحافظة التي أطلقها رونالد ريغن في الولايات المتّحدة ومارغرت تاتشر في إنكلترا كردة فعل على الانتصار الذي حققته، بعد الحرب، الديمقراطيّة الاجتماعيّة (social-démocratie) بكلّ صيغها في تواصل لأفكار كينز ولورد بڤريدج (Lord Beveridge)؛ في السياق ذاته، ودائماً بمبادرة من الولايات المتّحدة، برزت موجة جديدة من تحرير المبادلات تتعلق، هذه المرّة، بالخدمات ورأس المال اللامادّي ليصبح هذا التحرير حيويّاً للولايات المتّحدة الأميركيّة التي تقلصت هيمنتها في إنتاج الموادّ المصنعة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، وهي فعلاً علامة على قدرة النظام على إعادة توزيع التكنولوجيا والرساميل.
وثمة رسم تشبثت به بصفة خاصّة لإبراز الطابع الإنسانيّ العميق، وأكاد أقول الظرفي تقريباً، لبعض التطوّرات التي نعتبرها في كثير من الأحيان من باب رفاهية الفكر بفعل قراءة للماضي على ضوء الحاضر، كبديهيات: هو رسم السّوق الوحيدة الأوروبيّة. فنحن نسمع ما يقال في كثير من الأحيان أنَّ أوروبا نُحتت حول إيديولوجيا ليبرالية مضحية بالمظاهر الأخرى للبناء الأوروبيّ على هيكل الاقتصاد إلى حدّ الادّعاء بأنَّ أوروبا بنت ذاتها في المصلحة المطلقة للمنشآت الكبرى، وهو ما يعني نسيان التاريخ بسرعة. أحب في هذا الصدد ذكر النص الجميل للغاية الذي كتبه جان مونيه (Jean Monnet) للجنرال ديغول في الجزائر، في آب/أغسطس 1943، في خضم الحرب. كان تحليله بسيطاً: «سوف يربح الحلفاء الحرب بما أنَّ الولايات المتّحدة أصبحت بحسب التعبير المتداول «ترسانة الديمقراطيّات» ومن ثمة يقول جان مونيه: السؤال الوحيد الذي يستحق أن يطرح هو معرفة السبيل إلى الانتصار في السلم بعد الانتصار في الحرب؛ إنَّه سؤال حارق إن صح التعبير بما أنَّ المنتصرين في الحرب العالميّة الأولى خسروا السلم بعد الحرب إثر اتّفاق ڤرساي: ثم يقوم جان مونيه بتعداد بعض السيناريوهات لمستقبل ألمانيا المهزومة، ويخلص إلى أنَّ واحداً من بينها قابل للتطبيق: بناء أوروبا التي لم يكن لها من هدف قط سوى السلم. ومن هذه الزاوية فلنفكّر ما نريد في مظاهر ضعف هذا البناء الأوروبيّ، ولكنَّ الإستراتيجيّة كانت نجاحاً كاملاً وقد ارتكزت الجماعة الأوروبيّة للفحم والصلب بعد الحرب بقليل، على الرؤية ذاتها. فلم يكن الأمر يتعلّق بالسّوق الأوروبيّة الكبيرة، ولكن كان المسعى استغلال الانحدار الوقتي للغاية للسيادات وللنزعات القوميّة من أجل التصرف بشكل مشترك بالمادّتين اللتين كانتا، أخذاً في الحسبان تكنولوجيات تلك الفترة، حاسمتين لسلوك طريق الحرب. إنَّه ضرب من العبقرية المطلقة. ولكن إذا تذكّرنا أنَّ الهدف الأوّل للسياسيّ في كلّ المجتمعات، من اليونان القديمة إلى الصّين الإمبراطوريّة، كان الحفاظ على السلم فسوف نفهم أنَّ بناء أوروبا له، في الجوهر وفي العمق، هدف سياسيّ.
وعندما دفعت الولايات المتّحدة من جهتها في سياق ظهور الحرب الباردة إلى البناء الأوروبيّ لدرجة أنَّها جعلته أحد شروط خطة مارشال، فإنَّ هدفها لم يكن، بطبيعة الحال، طرح نفسها منافساً اقتصاديّاً، أو تسهيل الاستيراد الأوروبيّ من أميركا، وإنَّما كان الهدف تكوين قوة أمام ما اعتبر في حينه التهديد السوڤياتيّ. ولهذا السبب كانت بدايات البناء الأوروبيّ مبنية ليس على الرفع السريع للحدود الجمركية ولكن على جماعة الدفاع الأوروبيّ (جدأCED). وكانت الفكرة تبدو طبيعيّة في سياق الحرب الباردة، ومن أجل تلافي العودة إلى الحروب الأخوية بين الأمم. ولكن، بطبيعة الحال، أخذاً بالاعتبار أهمية الأحزاب الشيوعيّة لأوروبا الغربيّة في تلك الفترة، والهالة المكتسبة من الاتّحاد السوڤياتيّ والتي دفع ثمنها غالياً من دمه في صراعه ضد ألمانيا النازية، ولكن أيضاً باعتبار المعارضة الديغولية، لأسباب بطبيعة الحال مختلفة، فإنَّ جماعة الدفاع الأوروبيّة الموجّهة بوضوح ضد الاتّحاد السوڤياتيّ قد أخفقت سياسيّاً في فرنسا. وقد خلف هذا الأمر اليأس لدى بناة أوروبا، ودفع بواحد منهم حينئذ، پول هنري سپاك (Paul-Henri Spaak)، رجل الدولة البلجيكي الكبير، ليقترح على نظرائه التعامل مع هذا البناء من زاوية أخرى، زاوية التوحيد الاقتصاديّ، بما أنَّ البناء السياسيّ لأوروبا قد تحطم أمام ما واجهته من عقبات.
خرجت الإجماليّة الاقتصاديّة إذاً من رحم عدد من الظروف التاريخيّة الخاصّة الموافقة لمصالح هي ذاتها خاصّة. على أنَّ هذه الإجماليّة الاقتصاديّة قد صُنعت بكلّ رصانة وصلافة على يد الفاعلين الأقوى كما برز مثلاً من خلال وضع تجارة الطّاقة، إلى حدّ الآن، خارج (م ت ع OMC)، كما أنَّ الدعم المنقطع النظير للزراعات الأميركيّة والأوروبيّة قد تواصل بدافع من مبادئ السيادة التي رفض الأخذ بها بخصوص القطاعات الأخرى الأقلّ قوة.
لقد وجدت هذه الحركة التاريخيّة من الإجماليّة الاقتصاديّة ركائز قوية في تطوّر الأنظمة التقنيّة ذاتها. ولم يكن للنقاشات حول حقوق الملكيّة الفكريّة أن تكون على درجة عالية من الحدّة لو أنَّ التطوّرات التقنيّة لم تجعل من الموادّ الفكريّة بضاعة أكثر إستراتيجيّة من عناصر الإنتاج المادّية، ولم يكن للعالميّة الماليّة أن تكون ما هي عليه الآن لولا المعلوماتيّة.
تعتمد الإجماليّة الاقتصاديّة من جهتها على فكرة أنَّ العالم لا يمكن إلّا أنَّ يتطوّر لفائدة الجميع طالما أزحنا العوائق أمام التداول الحر للبضائع والخِدمات، وطالما حوّلنا كلّ شيء إلى سلع، ومن ضمنها السلع اللامادّية، بما فيها معرفة الحيّ والجينات (المورّثة) والثقافة والفنون. هذه الإجماليّة الاقتصاديّة لا شيء فيها غير قابل للعودة عنه.
فهي مندرجة بالتحديد في التاريخ ومحرّكاتها معروفة. وإزاء فكرة أنَّه ممنوع وضع الحواجز أمام تداول السلع والخِدمات ولكنَّه ممكن في المقابل كما هو الحال – إقامة أسوار عالية شيئاً فشيئاً لتحول دون انتقال الأشخاص فتغرق بلداننا الغنيّة في موجة من الغزو من قبل معذّبي الأرض– هذه الفكرة ليست بديهية ولا هي غير قابلة للعودة عنها.
فالمبادلات الدوليّة ليست جديدة إذ عمرها خمسة آلاف عام أو أكثر. وقد مارستها كلّ المجتمعات المنظمة وخصوصاً الإمبراطوريّات كلّها. لقد كان التاريخ منذ القرن الثامن عشر متميزاً بتعاقب موجات الحمائية والتبادل الحر، فكان لكلّ مجتمع، ولكلّ بلد، ولكلّ إمبراطوريّة اختيار النظريّة التي تتلاءم ومصالحه الظرفية. أمّا المنشآت المتعدّدة الجنسيّات فهي تعود من ناحيتها في أوروبا إلى فترة الاكتشافات الكبرى، وكانت في الغالب شديدة الارتباط بمصالح الدول، ولكنَّها استطاعت، أحياناً، الفوز بسلطات وامتيازات وحتّى فتح أراضٍ كاملة بما يجعل شركاتنا المتعدّدة الجنسيّات الحاليّة في حالة شحوب من شدّة الرغبة. واستمرّ التداخل بين السياسات العموميّة والشركات الخاصّة قوياً، كما كان حال شركة الهند في القرن الثامن عشر. أمّا إعادة أعمار اليابان أو تنمية كوريا بعد الحرب فقد تطلب شراكة واسعة بين المنشآت والسلطات العامّة. وتسعى كلّ من أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة لدعم «أبطالها» القارّيّين.
والملاحظة عينها نسوقها فيما يتعلّق بتداول الرساميل. فكانت لها بالتأكيد صيغ أخرى خلال القرن التاسع عشر، على أنَّ اتصال الأسواق الماليّة بعضها ببعض لم يكُنْ من ناحيته جديداً.
إن مراحل الحركة الحاليّة، الكثيفة لدرجة توحي لنا بأنَّها وحيدة في التاريخ، كانت معروفة، ويكفيني إذاً التذكير بها بإيجاز على مراحل أربع: صعود القوة العملاقة للولايات المتّحدة الأميركيّة بعد الحرب العالميّة الأولى ومصلحتها في تحرير الأسواق؛ دور النزعة الحمائية الأوروبيّة في فترة ما بين الحربين، وخصوصاً بعد أزمة 1929، في صعود النزعات القوميّة وتحضير حرب 1939-1945، ممّا أدّى بعد الحرب إلى الربط في الأذهان، عن حق أحياناً، بين تنمية المبادلات وبناء السلم؛ سقوط جدار برلين وذوبان الكتلة الشيوعيّة التي تركت الإيدولوجيا الليبرالية من دون منافس، ومثّلت التبرير بَعديّاً للثورة المحافظة التي أطلقها رونالد ريغن في الولايات المتّحدة ومارغرت تاتشر في إنكلترا كردة فعل على الانتصار الذي حققته، بعد الحرب، الديمقراطيّة الاجتماعيّة (social-démocratie) بكلّ صيغها في تواصل لأفكار كينز ولورد بڤريدج (Lord Beveridge)؛ في السياق ذاته، ودائماً بمبادرة من الولايات المتّحدة، برزت موجة جديدة من تحرير المبادلات تتعلق، هذه المرّة، بالخدمات ورأس المال اللامادّي ليصبح هذا التحرير حيويّاً للولايات المتّحدة الأميركيّة التي تقلصت هيمنتها في إنتاج الموادّ المصنعة منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية، وهي فعلاً علامة على قدرة النظام على إعادة توزيع التكنولوجيا والرساميل.
