eKtab
EN ع
بلا بوش
Read free sample

بلا بوش

by عبد الرحمن الهويش

Page 1

الأب ( شلش المرهون )(1)

احتضنتني بقوة، لفَّتْ ذراعاها البضان الممتلئتان حول ظهري، شعرت بها تختلط بي، تضارسينا تتداخل، أجزاؤها تندمج بأجزائي، إنها تشدني إليها بقوة، تتداخل بين ثناياي، شوقي إلى لياليها عارم، أخفيته طويلاً لكنه ينساب مثل خرير ماء طال إهماله، وتجمع بين جدران بالون رقيق، لن يوقفه شيء ساعة اندلاقه حتى تنزل آخر قطراته.

ـ جواهر...

ناديتُها كما لو أنها كانت بعيدة، لم تجبني.. أردت أن أكرِّر مناداتها، لكنني تذكرتُ، صحتُ :

ـ هنادي...

كان هذا اسم شهرتها الذي تحبه، وهو اسمها الذي يناديها به معظم من عرفها؛ شأنها شأن بقية الغجر؛ أما اسمها الحقيقي الذي سُمِّيْت به بعد ولادتها فلا يعرفه سوى أهلها، وقلة ممن يتعلقون بهم فترة طويلة (شأني أنا معهم)، تجعلهم يعرفون خصوصياتهم التي لا يبوحون بها بسهولة.

ـ يا عيون هنادي...

أجابتني بغنج وتأوه يطفح بالاشتياق.

ـ ما الذي ذكَّرك بي ؟.. ألم تنسني؟.. كنت أعتقد أنكم معشر الغجر لا تعشقون أبدًا، وإن عشقتم فسرعان ما تنحرون عشقكم على مذبح الحياة، لتستبدلوه بعشق آخر، وهوى جديد يمكنه تلبية متطلباتكم اليومية الصاخبة... اعتقدتُ أنكم مجبولون على الحرية، لا تتبعون أحدًا وإن كان حبيبًا.

ـ ......

ـ سنين طويلة مرَّت.. أذكر جيدًا أوقاتي الطويلة التي قضيتها بينكم، كنتُ أستعجل الذهاب إليكم حالما تسنح لي الفرصة.. المسافة بين وحدتي العسكرية وقراكم المنتشرة هناك تقترب يومًا بعد آخر.. كل شيء كان جميلاً... صحيح أن الحرب كانت مستعرة على الحدود، إلا أننا كنا بعيدين... أقراني من الجنود يقاتلون على الحدود ليدافعوا عن الحرية، وكنت أنا عندكم أرفل بالحرية.. والحب.

ـ ضمني إليك... ضمني أكثر...

سحبتني إليها بقوة، سقطنا، تدحرجنا على الأرض، أردت أن أقول لها أن تكف، أن تخفض صوتها فقد تذكرتُ الآن؛ تذكرتُ ابنتي التي كنت قد نسيتها، أو أن فرحة لقائي بجواهر (هنادي) قد أنستني إياها، هي ترقد في الغرفة المجاورة لغرفتي... تدحرجنا ملتصقين ببعضنا، ازدادت سرعة تقلبنا، علا الصوت وانتشرت الجلبة، أردت أن نتوقف، أن لا تشعر ابنتي فتراني على هذا الحال.. أصرَّتْ والتصقتْ بي أكثر... شعرتُ أننا نتدحرج من الأعالي صوب الأرض، هوينا في منحدر خارج غرفتي، تهاوينا ننتظر اصطدامنا بالأرض، لم يطل الوقت، وفي لحظة اصطدامنا غشينا صوت انفجار عظيم زلزل الأرض تحتنا.. وثبتُ واقفًا لأجدني مرميًا على أرض الغرفة، صياح عنيف يغشاني، ونيران الموت تنطلق في كل الاتجاهات.. لحظات قصيرة كافية لأعي ما يدور حولي، جنود المحتل في الشارع الملامس لداري تلعن حظها، ومن تجرأ ليعترض دوريتهم بقنبلة قد تكون أصابت أحدًا منهم.

تذكرتُ ابنتي (أفكار).. ركضتُ مسرعًا إلى غرفتها، كم تبتعد المسافات بنا حين يسابقنا الموت، وكم تتكتف أرجلنا وأيدينا، وتخور قوانا، أية هيبة لك أيها الموت لنخافك هكذا...

وصلت إليها متأخرًا، كانت ترتجف من هول الانفجار، احتضنتُها وأخذتها مسرعًا إلى غرفة المعيشة وسط الدار، حاولتُ أن أُهدِّئ من روعها، قلتُ لها : (لا تخافي يا ابنتي، فأنا معكِ)...

كانت عيناها تحدِّق بي وكأنها تسمع كلامي فيهما، لطمني إحساسي بفجاجة ما أقول، وساورني اعتقادٌ أنها تستهزئ بكلامي هذا.. كانت عيونها هذه المرة هي التي تتكلم، فقالت.. وقالت.. وقالت، قالت: لو أنك كنت تريد حمايتي ما تركتهم يدخلون الوطن.. لو أنك كنت تخاف عليَّ منهم ما سمحتَ لهم؛ وأنت العسكري المحترف...أتراك كنت تصدِّق دعوى حريتهم، وأهدافهم النبيلة، وديموقراطيتهم؟... وهل في لغة السلاح من معنى ديموقراطي؟!. يا أبتي إن وجودك معي يزيدني خوفًا؛ خوفًا عليك منهم، فعدوك إن تفوق عليك في ساحة المعركة ولم يقتلك فيها، فهو إنما يخطط ليتفنن في قتلك...هو لا يريدك أن تموت ميتة شريفة...إنه يريد أن يذلك قبل أن يقتلك...لذا هو يؤجِّل قتلك... يريد أن يكون مكان وساعة نحرك وفق اختياره، وبهوادة لتتعذب..لا على عجالة من أمره، ولا في ساحة يرضيك فيها أن تكون منطقة قتلك.

كان صياح الجنود لازال يُسمع هنا وهناك، يختلط بأصوات هدير محركات جاءت مسرعة لتنقذ إصابات رجوت في قرارة نفسي أن لا تكون قد ألمَّتْ بهم، يا آه كيف يروَّض الإنسان على الهوان رويدًا رويدا.

اقتربتْ عقارب الساعة من الرابعة صباحًا، قلَّت أصواتهم حتى اختفت، وذهبوا مبتعدين، طلبت من ابنتي أن تنقل أفرشتنا إلى صالة المعيشة، فليس من المفترض أن أدعها تنام لوحدها، كنت أراها لا تزال صغيرة، مع أنها دخلت عامها الرابع والعشرين من شهرين، ماتت أمها منذ ثلاث سنوات بعد إصابتها بمرض السرطان، هي جميلة وذكية، ومتعلمة، لكنها وحيدة، صحيح أنني معها وأنها أصبحت حياتي كلها، إلا أنني لطالما جفلت من فكرة بقاءها وحيدة إن أنا غابت عيني عنها.

Page 2

أكملت (أفكار) فراشي فتمددتُ عليه، بينما فرشتْ لنفسها فراشًا في الجهة المقابلة.

