Page 1
بِقَدْرِ ما أحبَبْتُك ... أرَدْتُهُ
كانت الساعة السابعة مساءً، الطريق تصفر والجو بارد، وهي...
نعم هي، كالعادة كانت تنتظره ليتناولا العشاء معاً. تنتظر وتنتظر وتنتظر ولا يأتي.
دقّت الساعة العاشرة وها هو ذو المنكبين العريضين يدخل من الباب ليراها مستلقية على الكنبة. كانت تنتظره حتى في غفوتها. كانت تناديه حتى في أحلامها.
كانت تحتاج إليه حتى في غيبوبتها الموقتة. وهو كان ذاك الرجل الصارم، فاقد الإحساس. ربما كانت مهنته كقاضٍ هي التي مدّته بكل هذه القوة وأكسبته ذاك العزم الرهيب في التعامل مع الحياة.
صارم! كل من عرفه كان ينعته بهذه الصفة، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. صارم ولكن... نعم ولكن إذ لا يمكن لشخص أن يكون بشعاً من دون أن يتحلّى بشيء يزيّن روحه، صارم ولكن حكيم. إنْ أصدر قراراً فلا يصدره إلا وهو نابع من حكمته اللامتناهية.. حتى قرار زواجه كان حكيما ًفعلاً؟! أفعلاً كان هذا القرار حكيماً، أم أنه كان وقتئذ في غيبوبة، متبرّئاً من حكمته التي لطالما أسعفته في المواقف الحرجة. أم ربما قرار زواجه لم يكن موقفاً حرجاً..؟!
أما هي تلك الفتاة التي كانت تحلم بيوم زفافها منذ صغرها، لم تكن تدرك أنّ أيام العسل لن تكون من نصيبها حتى عندما تكون زوجة القاضي عمر الذي طالما أحبّته!
ليس ذنبها وليس ذنبه أيضاً، فعمر لم يختر ساره ولكن القدر لعب لعبته. كان عمر الشاب الوحيد لدلال وعزت. أرادا أن يفرحا به، فكانت ساره، تلك الفتاة التي أنهت البكالوريوس، هي الخيار الصائب لابن الريف على الهوية وابن المدينة والتطور والعلم على أرض الواقع. عمر لم يكره ساره، كل ما في الأمر أنّه لم يكن يرغب في الزواج، وافق فقط لإرضاء أهله الذين كانت عيونهم تبرق فرحاً للفكرة. كان زواجاً تقليدياً، حمل في طياته جميع العادات والتقاليد القروية. أصوات الطبل والمزمار كانت تزيد دقات قلب ساره التي لم تكن الفرحة لتسعها في تلك اللّيلة. ولكن كل تلك الفرحة تلاشت بعد الزواج عندما اكتشفت أن قلب عمر لا يهتف لها كما يهتف قلبها البريء له. لكنها لم تستسلم على الرغم من انشغال عمر الدائم، فكانت دوماً تحاول إدخال الفرحة إلى جميع أرجاء المنزل.
20 - 7 - 2011 تاريخ يستحق الذكر، هو ذاك التاريخ الذي توج مشروع قصة حب، ألا يفترض بعمر أن يتذكر ذاك التاريخ..؟!
أعدت ساره العشاء ووضعت الشموع وارتدت قميصها الحريريَّ الأحمر الخمريَّ ليبرز جمالها ومفاتنها، وأسدلت شعرها على كتفيها وقد غطى نهديها بطريقةٍ جذَّابة.. كانت تنتظر بجمالها الخارق قدوم عمر، على أن يدخل من ذاك الباب ويحتضنها. طلبت منه في الصباح أن يعود باكراً، وأن يؤجل جميع أعماله إلى الغد، فقبل طلبها من دون أن يشعر بلهفتها على ما يخبئه هذا النهار من تميز. وعلى الرغم من طلبها إلا أن عمر تأخر، فعمله ودراسة الدكتوراه كانا يستحوذان على كل وقته، كان مستقبله الدراسي هو الأهم.
دقّت التاسعة وها هو الرجل المنتظر يدخل من الباب بكامل أناقته كالمعتاد. بدأت ملامح الاستغراب ترتسم على وجهه وتتوضح أكثر مع وصوله إلى الصالون. المنظر أدهشه، لم يستطع أن يتذكر جماليّة هذا اليوم وتميّزه. اقتربت منه ساره، وتفادياً لخيبة أمل أرادت أن تتجنبها احتضنته وقالت:
كانت الساعة السابعة مساءً، الطريق تصفر والجو بارد، وهي...
نعم هي، كالعادة كانت تنتظره ليتناولا العشاء معاً. تنتظر وتنتظر وتنتظر ولا يأتي.