وثمة رسم تشبثت به بصفة خاصّة لإبراز الطابع الإنسانيّ العميق، وأكاد أقول الظرفي تقريباً، لبعض التطوّرات التي نعتبرها في كثير من الأحيان من باب رفاهية الفكر بفعل قراءة للماضي على ضوء الحاضر، كبديهيات: هو رسم السّوق الوحيدة الأوروبيّة. فنحن نسمع ما يقال في كثير من الأحيان أنَّ أوروبا نُحتت حول إيديولوجيا ليبرالية مضحية بالمظاهر الأخرى للبناء الأوروبيّ على هيكل الاقتصاد إلى حدّ الادّعاء بأنَّ أوروبا بنت ذاتها في المصلحة المطلقة للمنشآت الكبرى، وهو ما يعني نسيان التاريخ بسرعة. أحب في هذا الصدد ذكر النص الجميل للغاية الذي كتبه جان مونيه (Jean Monnet) للجنرال ديغول في الجزائر، في آب/أغسطس 1943، في خضم الحرب. كان تحليله بسيطاً: «سوف يربح الحلفاء الحرب بما أنَّ الولايات المتّحدة أصبحت بحسب التعبير المتداول «ترسانة الديمقراطيّات» ومن ثمة يقول جان مونيه: السؤال الوحيد الذي يستحق أن يطرح هو معرفة السبيل إلى الانتصار في السلم بعد الانتصار في الحرب؛ إنَّه سؤال حارق إن صح التعبير بما أنَّ المنتصرين في الحرب العالميّة الأولى خسروا السلم بعد الحرب إثر اتّفاق ڤرساي: ثم يقوم جان مونيه بتعداد بعض السيناريوهات لمستقبل ألمانيا المهزومة، ويخلص إلى أنَّ واحداً من بينها قابل للتطبيق: بناء أوروبا التي لم يكن لها من هدف قط سوى السلم. ومن هذه الزاوية فلنفكّر ما نريد في مظاهر ضعف هذا البناء الأوروبيّ، ولكنَّ الإستراتيجيّة كانت نجاحاً كاملاً وقد ارتكزت الجماعة الأوروبيّة للفحم والصلب بعد الحرب بقليل، على الرؤية ذاتها. فلم يكن الأمر يتعلّق بالسّوق الأوروبيّة الكبيرة، ولكن كان المسعى استغلال الانحدار الوقتي للغاية للسيادات وللنزعات القوميّة من أجل التصرف بشكل مشترك بالمادّتين اللتين كانتا، أخذاً في الحسبان تكنولوجيات تلك الفترة، حاسمتين لسلوك طريق الحرب. إنَّه ضرب من العبقرية المطلقة. ولكن إذا تذكّرنا أنَّ الهدف الأوّل للسياسيّ في كلّ المجتمعات، من اليونان القديمة إلى الصّين الإمبراطوريّة، كان الحفاظ على السلم فسوف نفهم أنَّ بناء أوروبا له، في الجوهر وفي العمق، هدف سياسيّ.
وعندما دفعت الولايات المتّحدة من جهتها في سياق ظهور الحرب الباردة إلى البناء الأوروبيّ لدرجة أنَّها جعلته أحد شروط خطة مارشال، فإنَّ هدفها لم يكن، بطبيعة الحال، طرح نفسها منافساً اقتصاديّاً، أو تسهيل الاستيراد الأوروبيّ من أميركا، وإنَّما كان الهدف تكوين قوة أمام ما اعتبر في حينه التهديد السوڤياتيّ. ولهذا السبب كانت بدايات البناء الأوروبيّ مبنية ليس على الرفع السريع للحدود الجمركية ولكن على جماعة الدفاع الأوروبيّ (جدأCED). وكانت الفكرة تبدو طبيعيّة في سياق الحرب الباردة، ومن أجل تلافي العودة إلى الحروب الأخوية بين الأمم. ولكن، بطبيعة الحال، أخذاً بالاعتبار أهمية الأحزاب الشيوعيّة لأوروبا الغربيّة في تلك الفترة، والهالة المكتسبة من الاتّحاد السوڤياتيّ والتي دفع ثمنها غالياً من دمه في صراعه ضد ألمانيا النازية، ولكن أيضاً باعتبار المعارضة الديغولية، لأسباب بطبيعة الحال مختلفة، فإنَّ جماعة الدفاع الأوروبيّة الموجّهة بوضوح ضد الاتّحاد السوڤياتيّ قد أخفقت سياسيّاً في فرنسا. وقد خلف هذا الأمر اليأس لدى بناة أوروبا، ودفع بواحد منهم حينئذ، پول هنري سپاك (Paul-Henri Spaak)، رجل الدولة البلجيكي الكبير، ليقترح على نظرائه التعامل مع هذا البناء من زاوية أخرى، زاوية التوحيد الاقتصاديّ، بما أنَّ البناء السياسيّ لأوروبا قد تحطم أمام ما واجهته من عقبات.
خرجت الإجماليّة الاقتصاديّة إذاً من رحم عدد من الظروف التاريخيّة الخاصّة الموافقة لمصالح هي ذاتها خاصّة. على أنَّ هذه الإجماليّة الاقتصاديّة قد صُنعت بكلّ رصانة وصلافة على يد الفاعلين الأقوى كما برز مثلاً من خلال وضع تجارة الطّاقة، إلى حدّ الآن، خارج (م ت ع OMC)، كما أنَّ الدعم المنقطع النظير للزراعات الأميركيّة والأوروبيّة قد تواصل بدافع من مبادئ السيادة التي رفض الأخذ بها بخصوص القطاعات الأخرى الأقلّ قوة.
لقد وجدت هذه الحركة التاريخيّة من الإجماليّة الاقتصاديّة ركائز قوية في تطوّر الأنظمة التقنيّة ذاتها. ولم يكن للنقاشات حول حقوق الملكيّة الفكريّة أن تكون على درجة عالية من الحدّة لو أنَّ التطوّرات التقنيّة لم تجعل من الموادّ الفكريّة بضاعة أكثر إستراتيجيّة من عناصر الإنتاج المادّية، ولم يكن للعالميّة الماليّة أن تكون ما هي عليه الآن لولا المعلوماتيّة.
Page 6
وفي السياق ذاته لم يكن للأسواق الماليّة ولحجم المنشآت الاستثمارية فيها أن تكون ما كانته لولا الركود الديموغرافيّ للغرب، الذي جعل من مسألة تمويل أنظمة التقاعد مسألة وسواسية، وبالتلازم مع حاجة آسيا للرساميل، ولولا تركّز الموارد البتروليّة في بعض البلدان المدعوّة من هذا المنظور إلى تغيير وجهة البترودولار.
إلّا أنَّ هذه التوجّهات التقنيّة والاجتماعيّة القوية لا تمثّل في شيء ظواهر فطرية أو تطوّرات لا عودة عنها. وباعتقادي من جهة أخرى، أنَّه من الممكن والمحتمل في العشرينيّات المقبلة أن تنتظم التبادلات الاقتصاديّة من جديد داخل كتل إقليميّة، وليس في فضاء عالميّ غير محدّد الملامح، وأن تعقب، كما حصل في بداية القرن العشرين، مرحلة الانفتاح في كلّ الاتّجاهات للاقتصاد على العالم، مرحلة تراجع نسبي.
3. عطفة عبر التاريخ الطويل
إذا أردنا أن تكون لنا رؤية للتحوّلات التي نريد إنجازها فإنَّ فهم الظواهر الحديثة ليس كافياً. إذ يجب العودة بعيداً إلى الوراء لأنَّ أفكارنا ومفاهيمنا ونظريّاتنا ومؤسساتنا انبنت على قواعد قديمة جداً. ومن ثمة فإنَّه ضروريّ إعادة زيارة هذه القواعد؛ وإذا كان واجباً، كما أعتقد، أن نعيد التفكير جذريّاً في أنماط إنتاجنا واستهلاكنا وتبادلنا يجب إعادة ترتيب الأوراق وإنجاز التهديم لإعادة البناء. يجب أن نكفّ عن النظر إلى التاريخ على أنَّه نوع من أسهل الطرق التي تحملنا من الماضي إلى الحاضر، ومن ثمة إلى المستقبل لاعتباره صيرورة ذات تعرجات، وذات مفاعيل فيها البدايات وفيها التغيرات والتقلبات حيث حدثت التشعّبات طبقاً لظروف خصوصيّة.
فالتاريخ مثله مثل رحلة جبلية أو في الغابة، يتوجّب، كلّما وصلنا إلى طريق مسدود، أن تكون لنا حصانة الرجوع إلى الخلف في مختلف تقاطعات الطرق لتجربة سبيل آخر.
ومن دون السقوط في فلسفة الرداءة أعتقد أنَّ الإنسانيّة، في مساهمتها في هذه المغامرة العظيمة لتطوّر الحياة على الأرض بما هي مكوّن كامل من مكوّنات تطوّر البيئة الحيويّة، مرّت بتعاقب مراحل موافقة لمستويات من التعقيد متدرجة؛ هذا التعقيد هو الذي ميّز العلاقات بين الكائنات البشريّة والطبيعة. فكان المرور من حقبة إنسان الصيد والقطف إلى حقبة الزراعة في عصر الثورة النيوليتية (العصر الحجري)، ثم الانتقال إلى حقبة ثالثة بالسيطرة على الطبيعة مع الثورة الصناعيّة. ونحن بلغنا اليوم حقبة رابعة، من الخطورة بمكان، حقبة التلاعب بالكائن الحيّ.
وانضافت إلى هذا التطوّر، لتعقيد العلاقات بين الإنسانيّة والمجال الحيويّ، تعقيدات أخرى لتنظيم مجتمعات زمر الصيادين القاطفين المتناثرة والمكتفية بذاتها إلى تنظيم المدن والإمبراطوريّات والدول والمجتمع الدوليّ كما نعرفه اليوم.
وفي كلّ من هذه المراحل تطابقت أفكار ونظريّات ومؤسّسات، ولكلّ واحدة منها بدورها حياتها الخاصّة ونسق تطوّرها، وإذا تغافلنا عن ظروف ولادتها فإنَّ الخطر يكمن في تقديسها والتخلي عن واجب التفكير في قدرنا؛ وفي كلمة، يتهددنا خطر خلط الأهداف والوسائل. وإلى هذا، وبفعل حيلة غريبة للتاريخ، فإنَّ العلم والتقنيّة من جهة والسّوق والاقتصاد من جهة ثانية، وهي ابتكارات إنسانيّة بحتة، تم تطويرها لتمكين الإنسانيّة من السيطرة على قدرها، تبدو وقد انفلتت تدريجاً من سيطرتنا مثل مكنسة مطلق الجن، لتدير حياتها الخاصّة، وتتطوّر حسب منطقها الخاصّ من دون أن نكون قادرين على التأثير في مسارها. خداع بصري، ولكنَّه خداع بصري مأسوي، إذ إنَّه انتهى بتحطيم إرادتنا في ردّة الفعل ذاتها.
أمّا مقياس الزمن الذي يعنينا لفهم كيف تكوّنت نظريّاتنا ومؤسّساتنا فهو ليس العشرية أو القرن لكنَّه أقرب مقياس ألفي. وما يعنينا ليس تاريخ الأحداث السياسيّة، ولكن تاريخ الفلسفة والمفاهيم والنظريّات والأنظمة التقنيّة.
ثمة تفرعان يتجلّيان في العهد الوسيط الغربيّ سيلعبان دوراً أساسيّاً في بقيّة التاريخ العالميّ بحيث يستحقان أن نتوقف عندهما لحظة. تتعلق الأولى بالعلاقات بالطبيعة، والثانية بعلاقات مجتمعاتنا بتراكم المنتوجات المادّية.
التفرع الأوّل الكبير للعهد الوسيط هو المرور من الطبيعة المتحكّم فيها إلى الطبيعة المزدراة. إنَّ التاريخ المتعدّد الألفيات لعلاقات الإنسان بالطبيعة عبر مختلف الحضارات قد قام بتجميعه واستنتاجه بمهارة فائقة المؤرخ الإفريقي جوزيف كي زربو (Joseph Ki-Zerbo) الذي نسق مع ماري جوزيف بو-قامبيي (Marie-Josèphe Beaud-Gambier) كتاب رفاق الشمس([3]) وهو بمثابة منتخبات من النصوص الأكثر تأثيراً في هذه العلاقة.
إلّا أنَّ هذه التوجّهات التقنيّة والاجتماعيّة القوية لا تمثّل في شيء ظواهر فطرية أو تطوّرات لا عودة عنها. وباعتقادي من جهة أخرى، أنَّه من الممكن والمحتمل في العشرينيّات المقبلة أن تنتظم التبادلات الاقتصاديّة من جديد داخل كتل إقليميّة، وليس في فضاء عالميّ غير محدّد الملامح، وأن تعقب، كما حصل في بداية القرن العشرين، مرحلة الانفتاح في كلّ الاتّجاهات للاقتصاد على العالم، مرحلة تراجع نسبي.