عدتُ لتذكر حلمي، بدأتُ أستعيد لحظاته، تساءلتُ مع نفسي: ( ترى ما الذي جاء بها إلى مخيلتي...)، لقد نسيت كل هذه التفاصيل منذ فترة طويلة، لم يعد يهمني شيء غير ابنتي، ولا شيء يشغلني في نهاري سوى الزمن المتوقف الذي أحاول أن أصلحه وأن أجعله يعود ليمشي ويمشي في ورشتي التي نبتت في واجهة داري، ساعات صغيرة وأُخر كبيرة، والزمن فيها واحد، كانت ترد إلَي وقد توقفت دورة الزمن فيها فأحاول أن أصلحها أو أصلح قراءتها للزمن، فهيهات لي أن أصلح هذا الزمن، فخراب الزمن لا يمكن إصلاحه في الورش، وبأدوات التصليح... رحم الله والدي، كان كلما رأى تصرفًا لا يرضيه، أو أمرًا لا يعجبه، قال: (إيه.. زمن البلابوش)... سألته مرة عن معنى تلك الكلمة، قال: (عندما يقل حياء الناس، وينتشر الخراب، وعندما يتباهى الناس بنكوص المبادئ والأخلاق، فذاك هو البلابوش).

حاولتُ أن أغفو من جديد، إلا أن صورة (هنادي) اختبأتْ تحت أجفاني... عدت بذاكرتي بعيدًا؛ إلى أيام الحرب؛ حرب الثمان سنوات، كل شيء كان يدفع لإدامة زخم الحرب، هدف الجميع تحقيق النصر على العدو وعدم السماح له باحتلال الأرض، فخسارتها كانت تعني خسارة كل شيء، كانت النفس حاضرةً لتُدفع ثمنًا إن استلزم الأمر، الموت هو الشعار السائد في كل الأرجاء، كان شعوري أن الموت يحيط بنا ولا استثناء له في عموم الأرض، سوى في تلك البقعة التي تتوزع عليها بيوتات قرية (جواهر) الفقيرة، كانت تشعرني عندما أكون فيها أنني خارج سيطرة الموت، كل شيء فيها كان يعجُّ بالحياة، تشعرك بالضياع، الضياع الذي لن يجدك الموت فيه، بالحرية، باللامسوؤلية، أليست المسؤولية هي أولى حلقات العبودية.. أن تكون موجودًا هناك؛ أو لا تكون.. فهو أمر يعنيك وحدك، وضياعك يعني حريتك... ترى أين أخذكم الحال، وهل لازلتم في حريتكم ترفلون.. ثلاث سنين عجاف مرَّتْ.. هل بقيتم أحياء، أم أن دورة الزمان دارت عليكم... ترى كيف سيكون بلابوشكم.

ـ هم يعيشون لأنفسهم، يعيشون ليومهم... قلت لنفسي.

ـ من يدري قد يأتي يوم نلتقي فيه من جديد....

أدرتُ رأسي لأتأكد من نوم ابنتي بعد أن قررَّتُ أن أكمل نومتي علّي أحظى بإغفاءة قبل مجيء (سامي) العامل معي في ورشتي، ليصحبني كما في كل صباح لنبدأ يومًا جديدًا، هو يقف في المحل بينما أذهب إلى السوق لأشتري ما نقص من مواد واحضرها...

كانت الساعة اقتربت من الخامسة صباحًا... سحبتُ دثاري فوقي، أغمضتُ عيني، فتناهى إلى سمعي هدير يتعالى، كان ينذر بعودة الجند من جديد، الصوت يقترب مسرعًا، جفلت وتوقعت أمرًا دعوت الله أن لا يكون هو، الأصوات عادت إلى مكانها جوار داري، جلستُ معدلاً ظهري، كانت عيون (أفكار) وجلةً تنظر إليَّ متسائلةً، حاولتُ جاهدا اخفاء وجلي عنها.. هدير المحركات يغطي المكان، صياحهم علا واقترب كثيرًا، انفجارٌ عالٍ يهتز له أرجاء بيتي، الأفكار تتسارع.. لقد حانت ساعة حفلهم، وحان وقت ما أجل من أمر في ساحة المعركة أول مجيئهم... نسف الجنود الباب، دخلوا راكضين يصيحون، كلمات غير مفهومة.. قفزتُ إلى ابنتي، احتضنتها بين يدي محاولاً حمايتها.. وصل الجنود إلينا بعد تحطيم الأبواب، وفوهات مدافعهم تكاد تلامس وجوهنا، صياح كثير وكلام غير مفهوم.. وضعتُ نفسي بينهم وبين ابنتي، جروني من بين يديها وهي تستميت لتواصل إمساكها بي، أفلتوني من بين يديها وهي تصيح وتبكي، أوقفوني على أرجلي وجروني إلى سيارة عسكرية متوقفة في الشارع، أصعدوني داخلها بعد أن قيدوا يدي، وغطوا وجهي بغطاء سميك يمنع رؤيتي، ثم قلبوا كيسًا فوق رأسي.

Page 3

الأب ( شلش المرهون )( 2 )

بدأتْ السيارة بالحركة، صياح الجند يتعالى، لكنة كلامهم مستعجلة؛ حاولتُ ملاحقتها، إلا أن محاولتي فشلت في فهم ما يقولون، هكذا هم الأمريكان: السرعة ديدنهم، يتكلمون بسرعة ويبتلعون قسمًا من حروف الإنكليز.. يأكلون بسرعة.. يسافرون بسرعة.. ويفكرون بسرعة، إلا أنهم؛ وبالضد من مصلحتنا؛ ينفِّذون أفكارهم ببطء شديد. هذه هي سنتهم الرابعة في بلادنا، ولا زالت أفكارهم قيد التنفيذ... يقولون إنهم يخططون لجعل بلدنا نموذجًا يُحتذى به في المنطقة... أي أنموذج هذا الذي زهقت من أجله مئات الألوف من الأرواح... واستلزم إيجاده كل هذه الآلة العسكرية المدمرة.. يريدون أن يصنعوا منا (سوبر دولة)، فهم مولعون بهذه الكلمة التي ترتكز للخيال أكثر منها للحقيقة.

جاءونا محررين، هم يقولون... وهل تحتاج الحرية إلى كل هذا القتل والتدمير...والقيود، آآآه من القيود التي تقتل الحرية... ترى هل يعون الحرية التي نبتغيها، وهل حريتنا تشبه حريتهم... وهل عرفنا نحن معنى الحرية؟... ( لعنة الله عليكم وعلى حريتكم ).

"أفكار" يا ابنتي العزيزة: اليوم فاصل بين الأمس والغد.. لن يكون هناك تشابه على الإطلاق.. كل ما قبل اليوم يختلف عن ما بعده.. إنها عتبة جديدة، وهل الحياة سوى عتبات نمر بها الواحدة بعد الأخرى، حتى نصل العتبة الأخيرة.. إنه يومٌ أشبه بالموت، وعلينا أن نتقبله.. ما دمنا نتقبل الموت، فاصبري... إن عزائي في ما نحن فيه أن جدتك وأعمامك أحياء ليتكفلوا بكِ...ريثما أدفع ثمن معركة أجل.

تمر الحياة عجلى بينما نبذر ساعاتها في ما لا معنى له، وحين نشعر أن فراقها قد حان، نسترجع تلك الساعات لنجد أنها كانت قصيرة جدًا قياسًا بأفراحها ومسراتها، وحريتنا في فعل ما كنا ننوي فعلاً أن نقوم به خلالها.