دقّت الساعة العاشرة وها هو ذو المنكبين العريضين يدخل من الباب ليراها مستلقية على الكنبة. كانت تنتظره حتى في غفوتها. كانت تناديه حتى في أحلامها.
كانت تحتاج إليه حتى في غيبوبتها الموقتة. وهو كان ذاك الرجل الصارم، فاقد الإحساس. ربما كانت مهنته كقاضٍ هي التي مدّته بكل هذه القوة وأكسبته ذاك العزم الرهيب في التعامل مع الحياة.
صارم! كل من عرفه كان ينعته بهذه الصفة، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من شخصيته. صارم ولكن... نعم ولكن إذ لا يمكن لشخص أن يكون بشعاً من دون أن يتحلّى بشيء يزيّن روحه، صارم ولكن حكيم. إنْ أصدر قراراً فلا يصدره إلا وهو نابع من حكمته اللامتناهية.. حتى قرار زواجه كان حكيما ًفعلاً؟! أفعلاً كان هذا القرار حكيماً، أم أنه كان وقتئذ في غيبوبة، متبرّئاً من حكمته التي لطالما أسعفته في المواقف الحرجة. أم ربما قرار زواجه لم يكن موقفاً حرجاً..؟!
أما هي تلك الفتاة التي كانت تحلم بيوم زفافها منذ صغرها، لم تكن تدرك أنّ أيام العسل لن تكون من نصيبها حتى عندما تكون زوجة القاضي عمر الذي طالما أحبّته!
ليس ذنبها وليس ذنبه أيضاً، فعمر لم يختر ساره ولكن القدر لعب لعبته. كان عمر الشاب الوحيد لدلال وعزت. أرادا أن يفرحا به، فكانت ساره، تلك الفتاة التي أنهت البكالوريوس، هي الخيار الصائب لابن الريف على الهوية وابن المدينة والتطور والعلم على أرض الواقع. عمر لم يكره ساره، كل ما في الأمر أنّه لم يكن يرغب في الزواج، وافق فقط لإرضاء أهله الذين كانت عيونهم تبرق فرحاً للفكرة. كان زواجاً تقليدياً، حمل في طياته جميع العادات والتقاليد القروية. أصوات الطبل والمزمار كانت تزيد دقات قلب ساره التي لم تكن الفرحة لتسعها في تلك اللّيلة. ولكن كل تلك الفرحة تلاشت بعد الزواج عندما اكتشفت أن قلب عمر لا يهتف لها كما يهتف قلبها البريء له. لكنها لم تستسلم على الرغم من انشغال عمر الدائم، فكانت دوماً تحاول إدخال الفرحة إلى جميع أرجاء المنزل.
20 - 7 - 2011 تاريخ يستحق الذكر، هو ذاك التاريخ الذي توج مشروع قصة حب، ألا يفترض بعمر أن يتذكر ذاك التاريخ..؟!
أعدت ساره العشاء ووضعت الشموع وارتدت قميصها الحريريَّ الأحمر الخمريَّ ليبرز جمالها ومفاتنها، وأسدلت شعرها على كتفيها وقد غطى نهديها بطريقةٍ جذَّابة.. كانت تنتظر بجمالها الخارق قدوم عمر، على أن يدخل من ذاك الباب ويحتضنها. طلبت منه في الصباح أن يعود باكراً، وأن يؤجل جميع أعماله إلى الغد، فقبل طلبها من دون أن يشعر بلهفتها على ما يخبئه هذا النهار من تميز. وعلى الرغم من طلبها إلا أن عمر تأخر، فعمله ودراسة الدكتوراه كانا يستحوذان على كل وقته، كان مستقبله الدراسي هو الأهم.
دقّت التاسعة وها هو الرجل المنتظر يدخل من الباب بكامل أناقته كالمعتاد. بدأت ملامح الاستغراب ترتسم على وجهه وتتوضح أكثر مع وصوله إلى الصالون. المنظر أدهشه، لم يستطع أن يتذكر جماليّة هذا اليوم وتميّزه. اقتربت منه ساره، وتفادياً لخيبة أمل أرادت أن تتجنبها احتضنته وقالت:
Page 2
- حبيبي كل عام وأنت بجانبي، كل عام وأنت حبيبي.
فهم عمر واسترجع شريط الذكريات بسرعة فأدرك أن هذا اليوم هو يوم ذكرى مرور سنة على زفافهما. عانقها وقال بحنكة:
- أميرتي، وجودك إلى جانبي هو مصدر دعمي، لم أجد هدية لأكافئك بها، فهل تقبلين قلبي الذي يخفق بحبك؟!