3. عطفة عبر التاريخ الطويل
إذا أردنا أن تكون لنا رؤية للتحوّلات التي نريد إنجازها فإنَّ فهم الظواهر الحديثة ليس كافياً. إذ يجب العودة بعيداً إلى الوراء لأنَّ أفكارنا ومفاهيمنا ونظريّاتنا ومؤسساتنا انبنت على قواعد قديمة جداً. ومن ثمة فإنَّه ضروريّ إعادة زيارة هذه القواعد؛ وإذا كان واجباً، كما أعتقد، أن نعيد التفكير جذريّاً في أنماط إنتاجنا واستهلاكنا وتبادلنا يجب إعادة ترتيب الأوراق وإنجاز التهديم لإعادة البناء. يجب أن نكفّ عن النظر إلى التاريخ على أنَّه نوع من أسهل الطرق التي تحملنا من الماضي إلى الحاضر، ومن ثمة إلى المستقبل لاعتباره صيرورة ذات تعرجات، وذات مفاعيل فيها البدايات وفيها التغيرات والتقلبات حيث حدثت التشعّبات طبقاً لظروف خصوصيّة.
فالتاريخ مثله مثل رحلة جبلية أو في الغابة، يتوجّب، كلّما وصلنا إلى طريق مسدود، أن تكون لنا حصانة الرجوع إلى الخلف في مختلف تقاطعات الطرق لتجربة سبيل آخر.
ومن دون السقوط في فلسفة الرداءة أعتقد أنَّ الإنسانيّة، في مساهمتها في هذه المغامرة العظيمة لتطوّر الحياة على الأرض بما هي مكوّن كامل من مكوّنات تطوّر البيئة الحيويّة، مرّت بتعاقب مراحل موافقة لمستويات من التعقيد متدرجة؛ هذا التعقيد هو الذي ميّز العلاقات بين الكائنات البشريّة والطبيعة. فكان المرور من حقبة إنسان الصيد والقطف إلى حقبة الزراعة في عصر الثورة النيوليتية (العصر الحجري)، ثم الانتقال إلى حقبة ثالثة بالسيطرة على الطبيعة مع الثورة الصناعيّة. ونحن بلغنا اليوم حقبة رابعة، من الخطورة بمكان، حقبة التلاعب بالكائن الحيّ.
وانضافت إلى هذا التطوّر، لتعقيد العلاقات بين الإنسانيّة والمجال الحيويّ، تعقيدات أخرى لتنظيم مجتمعات زمر الصيادين القاطفين المتناثرة والمكتفية بذاتها إلى تنظيم المدن والإمبراطوريّات والدول والمجتمع الدوليّ كما نعرفه اليوم.
وفي كلّ من هذه المراحل تطابقت أفكار ونظريّات ومؤسّسات، ولكلّ واحدة منها بدورها حياتها الخاصّة ونسق تطوّرها، وإذا تغافلنا عن ظروف ولادتها فإنَّ الخطر يكمن في تقديسها والتخلي عن واجب التفكير في قدرنا؛ وفي كلمة، يتهددنا خطر خلط الأهداف والوسائل. وإلى هذا، وبفعل حيلة غريبة للتاريخ، فإنَّ العلم والتقنيّة من جهة والسّوق والاقتصاد من جهة ثانية، وهي ابتكارات إنسانيّة بحتة، تم تطويرها لتمكين الإنسانيّة من السيطرة على قدرها، تبدو وقد انفلتت تدريجاً من سيطرتنا مثل مكنسة مطلق الجن، لتدير حياتها الخاصّة، وتتطوّر حسب منطقها الخاصّ من دون أن نكون قادرين على التأثير في مسارها. خداع بصري، ولكنَّه خداع بصري مأسوي، إذ إنَّه انتهى بتحطيم إرادتنا في ردّة الفعل ذاتها.
أمّا مقياس الزمن الذي يعنينا لفهم كيف تكوّنت نظريّاتنا ومؤسّساتنا فهو ليس العشرية أو القرن لكنَّه أقرب مقياس ألفي. وما يعنينا ليس تاريخ الأحداث السياسيّة، ولكن تاريخ الفلسفة والمفاهيم والنظريّات والأنظمة التقنيّة.
ثمة تفرعان يتجلّيان في العهد الوسيط الغربيّ سيلعبان دوراً أساسيّاً في بقيّة التاريخ العالميّ بحيث يستحقان أن نتوقف عندهما لحظة. تتعلق الأولى بالعلاقات بالطبيعة، والثانية بعلاقات مجتمعاتنا بتراكم المنتوجات المادّية.
التفرع الأوّل الكبير للعهد الوسيط هو المرور من الطبيعة المتحكّم فيها إلى الطبيعة المزدراة. إنَّ التاريخ المتعدّد الألفيات لعلاقات الإنسان بالطبيعة عبر مختلف الحضارات قد قام بتجميعه واستنتاجه بمهارة فائقة المؤرخ الإفريقي جوزيف كي زربو (Joseph Ki-Zerbo) الذي نسق مع ماري جوزيف بو-قامبيي (Marie-Josèphe Beaud-Gambier) كتاب رفاق الشمس([3]) وهو بمثابة منتخبات من النصوص الأكثر تأثيراً في هذه العلاقة.
Page 7
وهو يبيّن في كلّ الحضارات أنَّ رؤية العلاقات بين الإنسان والطبيعة وبقية عالم الأحياء هي بالدرجة ذاتها، وهو ينصهر كلّياً في قوانينها ومطالب بالمشاركة في تناسقها. ومن الجهة الثانية يستعمل الإنسان الطبيعة لأغراض خاصّة، ويتميّز بالتحديد بقدرته على وضع قوى الطبيعة والنبات والحيوانات في خدمته.
إذن، لم تكن خاصّية المجتمع الغربيّ منذ القرن الثالث عشر أن ترى نفسها كعنصر خارجيّ عن الطبيعة، ولكن بالذات في أنَّها جعلت من هذه الرؤيا البعد الكلّي لعلاقتها بها. وهذا ما هو متعارف على تسميته «برنامج روجي بِيكُن (Roger Bacon) ورنيه ديكارت (René Descartes)»، الذي عرض أكثر من مرّة، وسوف أكتفي هنا بمتابعة الفصل المتميّز لدومينيك بورغ (Dominique Bourg) في كتاب العصر الجديد لعلم البيئة([4]) المعنون على صواب: «من الطبيعة المتحكّم فيها إلى الطبيعة المزدراة». تبدأ القصة في القرن الثاني عشر بالشغف المتنامي للتنمية والتداول المنسق للتقنيّات. وتتواصل في القرن الثالث عشر بإقرار بِيكُن «لإمكانيّة اختراع عدد لامتناه من الآلات الجديدة وبالحلم العصريّ بتحكّم تقنيّ للطبيعة يقوم على القوانين التي تحكمها». لقد بلغت ذروتها في أوتوبيا الأتلانتيد الجديدة لفرانسيس بِيكُن في بداية القرن السابع عشر، مع نظرته التي تمزج الحداثة والعجائب التي تعد من خلالها الإنسان بالسيطرة على قوانين الطبيعة و«تعد العقيدة التي تقرّ بأنَّ شبه السلطة المطلقة للعلوم وللتقنيّات سوف يفتح باب السعادة الشاملة». ينهي رنيه ديكارت في كتابه مبادئ الفلسفة باستعراض استعباد الإنسان الفلسفيّ للطبيعة بالتأكيد على أنَّه «لا يوجد أيّ فرق بين الآلات التي يصنعها الحرفيّون ومختلف الأجساد التي تؤلفها الطبيعة وحدها»، ويختم بالقول إنَّ ذلك عن طريق طموح الإنسان للسيطرة الشاملة. «نحن مخولون لنصبح حسب العبارة الشّهيرة لـ مقالة في الطريقة كأسياد للطبيعة وحماة لها». إنَّ هذه هي النظرة غير المتواضعة للإنسان، بل أكثر من ذلك في الآن ذاته، المختصرة لآليات سير المحيط الحيويّ؛ وهذا إن فكّرنا في تعقيد عمل خلية واحدة شكلت خلفية الصورة في الوقت عينه لتمجيد تطوّر المعارف العلميّة وتطوّر التقنيّات حيث مثّلت الميكانيك والكيمياء رمز السيطرة الإنسانيّة. ونلاحظ، إلى الآن، نتائج ذلك في ميدان الزراعة، مثلاً، حيث يصعب إدراج الأنشطة الإنسانيّة في السير العامّ للمحيط الحيويّ.
أمّا التفرّع الكبير الثاني فهو يتعلّق بالمكانة التي يحظى بها تراكم الثروات في سير المجتمعات. فبالنّسبة إلى لاقتصاد والسّوق يتوجّب العودة إلى الفترة ذاتها تقريباً، وإلى المناخ الفكريّ ذاته لثورة العصر الوسيط لتكون الصورة واضحة. في كتابه المميّز بطل العصر الوسيط، القديس والملك([5]) أبرز جاك لوغوف (Jacques Le Goff) كيف ظهر في القرن الثاني عشر، في صلب المسيحية، اهتمام جديد بالحياة الأرضيّة التي لم تعد في صورة مطهر في أفق الحياة الحقيقيّة في الآخرة. وبدأت الثورة الاقتصاديّة والتقنية للقرن الثاني عشر في تطوير الاقتصاد النقديّ. وهذا المجتمع الأرضيّ هو الذي يتوجّب سوسه.
في كتابه الأهواء والمصالح([6]) أبرز ألبرت أوتو هيرشمان (Albert Hirschman)، بمهارة، كيف انتهى تفكير أخلاقيّي العصر الوسيط والنهضة إلى تبرير ثم تمجيد تراكم المنتوجات المادّية. وكان تحليل هؤلاء الأخلاقيّين، الذين يصفهم هيرشمان بالبراغماتيّين أو بالواقعيّين، بسيطاً. فمجتمعاتنا كانت مهددة بالأهواء الإنسانيّة. وبحسب القديس أغوسطين يصنف أخلاقيّو تلك الفترة ثلاثة أهواء هدامة للمجتمع كُموناً: هوى السلطة، السيطرة على الآخرين؛ ثم هوى شهوات الجسد؛ وأخيراً هوى التملك. ويرفض الأخلاقيّون البراغماتيّون بناء المجتمع على قاعدة قمع كلّ هذه الأهواء معاً. وما يبدو لهم ممكناً في السماء لا يبدو كذلك في الأرض. في هذه الظروف يتوجّب ترك الجزء حتّى لا تكون الخسارة كلية، بالسماح للهوى الأقلّ تدميراً للتطوّر الحرّ، أي هوى التملك. ففي الجدلية الأبدية بين الكينونة والتملك يفتح هذا البرنامج الأخلاقيّ الطريق إلى هوى التملك، ثم تدريجاً، عندما نفكّر في مجتمعنا المعاصر، إلى مرحلة يصبح فيها التملك هو شرط الكينونة ذاته. وسوف ينظَّرُ تحرر هوى التملك في فترة الإصلاح البروتستنتيّ ليكون النجاح في الأعمال مكافأة للفضيلة.
إنَّ الربط بين الفضيلة والتراكم هو جوهر ما يسمّيه فرانسوا أوست (François Ost) في كتابه المتميّز حكاية القانون([7])، «المعضلة الطهروية». «المعضلة التي عبّر عنها بطريقة غاية في الوضوح القس جون وِسلَي (John Wesley)، مؤسّس مذهب الميثودية المسيحية (وهي حركة تنادي بالعودة إلى مصادر الكلڤينيّة calvinisme))، وبعده ديفو (Defoe) (كاتب روبنسون كروزو) بوقت قصير في هذه الكلمات «أخشى أنَّه حيث نمت الخيرات يعرف مبدأ الديانة تقلصاً بالنّسبة ذاتها [. . .]، إذ على الديانة أن تنتج ضرورةً الصّناعة والزهد اللذين بدورهما ينتجان الثروة. وعندما تتطوّر الثروة تتطوّر معها الأنانيّة والنزق وحب الدنيا في كلّ أشكالها.»