لقد توفرت لي الحرية مراتٍ ومراتٍ، لكني لم أجرؤ على فعل ما كان عليَّ أن أفعله... ألهذا نخاف الحرية؟.. ألأنها تجبرنا على فعل ما يتوجب علينا فعله، أم لأنها تكشف لنا أن أحلامنا هي ليست سوى أحلام غير قابلة للتطبيق، ولا يمكنها أبدًا أن تكون واقعًا؟.

كانت تتمايل راكضة من جهة إلى أخرى، تراءت لي حينها فرسًا مذعورة تهرب من أيدٍ تنوي أن تربطها، عينان كبيرتان مفتوحتان على وسعهما، متحفزتان، لا تثبتان على صورة، وشعرها القافز حتى ردفيها يتشظى بسواده المتفحم، صفقت لها كثيرًا، ورقصت معها، رميتُ فوق رأسها كل ما تحمله جيوبي، طوقتها بيدي، وهي تدور وتدور كأنها كتلة طين على عتلة دوارة، وأنا نحات أضغط بيدي على تضاريسها ليتشكل منها تمثالا بالوجه الذي أريد.

جاءتني بعد أن أنهت رقصتها، جلست قربي ثم قالت :

ـ يبدوا أنك جديد...

ـ نعم جديد، من المعسكر الجديد الذي يفصلكم عن الحدود... أجبتُ مؤشرًا بيدي صوب المعسكر الذي انتقلتْ إليه وحدتي قبل أيام، ويبعد مسافة ساعة، أو أكثر بقليل عن قريتها.

ـ رميتَ كل نقودك... ماذا تريد؟.

ـ أريدكٍ راضية.. وأن أكون قريبًا منكِ... أشعر بالحرية وأنا قُربك.

ـ الحرية، هاهاهاهاي.. لكن ثمن الحرية غالٍ، وقد يتعبك قربي منك، وقد لا تستطيع مجاراتي.. فمطالبي كبيرة وحاجاتي متعددة... و..

ـ سيكون تعبك راحتي، ومجاراتك منافسة حياتي.. وستكون مطالبك مطالبي وحاجاتك ضرورات لابد من إكمالها.

ـ ستتعب.. كثر مثلك قالوا، وحاولوا.. لكنهم في النهاية كسلوا وهانوا ثم ارتضوا بغيري وركنوا إليهن... النساء كُثر هنا؛ يمكنك أن تجد غير التي ترفضك، وأن تستبدل من يعلو طلبها.

ـ لكنني أردتكِ أنتِ... أنت لا غيرك.

كان كلامها ينم عن تعلم وعن ثقافة، قلتُ لها :

- تبدين وكأنك على مستوى من التعليم... والثقافة.

ردَّت ضاحكة :

- أنا متعلمة، ومثقفة.. وصلتُ بدراستي نهاية الثانوية.. لم يسبق لبنت من الغجر أن وصلته... كنتُ أريد أن أكون مختلفة، وأن أعيش جوًا آخر غير هذا الجو الذي أعيشه.. لكنني اكتشفتُ أن هذا الجو أصدق من غيره؛ وأوضح... وبدأت ثقافتي تتكدس.. كل من التقيت به كان له مستوى من الثقافة.. لقد التقيتُ بأعمدة قوم، ورؤساء، ووزراء، وأدباء، وضباط كبار، وأساتذة جامعات، وجُهَّال... وتعلمتُ منهم كلهم؛ حتى الجُهَّال؛ وتعلمت أن أكلِّم كل واحد منهم حسب مستواه.

Page 4

ضحكتُ، قلت لها :

- ومن أي مستوى تراني؟...

قالت :

- مستواك من مستوى كلامي معك...ألم تقل إنه ينم عن تعلم، وعن ثقافة عالية...

قلتُ مضيفًا :

- وفلسفة..

وضحكنا سوية.

توقفتْ السيارة، أيادٍ تطوق ذراعاي، تجرني بقوة، تنزلني من السيارة على أرض صلبة، تجرني إلى الأمام خطوات، تفلتني كزورق صغير في وسط بحر متلاطم لا شاطئ له، أقف منتظرًا، الكيس يحيط برأسي، أحاول أن أرى شيئًا، أن أستبين الأرض التي أقف عليها، ظلام يلف عيني، تطول وقفتي، أشعر بالشمس تضرب رأسي.

قلتُ لها :

- أريدك لي.. لوحدي.. لا أريد أن ترقصي لهم... ولا تقتربي من أحد غيري.

قالت :

- ألم تخبرني أنك تشعر بالحرية عندما تراني، وعندما تقترب مني... قد يكون شعور غيرك مشابهًا... أتريد تقييد حريتهم؟.. أم أنك تسعى للعيش بحرية، وتجعل حريتك قيودًا تحبسهم؟... أم تراها الحرية مكفولة بك وحدك؟... الكل هنا يريد أن يشعر بها... وأن يعيشها.

ـ لكنكِ قلتِ إن هنالك غيرك..

ـ هنالك غيري... وللكل هنا حق الاختيار.. هكذا نحن الغجر؛ نعيش بحرية ونعطي بحرية، ونلهم من يشاء الحرية.. لكننا لا نجبره عليها.. وعلى من يطلبها أن يكون قادرًا على أن يفي بمتطلباتها.

ـ لكنني أغار عليكِ.

ـ بل قل إنك تريد أن تتملكني.. تريد أن تقيِّدني.. أن أكون عبدةً في بلاطك؛ أنام برغبتك، وأصحو بتوقيتك، وأقابل من تسمح.. وأنتظر منك فرصةً كي أشمَّ هواءً غير هواء قصرك... إنك تطلب حرية بمقاساتك أنت.

ـ وكيف السبيل إليك إذًا؟.. فأنا رجلٌ قروي، لا زالت محددات القرية تعشش في تفكيري.. لا زلتُ أرى أن أي رابطة تجمعني معكِ؛ وإن كانت رابطة بسيطة؛ فلابد لها من أن تمحو جميع روابطك الأخرى.

ـ السبيل أن تروِّض نفسك، أن تعلِّمها أن حريتك لا تعني القيود بأيدي الغير.. وأن تجعلها تتيقن أن حريتك تنبع من حرية غيرك... نحن هنا نوجد أجواء الحرية؛ لكننا لا نفرضها فرضًا... هل سمعت يومًا أن غجريًا هجم على مدينة، أو حتى قرية، وحاول فرض طقوس الحرية التي يؤمن بها؟... وهل شاهدت حفلاً غجريًا عند أناس دون رغبتهم؟... وهل وجدت يومًا فرقة غجرية بقيت عند مضيفها فترة أطول من ساعات حفلها الراقص؟... يا حبيبي نحن لا نفرض أنفسنا فرضًا.. نحن نوجد الفرصة، ونوجد الأسباب... ومن يرى أن حريته تتوافر عندنا يأتي إلينا... الحرية لا تُفرض بالقوة.. الحرية تتواجد عندما توجد أسبابها... أما ما يُفرض بالقوة فهو العبودية لا غير.

سحبني أحدهم، كنت أظنه جنديا، خاطبني، كان مترجمهم، قال:

ـ ستخضع للتحقيق الآن... عليك أن تجيب بصدق... لا تحاول أن تكذب، لأنهم يعرفون كل شيء.

كنت أستمع له، لكن ذهني لا زال هناك، عجيب أمر الإنسان، فبقدر ما يتمسك بالدين وبالصلاح في أوقات الشدة والعسر، تهجم عليه رغبات مكبوتة وذكريات مدفونة، طيلة السنوات الماضية لم أتذكرهم كما اليوم، إن للغجر حياة أقرب للحرية.