ارتبكت ساره لسماع هذا الكلام الجميل الذي لم تسمعه منذ اقترانهما. ولكن الخوف كان يهمس في قلبها، هل يا ترى هذا الكلام الجميل هو وليد المناسبات فقط؟!
لم تشأ الاستماع إلى صوت الخوف والشك ودعته لتناول العشاء.
- لا بد أنك تعبتِ في إعداد كل هذا الطعام.
- لا يهم، ما دمت إلى جانبي وما دمت سعيداً لا مانع لديّ من أن أتعب لأسعدك.
- ألف كلمة شكر لا تكفي لأقول لكِ كم أنا سعيد.
- حبيبي، لا تشكرني، أَحبِبْني فقط!
وعلى وقع نغمات هذه الكلمات انتهت تلك السهرة التي بدأت برومانسية مفرطة وانتهت برومانسية متوسلة.
إنه صباح يومٍ جديد ولكن الروتين كان دوماً صاحب المواقف. نهضت ساره من فراشها بعد ليلةٍ رومنسية قضتها وعمر، وملأها الحب والشغف في تلك الغرفة التي لطالما كانت شاهدة على حبها له، وعلى احترامه لها. كان عمر يؤدي واجباته الزوجية فقط تجاه ساره رافضاً أن يعطي نفسه فرصة الاستمتاع بها.
يا للرجال وحماقتهم!!
تناولا الفطور وذهب عمر إلى عمله كالمعتاد وها هي ساره بعد أن انتهت من توضيب المنزل والطهو، تجلس وحيدة على تلك الكنبة لتقرأ كتاباً لأحلام مستغانمي وقد لفتتها عبارة « الحياة تنتظرك وأنت تنتظرينه » .
باتت ترددها طوال النهار. فلربما حركت تلك العبارة شيئاً ما في داخلها. هذه العبارة أخذت ساره إلى عالم تفكير لا متناهٍ، ووصلت إلى قرار لا بد أن يفاجئ عمر كما فوجئت به عندما خطر ببالها. انتفضت وقالت:
- نعم سأكمل دراستي! لم لا؟! لا ينقصني شيء لأكون فتاة مثقفة وأثبت ذاتي.
وقررت مفاتحة عمر بالموضوع حين وصوله. اتصلت به عدة مرات لتؤكد له ضرورة عودته باكراً إلى المنزل. لم يكن بإمكانها الجلوس، فشوقها إلى مفاتحة عمر بالموضوع وخوفها من ردة فعله كانا يربكانها. خرجت إلى الشرفة لعلّ الوقت يمر أسرع بمراقبة السيارات. كان العرق يتصبب من يديها وعروقها ترتجف. إن هذا الموضوع دقيق وحساس جداً بالنسبة إلى ساره. إنه يحدد مستقبلها كامرأة. دخلت لتبدل ملابسها للمرة الثالثة، أرادت أن ترتدي ثياباً تليق بالخبر. وكأنها سوف تبشره بأنها حامل. ولكن هذا الخبر هو أهم من فكرة حملها، إذ إن هذا الموضوع لم يخطر قط في بال ساره وكذلك عمر على الرغم من الفراغ الذي تعيشه طوال فترة انشغاله.
ارتدت قميصاً ناصع البياض وبنطالاً « Coupe Cigarette ».
إنها المرة الأولى التي ترتدي فيها البنطال. كانت التنورة هي لباسها التقليدي الذي اعتادت ارتداءه منذ أيام الضيعة. كانت تبدو جميلة بعذوبتها وأناقتها البسيطة، ووجهها الذي يبرز ملامح الطفولة. سمعت عمر يغلق الباب. ها هو قد وصل. من الأفضل أن تتنفس الصعداء قبل مواجهته. هدّأت نفسها قبل مواجهته. والشيء ذاته قامت به قبل الخروج للقائه، إذ إن صوت دقات قلبها كان مسموعاً من دون حاجةٍ إلى أي جهاز. طبعت قبلة على خده وقالت له بصوت ناعم :
- حبيبي، يعطيك العافية!
وبقبلة رسمها على وجنتيها جلس عمر إلى طاولة العشاء بعد أن أرخى الـ « Cravate » وغسل يديه والاستغراب واضحٌ على ملامح وجهه من جدية ساره ولباسها وحركاتها. لم يستطع عمر أن ينكر أن هذا «look» يليق كثيراً بساره. كان التعب مرسوماً على وجهه وهموم العمل والدراسة كانت تفضح شبابه.
- لقد أعددت لك البيتزا والسباغتي. تعلمت الكثير من المطبخ الإيطالي لأنه المفضل لديك.
استمرت ساره في مفاجأة عمر، إذ إنها لم تكن تدرك شيئاً عن المطبخ الايطالي. كانت قد أعدت له شيئاً جديداً ربما كمقدمة لإثبات قدرتِها على تعلم كل ما هو جديد.