في المستوى الذي نحن فيه حيث ارتباطاتنا المتبادلة، لم تعد الإنسانيّة مفهوماً فلسفيّاً ولا حتّى مفهوماً قانونيّاً ولكن حقيقة اجتماعيّة غير مباشرة. يتوجّب الرجوع إلى انعطافة العصر الوسيط لنتساءل عمّا إذا لم يكن شغف التراكم أكثر هدماً من العنصرين الآخرين، كما يتوجّب الرجوع إلى التساؤل الأنتروپولوجيّ الخالص حول السيطرة على الأهواء وعلى العنف الكامنين فينا. وهذا هو السؤال نفسه الذي يعالجه على صعيد آخر پاتريك ڤيڤريه في بحثه الديمقراطيّة والهوى والحدود([8])، والذي أعاد صياغته أخيراً في كتاب إعادة النظر في الثروة([9]). أستشهدُ به: «إن العنف بين البشر هو مصدر كلّ الاختراعات الهادفة إلى بناء الفضاءات التي سادها السلام حتّى عندما لا يحب الناس بعضهم بعضاً [...]. وتقودنا نتائج العولمة ممزوجة مع نتائج التغيير المعلوماتيّ والثورة في عالم الحيّ لإعادة فحص، من الأساس، معنى هذه الأحابيل المحِلّة للسلام. ذلك أنَّ إحلال السلام بواسطة الدينيّ والاقتصاديّ والسياسيّ يبقى ممكناً بفعل صب العدوانيّة على الخارج: الكافر أو صاحب البدعة (الدينيّ)؛ والأجنبي أو المتوحش (السياسيّ)؛ والمنافس الذي أصبح خصماً يجب إلغاؤه أو إخضاعه (الاقتصاديّ).
وما إن تتحوّل المسألة إلى مسألة الإنسانيّة عموماً في تصديها للحفاظ على كوكبها الأرضيّ يتوجّب أن نعود إلى المنطق: هذا السلم الرخيص وهذا الأسلوب في تمكين الداخل من التحضر بتصدير العنف وتوجيهه نحو التوحش الخارجيّ لا يمكن أن يتواصل سيره. والإنسانيّة لم يأتها التهديد حقيقة إلّا من نفسها، ومشكلتها الأساسيّة هي المتعلقة بتوحشها الدّاخليّ وبتدهور علاقتها مع محيطها الطبيعيّ الذي هو ذاته، وإلى حدّ بعيد، نتيجة غياب حكمتها.»
يتراءى لنا بازغاً سؤال، سوف نعيد النظر فيه ونطوّره فيما بعد: في هذه الحقبة التي بلغناها من التراكم والترابط والتأثير في المحيط الحيويّ لم يعد مقبولاً فصل النظر إلى الاقتصاد عن النظر إلى الحوكمة، وبصفة أشمل عن تصوّر المجتمع بأكمله. بالمعنى المباشر للكلمة، وإذا قوّمنا التطوّر خلال العشرينيّات الأخيرة، فإنَّ الاقتصاد انتفى وجوده، ولم يعد ثمة وجود إلّا للاقتصاد السياسيّ.
هذا الأسلوب في إعادة قراءة التاريخ، وفي إعادة النظر في ركائز قناعاتنا المزيفة هو الذي سيكون دليلي في تفكيري وسيطبّق على كلّ مكوّنات الاقتصاد، ونحن أكثر المشتركين في هاجس (إعادة) وضع الوسائل في مكانها. وعلى هذا النحو يلاحظ عالِم الاقتصاد البلجيكي برنار لييتر (Bernard Lietaer)([10])، وهو المروّج لفكرة العملات الإقليميّة، في حديثه عن العملة: «المال، نحن من خلقناه، والآن فإنَّه هو الذي يحملنا عبر العالم [...]. لقد آن أوان أن نخال الوجهة التي نريد أن نسير فيها، وإذا كنّا نتوجّه صوب المستدام والحياة المشتركة فيتوجّب علينا حتماً تغيير نظام العملة في هذا الاتّجاه.» ولكنْ المسألة على نحو ما ذهبت تشير إليه هيلويزا پريماڤيرا (Heloisa Primavera) وهي اقتصاديّة أخرى، برازيلية، مروجة لفكرة العملات التكميليّة في الأرجنتين([11])بالقول: «إذا كانت الطريق محفوفة بالفخاخ فمعنى ذلك أنَّ المثال النظريّ الحاليّ لا يتيح لنا تصوّرات ممكنات أخرى.» وإنَّ هذه الاستحالة لتصوّر ممكنات أخرى وهدم قناعات خاطئة هي الركيزة أصلاً لتواصل الأزمة.
وبخصوص هذا الموضوع، أستعيد طرفة تعود إلى الفترة التي كنت فيها مهندس دائرة بڤالنسيان، شمال فرنسا، في إطار وزارة التجهيز. كنت مكلفاً بالخطوط الصالحة للملاحة، وأمام الأزمة الصناعيّة الفظيعة التي كانت تشهدها هذه الدائرة، كنت أبحث على سبل جديدة للتنمية الاقتصاديّة، واقترحت واحداً لم أعد أذكر تفاصيله، عرضته على غرفة التجارة والصناعة لهذه المدينة فأجابتني: «لو كان هذا ممكناً ومثمراً لقام آخرون بإنجازه من قبل!» وهذه الفكرة التي تقول: إمّا أنَّ الأشياء هي كما هي عليه لأنَّها كانت كذلك منذ الأبد، كما كان في القرن التاسع عشر «النظام الأبدي للحقول» الذي نعرف إلى أين انتهى، وإمّا أنَّ كلّ ما كان ممكناً ابتكاره قد ابتكر، إنَّما هي فكرة تمثّل أكبر عائق لبروز بدائل حقيقيّة.
في كتاب الدولة في القلب استعرضت بصحبة أندريه تالمان (André Talmant([12])، في مجال التصرف العموميّ، أهمية أن نحفظ في ذاكرتنا على الدوام الظروف الدقيقة والظرفية التي تحدّدت فيها قاعدة ما، إذ إنَّ هذا الوضع في الإطار هو الذي يسند إليه نسبيتها. وإذا ما طمست ذاكرة ولادتها فإنَّ القاعدة تصبح مطلقة، ولا يعود اختراقها يمثّل ضرورة للتأقلم مع ظروف جديدة وإنَّما السقوط في المحرَّم. قال هايداغر: «أصعب ما في الحياة أن نرى نظاراتنا، إذ من خلالها نرى العالم.» النزعة العلموية والاقتصادوية الراهنة هما مكوّنا هذه النظارات التي يجب أن نتعلم كيف نرى إليها.
إذن، لم تكن خاصّية المجتمع الغربيّ منذ القرن الثالث عشر أن ترى نفسها كعنصر خارجيّ عن الطبيعة، ولكن بالذات في أنَّها جعلت من هذه الرؤيا البعد الكلّي لعلاقتها بها. وهذا ما هو متعارف على تسميته «برنامج روجي بِيكُن (Roger Bacon) ورنيه ديكارت (René Descartes)»، الذي عرض أكثر من مرّة، وسوف أكتفي هنا بمتابعة الفصل المتميّز لدومينيك بورغ (Dominique Bourg) في كتاب العصر الجديد لعلم البيئة([4]) المعنون على صواب: «من الطبيعة المتحكّم فيها إلى الطبيعة المزدراة». تبدأ القصة في القرن الثاني عشر بالشغف المتنامي للتنمية والتداول المنسق للتقنيّات. وتتواصل في القرن الثالث عشر بإقرار بِيكُن «لإمكانيّة اختراع عدد لامتناه من الآلات الجديدة وبالحلم العصريّ بتحكّم تقنيّ للطبيعة يقوم على القوانين التي تحكمها». لقد بلغت ذروتها في أوتوبيا الأتلانتيد الجديدة لفرانسيس بِيكُن في بداية القرن السابع عشر، مع نظرته التي تمزج الحداثة والعجائب التي تعد من خلالها الإنسان بالسيطرة على قوانين الطبيعة و«تعد العقيدة التي تقرّ بأنَّ شبه السلطة المطلقة للعلوم وللتقنيّات سوف يفتح باب السعادة الشاملة». ينهي رنيه ديكارت في كتابه مبادئ الفلسفة باستعراض استعباد الإنسان الفلسفيّ للطبيعة بالتأكيد على أنَّه «لا يوجد أيّ فرق بين الآلات التي يصنعها الحرفيّون ومختلف الأجساد التي تؤلفها الطبيعة وحدها»، ويختم بالقول إنَّ ذلك عن طريق طموح الإنسان للسيطرة الشاملة. «نحن مخولون لنصبح حسب العبارة الشّهيرة لـ مقالة في الطريقة كأسياد للطبيعة وحماة لها». إنَّ هذه هي النظرة غير المتواضعة للإنسان، بل أكثر من ذلك في الآن ذاته، المختصرة لآليات سير المحيط الحيويّ؛ وهذا إن فكّرنا في تعقيد عمل خلية واحدة شكلت خلفية الصورة في الوقت عينه لتمجيد تطوّر المعارف العلميّة وتطوّر التقنيّات حيث مثّلت الميكانيك والكيمياء رمز السيطرة الإنسانيّة. ونلاحظ، إلى الآن، نتائج ذلك في ميدان الزراعة، مثلاً، حيث يصعب إدراج الأنشطة الإنسانيّة في السير العامّ للمحيط الحيويّ.
أمّا التفرّع الكبير الثاني فهو يتعلّق بالمكانة التي يحظى بها تراكم الثروات في سير المجتمعات. فبالنّسبة إلى لاقتصاد والسّوق يتوجّب العودة إلى الفترة ذاتها تقريباً، وإلى المناخ الفكريّ ذاته لثورة العصر الوسيط لتكون الصورة واضحة. في كتابه المميّز بطل العصر الوسيط، القديس والملك([5]) أبرز جاك لوغوف (Jacques Le Goff) كيف ظهر في القرن الثاني عشر، في صلب المسيحية، اهتمام جديد بالحياة الأرضيّة التي لم تعد في صورة مطهر في أفق الحياة الحقيقيّة في الآخرة. وبدأت الثورة الاقتصاديّة والتقنية للقرن الثاني عشر في تطوير الاقتصاد النقديّ. وهذا المجتمع الأرضيّ هو الذي يتوجّب سوسه.
في كتابه الأهواء والمصالح([6]) أبرز ألبرت أوتو هيرشمان (Albert Hirschman)، بمهارة، كيف انتهى تفكير أخلاقيّي العصر الوسيط والنهضة إلى تبرير ثم تمجيد تراكم المنتوجات المادّية. وكان تحليل هؤلاء الأخلاقيّين، الذين يصفهم هيرشمان بالبراغماتيّين أو بالواقعيّين، بسيطاً. فمجتمعاتنا كانت مهددة بالأهواء الإنسانيّة. وبحسب القديس أغوسطين يصنف أخلاقيّو تلك الفترة ثلاثة أهواء هدامة للمجتمع كُموناً: هوى السلطة، السيطرة على الآخرين؛ ثم هوى شهوات الجسد؛ وأخيراً هوى التملك. ويرفض الأخلاقيّون البراغماتيّون بناء المجتمع على قاعدة قمع كلّ هذه الأهواء معاً. وما يبدو لهم ممكناً في السماء لا يبدو كذلك في الأرض. في هذه الظروف يتوجّب ترك الجزء حتّى لا تكون الخسارة كلية، بالسماح للهوى الأقلّ تدميراً للتطوّر الحرّ، أي هوى التملك. ففي الجدلية الأبدية بين الكينونة والتملك يفتح هذا البرنامج الأخلاقيّ الطريق إلى هوى التملك، ثم تدريجاً، عندما نفكّر في مجتمعنا المعاصر، إلى مرحلة يصبح فيها التملك هو شرط الكينونة ذاته. وسوف ينظَّرُ تحرر هوى التملك في فترة الإصلاح البروتستنتيّ ليكون النجاح في الأعمال مكافأة للفضيلة.
