Page 1
توزر عاصمة النخيل والسحر والجمال
بلاد نخيلها باسقات و مياهها دافقات وواحاتها ساحراتتوزر عاصمة بلاد الجريد والواحة الغناء على الدوام ومصدر السحر وإلهام الشعراء وقبلة الوافدين من السياح من كل حدب وصوب، بحثا عن الراحة والتمتع بالجمال البديع، مدينة كانت ولاتزال محتفظة بأسرارها لا تبوح بها، إلا لمن تمتنت صلته بها فبادلته حبا بحب ووفاء بوفاء.
وصفها الرحّالة التجياني فقال: توزر هي قاعدة البلاد الجريدية وليس في بلاد الجريد غابة أبر منهاوأكثر وتتفرّع عن كل جدول منها مذانب، يقسمونها بينهم على الساعات من النّهار والليل بحساب لهم بذلك معروف ، أمر مقرر مألوف وعلى ذلك الماء أرحاء كثيرة منصوبة ، ومن العجب أن هذا الوادي يحتمل ما يحتمل من غثاء منها ، وهذا ما شاهدته فيها عيانا ، وكثير من أهلها إنما يسكنون بغاباتها ، وبداخل مجمع الماء هناك ومنه يتفرع كما تقدم ويجتمع به القصارون فيشرف هناك ممن الثياب الملونة والأمتعة الموشية ما يعمه على كبره، فيخيل للناظر أنه روض تفتحت ازهاره واطردت أنهاره، وليس بتوزر أحسن من هذا الموضع وهوخارج عن غابتها ، والغاية ملاصقة لصور المدينة ، فهي بذلك تمت حصانتها. هذه هي مدينة توزر عاصمة الجريد، وبلد الثقافة والشعر في تونس والمغرب العربي، تغنى بجمالها الشعراء من قديم الزمان وقتنوا بسحر واحاتها الكثيفة ومياهها المتدفقة، وقد قال فيها عبد العزيز بن حماد متغنيا بجمالها وسحرها:
زر توزر إن رمت زورة جنة
تجري لك من تحتها الأنهار
وقال فيها الشاعر أبوعلي بن إبراهيم:
خبر البلاد لمن أتاها توزر
يا حبذا ذاك الجنان الأخضر
والنخل مثل عرائس مجلوة
في سندسيات اللباس تبختر
ولقد اشتهرت توزر على الدوام، بانها قطعة من الجنة أودعها الله فوق الأرض، وذلك لجمال واحاتها الكثيفة. وهي مدينة موغلة في القدم، ويرجع أصل انبعاث الحضارة في منطقة الجريد إلى العهد البربري ومازالت الرسوم المنقوشة على الكهوف بجبل البليجي على بعد 5 كلم من تمغزة قائمة إلى الآن وأثبت المؤرخون أن حياة توزر الاقتصادية والثقافية المتطورة قد بدأت إبان العهد الفنيقي والفنيقيون هم الذين أدخلوا إلى المنطقة. النخيل المجلوب من العراق أما في العهد الروماني فقد اشتهرت مدينة توزر بحضارتها وقد كانت تسمى في ذلك الوقت باسم"تيزيرس ( TUSURUS" وازدهرت بها التجارة الصحراوية وكثرت فيها الفنادق والمتاجر لخدمة القوافل التجارية وأسست فيها الكنائس الجميلة، ولا تزال بعض الآثار العمرانية من العهد الروماني قائمة بالمدينة إلى اليوم ومنها السد الرومانيث بوادي الصابون والبئر العميقة المربعة الشكل أمام جامع بلد الحضر...