فهم عمر واسترجع شريط الذكريات بسرعة فأدرك أن هذا اليوم هو يوم ذكرى مرور سنة على زفافهما. عانقها وقال بحنكة:
- أميرتي، وجودك إلى جانبي هو مصدر دعمي، لم أجد هدية لأكافئك بها، فهل تقبلين قلبي الذي يخفق بحبك؟!
ارتبكت ساره لسماع هذا الكلام الجميل الذي لم تسمعه منذ اقترانهما. ولكن الخوف كان يهمس في قلبها، هل يا ترى هذا الكلام الجميل هو وليد المناسبات فقط؟!
لم تشأ الاستماع إلى صوت الخوف والشك ودعته لتناول العشاء.
- لا بد أنك تعبتِ في إعداد كل هذا الطعام.
- لا يهم، ما دمت إلى جانبي وما دمت سعيداً لا مانع لديّ من أن أتعب لأسعدك.
- ألف كلمة شكر لا تكفي لأقول لكِ كم أنا سعيد.
- حبيبي، لا تشكرني، أَحبِبْني فقط!
وعلى وقع نغمات هذه الكلمات انتهت تلك السهرة التي بدأت برومانسية مفرطة وانتهت برومانسية متوسلة.
إنه صباح يومٍ جديد ولكن الروتين كان دوماً صاحب المواقف. نهضت ساره من فراشها بعد ليلةٍ رومنسية قضتها وعمر، وملأها الحب والشغف في تلك الغرفة التي لطالما كانت شاهدة على حبها له، وعلى احترامه لها. كان عمر يؤدي واجباته الزوجية فقط تجاه ساره رافضاً أن يعطي نفسه فرصة الاستمتاع بها.
يا للرجال وحماقتهم!!
تناولا الفطور وذهب عمر إلى عمله كالمعتاد وها هي ساره بعد أن انتهت من توضيب المنزل والطهو، تجلس وحيدة على تلك الكنبة لتقرأ كتاباً لأحلام مستغانمي وقد لفتتها عبارة « الحياة تنتظرك وأنت تنتظرينه » .
باتت ترددها طوال النهار. فلربما حركت تلك العبارة شيئاً ما في داخلها. هذه العبارة أخذت ساره إلى عالم تفكير لا متناهٍ، ووصلت إلى قرار لا بد أن يفاجئ عمر كما فوجئت به عندما خطر ببالها. انتفضت وقالت:
- نعم سأكمل دراستي! لم لا؟! لا ينقصني شيء لأكون فتاة مثقفة وأثبت ذاتي.
وقررت مفاتحة عمر بالموضوع حين وصوله. اتصلت به عدة مرات لتؤكد له ضرورة عودته باكراً إلى المنزل. لم يكن بإمكانها الجلوس، فشوقها إلى مفاتحة عمر بالموضوع وخوفها من ردة فعله كانا يربكانها. خرجت إلى الشرفة لعلّ الوقت يمر أسرع بمراقبة السيارات. كان العرق يتصبب من يديها وعروقها ترتجف. إن هذا الموضوع دقيق وحساس جداً بالنسبة إلى ساره. إنه يحدد مستقبلها كامرأة. دخلت لتبدل ملابسها للمرة الثالثة، أرادت أن ترتدي ثياباً تليق بالخبر. وكأنها سوف تبشره بأنها حامل. ولكن هذا الخبر هو أهم من فكرة حملها، إذ إن هذا الموضوع لم يخطر قط في بال ساره وكذلك عمر على الرغم من الفراغ الذي تعيشه طوال فترة انشغاله.
ارتدت قميصاً ناصع البياض وبنطالاً « Coupe Cigarette ».
إنها المرة الأولى التي ترتدي فيها البنطال. كانت التنورة هي لباسها التقليدي الذي اعتادت ارتداءه منذ أيام الضيعة. كانت تبدو جميلة بعذوبتها وأناقتها البسيطة، ووجهها الذي يبرز ملامح الطفولة. سمعت عمر يغلق الباب. ها هو قد وصل. من الأفضل أن تتنفس الصعداء قبل مواجهته. هدّأت نفسها قبل مواجهته. والشيء ذاته قامت به قبل الخروج للقائه، إذ إن صوت دقات قلبها كان مسموعاً من دون حاجةٍ إلى أي جهاز. طبعت قبلة على خده وقالت له بصوت ناعم :
- حبيبي، يعطيك العافية!