إنَّ الربط بين الفضيلة والتراكم هو جوهر ما يسمّيه فرانسوا أوست (François Ost) في كتابه المتميّز حكاية القانون([7])، «المعضلة الطهروية». «المعضلة التي عبّر عنها بطريقة غاية في الوضوح القس جون وِسلَي (John Wesley)، مؤسّس مذهب الميثودية المسيحية (وهي حركة تنادي بالعودة إلى مصادر الكلڤينيّة calvinisme))، وبعده ديفو (Defoe) (كاتب روبنسون كروزو) بوقت قصير في هذه الكلمات «أخشى أنَّه حيث نمت الخيرات يعرف مبدأ الديانة تقلصاً بالنّسبة ذاتها [. . .]، إذ على الديانة أن تنتج ضرورةً الصّناعة والزهد اللذين بدورهما ينتجان الثروة. وعندما تتطوّر الثروة تتطوّر معها الأنانيّة والنزق وحب الدنيا في كلّ أشكالها.»
في المستوى الذي نحن فيه حيث ارتباطاتنا المتبادلة، لم تعد الإنسانيّة مفهوماً فلسفيّاً ولا حتّى مفهوماً قانونيّاً ولكن حقيقة اجتماعيّة غير مباشرة. يتوجّب الرجوع إلى انعطافة العصر الوسيط لنتساءل عمّا إذا لم يكن شغف التراكم أكثر هدماً من العنصرين الآخرين، كما يتوجّب الرجوع إلى التساؤل الأنتروپولوجيّ الخالص حول السيطرة على الأهواء وعلى العنف الكامنين فينا. وهذا هو السؤال نفسه الذي يعالجه على صعيد آخر پاتريك ڤيڤريه في بحثه الديمقراطيّة والهوى والحدود([8])، والذي أعاد صياغته أخيراً في كتاب إعادة النظر في الثروة([9]). أستشهدُ به: «إن العنف بين البشر هو مصدر كلّ الاختراعات الهادفة إلى بناء الفضاءات التي سادها السلام حتّى عندما لا يحب الناس بعضهم بعضاً [...]. وتقودنا نتائج العولمة ممزوجة مع نتائج التغيير المعلوماتيّ والثورة في عالم الحيّ لإعادة فحص، من الأساس، معنى هذه الأحابيل المحِلّة للسلام. ذلك أنَّ إحلال السلام بواسطة الدينيّ والاقتصاديّ والسياسيّ يبقى ممكناً بفعل صب العدوانيّة على الخارج: الكافر أو صاحب البدعة (الدينيّ)؛ والأجنبي أو المتوحش (السياسيّ)؛ والمنافس الذي أصبح خصماً يجب إلغاؤه أو إخضاعه (الاقتصاديّ).
وما إن تتحوّل المسألة إلى مسألة الإنسانيّة عموماً في تصديها للحفاظ على كوكبها الأرضيّ يتوجّب أن نعود إلى المنطق: هذا السلم الرخيص وهذا الأسلوب في تمكين الداخل من التحضر بتصدير العنف وتوجيهه نحو التوحش الخارجيّ لا يمكن أن يتواصل سيره. والإنسانيّة لم يأتها التهديد حقيقة إلّا من نفسها، ومشكلتها الأساسيّة هي المتعلقة بتوحشها الدّاخليّ وبتدهور علاقتها مع محيطها الطبيعيّ الذي هو ذاته، وإلى حدّ بعيد، نتيجة غياب حكمتها.»
يتراءى لنا بازغاً سؤال، سوف نعيد النظر فيه ونطوّره فيما بعد: في هذه الحقبة التي بلغناها من التراكم والترابط والتأثير في المحيط الحيويّ لم يعد مقبولاً فصل النظر إلى الاقتصاد عن النظر إلى الحوكمة، وبصفة أشمل عن تصوّر المجتمع بأكمله. بالمعنى المباشر للكلمة، وإذا قوّمنا التطوّر خلال العشرينيّات الأخيرة، فإنَّ الاقتصاد انتفى وجوده، ولم يعد ثمة وجود إلّا للاقتصاد السياسيّ.
هذا الأسلوب في إعادة قراءة التاريخ، وفي إعادة النظر في ركائز قناعاتنا المزيفة هو الذي سيكون دليلي في تفكيري وسيطبّق على كلّ مكوّنات الاقتصاد، ونحن أكثر المشتركين في هاجس (إعادة) وضع الوسائل في مكانها. وعلى هذا النحو يلاحظ عالِم الاقتصاد البلجيكي برنار لييتر (Bernard Lietaer)([10])، وهو المروّج لفكرة العملات الإقليميّة، في حديثه عن العملة: «المال، نحن من خلقناه، والآن فإنَّه هو الذي يحملنا عبر العالم [...]. لقد آن أوان أن نخال الوجهة التي نريد أن نسير فيها، وإذا كنّا نتوجّه صوب المستدام والحياة المشتركة فيتوجّب علينا حتماً تغيير نظام العملة في هذا الاتّجاه.» ولكنْ المسألة على نحو ما ذهبت تشير إليه هيلويزا پريماڤيرا (Heloisa Primavera) وهي اقتصاديّة أخرى، برازيلية، مروجة لفكرة العملات التكميليّة في الأرجنتين([11])بالقول: «إذا كانت الطريق محفوفة بالفخاخ فمعنى ذلك أنَّ المثال النظريّ الحاليّ لا يتيح لنا تصوّرات ممكنات أخرى.» وإنَّ هذه الاستحالة لتصوّر ممكنات أخرى وهدم قناعات خاطئة هي الركيزة أصلاً لتواصل الأزمة.
وبخصوص هذا الموضوع، أستعيد طرفة تعود إلى الفترة التي كنت فيها مهندس دائرة بڤالنسيان، شمال فرنسا، في إطار وزارة التجهيز. كنت مكلفاً بالخطوط الصالحة للملاحة، وأمام الأزمة الصناعيّة الفظيعة التي كانت تشهدها هذه الدائرة، كنت أبحث على سبل جديدة للتنمية الاقتصاديّة، واقترحت واحداً لم أعد أذكر تفاصيله، عرضته على غرفة التجارة والصناعة لهذه المدينة فأجابتني: «لو كان هذا ممكناً ومثمراً لقام آخرون بإنجازه من قبل!» وهذه الفكرة التي تقول: إمّا أنَّ الأشياء هي كما هي عليه لأنَّها كانت كذلك منذ الأبد، كما كان في القرن التاسع عشر «النظام الأبدي للحقول» الذي نعرف إلى أين انتهى، وإمّا أنَّ كلّ ما كان ممكناً ابتكاره قد ابتكر، إنَّما هي فكرة تمثّل أكبر عائق لبروز بدائل حقيقيّة.
في كتاب الدولة في القلب استعرضت بصحبة أندريه تالمان (André Talmant([12])، في مجال التصرف العموميّ، أهمية أن نحفظ في ذاكرتنا على الدوام الظروف الدقيقة والظرفية التي تحدّدت فيها قاعدة ما، إذ إنَّ هذا الوضع في الإطار هو الذي يسند إليه نسبيتها. وإذا ما طمست ذاكرة ولادتها فإنَّ القاعدة تصبح مطلقة، ولا يعود اختراقها يمثّل ضرورة للتأقلم مع ظروف جديدة وإنَّما السقوط في المحرَّم. قال هايداغر: «أصعب ما في الحياة أن نرى نظاراتنا، إذ من خلالها نرى العالم.» النزعة العلموية والاقتصادوية الراهنة هما مكوّنا هذه النظارات التي يجب أن نتعلم كيف نرى إليها.
Page 8
لماذا لم يتطوّر منظورنا لأسس الاقتصاد إلّا قليلاً طوال قرنين؟ لقد عرفت العلوم من ناحيتها خلال هذه الفترة عدّة ثورات، ولكنَّ الاقتصاد لم يعرف ذلك. في تقديري، وسوف أفسّر ذلك مطوّلاً فيما بعد، لأنَّ الاقتصاد هو أقرب إلى كونه إيديولوجيا وعقيدة ومؤسّسات منه علماً. إنَّ الاقتصاد، مثله مثل الدولة، لم ينتج مجرّد موادّ تدريس جامعيّة، هي بطبيعتها معيقة للتغيير، بل أنتج مؤسسات وشركات وبنوكاً لها مصالحها الذاتيّة المنصهرة في الحالة الراهنة للأشياء، وأكثر من ذلك أيضاً، هي تسهم بطبيعتها، إذا جاز لي القول، في تجميد العقيدة بإدماجها في أسس هياكل فكريّة ديدنها هي ذاتها أن تدوم طويلاً. وتبدو آلية التصلّب هذه، لما سأطلق عليه فيما بعد الترتيبات المؤسّسيّة، عاكسة بشكل جيّد للأسباب التي تجعل الأفكار تتطوّر ببطء عندما يتعلّق الأمر بالمجتمع ذاته. إنَّ علم الاقتصاد الحاليّ هو تقريباً للحفظ غوق رفّ الإيدولوجيات أكثر منه للحفظ فوق رفّ العلوم كما يبرزه منذ بضعة عقود إخضاع الدراسات التجريبيّة لصياغات شكليّة أو حتّى شكلاويّة. في هذه الظروف، ما ينقص في أغلب الأحيان، هو إعادة فحص المرتكزات العقائدية.
إن الترتيبات المؤسّسيّة، كما المذاهب، تصمد إلى ما يتجاوز الزمن الذي كانت تملك فيه كلّ معناها، وهو ما يفسّر الاختلالات التي أسلفنا تسجيلها، بين الوقائع والمفاهيم والمؤسّسات. وبالفعل، فإنَّ النظام المتماسك الذي استقر في مكانه في ظرفية معيّنة يجعل مختلف العناصر تتثبت بعضها ببعضها الآخر: التربية، والفروع العلميّة الجامعيّة، ومنظومة القواعد، وأنظمة القياس، وأنماط التفاوض.
في الصّين، التي تمثّل في الوقت الحاضر الحدّ الأقصى لما كنّا نسمّيه قديماً المعاصرة، «حلّت الشموليّة التقنية محلّ الشموليّة السياسيّة» بحسب عبارة لمؤرخ صينيّ شارك في شهر نيسان/أبريل، عام2004، في منتدى حول الحوكمة. يمثّل ذلك ثمرة تزاوج بين التقليد الإمبراطوريّ للسلطة المعاد تحديثه بصورة النظام الشيوعيّ وتقليد قرن الأنوار الذي يضع العلوم والتقنيّات فوق القوانين. لقد نقل لي صديقي، شِنّيوغوانغ (Chen Yue Guang)، الأمين العامّ للمؤسّسة من أجل تقدّم الشبيبة الصّينيّة، في ربيع العام2004، نقاشاته مع نائب وزير أوّل سابق في الثمانينيّات من العمر كان يقول له بأنَّه مسكون على الدوام بثلاثة أسئلة:
–ما معنى أن تكون إنساناً؟
–ماذا يمكن أن يكون دور المثقفين في الحقبة الحاليّة؟
–أي نظام نختار للصين؟
وإذا أحللنا «العالم» محلّ «بالعالم» فإنَّ اهتماماته هي اهتماماتي. ما معنى إنسان عندما تكون الإنسانيّة مشروعاً للبناء، عندما يتوجّب اختراع سبل أخرى غير العنف الخارجيّ وشغف التراكم لإرضاء أهوائنا وعنفنا الدّاخليّ؟
وفعلاً، ما معنى إنسان، إذا لم يكن رفض أن تصبح أعمال إنسانيّة للغاية مثل العلم والسّوق الاسم الجديد للقدر؟ ما معنى إنسان إذا لم يكن الارتباط مع آخرين ليكونوا في مستوى التحدّيات؟
ما هو دور المثقفين؟ إذا لم يكن تحشيد ما تعلمناه من الحياة ومن التفكير، من الكتب، من هذا الخزّان الهائل للمعارف والتجارب المتوافرة لدى الإنسانيّة للتجرؤ على الخروج من الدروب المطروقة من دون التخلي عن الصرامة والزهد في تفسير الأحداث المزدوجة على الدوام، والمتناقضة، أحياناً والتي تمنعنا من التبسيطات الواهمة.