ـ ليت الامريكان يتعلمون منكم... قلتُ لنفسي

ـ هاه...ماذا تقول؟... ردَّ المترجم بعصبية.

ـ لا شيء... إنني أكلِّم نفسي... قلت.

صمت المترجم لحظات استشعرت خلالها بالريبة التي تتملكه.

مشيتُ لمسافة، أحسستُ بأفول أشعة الشمس المسلطة على رأسي فعرفت أنني دخلت مكانًا مسقفًا، أُجلِستُ على كرسي فشعرت براحة كبيرة؛ مع أن يدي لا زالتا موثقتين، رفعوا الكيس المبتلع لرأسي، فكوا قطعة القماش الملفوفة حول رأسي مغطيةً عيني.. فتحتُ عيني، لا أرى شيئًا، عدتُ أغمضها، ثم فتحتها من جديد.. أمامي طاولة بلاستيكية بيضاء يجلس على طرفها المقابل جندي، أو ضابط، لا أعرف، وعيناه تحدِّق بي، كان في العقد الثالث من عمره، وجه طويل، سحنته حمراء، أنفه دقيق، وله عينا ثعلب، أمامه أوراق مكتوب عليها كلمات بلغة إنكليزية :

ـ What's your name

ـ ما اسمك؟... قال المترجم الذي يجلس على جهته مبتعدًا قليلًا.

ـ شلش... شلش المرهون.

ـ How old are you /

ـ كم عمرك... ؟ قال المترجم.

ـ أربع وخمسون سنة

ـ فيفتي فور... قال المترجم.

ـ .................... سأل المحقق بكلمات لا أعرفها.

ـ ما هي صلتك بالمجموعات الإرهابية؟... أعاد المترجم سؤال المحقق.

ـ ليس لي أية صلة... أجبت.

ـ ................... ترجم المترجم كلامي.

ـ ................... تكلم المحقق.

ـ هل تعرف أحدًا منهم؟... أعاد المترجم.

ـ كلا.. لا أعرف أي أحد منهم.

ـ من قام بضرب دوريتنا في الشارع الملاصق لدارك؟.

ـ لا أعرف... أنا كنت في بيتي وسمعت الانفجار والاطلاقات.

Page 5

ـ ما هي صلتك بالمدعو سامي ؟

ـ هو شاب هجرت عائلته من بغداد بسبب الاقتتال الطائفي، وسكنوا الحي الذي نسكنه، وهو يعمل عندي في ورشة تصليح الساعات التي أديرها أمام بيتي.

ـ هل لسامي صلة بالإرهابيين؟.

ـ لا ليس له صلة فهو يقضي كل وقته في عمله داخل الورشة.

ـ وما هي معلوماتك عن المدعو منَّاع ؟

ـ منَّاع هو ابن أخي سليمان... وهو متزوج ولا أعرف ماذا يعمل كوني لا أتكلم معه وبيننا خصومة.

ـ وما سبب الخصومة بينكما ؟

ـ هو أراد أن يتزوج ابنتي وأنا رفضت بسبب أنه متزوج وعنده أطفال.

نهض المحقق ونهض المترجم معه فتقدم مني جندي كان يقف على مقربة، أوقفني ثم أعاد ربط قطعة القماش حول رأسي وفوق عيني، غطوا رأسي بالكيس، جروني معهم، مشيت مسافة، خرجت من البناية إلى الشمس ثم دخلت بناية أخرى، الجندي الذي يجرني يتكلم مع غيره، باب يفتح، نمشي، ثم باب آخر يفتح، يفك وثاق يدي، ثم يرفع الكيس من على رأسي وتُزال قطعة القماش التي تغطي عيني، وأُدفع داخل غرفة ظلماء...

تلمستُ المكان علّني أجد شيئًا، يقولون إن الظلام هو الأساس، وأن الضوء جاء بعده، بعد أن خلق الله الشمس، الإنسان يخلق في ظلام، لا بل في ظلمات قبل أن يُقذف إلى النور عند ولادته... أيكون هذا الظلام الذي يلفني هو بداية حياة جديدة؟.. وأية حياة هذه ستكون يا ترى.

كانت الغرفة فارغة، أحسست ببردٍ يلسعني، وتعب بعيد يجهدني، ضممت يدي إلى صدري وجلست... ركنتُ ظهري إلى الجدار مستسلمًا لقدري.

Page 6

شلش( 3 )

تحقيق بعد تحقيق.. وتسفير من مكان إلى آخر، أماكن كثيرة، وبعيدة، شعرتُ للحظاتٍ أنهم أخذوني خارج العراق... يتغيّر المحققون بين جلسة وأخرى، الكل يحقِّق لوحده، الجيش، والسي أي ايه، والإف بي آي... والأسئلة نفسها: ( ما صلتك بالإرهابيين؟... هل اشتركت في ضرب القوات الأمريكية؟... هل اشتركت في تمويل الإرهابيين؟... ما صلتك بتنظيم التوحيد والجهاد؟ )... وأجوبتي نفسها لم تتغير: لا صلة لي.. لم أشترك في ضرب القوات الأمريكية.. لا، لم، لا أعرف، لا علم لي... والتهم هي هي: ( الإرهاب، تمويل الإرهاب، الانضمام إلى التوحيد والجهاد، ضرب القوات الأمريكية)...

وكانت المحطة الأخيرة: سجن أبو غريب.

في سجن أبو غريب حياة أخرى (إن صح تسميتها بالحياة)، في البداية حسبتُ أنهم سجنوا كل رجال العراق، رجال وأطفال، شيوخ وشباب، أصحاء ومرضى، أناس مقعدون، حتى الخرسان تواجد عدد منهم هناك.. لا بل إنني رأيتُ عددًا من المجانين كانوا من ضمن إرهابيي الحرية الجديدة هناك... ولولا أنني حديث عهد بترك الحياة خارج أسوار السجن، وأنني رأيتُ الأعداد الكبيرة التي تجول شوارع البلد بعد أن حولوه إلى سجن كبير، لقلت إنهم أفرغوا البلاد من الرجال.

دكوني دكًا في زنزانة تسعّ لعشرة أشخاص كحدٍّ أعلى، وكان العدد فيها اثنان وعشرون، كل من فيها تجمعهم هوية واحدة هي عراقيتهم، وتهمة متقاربة - إن لم تكن واحدة - هي رفضهم احتلال بلدهم... لكنهم في الحقيقة كانت قلوبهم شتى، عدوى الاختلاف والتخندق والطائفية نُقلت إليهم، أو قد يكونون هم بؤرتها التي أوجدها المحتل بينهم لينقلوها إلى خارج أسوار السجن بعد خروجهم الذي يحدد ساعته هو... لا أدري.

كردي، عربي، تركماني، سُنِّي، شيعي، وهابي، رافضي، ناصبي، إخواني، إسلامي، ليبرالي، شيوعي، سلفي... مسميات كثيرة ولها فروع.