وبقبلة رسمها على وجنتيها جلس عمر إلى طاولة العشاء بعد أن أرخى الـ « Cravate » وغسل يديه والاستغراب واضحٌ على ملامح وجهه من جدية ساره ولباسها وحركاتها. لم يستطع عمر أن ينكر أن هذا «look» يليق كثيراً بساره. كان التعب مرسوماً على وجهه وهموم العمل والدراسة كانت تفضح شبابه.
- لقد أعددت لك البيتزا والسباغتي. تعلمت الكثير من المطبخ الإيطالي لأنه المفضل لديك.
استمرت ساره في مفاجأة عمر، إذ إنها لم تكن تدرك شيئاً عن المطبخ الايطالي. كانت قد أعدت له شيئاً جديداً ربما كمقدمة لإثبات قدرتِها على تعلم كل ما هو جديد.
Page 3
انتهى العشاء وخرجا إلى الشرفة ليحتسيا القهوة. إذ كان يحلو لعمر أن يشرب القهوة مباشرةً بعد الأكل، وكانت ساره تدرك تماماً عشقه لهذه العادة وتتقنها باحتراف، وكل هذا من أجل إرضائه.
- عمر هل بإمكاننا مناقشة موضوع..؟!
- من دون شك أميرتي، تفضلي، ما الأمر..؟!
كانت الأناقة تميز أسلوب كلامه دوماً حتى في أبسط الأمور.
- عمر أريد أن أدخل الجامعة..!
كان من الطبيعي أن ترتسم علامات الصدمة على وجه عمر. تغيرت ملامحه وكان الخبر بمثابة صدمة كهربائية قد تلقاها كما يحدث تماماً مع المتهم بعد صدور الحكم.
- عمر ما بك لا تجيب؟ ماذا حدث؟ لماذا صُدمت؟
- أميرتي، الموضوع ليس بهذه السهولة! نحن لسنا في الضيعة. هذه بيروت!
- عمر، إنني أعرف تمام المعرفة كل ما تقوله. إنني أدرك أن بيروت تختلف عن ضيعتنا ولكن لا داعي للقلق، بإمكاني أن أخوض التجربة، وأكبر دليل على ذلك أنت، نعم أنت عمر! أنت تركت الضيعة وجئت للعيش في بيروت من دون أن تحتاج إلى أحد، وها أنت الآن قاضٍ من دون مساعدة أحد في مدينة كنت تجهلها وتجهل تفاصيلها وعاداتها وناسها تماماً مثلي أنا الآن!
لم يكن عمر قادراً على خداع نفسه، فهو قاضٍ بالنهاية، وكلام ساره منطقي، ولكن إجابته خَلَتْ من كل منطق، وكانت نابعة من عمر علّام الشاب القروي، وليس من عمر علاّم القاضي الرصين الحكيم.
- نعم ساره ولكن أنا رجل وأنت امرأة...
كان عمر يكمل كلامه، ولكن ساره لم تكن تسمعه إذ إن هذه العبارة صدمتها: « أنا رجل وأنت امرأة » ، حتى هذه المرأة التي لم تصل إلى مستواه الدراسي كانت تعلم أن إجابته لا تحمل شيئاً من المنطق، بل إنها إ جابة رجل شرقي بامتياز! صعقت ساره بإجابة عمر وأنهت الحديث بصمت وانسحبت من الجلسة لتدخل إلى غرفة النوم وتستلقي وهي سارحة بطريقة تفكير عمر التي حركت في داخلها إحساساً غريباً وكأنها تتعرف إليه لأول مرة!
نهار جديد يحمل في طياته مغامراتٍ وأحداثاً لكل فرد. اليوم من المفترض أن يسافر عمر بعد الظهر إلى باريس لتقديم امتحان الماجستير، ولكن لم يَحْظَ بفرصة إخبار ساره بالموضوع. لقد استيقظ باكراً وأعد الفطور بنفسه كعربون اعتذار لساره عن الكلام الذي صدر عنه البارحة، على الرغم من أنه مقتنع بفكرة الصعوبة التي ستواجهها ساره إن أرادت دخول الجامعة في بيروت، إلا أنه متأكد أن طريقة تعبيره كانت خاطئة تماماً. استيقظت ساره دون أن تجد عمر بجانبها، نهضت واغتسلت وبعدها لبست روبها الساتان وخرجت لترى عمر يفاجئها بالفطور.
- مولاتي تفضلي، لقد أعددت لكِ الفطور الملكي بنفسي.
كان يتقن الكلام الجميل والأتيكيت في التعامل مع المرأة بشكلٍ رائع. وعلى الرغم من عدم حبه لساره إلا أنه كان دوماً يشعرها بأنها محور حياته وملكة في عرشها.
- حبيبي ما رأيك في أن نتحاور من جديد في موضوع دراستي..؟!