أي نظام نختار للعالم؟ إذا لم تكن إعادة إنشاء الآفاق من خلال الدروب الحاليّة؟
هذا العمل، وهذا البناء لرؤية، يتوجّب أن يتوجّه في الوقت ذاته إلى الفكر والروح، وهي واحدة من الصعوبات. فالبناءات الرمزية لها أهمية الأحداث الملموسة ذاتها لأنَّها هي التي تعطيها معناها. يبرز جاك لوغوف (Jacques Le Goff)، في خصوص القرن الثالث عشر، دور الأماثيل التي روجها المبشرون. الأماثيل، هذه الحكايات الصغيرة، المختلقة في الغالب وعلى الأرجح، والتي تضع عبارات في أفواه أبطال الزمان، مثل «القديس لويس» ملك فرنسا لويس التاسع (Saint Louis)، وتضع إخراجاً لأوضاع معيّنة. وهي تسمح بتمرير رؤية ورسالة إلى العالم. لقد كانت مثل هذه الحكايات المثقِّفة، في فرنسا تحت الجمهورية الثالثة وإلى حدّ أقلّ في الجمهورية الرابعة، أيّام طفولتي، تلعب دوراً في بناء الشعور الوطنيّ. ومن الأكيد أنَّه علينا في سياق العقود المقبلة، أن نعدّ أماثيل من هذا القبيل، في ما يخص بناء المجموعة العالميّة حول فكرة أنَّ الترابط مع الطبيعة وبين البشر يثطرح علينا واجبات.
ولإعادة البناء التدريجيّ لنظام متوافق مع حالة العالم الراهنة يتوجّب الإقدام على عملية تهديم ثم بناء لمختلف عناصر النظام الحاليّ. وسوف أتناول أربعة أمثلة لملامستها قبل التعمق بها فيما بعد.
بداية مثال المنشأة. نحن نرى أمام أعيننا كيف تطوّر المفهوم منذ نحو خمسين سنة. فقد مررنا تدريجاً من الأنظمة الكبيرة المدمجة حيث تلتقط المنشأة القيمة المضافة بإدماج أعلاها وأسفلها في نظام شبكي؛ فمن جهة، تطلب المنشأة من خارجها ما يلزمها من خدمات في مجال الاستشارات، والصيانة والمعلوماتيّة وخدمات مختبرات الأبحاث، وصائدي رؤوس لتلبية حاجات الاستخدام، ومكاتب الإيداع تسهيلاً للخطط الاجتماعيّة، و/أو، من جهة أخرى، توزِّع القسم الأساسيّ من الإنتاج المادّي على عدد لا يحصى من صغار المقاولين. وقد أتاح هذا الوضع الحديث عن «منشآت فارغة» بمعنى أنَّ بعضها أصبح يشبه مكاتب متخصصة في شؤون التنظيم. هل نحن لا نزال أمام منشآت بالمعنى التقليديّ للكلمة أم إزاء نظام مترابط للإنتاج الشبكي؟ وهل لاتزال كياناً، وجسماً اجتماعيّاً بهويته القوية أم أنَّ هذه الهوية تختزل في صدقية وعلامة وبنية تقنيّة تجاريّة وماليّة؟ وهل ينتظم تضامن في العمل حول المنشأة أم حول قبائل مهنيّة؟
المثال الثاني، العملة. تقليديّاً، تؤدّي العملة ثلاث وظائف: وسيلة دفع، وحدة حساب واحتياطيّ قيمة. ألا يدفع تطوّر الأنظمة الفنّية إلى فصل هذه الوظائف، فتصبح كلّ واحدة منها مدعوة عاجلاً أم أجلاً لتمارس وظيفتها حسب صيغ خصوصيّة في الوقت ذاته الذي تذوب فيه الحواجز إلى حدّ انتفائها بين العملة كاختصاص أنيط تقليديّاً بالقوة العامّة، وبين الماليّة كقطاع تقليديّ للنشاط الخاصّ؟
إن الترتيبات المؤسّسيّة، كما المذاهب، تصمد إلى ما يتجاوز الزمن الذي كانت تملك فيه كلّ معناها، وهو ما يفسّر الاختلالات التي أسلفنا تسجيلها، بين الوقائع والمفاهيم والمؤسّسات. وبالفعل، فإنَّ النظام المتماسك الذي استقر في مكانه في ظرفية معيّنة يجعل مختلف العناصر تتثبت بعضها ببعضها الآخر: التربية، والفروع العلميّة الجامعيّة، ومنظومة القواعد، وأنظمة القياس، وأنماط التفاوض.
في الصّين، التي تمثّل في الوقت الحاضر الحدّ الأقصى لما كنّا نسمّيه قديماً المعاصرة، «حلّت الشموليّة التقنية محلّ الشموليّة السياسيّة» بحسب عبارة لمؤرخ صينيّ شارك في شهر نيسان/أبريل، عام2004، في منتدى حول الحوكمة. يمثّل ذلك ثمرة تزاوج بين التقليد الإمبراطوريّ للسلطة المعاد تحديثه بصورة النظام الشيوعيّ وتقليد قرن الأنوار الذي يضع العلوم والتقنيّات فوق القوانين. لقد نقل لي صديقي، شِنّيوغوانغ (Chen Yue Guang)، الأمين العامّ للمؤسّسة من أجل تقدّم الشبيبة الصّينيّة، في ربيع العام2004، نقاشاته مع نائب وزير أوّل سابق في الثمانينيّات من العمر كان يقول له بأنَّه مسكون على الدوام بثلاثة أسئلة:
–ما معنى أن تكون إنساناً؟
–ماذا يمكن أن يكون دور المثقفين في الحقبة الحاليّة؟
–أي نظام نختار للصين؟
وإذا أحللنا «العالم» محلّ «بالعالم» فإنَّ اهتماماته هي اهتماماتي. ما معنى إنسان عندما تكون الإنسانيّة مشروعاً للبناء، عندما يتوجّب اختراع سبل أخرى غير العنف الخارجيّ وشغف التراكم لإرضاء أهوائنا وعنفنا الدّاخليّ؟
وفعلاً، ما معنى إنسان، إذا لم يكن رفض أن تصبح أعمال إنسانيّة للغاية مثل العلم والسّوق الاسم الجديد للقدر؟ ما معنى إنسان إذا لم يكن الارتباط مع آخرين ليكونوا في مستوى التحدّيات؟
ما هو دور المثقفين؟ إذا لم يكن تحشيد ما تعلمناه من الحياة ومن التفكير، من الكتب، من هذا الخزّان الهائل للمعارف والتجارب المتوافرة لدى الإنسانيّة للتجرؤ على الخروج من الدروب المطروقة من دون التخلي عن الصرامة والزهد في تفسير الأحداث المزدوجة على الدوام، والمتناقضة، أحياناً والتي تمنعنا من التبسيطات الواهمة.
أي نظام نختار للعالم؟ إذا لم تكن إعادة إنشاء الآفاق من خلال الدروب الحاليّة؟
هذا العمل، وهذا البناء لرؤية، يتوجّب أن يتوجّه في الوقت ذاته إلى الفكر والروح، وهي واحدة من الصعوبات. فالبناءات الرمزية لها أهمية الأحداث الملموسة ذاتها لأنَّها هي التي تعطيها معناها. يبرز جاك لوغوف (Jacques Le Goff)، في خصوص القرن الثالث عشر، دور الأماثيل التي روجها المبشرون. الأماثيل، هذه الحكايات الصغيرة، المختلقة في الغالب وعلى الأرجح، والتي تضع عبارات في أفواه أبطال الزمان، مثل «القديس لويس» ملك فرنسا لويس التاسع (Saint Louis)، وتضع إخراجاً لأوضاع معيّنة. وهي تسمح بتمرير رؤية ورسالة إلى العالم. لقد كانت مثل هذه الحكايات المثقِّفة، في فرنسا تحت الجمهورية الثالثة وإلى حدّ أقلّ في الجمهورية الرابعة، أيّام طفولتي، تلعب دوراً في بناء الشعور الوطنيّ. ومن الأكيد أنَّه علينا في سياق العقود المقبلة، أن نعدّ أماثيل من هذا القبيل، في ما يخص بناء المجموعة العالميّة حول فكرة أنَّ الترابط مع الطبيعة وبين البشر يثطرح علينا واجبات.
ولإعادة البناء التدريجيّ لنظام متوافق مع حالة العالم الراهنة يتوجّب الإقدام على عملية تهديم ثم بناء لمختلف عناصر النظام الحاليّ. وسوف أتناول أربعة أمثلة لملامستها قبل التعمق بها فيما بعد.
بداية مثال المنشأة. نحن نرى أمام أعيننا كيف تطوّر المفهوم منذ نحو خمسين سنة. فقد مررنا تدريجاً من الأنظمة الكبيرة المدمجة حيث تلتقط المنشأة القيمة المضافة بإدماج أعلاها وأسفلها في نظام شبكي؛ فمن جهة، تطلب المنشأة من خارجها ما يلزمها من خدمات في مجال الاستشارات، والصيانة والمعلوماتيّة وخدمات مختبرات الأبحاث، وصائدي رؤوس لتلبية حاجات الاستخدام، ومكاتب الإيداع تسهيلاً للخطط الاجتماعيّة، و/أو، من جهة أخرى، توزِّع القسم الأساسيّ من الإنتاج المادّي على عدد لا يحصى من صغار المقاولين. وقد أتاح هذا الوضع الحديث عن «منشآت فارغة» بمعنى أنَّ بعضها أصبح يشبه مكاتب متخصصة في شؤون التنظيم. هل نحن لا نزال أمام منشآت بالمعنى التقليديّ للكلمة أم إزاء نظام مترابط للإنتاج الشبكي؟ وهل لاتزال كياناً، وجسماً اجتماعيّاً بهويته القوية أم أنَّ هذه الهوية تختزل في صدقية وعلامة وبنية تقنيّة تجاريّة وماليّة؟ وهل ينتظم تضامن في العمل حول المنشأة أم حول قبائل مهنيّة؟
المثال الثاني، العملة. تقليديّاً، تؤدّي العملة ثلاث وظائف: وسيلة دفع، وحدة حساب واحتياطيّ قيمة. ألا يدفع تطوّر الأنظمة الفنّية إلى فصل هذه الوظائف، فتصبح كلّ واحدة منها مدعوة عاجلاً أم أجلاً لتمارس وظيفتها حسب صيغ خصوصيّة في الوقت ذاته الذي تذوب فيه الحواجز إلى حدّ انتفائها بين العملة كاختصاص أنيط تقليديّاً بالقوة العامّة، وبين الماليّة كقطاع تقليديّ للنشاط الخاصّ؟
Page 9
المثال الثالث: البضائع والخدمات. لقد تعودنا التفريق بين الخدمات العموميّة التي ترجع في غالب الأحيان إلى السلطات العامّة، والخدمات للأشخاص أو الموادّ للاستعمال الشخصيّ التي تعود بالأحرى لدور القطاع الخاصّ. ولكن أليس من اللازم النظر في الأشياء اليوم من منظور مغاير تماماً يجري التمييز بموجبه بين أربع فئات من الخدمات: الموادّ والخدمات التي تتلاشى إذا اقتسمت؛ وتلك التي يمكن تقسيمها عند توزّعها ولكنَّها ليست ثمرة إبداع إنسانيّ إلّا قليلاً؛ وتلك التي يمكن تقسيمها عند توزّعها وهي في الجوهر ثمرة الإبداع الإنسانيّ؛ وأخيراً تلك التي تتكاثر عند توزّعها؟ كلّ واحد من هذه الأصناف تحكمها، في تقديري، رؤى مختلفة للإنتاج والتوزيع.
والمثال الأخير، رأس المال. إذا كنا، للتقليص إلى أقصى حدّ من تدفّق الموادّ، متجهين، وهذا هو تفكيري، نحو ما يسمّيه بعضهم «مجتمع الاستعمال» (functional economy) أي نحو بناء مؤسّسيّ مختلف للغاية عن الموجود حاليّاً، فهل لايزال التمييز بين رأس المال العموميّ المرتبط بالبنية التحتية ورأس المال الخاصّ المرتبط بالأنشطة الإنتاجيّة يتفق مع الواقع الراهن؟
لا شيء محسوماً، ويتوجّب الانتباه لكلّ ما يتحرّك، يطفو، يُخترع، هذا هو الشعار.