يقال إن أقوى العلاقات هي تلك التي تنشأ في ظروف القسوة والصعاب.. وهل أقسى وأصعب من السجن ظروف؟. العلاقة بينهم كانت أشبه ما تكون بعلاقة راكبي لعبة "سكة الموت"، الكل يصيح ويبكي مما يتعرضون له، همهم واحد، تشعر أنهم متحدون، وقريبون من بعضهم، وما أن يزول الخطر؛ يعودون أغرابًا، لا أحد منهم يعرف الآخر، كلٌّ يعود إلى ما كان عليه، مثل الأعداء، وقد يتقاتلون فيما بينهم لأجل شخص لم يكن بينهم في محنتهم.

لم أشأ ان أكون ضمن أي خندق من خنادقهم، مع أنني لستُ مخيرًّا بينها كلها.. تقرَّب مني من يظن أنني من طائفتهم، وحاول آخرون أن أكون ضمن تكتلهم.. لكنني آليتُ أن أحتفظ بصفتي العامة التي تربطني بهم كلهم؛ بعراقيتي، وأن لا أنجرَّ إلى صفاتٍ أضيق.. وكانت تلك مخاطرة كبيرة، فالحال في سجن ليس كما الحال في غيره، وإن لم تكن مع مجموعة تحميك فيه، فالكل يكون عدوك.

وللحقيقة عشتُ ليالٍ مرعبة، ومع وحشة السجن وما قد أتعرض فيه، كنت أخافهم جميعًا، لكن خوفي الأشد كان ممن أُحسب عليه أكثر من غيره، فعدم إنضمامي إليهم يعني بالنسبة لهم أني أرفضهم، وأرفض منهجهم، لكن الذي شجعني وأبقاني على خياري الصعب هذا هو تعرفي على ( الحاج خالص).. هو شيخٌ في الستينات من عمره، حين شعر باختياري البقاء على صفتي التي تجمعني مع الجميع، وأحسَّ بخوفي وقلقي المتوحش؛ جاء إليَّ وجلس قربي، قال :

- ابقَ على ما أنتَ عليه.. سيحبك الجميع بعد فترة قصيرة... لكن اصبر... ولا تخف، سأكون قريبًا منك... أنا عانيتُ مما تعانيه أنت الآن... لكنني اليوم معهم كلهم.

Page 7

كانت كلماته تنساب بثقة راسخة، وهدوء...

أحسستُ حينها أنني وجدتُ منقذي، فعادت السكينة إلى روحي المستوحشة.. كان الجميع يحترمه، ويسمع قوله، لم يكن يُحسب على أحد منهم، لا أحد يعرف توجهه، كان مع الجميع، ولجلسته تلك، وكلامه معي، أثر كبير في تهدئتهم، وكأن أمرًا صدر إليهم بتركي وشأني، حتى أنني ظننتُ أن "الحاج خالص" قد أخبرهم أنني صرتُ ضمن مجموعته... وعندما راجعت حاله خلال الأيام القليلة التي مرَّت؛ وجدت أنه لا مجموعة له، كان الجميع بتلونهم وتشكلهم مجموعته.. فارتحتُ قليلاً واطمأننت لذلك، وزالت مخاوفي، وعزمتُ على أن أقوِّي علاقتي به.

ما أن وضعت رأسي على وسادتي حتى غفوت.. كان شعوري بالطمأنينة مخدرًا.

بعد ليالٍ من الوجل والخوف، رأيتُ ( أفكار)، كانت تركض، تهرب من شيء يلاحقها؛ كلب أو ذئب؛ كان يريد أن ينهش لحمها، وهي تركض جاهدة، وتنادي، تنادي عليَّ لأنقذها: ( أبي... أبي...)... صحوتُ جافلاً، مرتجفًا، عطشًا... بحثت عن شربة ماء أرتوي منها، قنينة ماء كانت قريبة، وجدتها وشربتُ قليلاً، ثم تحركتُ صوب الجدار وأسندتُ ظهري إليه....

ترى ما حلَّ بكِ يا ابنتي، لقد انشغلتُ بحالي عنكِ طيلة الأيام الماضية، وهل لي إلا أن يكون حالي هو ما يهمني، لقد علَّمتني أيام الجيش في ساعات الضيق أن أهتم بحالي ريثما أعود إلى بيتي، وأن لا أشغل تفكيري بمشاكل وقضايا أخرى لا أستطيع أن أغيِّر منها شيئًا، أو أن أقدِّم فيها ما يستوجب، فتتأثر نفسي وتتهاوى عزيمتي، فيسوء حالي ولا أستطيع تحمل ما يلم بي، وما يتوجب علي في تلك الحال، فيؤثر ذلك على امكانية تحمل ما أنا فيه، وقد يتعثر حالي ويسوء أكثر مما أنا فيه، فيطول غيابي... لذا فما علَيَّ في هذا السجن إلا أن اهتم لحالي، وأن أبذل جهدي ولا أشغله بهموم ومشاكل بعيدة لن تزيدني إلا همًّا وضعفًا، كي أستطيع العودة إليك على الأقل بعقلي السليم.

عدتُ لأنام، كانت دموعي تنهمر بغزارة، حاولتُ السيطرة عليها، لكنني فشلت.. أحسستُ برغبة عاتية للبكاء، كظمتها لمرة أو مرتين، لكنني في النهاية استسلمتُ لها فغمرني الأنين، حاولتُ أن أكمده كي لا أشعر من حولي، وكان فشلي واضحًا، سمعتُ صوتًا يناديني:

- شلش...شلش...

انتبهتُ إليه، كان صوت "الحاج خالص"، أجبته محاولاً أن يكون صوتي طبيعيًا فلا أشعره ببكائي:

- نعم...

قال :

هل تشكو من شيء...

- كلا...كلا لا شيء.

عاد وسألني :

- هل تبكي ؟

وما إن سمعت سؤاله، أحسستُ بكل بكاء العالم ينحدر إليَّ، لم أستطع أن أخفي لوعتي وبكائي، شعرتُ وكأنني طفلٌ ضربه والده وتركه لظنونه في أنه يبغضه، وفي لحظة حنقه الشديد وظنونه المتنامية، يحتضنه والده ويقبِّله، فيشعر بخطأ ظنونه، وبالحنان الكبير الذي افتقده خلال اللحظات التي مضت.

بكيتُ... أسرع "الحاج خالص" وجاء بقربي؛ مع أن المكان مزدحم جدًا، جلس بجواري، حاول أن يواسيني، قال :

- لا تبكي... ستفرج...

قلتُ له باكيًا :

- ابنتي، ابنتي الوحيدة.. تركتها لوحدها... أمها ماتت وليس لها إخوة.

قال :

- كلنا مثلك...كلنا تركنا أبناءنا وبناتنا.

بكيتُ، وازداد بكائي بعد أن سمعتُ نشيج بكاءٍ قربي.. جاء الحاج خالص ليواسيني فجعلته يبكي، كان منظر بكائه إيذانًا لي بأن أنوح، صحى معظم المعتقلين على بكائنا، ورويدًا رويدًا كنتُ أسمع نشيج البكاء من كل أرجاء الزنزانة.

مرَّت أيام... كان الوقت يمرُّ ببطء، والأحوال تسوء، صباحًا يبدأ السجانون بجرنا واحدًا تلو الآخر للخضوع لتحقيق جديد، ولتأليبنا ضد بعضنا البعض، ثم نعود لننقسم إلى مجموعاتنا التي أوجدوها ورضينا بها وتمسكنا بها.. وفي الليل يختلف الحال من يومٍ إلى آخر، ومن سجَّانٍ إلى آخر، فمنهم من يحب أن يسهر على عذاباتنا وهمومنا فيجعل الليل وقتًا لإعادة التحقيق؛ وأحيانًا للتعذيب.. كان أحدهم يسعد كثيرًا حين يرى الرعب يتملكنا حين نفرّ قافزين لندخل زنزانتنا هربًا من أنياب كلب متوحش يفلته خلفنا.. ومنهم من يتسلى بردة فعلنا على ما تعرضه علينا مجندة منهم من مفاتن جسدها، أو ما يقومون به بينهم من حركات تثير غرائزنا.