لم تيأس ساره من حديث البارحة وأصرت على التحدث بالموضوع.
- أميرتي أنا اليوم يجب أن أسافر إذ إِن امتحان الماجستير بعد خمسة أيام، ويجب أن أهيء نفسي وأستفسر عن بعض الأمور. حال عودتي سوف نفكر في الموضوع من جديد، لا أريدك أن تحزني.
تنهدت ساره لسماع الخبر وقالت:
- آه حبيبي سوف أشتاق إليك!!
- أميرتي لن تكون الغيبة طويلة، ما رأيك في زيارة أهلك في الضيعة خلال هذه الفترة..؟!
- لا يا عمري سوف أنتظرك هنا إذ إن أهلي مشغولون في الحصاد.
- حسناً أميرتي إن احتجتِ إلى شيءٍ هاتفيني وحاولي تمضية الوقت مع لينا.
- عمر هل بإمكاننا مناقشة موضوع..؟!
- من دون شك أميرتي، تفضلي، ما الأمر..؟!
كانت الأناقة تميز أسلوب كلامه دوماً حتى في أبسط الأمور.
- عمر أريد أن أدخل الجامعة..!
كان من الطبيعي أن ترتسم علامات الصدمة على وجه عمر. تغيرت ملامحه وكان الخبر بمثابة صدمة كهربائية قد تلقاها كما يحدث تماماً مع المتهم بعد صدور الحكم.
- عمر ما بك لا تجيب؟ ماذا حدث؟ لماذا صُدمت؟
- أميرتي، الموضوع ليس بهذه السهولة! نحن لسنا في الضيعة. هذه بيروت!
- عمر، إنني أعرف تمام المعرفة كل ما تقوله. إنني أدرك أن بيروت تختلف عن ضيعتنا ولكن لا داعي للقلق، بإمكاني أن أخوض التجربة، وأكبر دليل على ذلك أنت، نعم أنت عمر! أنت تركت الضيعة وجئت للعيش في بيروت من دون أن تحتاج إلى أحد، وها أنت الآن قاضٍ من دون مساعدة أحد في مدينة كنت تجهلها وتجهل تفاصيلها وعاداتها وناسها تماماً مثلي أنا الآن!
لم يكن عمر قادراً على خداع نفسه، فهو قاضٍ بالنهاية، وكلام ساره منطقي، ولكن إجابته خَلَتْ من كل منطق، وكانت نابعة من عمر علّام الشاب القروي، وليس من عمر علاّم القاضي الرصين الحكيم.
- نعم ساره ولكن أنا رجل وأنت امرأة...
كان عمر يكمل كلامه، ولكن ساره لم تكن تسمعه إذ إن هذه العبارة صدمتها: « أنا رجل وأنت امرأة » ، حتى هذه المرأة التي لم تصل إلى مستواه الدراسي كانت تعلم أن إجابته لا تحمل شيئاً من المنطق، بل إنها إ جابة رجل شرقي بامتياز! صعقت ساره بإجابة عمر وأنهت الحديث بصمت وانسحبت من الجلسة لتدخل إلى غرفة النوم وتستلقي وهي سارحة بطريقة تفكير عمر التي حركت في داخلها إحساساً غريباً وكأنها تتعرف إليه لأول مرة!
نهار جديد يحمل في طياته مغامراتٍ وأحداثاً لكل فرد. اليوم من المفترض أن يسافر عمر بعد الظهر إلى باريس لتقديم امتحان الماجستير، ولكن لم يَحْظَ بفرصة إخبار ساره بالموضوع. لقد استيقظ باكراً وأعد الفطور بنفسه كعربون اعتذار لساره عن الكلام الذي صدر عنه البارحة، على الرغم من أنه مقتنع بفكرة الصعوبة التي ستواجهها ساره إن أرادت دخول الجامعة في بيروت، إلا أنه متأكد أن طريقة تعبيره كانت خاطئة تماماً. استيقظت ساره دون أن تجد عمر بجانبها، نهضت واغتسلت وبعدها لبست روبها الساتان وخرجت لترى عمر يفاجئها بالفطور.
- مولاتي تفضلي، لقد أعددت لكِ الفطور الملكي بنفسي.
كان يتقن الكلام الجميل والأتيكيت في التعامل مع المرأة بشكلٍ رائع. وعلى الرغم من عدم حبه لساره إلا أنه كان دوماً يشعرها بأنها محور حياته وملكة في عرشها.
- حبيبي ما رأيك في أن نتحاور من جديد في موضوع دراستي..؟!
لم تيأس ساره من حديث البارحة وأصرت على التحدث بالموضوع.