4. لكلّ حقبة فاعلوها المحوريّون
في كلّ حقبة من تاريخ المجتمع يمكن توصيف هذا الأخير على أنَّه منظومة طبيعيّة-اجتماعيّة-تقنيّة، وتضافر متناسق أو متنافر إلى حدّ ما لثلاثة أنظمة فرعية.
الأوّل، النظام الحيويّ-البيئيّ، يصف العلاقات بين المجتمع وبقية المحيط الحيويّ، وكذلك حجم الاقتطاعات من المحيط الحيويّ وطبيعتها، كما وحجم الإعادات وطبيعتها، في كلمة طريقة إدماج الأنشطة الإنسانيّة في الأنظمة البيئيّة. وكما يذكّرنا به التاريخ فإنَّ بقاء أيّ حضارة على المدى البعيد يتوقف على نوعيّة هذا الإدماج.
الثاني، النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ، يصف تنظيم المجتمع، ثقافته، قِيَمَهُ، مفهومه للعالم، مؤسساته، تنظيمه السياسيّ والاجتماعيّ، وتكوين فاعلين جمعيّين في صلبه، وما أطلقت عليه اسم «الترتيبات المؤسّسيّة»، وأنظمة العيش والإنتاج والاستهلاك والتبادل. في هذا النظام الاقتصاديّ الاجتماعيّ نسمّي «حوكمة» مجموع الترتيبات التي وضعها المجتمع للحفاظ على السلم والتآلف الاجتماعيّين لتأطير الأهواء وتنظيم الحياة الجمعيّة وتحقيق التنمية.
النظام الفرعي الثالث، وهو النظام التقنيّ الذي يصف مجموع التقنيّات التي توضع حيّز التطبيق في المجتمع؛ وقد اخترت أن أعطي هذا النظام تلك الصفة وأن أعزله. إعطاؤه صفة النظام، محتذياً حذو برتران جيلّ (Bertrand Gille) ([13]) وتييري غودان (Thierry Gaudin) وآخرين أيضاً، للتذكير بأنَّ التقنيّات ليست مستقلة الواحدة عن الأخرى، وإنَّما ارتباطها يكوّن بالتحديد نظاماً. اخترت أن أعزله بتمييزه عن النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ لتأكيد أهميته أوّلاً، وبعد ذلك استقلاليّته النسبية، إذ إنَّ له بحسب اعتقادي ديناميكيَّتَهُ الخاصّة.
العلاقات المتداخلة بين هذه الأنظمة الفرعية الثلاثة هي متعدّدة الأشكال خصوصاً وإنَّ الاقتصاد يؤثر في النظام التقني ويتأثر به، والنظام التقنيّ يؤثر في النظام الطبيعيّ البيئيّ ويتأثر به.
أمّا الطرح الذي أستخلصه من استعراض للتاريخ، والذي أستحضره هنا لأنَّه محدِّد لما سيتبع، فهو أنَّه عند كلّ حقبة، وتبعاً لتطوّر نظامه التقنيّ فإنَّ كلّ مجتمع يتميّز بترتيبات مؤسّسيّة خاصّة يبرز في صلبها ما أسمّيه «الفاعل المحوريّ»، وهذا الفاعل ليس بالضرورة الأقوى أو الأبرز، ولكن حوله يتماسك النظام.
والمثال الأخير، رأس المال. إذا كنا، للتقليص إلى أقصى حدّ من تدفّق الموادّ، متجهين، وهذا هو تفكيري، نحو ما يسمّيه بعضهم «مجتمع الاستعمال» (functional economy) أي نحو بناء مؤسّسيّ مختلف للغاية عن الموجود حاليّاً، فهل لايزال التمييز بين رأس المال العموميّ المرتبط بالبنية التحتية ورأس المال الخاصّ المرتبط بالأنشطة الإنتاجيّة يتفق مع الواقع الراهن؟
لا شيء محسوماً، ويتوجّب الانتباه لكلّ ما يتحرّك، يطفو، يُخترع، هذا هو الشعار.
4. لكلّ حقبة فاعلوها المحوريّون
في كلّ حقبة من تاريخ المجتمع يمكن توصيف هذا الأخير على أنَّه منظومة طبيعيّة-اجتماعيّة-تقنيّة، وتضافر متناسق أو متنافر إلى حدّ ما لثلاثة أنظمة فرعية.
الأوّل، النظام الحيويّ-البيئيّ، يصف العلاقات بين المجتمع وبقية المحيط الحيويّ، وكذلك حجم الاقتطاعات من المحيط الحيويّ وطبيعتها، كما وحجم الإعادات وطبيعتها، في كلمة طريقة إدماج الأنشطة الإنسانيّة في الأنظمة البيئيّة. وكما يذكّرنا به التاريخ فإنَّ بقاء أيّ حضارة على المدى البعيد يتوقف على نوعيّة هذا الإدماج.
الثاني، النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ، يصف تنظيم المجتمع، ثقافته، قِيَمَهُ، مفهومه للعالم، مؤسساته، تنظيمه السياسيّ والاجتماعيّ، وتكوين فاعلين جمعيّين في صلبه، وما أطلقت عليه اسم «الترتيبات المؤسّسيّة»، وأنظمة العيش والإنتاج والاستهلاك والتبادل. في هذا النظام الاقتصاديّ الاجتماعيّ نسمّي «حوكمة» مجموع الترتيبات التي وضعها المجتمع للحفاظ على السلم والتآلف الاجتماعيّين لتأطير الأهواء وتنظيم الحياة الجمعيّة وتحقيق التنمية.
النظام الفرعي الثالث، وهو النظام التقنيّ الذي يصف مجموع التقنيّات التي توضع حيّز التطبيق في المجتمع؛ وقد اخترت أن أعطي هذا النظام تلك الصفة وأن أعزله. إعطاؤه صفة النظام، محتذياً حذو برتران جيلّ (Bertrand Gille) ([13]) وتييري غودان (Thierry Gaudin) وآخرين أيضاً، للتذكير بأنَّ التقنيّات ليست مستقلة الواحدة عن الأخرى، وإنَّما ارتباطها يكوّن بالتحديد نظاماً. اخترت أن أعزله بتمييزه عن النظام الاقتصاديّ-الاجتماعيّ لتأكيد أهميته أوّلاً، وبعد ذلك استقلاليّته النسبية، إذ إنَّ له بحسب اعتقادي ديناميكيَّتَهُ الخاصّة.
العلاقات المتداخلة بين هذه الأنظمة الفرعية الثلاثة هي متعدّدة الأشكال خصوصاً وإنَّ الاقتصاد يؤثر في النظام التقني ويتأثر به، والنظام التقنيّ يؤثر في النظام الطبيعيّ البيئيّ ويتأثر به.
أمّا الطرح الذي أستخلصه من استعراض للتاريخ، والذي أستحضره هنا لأنَّه محدِّد لما سيتبع، فهو أنَّه عند كلّ حقبة، وتبعاً لتطوّر نظامه التقنيّ فإنَّ كلّ مجتمع يتميّز بترتيبات مؤسّسيّة خاصّة يبرز في صلبها ما أسمّيه «الفاعل المحوريّ»، وهذا الفاعل ليس بالضرورة الأقوى أو الأبرز، ولكن حوله يتماسك النظام.
Page 10
لماذا هذا الاهتمام بالترتيبات المؤسّسيّة وبالفاعلين المحوريّين؟ لأنّي لا أرى الاقتصاد كمجموعة قوانين مجردة تنطبق على «أعوان اقتصاديّين» –منتجين، مستهلكين، مدّخرين...– قابلين للاستبدال ومن دون أسماء، ولكن كجملة من الإجراءات والقواعد المؤدّية أنماطاً من العلاقات في صُلب هذه الترتيبات. إذّاك يصبح فهم التطوّر التاريخيّ لهذه الترتيبات أمراً أساسيّاً.
في الأبحاث المتعلقة بالأنظمة التقنيّة يجري تمييز كلّ حقبة بالوقت والمسافة والطّاقة والإعلام. الوقت معناه وحدات الوقت الدنيا والقصوى التي نتحكّم فيها؛ المسافة معناها مستوى التفصيل الذي بالإمكان وُلوجه لفهم المادّة والتأثير فيها؛ الطّاقة معناها مصادر الطّاقة؛ الإعلام معناه القدرات على تداول المعلومة ومعالجتها. لقد ولجنا حقبة وقت الذبذبات الذرية؛ والمسافات تذهب من البَيْذرّي مع تكنولوجيات الأجزاء البليونية (nanotechnologie) إلى البَيفَلَكي لغزو الفضاء؛ حيث الطّاقة طاقة الانصهار النوويّ؛ وحيث الثورة الإعلامية تسمح بتداول كميّات هائلة من المعلومات ومعالجتها في وقت حقيقيّ.
لا أعتقد أنَّ كلّ حالة للنظام التقنيّ تتوافق مع أنموذج واحد فقط للترتيب المؤسّسيّ دون سواه. وعلى سبيل المثال، فإنَّ روبير بوايي (Robert Boyer) في نصّه المعنون: السياسة في عصر العولمة والمال([14]) يقوم داخل البلدان المصنّعة من قبل، وبالنّسبة إلى طور التنمية الصناعيّة الذي أطلق عليه طور «التسوية الفوردية» وحيث كان السؤال المركزيّ يتعلّق باقتسام ثمار التنمية بين رأس المال والعمل، بالتمييز بين أربعة ترتيبات مؤسّسيّة كبرى، فيسمّيها الأنماط التنظيميّة الكبرى الأربعة.
الأوّل، التنظيم التجاريّ، هو ميزة الولايات المتّحدة: المنطق التجاريّ هو المبدأ المنظم لكلّ الأشكال المؤسّسيّة تقريباً.
الثاني، التنظيم الحرفيّ، هو ميزة الرأسماليّة اليابانيّة: وتسيطر عليه منشآت كبرى تنظم في صلبه حركيّة رأس المال والمهارات والأجراء.
الثالث، التنظيم العموميّ، وتتميّز به فرنسا: الدورة الاقتصاديّة تشكلها إلى حدّ بعيد التدخلات العموميّة.
الرابع، أخيراً، التنظيم الديمقراطيّ-الاجتماعيّ، المميز للبلدان الإسكنديناڤية وبدرجة أقلّ ألمانيا؛ ويرتكز النظام على التفاوض، بين الأفرقاء الاجتماعيّين، أرباب العمل والنقابات، لتحديد قواعد تنظم إلى حدّ كبير المجتمع والاقتصاد.
هذه الفروق أساسيّة لتلافي السقوط في ضرب من القدرية اللازمانيّة واللاثقافية للأنظمة التقنيّة والاقتصاديّة والبيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. على أنَّه واضح من خلال حالات التنظيم الأربع في القرن العشرين كيف تبرز المنشأة الكبرى باعتبارها فاعلاً محوريّاً. فحولها، سواء أكانت عموميّة أم خاصّة، تتهيكل الترتيبات المؤسّسيّة. وهي التي تنظم، في إطار النظام التقنيّ لعصرها، التحشيد المتزامن لعناصر الإنتاج المادّي بقاعدتها الميكانيكيّة والكيميائيّة، ولعدد هائل من الأيدي العاملة الضروريّة لإنتاج وفورات الحجم[15]*، وهي تتطلب، في المقابل، توحيداً للأسواق لتضمن لنفسها منافذ كافية. ومن ثمة دور الدولة المنظم، والتسويات الاجتماعيّة والسياسيّة الضروريّة لتلافي أن تتحوّل القوة المتولدة عن مثل هذا التركز للأيدي العاملة إلى ثورة اجتماعيّة.
خلال الخمسين عاماً الأخيرة، استحقت الشركة العابرة للقوميّات (شعقTransnational Corporation-TNC) بأتمّ معنى الكلمة، لقب المحوريّ بمعنى أنَّها، وإن كانت تمثّل نسبة ضئيلة من النشاط الاقتصاديّ الإجماليّ، فإنَّ قدرتها على تنظيم تدخل الفاعلين الآخرين حولها كبيرة، وهو ما يفسّر أنَّها تجتذب، بالإيجابي وبالسلبي، كلّ الأنظار.