حتى جاءت تلك الليلة... كانت ليلة زنزانتنا، أخرجونا إلى الباحة التي تجتمع فيها أبواب الزنزانات.. قيدونا، وغطوا عيوننا، فلم نعد نراهم أو نرى بعضنا... تلك الليلة حفرت أحداثها في ذاكرتي حفرًا، جروني بقوة، مزقوا ملابسي، كانت آلة حادة تشقها بعجالة، مزقوها كلها، حاولت أن أستبقي شيئًا يستر عورتي، توسلت بهم، كانوا ضاحكين مستهزئين، ولهاث كلابهم يُسمع على مقربة كأنها تنتظر دورها لتهجم معهم.. رفعوا غطاء عيوني، نظرتُ صوب زملائي خجلاً، نظراتنا تتشابه، وحالهم مثل حالي، المنظر مريع، كنتُ أظنُّ أنهم عرّوني لوحدي، كان الجميع عُراة، ومقيدين، والكلاب متوثبة تستحثهم للهجوم... أوقفونا جنب بعضنا، وبدأوا يلتقطون صورًا لهم بيننا، كانت نساءهم المجندات من بين حضورهم، وكن مستأنسات وجذلات بمنظرنا... صورونا بأوضاع مختلفة: واقفين وجلوسًا، متباعدين وركامًا، كانوا يرموننا واحدًا فوق الآخر، ثم يجلسون فوقنا ويصورون بعضهم...

أعادوا أغطية عيوننا ليبدأوا فصلاً آخر، جروني إلى كرسي من حديد ثقيل وربطوني إليه، ألصقوا وجهي على خشبة الكرسي، وشدو عنقي إليه، ربطوا يدي إلى قوائمه، بينما كانت ركبتاي إلى الأرض، إيادٍ تتحسس جسدي، وضحكاتهم تتعالى.. أحسست بشيءٍ يلجُّ بين فردتيّ مؤخرتي.. هرجهم يزداد، وتعليقاتهم، وتصفيق أياديهم.. في البداية ظننتها عصا من عصيهم المكهربة، أو يد أحدهم.. لكن الأمر وضح بعد لحظات، كانوا يجرون عرضًا أمام كاميراتهم لاغتصابنا.. حاولتُ أن أتزحزح، وأن أغيِّر من وضعي الذي كنتُ عليه.. خارت قواي، وتآمرت أعضاء جسدي الأخرى معهم.. كانوا قد اغتصبوني، واغتصبوا الاخرين واحدًا تلو آخر، وصوروها ليتذكروا، وكنا لا نحتاج إلى صور لتذكِّرنا بحالنا، وما آل إليه، بعد أن سلمنا بواقعنا الجديد وارتضينا بهم ليتحكموا بحال وطننا بين أيديهم كيفما شاءوا.

أيام ونحن مرضى، لا نأكل ولا نشرب، لا نتكلم مع بعضنا، أنين البكاء تسمعه بين حين وآخر، في الليل وفي النهار، لا نعلم على من نضع اللوم، ومن يتحمل المسؤولية: هم؟.. أم نحن؟.. أم العالم الذي اختار أن يتفرج على مصيبتنا..

بعد يومين سادت جلبة كبيرة في أنحاء السجن، زارتنا مجموعات منهم، وتفحصتْ قسمًا منا، واستنطقتنا كلنا، فهمنا أن ما جرى ليلتها قد سُرِّب منهم، ونشرته وسائل الإعلام، وأن رأيًا شعبيًا رفض هذه الممارسات وأدانها، وطالب بمحاسبة الفاعلين... انتشر الخبر وظهرت الصور في كل أرجاء العالم، فكنا مثل التي تحرش بها جارها فأحضروها وسط السوق ليأخذوا لها حقها.

لم تمر أيام حتى أُغلقت قضايانا، وأُسقطت عنا تُهم الإرهاب، ثم أطلق سراحنا بعد التوقيع على إقرارات بعدم تعرضنا إلى أي فعل ينافي حقوق الإنسان ومبادئ القانون الدولي، وتعهدات بعدم رفع دعاوى قضائية عند أية جهة، وعدم التحدث بالموضوع.

Page 8

شلش( 4 )

الطريق إلى البيت يمر بسرعة، تمنيتُ أن لا أصل، أن أبقى أدور وأدور، تساؤلات كثيرة جالت ذهني: كيف لي أن أقابلهم؟.. ترى هل وصلهم الخبر؟.. وهل علموا أنني كنتُ ضمن المشاهير؛ مشاهير الحرية الجديدة والعالم المتحضر؟.. كيف ستقع عيني في عيونهم؟.. وكيف ستكون ردة فعلهم مني؟.. ومن سيكون حاضرًا معهم، ليشهد انكساري واعترافي بالفجيعة؟.. لا شك أن يكون ذلك القسم منهم الذي كنت أستشعر في نظراته معاني الاستصغار وعدم الاحترام قبل اعتقالي سيكون حاضرًا بينهم اليوم.. ترى كيف ستكون نظرتهم اليوم إن كانوا قد عرفوا الذي جرى؟.

نعتقد أن أعزَّ ما نفقده في حياتنا هو الروح، وانها آخر ما يغادرنا... وإذا متنا وزهقت أرواحنا لم يتبق شيئًا نحتفظ به أو نبقيه بعدنا... وما درينا أن الإنسان يبقي وراءه أشياءً، ويأخذ أشياءً أخرى بعد أن يفقد روحه ويموت، فهي تبقى ملازمة له وملتصقة به، أشياء قد تكون أهم من الروح، ولذا فهو يحتفظ بها، ولا يعطيها، حتى إن شعر أن الروح ستكون ثمنًا لها، فالكل مستعد - مع استثناءات قليلة لا تجدر بالحسبان - أن يدفع روحه مقابل أن يستبقي على كرامته، وأن يستبقي ذكر عمله الجميل، وليحظى باحترامه، والكل يناضل جاهدًا كي يصون شرفه.

لكنهم أخذوها كلها، وتركوا أرواحنا.. أخذوا كرامتنا، واحترامنا لأنفسنا، وشرفنا.. لم يبقوا لنا شيئًا لنأخذه معنا، أو نبقيه وراءنا، أخذوها، ويا ليتهم أخذوا ارواحنا معها، أو قبلها.

قريبًا من بيت أهلي، حشود أناس، يبدو أنهم علموا بمقدمي، وها قد حانت لحظة الشعور بالذل والمهانة، التي من المؤكد أنها ستتكرر وتتكرر... آه، فقط لو كان بيدي خيار آخر، لولا أنك يا (أفكار) هنا؛ ما كنتُ أتيت، ولولا خوفي عليكِ من ذئابهم؛ لأخترتُ طريقًا آخر، ولو أنني فقط اطمأننتُ لحالكِ بعدي؛ لسعيتُ لآخذ بثأري، وأردّ كرامتي... لكنني مكبلٌ بكِ، ومخنوقٌ برباطك، وسأتحمل كل شيء لأجلكِ.