- أميرتي أنا اليوم يجب أن أسافر إذ إِن امتحان الماجستير بعد خمسة أيام، ويجب أن أهيء نفسي وأستفسر عن بعض الأمور. حال عودتي سوف نفكر في الموضوع من جديد، لا أريدك أن تحزني.
تنهدت ساره لسماع الخبر وقالت:
- آه حبيبي سوف أشتاق إليك!!
- أميرتي لن تكون الغيبة طويلة، ما رأيك في زيارة أهلك في الضيعة خلال هذه الفترة..؟!
- لا يا عمري سوف أنتظرك هنا إذ إن أهلي مشغولون في الحصاد.
- حسناً أميرتي إن احتجتِ إلى شيءٍ هاتفيني وحاولي تمضية الوقت مع لينا.
Page 4
- لا تقلق عليَّ حبيبي، سوف أوضّب لك أغراضك.
سافر عمر وترك ساره في حيرةٍ من أمرها. الباب يدق! من عساه يأتي لزيارة ساره في هذا الوقت. لا بدأ أنها لينا، جارتها العانس، كما عرفها الجميع. إنها، على الرغم من ظروف حياتها القاسية، تتمتع بروح مرحة تنسيك همومك. عاشت لينا يتيمة الأب والأم بعد أن غيَّبَهما الموت خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان. انتهى رامي، أخوها الذي يصغرها بسنتين، من دراسته الجامعية وسافر ليتابع دراساته العليا في فرنسا، فبقيت وحدها صامدة في منزل العائلة. لم تكن لينا تلك الفتاة القبيحة، بل كانت تتمتع بقامة طويلة وجسم ممتلئ يبرز جميع مفاتنها الأنثوية وعينين واسعتين بالإضافة إلى سمرتها الجذَّابة. لكن وعلى الرغم من تمتعها بمواصفات تؤهلها لأن ترتبط بإنسان يحميها لبقية عمرها، اختارت لينا أن تكمل حياتها وحيدة برفضها كل من تقدم لها، وعاشت عقدة فقدانها وحرمانها لأهلها. لم ترد أن تتزوج خوفاً من أن تنجب ويحرم القدر أطفالها منها ومن والدهم. فلينا أكثر إنسانة تعرف معنى أن تكون يتيماً وأن تكبر لتجد نفسك فجأَةً، وأنت في عمر العشر سنوات، مضطراً لأن تعيل طفلاً لا ملجأ له سواك في هذه الدنيا.
- لينا جيد أنك أتيت!
آه.. أهو ده الكلام اللي بسمعو أول ما بخش بيتك؟ إي في إي..؟!
عاشت لينا فترة طويلة في مصر بسبب عملها بعد سفر رامي، ومن ثم عادت لتستقر في لبنان، لذا أتقنت اللهجة المصرية وهي التي كانت تزيد من روحها المرحة.
- حتعملي قهوة ولا أقوم أنا أعملها..؟!
- إنتظري سوف أعدها وآتي لنتكلم.
- ما تتأخريش عندي عشاء، وما يرحش فكرك لبعيد أنا ونانسي صديقتي من مصر.
ضحكت ساره وقالت لها:
- ومن قال لك إِني اعتقدت أنه عشاء غرامي مثلاً..؟!
- عشان عرفاكي حتموتي وتعرفي إيه آخر أخباري العاطفية يا بنت، إنت بطّلي بقى الحركات دول.
كانت لينا قادرة على إدخال البهجة إلى قلب ساره حتى في أصعب الأوقات. إذ إِنها تلجأ إليها عندما تتشاجر مع عمر وعندما تشعر بالملل والضيق. وكانت مهمة لينا الترفيه عن ساره ومدّها بالحل الأنسب.
- الله، قهوتك يا ساره دايماً لها طعم تاني، يلا بقى قوليلي في إيه..؟!
- لينا أَنا قررت أن أدخل الجامعة وأتابع دراستي.
- ساره بتتكلمي جد..؟! ده أجمل خبر سمعته منك من يوم ما جيتي بيروت تصدقي؟ وإنت ليه زعلانة ده خبر يجنن..!
- عمر لم يستوعب الفكرة، ولم يكن متحمساً، وكأنه كان يقصد أنه لن يكون بإمكاني أن أتأقلم مع أجواء بيروت.
- ساره أنا لازم أروح دلوقتي عشان أحضر نفسي، بس اعملي حسابك بكرا تكوني جاهزة الساعة تسعة حاخدك ونروح مشوار.
- إلى أين سنذهب؟!
ـ ما تجادلنيش، قلتلك كوني جاهزة، خلاص اعملي اللي بقلِّك عليه، والله مش حخطفك يا بنتي إطمني.. سلام.
ضحكت ساره ودخلت غرفتها لتستلقي.