لدعم هذه القناعة سأتّبع، إلى حدّ كبير، المعطيات التي جمعها مارتن وولف، الداعية الكبير للإجماليّة الاقتصاديّة، ورئيس قسم الاقتصاد بالـ فايننشل تايمز، وصاحب كتاب كفاحيّ ضد المناضلين المناهضين للإجماليّة الاقتصاديّة يحمل عنوان: لماذا الإجماليّة الاقتصاديّة ناجعة([16])؟
ليست جديدة المنشآت المعدّة للعمل خارج الإقليم الوطنيّ (أو القوميّ)؛ فشركات الهند الشرقيّة كانت تملك في القرن الثامن عشر حتّى جيوشاً خاصّة، وتسيطر على أراضٍ كاملة، وتتمتّع باحتكارات وامتيازات لا تقاس بمقاييس الشركات المتعدّدة الجنسيّات الحاليّة.
وباستثناء، موقتاً من دون شك، مايكروسوفت (Microsoft)لم تحز أيّ منشأة عابرة للقوميّات موقعاً احتكارياً يمكن مقارنته بما كانت تتمتّع به، في عقود سابقة، منشآت كبرى داخل فضاءات اقتصاديّة قوميّة. وحتّى إذا تحققت تفاهمات بين عدد صغير من المنشآت العالميّة المسيطرة على السوق، فإنَّها تبقى في تنافس في ما بينها.
لنأخذ الخمس عشرة منشأة الحائزة على أكبر قيمة مضافة سنة 2000 تبعاً لحسابات مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (مأمتتUNCTAD-Cnuced): إكسون (Exxon) موبيل (Mobil)، جنرال موتورز (General Motors)، فورد (Ford)، دايملر كرايسلر (Daimler Chrysler)، جنرال إلكتريك (General Electric)، تويوتا (Toyota)، رويال داتش شل (Royal Dutch Shell)، سيمنس (Siemens)، وول مارت (Wal Mart)، فولكسڤاغن (Volkswagen)، هيتاشي (Hitachi)، توتال فينا إلف (Total Fina Elf) وفيريزون كوميونيكايشن (Verizon Communication) (الناشطة في مجال الهاتف النقال). في البترول، وصناعة السيارات، والتوزيع الكبير والصناعات الكهربائية أو الهاتف لا تملك أيّ من تلك المنشآت سيطرة مطلقة على السّوق.
لكن هل لها مواقع مهيمنة بما يكفي لضمان سيادة مستدامة، أو تحقيق نمو أسرع من الآخرين، أو ضمان أرباح فائقة؟ هنا أيضاً تنحو الأرقام إلى إثبات الجواب بالنفي. أذكر مكانة (أي بي إم IBM) قبل أربعين عاماً. لقد كانت في نظرنا، المثال الحقيقيّ للاحتكار العالميّ مع «حاجز دخول» في تجارة المعلوماتيّة الكبيرة، من شأنه أن يحبط، مسبقاً، كلّ منافس محتمل. ونعرف ماذا حدث لها، إذ لم تر آي بي إم في أوانه دور أنظمة التشغيل والريع الذي تحقّق، ولم تقتنع بالصعود الجبّار للحاسوب الصغير فسقطت من عليائها.
تعدّ مجلة ثروة (Fortune) القائمة السنوية لأكبر عشر، وعشرين وخمسين منشأة. في ست سنوات، ثلاث من العشر الأكبر، وتسع وعشرون من الخمسين منشأة الأكبر خسرت، إذا جاز التعبير، نجوماً في دليل ميشلان[17]* (م. وولف، صفحة 226).
هل تمكّنت هذه النجوم العملاقة، أقلّه، من تدعيم مكانتها في العالم منذ الثمانينيّات، وبالخصوص خلال التسعينيّات الشاهدة على سيطرة كاملة للإيدولوجيا الليبرالية، كما وعرفت حركة عامّة لانفتاح الأسواق؟ كلا، حقيقةً.
في الأبحاث المتعلقة بالأنظمة التقنيّة يجري تمييز كلّ حقبة بالوقت والمسافة والطّاقة والإعلام. الوقت معناه وحدات الوقت الدنيا والقصوى التي نتحكّم فيها؛ المسافة معناها مستوى التفصيل الذي بالإمكان وُلوجه لفهم المادّة والتأثير فيها؛ الطّاقة معناها مصادر الطّاقة؛ الإعلام معناه القدرات على تداول المعلومة ومعالجتها. لقد ولجنا حقبة وقت الذبذبات الذرية؛ والمسافات تذهب من البَيْذرّي مع تكنولوجيات الأجزاء البليونية (nanotechnologie) إلى البَيفَلَكي لغزو الفضاء؛ حيث الطّاقة طاقة الانصهار النوويّ؛ وحيث الثورة الإعلامية تسمح بتداول كميّات هائلة من المعلومات ومعالجتها في وقت حقيقيّ.
لا أعتقد أنَّ كلّ حالة للنظام التقنيّ تتوافق مع أنموذج واحد فقط للترتيب المؤسّسيّ دون سواه. وعلى سبيل المثال، فإنَّ روبير بوايي (Robert Boyer) في نصّه المعنون: السياسة في عصر العولمة والمال([14]) يقوم داخل البلدان المصنّعة من قبل، وبالنّسبة إلى طور التنمية الصناعيّة الذي أطلق عليه طور «التسوية الفوردية» وحيث كان السؤال المركزيّ يتعلّق باقتسام ثمار التنمية بين رأس المال والعمل، بالتمييز بين أربعة ترتيبات مؤسّسيّة كبرى، فيسمّيها الأنماط التنظيميّة الكبرى الأربعة.
الأوّل، التنظيم التجاريّ، هو ميزة الولايات المتّحدة: المنطق التجاريّ هو المبدأ المنظم لكلّ الأشكال المؤسّسيّة تقريباً.
الثاني، التنظيم الحرفيّ، هو ميزة الرأسماليّة اليابانيّة: وتسيطر عليه منشآت كبرى تنظم في صلبه حركيّة رأس المال والمهارات والأجراء.
الثالث، التنظيم العموميّ، وتتميّز به فرنسا: الدورة الاقتصاديّة تشكلها إلى حدّ بعيد التدخلات العموميّة.
الرابع، أخيراً، التنظيم الديمقراطيّ-الاجتماعيّ، المميز للبلدان الإسكنديناڤية وبدرجة أقلّ ألمانيا؛ ويرتكز النظام على التفاوض، بين الأفرقاء الاجتماعيّين، أرباب العمل والنقابات، لتحديد قواعد تنظم إلى حدّ كبير المجتمع والاقتصاد.
هذه الفروق أساسيّة لتلافي السقوط في ضرب من القدرية اللازمانيّة واللاثقافية للأنظمة التقنيّة والاقتصاديّة والبيئيّة والاجتماعيّة والسياسيّة. على أنَّه واضح من خلال حالات التنظيم الأربع في القرن العشرين كيف تبرز المنشأة الكبرى باعتبارها فاعلاً محوريّاً. فحولها، سواء أكانت عموميّة أم خاصّة، تتهيكل الترتيبات المؤسّسيّة. وهي التي تنظم، في إطار النظام التقنيّ لعصرها، التحشيد المتزامن لعناصر الإنتاج المادّي بقاعدتها الميكانيكيّة والكيميائيّة، ولعدد هائل من الأيدي العاملة الضروريّة لإنتاج وفورات الحجم[15]*، وهي تتطلب، في المقابل، توحيداً للأسواق لتضمن لنفسها منافذ كافية. ومن ثمة دور الدولة المنظم، والتسويات الاجتماعيّة والسياسيّة الضروريّة لتلافي أن تتحوّل القوة المتولدة عن مثل هذا التركز للأيدي العاملة إلى ثورة اجتماعيّة.
خلال الخمسين عاماً الأخيرة، استحقت الشركة العابرة للقوميّات (شعقTransnational Corporation-TNC) بأتمّ معنى الكلمة، لقب المحوريّ بمعنى أنَّها، وإن كانت تمثّل نسبة ضئيلة من النشاط الاقتصاديّ الإجماليّ، فإنَّ قدرتها على تنظيم تدخل الفاعلين الآخرين حولها كبيرة، وهو ما يفسّر أنَّها تجتذب، بالإيجابي وبالسلبي، كلّ الأنظار.
لدعم هذه القناعة سأتّبع، إلى حدّ كبير، المعطيات التي جمعها مارتن وولف، الداعية الكبير للإجماليّة الاقتصاديّة، ورئيس قسم الاقتصاد بالـ فايننشل تايمز، وصاحب كتاب كفاحيّ ضد المناضلين المناهضين للإجماليّة الاقتصاديّة يحمل عنوان: لماذا الإجماليّة الاقتصاديّة ناجعة([16])؟
ليست جديدة المنشآت المعدّة للعمل خارج الإقليم الوطنيّ (أو القوميّ)؛ فشركات الهند الشرقيّة كانت تملك في القرن الثامن عشر حتّى جيوشاً خاصّة، وتسيطر على أراضٍ كاملة، وتتمتّع باحتكارات وامتيازات لا تقاس بمقاييس الشركات المتعدّدة الجنسيّات الحاليّة.
وباستثناء، موقتاً من دون شك، مايكروسوفت (Microsoft)لم تحز أيّ منشأة عابرة للقوميّات موقعاً احتكارياً يمكن مقارنته بما كانت تتمتّع به، في عقود سابقة، منشآت كبرى داخل فضاءات اقتصاديّة قوميّة. وحتّى إذا تحققت تفاهمات بين عدد صغير من المنشآت العالميّة المسيطرة على السوق، فإنَّها تبقى في تنافس في ما بينها.
لنأخذ الخمس عشرة منشأة الحائزة على أكبر قيمة مضافة سنة 2000 تبعاً لحسابات مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (مأمتتUNCTAD-Cnuced): إكسون (Exxon) موبيل (Mobil)، جنرال موتورز (General Motors)، فورد (Ford)، دايملر كرايسلر (Daimler Chrysler)، جنرال إلكتريك (General Electric)، تويوتا (Toyota)، رويال داتش شل (Royal Dutch Shell)، سيمنس (Siemens)، وول مارت (Wal Mart)، فولكسڤاغن (Volkswagen)، هيتاشي (Hitachi)، توتال فينا إلف (Total Fina Elf) وفيريزون كوميونيكايشن (Verizon Communication) (الناشطة في مجال الهاتف النقال). في البترول، وصناعة السيارات، والتوزيع الكبير والصناعات الكهربائية أو الهاتف لا تملك أيّ من تلك المنشآت سيطرة مطلقة على السّوق.
لكن هل لها مواقع مهيمنة بما يكفي لضمان سيادة مستدامة، أو تحقيق نمو أسرع من الآخرين، أو ضمان أرباح فائقة؟ هنا أيضاً تنحو الأرقام إلى إثبات الجواب بالنفي. أذكر مكانة (أي بي إم IBM) قبل أربعين عاماً. لقد كانت في نظرنا، المثال الحقيقيّ للاحتكار العالميّ مع «حاجز دخول» في تجارة المعلوماتيّة الكبيرة، من شأنه أن يحبط، مسبقاً، كلّ منافس محتمل. ونعرف ماذا حدث لها، إذ لم تر آي بي إم في أوانه دور أنظمة التشغيل والريع الذي تحقّق، ولم تقتنع بالصعود الجبّار للحاسوب الصغير فسقطت من عليائها.
تعدّ مجلة ثروة (Fortune) القائمة السنوية لأكبر عشر، وعشرين وخمسين منشأة. في ست سنوات، ثلاث من العشر الأكبر، وتسع وعشرون من الخمسين منشأة الأكبر خسرت، إذا جاز التعبير، نجوماً في دليل ميشلان[17]* (م. وولف، صفحة 226).
هل تمكّنت هذه النجوم العملاقة، أقلّه، من تدعيم مكانتها في العالم منذ الثمانينيّات، وبالخصوص خلال التسعينيّات الشاهدة على سيطرة كاملة للإيدولوجيا الليبرالية، كما وعرفت حركة عامّة لانفتاح الأسواق؟ كلا، حقيقةً.