ومع اقترابي من كل الإجابات عن أسئلتي؛ كان دويُّ قرع الطبول يصل سمعي، وصوت موسيقى، وأناس تغنِّي... ورويدًا رويدا صارت أصواتهم واضحة :

- ( جانه البطل جانة...وبفرحة خلانه...

بالذل ابد ما قبل... وقفته وقفة جبل...

ردَنه هيبتنه... وأعدانه خافتنه.......).

انتابتني رغبة كبيرة للضحك، مع كل ما تحتمله نفسي من ألم ومعاناة، الضحك من هذا المجتمع ومن معكوساته، من زيفه وخداعه ومن قشوره التي يبدلها كيف يشاء... آه لو تعلمون بما قدمتُ، وبما اُنتزع رغمًا عني.

استقبلني أخي ( سليمان ) بأحضانه ما أن وطأتْ قدماي الأرض.. قال وسط هرجٍ عالٍ :

- الحمد لله على سلامتك.. لقد شرفتنا ورفعت رؤوسنا.. ما قدَّمته كان مفخرةً لنا... كلنا نتكلم عن بطولاتك.

هذه المرة ضحكتُ؛ ضحكتُ على ما قدَّمته، على بطولاتي، وعلى ما رفعتُ به رؤوسهم.. وضحكتُ لأنني صرتُ مفخرةً لهم... أي نفاق وأي دجل هذا الذي نصطبغ به وكلنا يعرف الحقيقة، وإن كان بعضنا لا يعرفها كاملة.

سكت سليمان للحظات، ثم قرَّب رأسه مني وتكلم في أذني بنبرة شعرت بجديتها وحسمها، قال :

- لكن ينتظرك أمرٌ آخر تقوم به لتبقى رؤوسنا مرفوعة.

Page 9

أجفلتني كلماته الأخيرة، وقطع علي ضحكتي المجلجلة، استذكرتها مع نفسي، أعدتُ تذكر صورته وهو يقول : (ينتظرك أمرٌ آخر تقوم به لتبقى رؤوسنا مرفوعة).. ترى ما هو هذا الأمر الذي سأرفع به رؤوسهم؟... شعرت بجسدي كله يرتجف حين افترضته شبيهًا بالأمر الذي رفعتُ به رؤوسهم قبل أيام.

كانت لهفتي لابنتي كبيرة، واشتياقي لها عارم، وحاجتي إلى أن أطمئن عليها مربكة.. فتشت بين الوجوه وأنا أدخل البيت لعلِّي أحظى بوجهها فلم أجده... ارتبكتُ وخفتُ، كان قلقي يزداد مع كل خطوة أمشيها دون أن ألتقي عينيها، الناس تصافحني، وتقبِّلني، كمقاتل جاء من حربه منتصرًا، وأنا أبحث عن (أفكار)... دلفتُ الدار، احتواني حضن والدتي، وقفتْ لتضمني بين ذراعيها كطفلٍ عاد لتوه من ضياع.. إحساس كبير بالأمان شعرت به وأنا بين أحضانها، لكن عيناي لا زالت تفتِّش عن (أفكار)، كانت تقف خلفها، أفلتُ نفسي من بين يدي والدتي وأقبلتُ إليها، احتضنتني باكية، قبلتها، بكت هي، وبكيتُ معها، أحسستُ أنها الوحيدة التي تشعر بهول ما جرى لي، بكينا طويلاً، وقبلتني طويلاً، لكنها كانت حزينة، كان حزنها أكبر من حزني الذي نسيته لحظة لقائها، الدموع تنهمر من عينيها دون انقطاع، سألتها :

- ما بكِ؟... هل جرى لك أي سوء؟

ازداد بكاؤها، أردت أن أتبين السبب.. أعدت سؤالي بغضب :

- هل هنالك شيء؟... هل آذاكِ أحد.. قولي ما بكِ...هيا تكلمي.

توقفت للحظة عن البكاء ونظرت إليَّ، قالت :

- يريدون قتلي.

صدمني كلامها، شعرتُ برغبة كبيرة أن أقوم أنا بالقتل.. أردت أن أقتل من آذاها، ومن يهددها، ومن يريد قتلها.. أردت أن أقتل كل هذا الكذب والزيف والنفاق والوحشية التي بسطت نفوذها وفرضت سيطرتها على سلوكيات المجتمع الجديدة.

سحبني أخي سليمان ناحية غرفة أخرى عندما رآني أقبل هاجمًا عليهم لأعرف سبب تهديدهم لابنتي، وما أن أصبحنا لوحدنا قال لي :

- لقد أخطأتْ ابنتك خطأً كبيرًا، وألحقت بنا العار، الأمر يتعلق بذاك الكلب "سامي" العامل في ورشتك، ولولا أنك غائب لغسل عارها أبناء عمومتها، كانوا يريدون القيام بذلك عاجلاً، لكنني آليت عليهم وأمرتهم أن لا يقدموا على أي فعل حتى تحضر أنت، فتغسل عارنا بيديك... وأنت اليوم رافع كرامتنا، والذائد عن شرفنا.

كانت كلماته خناجر تطعن قلبي، واتهاماتهم مشاهد تتكرر في ذهني لذلك الكرسي الحديدي اللعين، كنت أشعر كل كلمة منها تكبلني، وتدوسني، كان وقعها لا يقل قساوة عن ما فعله السجانون معي.

وقفت مذهولاً لا أعرف ما أقول، مذهولاً من تآمر وحوشهم، ومن تواطئ حملانهم، ومن حكمتهم التي امتهنت السكوت لتغطي جبنها وزيف كلماتها الرنانة.

شعر بذهولي، وبصدمتي، قال :

- يمكننا إصلاح الوضع، بأن نقنع أحد أبناء عمومتها ليتزوجها... ويستر عليها.

هذا هو الأمر إذن، فأما أن يتزوجها (منَّاع)، فيأخذ بالقوة ما فشل بأخذه باللين، ويكسر ذلك الحاجز الذي يشعره بالدونية، وليَبيض بها صفحته السوداء وتاريخه البغيض وليقلب كل موازين الحق والباطل والصح والخطأ، فيكون هو الصح الذي لابد من أن يسير على خُطاه الجميع، وكل ما عداه إنما كان خطأً فادحًا، وتكون هذه النتائج برهانًا له، فتكون (أفكار) جارية عنده.. أو لابد من ذبحها، لتكون مثالاً يعتبر به كل من يقف بوجهه.