ما هي إلا دقائق حتى رن جوال ساره..
- ألو أميرتي كيف حالك..؟! أنا وصلت الآن وسوف أباشر بالمذاكرة فالوقت ليس لمصلحتي أبداً!
- حبيبي أنا مشتاقةٌ إليك منذ أن رحلت، بالتوفيق يا عمري، أحبك.
- وأنا أيضاً أميرتي، وداعاً..
سافر عمر وترك ساره في حيرةٍ من أمرها. الباب يدق! من عساه يأتي لزيارة ساره في هذا الوقت. لا بدأ أنها لينا، جارتها العانس، كما عرفها الجميع. إنها، على الرغم من ظروف حياتها القاسية، تتمتع بروح مرحة تنسيك همومك. عاشت لينا يتيمة الأب والأم بعد أن غيَّبَهما الموت خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان. انتهى رامي، أخوها الذي يصغرها بسنتين، من دراسته الجامعية وسافر ليتابع دراساته العليا في فرنسا، فبقيت وحدها صامدة في منزل العائلة. لم تكن لينا تلك الفتاة القبيحة، بل كانت تتمتع بقامة طويلة وجسم ممتلئ يبرز جميع مفاتنها الأنثوية وعينين واسعتين بالإضافة إلى سمرتها الجذَّابة. لكن وعلى الرغم من تمتعها بمواصفات تؤهلها لأن ترتبط بإنسان يحميها لبقية عمرها، اختارت لينا أن تكمل حياتها وحيدة برفضها كل من تقدم لها، وعاشت عقدة فقدانها وحرمانها لأهلها. لم ترد أن تتزوج خوفاً من أن تنجب ويحرم القدر أطفالها منها ومن والدهم. فلينا أكثر إنسانة تعرف معنى أن تكون يتيماً وأن تكبر لتجد نفسك فجأَةً، وأنت في عمر العشر سنوات، مضطراً لأن تعيل طفلاً لا ملجأ له سواك في هذه الدنيا.
- لينا جيد أنك أتيت!
آه.. أهو ده الكلام اللي بسمعو أول ما بخش بيتك؟ إي في إي..؟!
عاشت لينا فترة طويلة في مصر بسبب عملها بعد سفر رامي، ومن ثم عادت لتستقر في لبنان، لذا أتقنت اللهجة المصرية وهي التي كانت تزيد من روحها المرحة.
- حتعملي قهوة ولا أقوم أنا أعملها..؟!
- إنتظري سوف أعدها وآتي لنتكلم.
- ما تتأخريش عندي عشاء، وما يرحش فكرك لبعيد أنا ونانسي صديقتي من مصر.
ضحكت ساره وقالت لها:
- ومن قال لك إِني اعتقدت أنه عشاء غرامي مثلاً..؟!
- عشان عرفاكي حتموتي وتعرفي إيه آخر أخباري العاطفية يا بنت، إنت بطّلي بقى الحركات دول.
كانت لينا قادرة على إدخال البهجة إلى قلب ساره حتى في أصعب الأوقات. إذ إِنها تلجأ إليها عندما تتشاجر مع عمر وعندما تشعر بالملل والضيق. وكانت مهمة لينا الترفيه عن ساره ومدّها بالحل الأنسب.
- الله، قهوتك يا ساره دايماً لها طعم تاني، يلا بقى قوليلي في إيه..؟!
- لينا أَنا قررت أن أدخل الجامعة وأتابع دراستي.
- ساره بتتكلمي جد..؟! ده أجمل خبر سمعته منك من يوم ما جيتي بيروت تصدقي؟ وإنت ليه زعلانة ده خبر يجنن..!
- عمر لم يستوعب الفكرة، ولم يكن متحمساً، وكأنه كان يقصد أنه لن يكون بإمكاني أن أتأقلم مع أجواء بيروت.
- ساره أنا لازم أروح دلوقتي عشان أحضر نفسي، بس اعملي حسابك بكرا تكوني جاهزة الساعة تسعة حاخدك ونروح مشوار.
- إلى أين سنذهب؟!
ـ ما تجادلنيش، قلتلك كوني جاهزة، خلاص اعملي اللي بقلِّك عليه، والله مش حخطفك يا بنتي إطمني.. سلام.
ضحكت ساره ودخلت غرفتها لتستلقي.
ما هي إلا دقائق حتى رن جوال ساره..
- ألو أميرتي كيف حالك..؟! أنا وصلت الآن وسوف أباشر بالمذاكرة فالوقت ليس لمصلحتي أبداً!
- حبيبي أنا مشتاقةٌ إليك منذ أن رحلت، بالتوفيق يا عمري، أحبك.
- وأنا أيضاً أميرتي، وداعاً..