اتجهتُ إلى (أفكار) وجدتها كما تركتها، تبكي والدموع تجري أنهارًا على مقلتيها.. ترى هل يحق لي أن أحاسبك عن تهمة أنا نفسي لم أستطع تجنبها؛ وقد تكونين بريئة، فأنا أعرفك وأعلم جيدًا أنكِ بعيدة جدًا من الوقوع بمثل تلك الأخطاء بسهولة، وأنا أعرف نفسي وما جرى لها، وأعرف أنني لستُ بريئًا، فهل أكون مثلهم وأدَّعي الشرف وأقتلك؟... إن ما جرى لي قد جرى لهم كلهم؛ وإن لم يتعرضوا لما تعرضتُ أنا له، فنحن، أنا وهم؛ شركاء في المذلة والهوان.. ومع أن هذا لا يبرِّر لكِ الخطأ، لكنكِ على الأقل تمتلكين نسبة كبيرة جدًا من احتمالية أن تكوني بريئة مما يتهمونكِ به.. أما نحن، فما جرى ويجري لنا كل يوم لهو أكبر دليل على أخطائنا الكبيرة، وعلى تقصيرنا، وعلى استحقاقنا للعقاب أكثر منكِ... وحتى إن كان ما يتهمونكِ به حقيقة؛ فمن يا ترى المقصِّر؟، ومن المتسبب؟. هل هو خطأكِ أنتِ وحدكِ؟ وهل أنتِ السبب كله؟. أم هو من أخذني من بين يديكِ، ليترككِ فريسة لذئاب هو جوَعها؟.. أم أنا عندما سلمت بواقع، ولم أحرِّك ساكنًا في ما يحتمل قلبي من رفض كبير له، فهانت علي نفسي وقبلت أن يتحكم بي وبوطني محتلٌ أجنبي؟.. ويكفي لأتحمل قسمًا من مسؤولية ما جرى لي ولكِ؛ أنني سكنتُ ولم أتخذ موقفًا مشهودًا لأقنع به نفسي، وأقنعكِ أنني قمتُ بواجبي.. أم هم جميعهم عندما شاركوني الرضا بحال الوطن، واذعنوا لواقع الاحتلال وسكتوا عن ذئاب الوطن التي كانت تصطنع السلام، ووجدت الفرصة لتغدر وتهجم على الحملان؟.

إننا كلنا مقصرون، ومتسببون في كل ما جرى، لي ولكِ ولهم جميعًا، فإن أردنا المحاسبة؛ محاسبتك على خطأكِ المفترض؛ فمن الأصح، ومن المنطق أن نحاسب كل من تسبب بتلك الأخطاء قبل أن نحاسب الضحايا.

عدتُ أحتضنها وبكيتُ... جهشت ببكائها، قالت :

- والله يا ابتي... أقسم بغلاوتك عندي، وبروح والدتي؛ أن ما يتهمونني به كذب.

قلتُ لها :

- أصدقِّكِ يا ابنتي، فأنا أعرفك جيدًا، كما أعرفهم... لا تخافي.. سأكون جنبك، ولن أسمح لأحد منهم أن يتكلم معكِ، وبعدها سنرى ماذا سنفعل.

قالت :

- إن كان موتي يرفع رأسك بينهم.. فإنني أقتل نفسي بيدي.. أقتل نفسي ولا أراك تطأطأه.. لكنني لا أريدك أن تظن بي ما يقذفونني به، فأنا بريئة، والله بريئة.

Page 10

شلش( 5 )

كان لابد لي من التحرك بسرعة قبل أن يفلت زمام الأمر من يدي، قلَّبتُ الأمر كثيرًا في ذهني وما وجدت غير طريقين، كلاهما صعب التنفيذ، لكنني مجبرٌ على أن اختار أحدهما، الأول كان أن أطاوعهم وأبقي رأسي بمستوى رؤوسهم التي تصطنع الكبرياء وهي تُداس كل لحظة، فأحمل عاري وعارهم وكل عارات الدنيا، وأضعها برأس ابنتي؛ فأقتلها، فقط ليظنوا للحظاتٍ أن لا عار آخر عليهم غيره، وأنهم قادرون على أن يغسلوا كل العارات التي لحقتهم، وما دروا أن من العار ما لا يغسله حتى الموت... أما الخيار الثاني فهو أن أقتل ابنتي في عقولهم، وأن أُرضي إحساسهم بالحاجة في أن يكونوا شجعانا في وقت بلغ جُبنهم أقصاه، أن ألغي ( أفكار) من واقعهم، وأحتفظ بها في واقعي أنا فقط.

وكان هذا هو خياري الذي عزمتُ عليه: أن ألغي ( أفكار) من واقعهم، وأن أُشبع حاجتهم للإحساس بالتخلص من عارات كثيرة تكدست فوق جباههم بصفقة واحدة هي إيجاد الضحية، ثم التخلص منها.

عندما يكون دورك لتكون المخلِّص فما عليك ألا أن تتحمله، إنَّ كلاً منا يحتاج في حياته إلى عدد كبير من المخلَصين، نحتاج إلى مخلص يتحمل عنا فشلنا، فنرميه عليه.. وإلى مخلص نرمي فوقه أخطاءنا ونحاسبه عليها.. وإلى مخلص يتحمل عذاباتنا بينما نحن نرفل بالسعادة.

أخبرتهم أنني سأتولى الأمر، وسأغسل عارهم، وعاري أنا.. وفي قرارة نفسي كنتُ أتساءل : ( ترى هل سأتمكن يومًا من أن أغسل عاري؛ عاري الذي حطَّ على رأسي يوم دخول المحتل، وعاري الذي احتواني بين قبضات ذلك الكرسي ).

كان صباحًا أسودًا آخر يطل، اصطحبتُها وخرجتُ، طلبت إليها أن تغطي وجهها، أردت أن أهرب بها، لا أعرف إلى أين، لكن لابد من أن أبتعد بها، إلى مكان بعيد لا يصلونه، ولا يعرفها أحد فيه.. فكرَّتُ أن أخرجها من البلد، إلى أي بلد آخر، كان قراري التوجه إلى سوريا، وهنالك أعيش معها، بعد أن أصفِّي كل متعلقاتي، وأبيع ما أملك هنا، فما جدواه إن لم تكن ( أفكار) فيه.. لكن هذا الأمر يحتاج إلى وقت، وإلى تهيئة، فهي لا تملك جواز سفر، وكيف سيتسنى لي أن أراجع بها مراكز إصدار الجوازات، وكيف سيكون الأمر إن صادف ورآني أحدهم بصحبتها، وهم يعتقدون أنما أخذتُها لأدخلها قبرها، ماذا سأقول له حينها، وهل يحتاج القبر إلى جواز سفر؟!.

وجدتُ نفسي استقل بصحبتها سيارة أجرة صوب الموصل، أجرّتُها مخصوص، لي ولها، فكرَّتُ أن استأجر غرفة في فندق ريثما أتدبر أمر جواز سفرها، كان الصباح بدأ ينشر ضوءه على الطريق، ونسيم الهواء البارد يجعل النوم سلطانًا، لكنني حاولت أن أنام ولم أتمكن، جلت بأفكاري وكيف السبيل إلى ما أنا فيه، فتذكرتُ فجأة، وكأن شخصًا نبهني، كنت قد نسيتُ (جواهر) طيلة الأيام الماضية.

عندما تضيق حياة المرء وتواجهه المصاعب فلا يجد خلاصًا منها ترد ذهنه أجمل ذكرياته، ويتمنى يومًا منها، أو ساعة، أو حتى لحظات.

قلتُ لها :

- لقد تعبتُ من بعدكِ عني... أريدكِ عندي.

قالت :

- وأنا الآن عندك.

- لا... إنما أريدك عندي دومًا.

ضحكتْ كعادة الغجر؛ حتى في مصائبهم يضحكون، قالت وكأنها وجدت الحل الأسهل :

- تزوجني إذًا.

فاجأتني... قلتُ :

- أريد أن أتزوجك... لكنني محكومٌ بأعرافٍ تقيِّدني.

أردت أن أستبين مدى جدية ما طرحتَه... قلتُ لها :

- وهل ترضين بي زوجًا لكِ ؟