وأثناء الفتح الاسلامي انخرطت توزر في هذا المد العظيم وبقيت محافظة على دورها التجاري والثقافي وكانت قيلة للعديد من الرحالة العرب، الذين زاروها وكتبوا عنها، ومن ذلك ما كتبه عنها البكري الذي وصفها بأجمل الأوصاف وكذلك عثمان بن حجاج في تاريخه حيث أثبت أن الصومعة بجامع توزر شرع في بنائها سنة 412 هجرية وقد تم في سنة 422 هجرية وكذلك الرحالة التيجاني الذي صدرنا بكلامه هذا المقال وابن خلدون والعياشي.
ولقد كانت مدينة توزر على الدوام عاصمة للعلم والعلماء، نبع منها العديد من أبنائها في شتى المعارف والعلوم في مختلف الأحقاب والعصور، ومن علمائها أحمد بن ملولب التنوخي وأبوخالد بن يزيد الخمامي في العصر الأغلبي وفي العصر الفاطمي سحنون بن أحمد التنوخي الذي توفي بتوزر سنة 343 هجرية وأبوالفضل النحوي في العصر الصنهاجي الذي ولد بها سنة 434 هجرية ، وتوفي في بجاية سنة 514 هجرية وهوصاحب القصيد الشهير الذي يقول في مطلعه:
اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالفرج
Page 2
كما برز العديد من علمائها في العصر الحفصي والعصر المرادي ومن أشهر علمائها ابن شباط صاحب نظرية توزيع المياه. أما في العصر الحديث فإن مدينة توزر قدمت لتونس وللعروبة أشهر شعرائها، وهو أبوالقاسم الشابي المتوفي سنة 1934، وهوالشاعر الأكثر شهرة في تونس والعالم العربي، ومن نبغائها في العصر الحالي أيضا الشيخ الخضر حسين الذي تولى مشيخة الأزهر ومات بمصر والشيخ محمد بورقعة التوزري وعميد جماعة تحت السور الشاعر مصطفى خريف وشقيقه الروائي الكبير البشير خريف صاحب رواية: "برق الليل" و"الدقلة في عراجينها" و"بلارة".
ولا تزال توزر منبعا للثقافة والفكر، وقد برز من أبنائها العديد من الاعلاميين والصحافيين النبغاء على مر العصور الذين أنشأوا صحفا ومجلات قديما وحديثا مثل ليلى مامي وصالح الحاجة ومحمد الطاهر المبروك الذي أنشأ مجلة ثلاثية بعنوان( توزر21) وأحمد عامر وغيرهم من الإعلاميين والصحافيين. إن الزمن يختصر كل مسافاته في توزر فيتحول إلى لحظة حلم .
لقد شهدت مدينة توزر على الدوام تحولات حضارية كبيرة ولكنها أبدا لم تتخل عن رونقها وخصوصيتها الحضارية، فهي عاصمة لبلاد الجريد بلا منازع، وشقيقتها نفطة هي الكوفة الصغرى، أما تمغزة شقيقتها الصغرى فهي مدينة الشلالات وعيون المياه المتدفقة على مدى ساعات الليل والنهار.
وفي توزر خاصية معمارية لا تتوفر في غيرها من المدن وهي البناء بواسطة الآجر الصغير الحجم، الذي يستعمل في تجميل الواجهات والمباني وهي كذلك عاصمة الدقلة، ثمار النخلة الاشهي، وقد اشتهرت بإنتاجها لأصناف عديدة من التمور وأشهرها دقلة النور التي يستهلكها التونسيون، وتصدر إلى الخارج أيضا. وفي توزر العديد من الفنادق الساحية الضخمة والمنتزهات وتقام بها على مدار السنة العديد من المهرجانات الثقافية والندوات الفكريسة التي تجلب لها الزوار. ومن أهم مهرجاناتها مهرجان الواحات بتوزر الذي يقام في نهاية فصل الشتاء ومهرجان الشعر العربي والعديد من المهرجانات الأخرى مما يحولها على الدوام إلى قطعة من الجنة مزروعة فوق الأرض ويصح فيها قول الشاعر العربي:
توزر إن شئت رؤية جنة
تجري بها من تحتك الأنهار
وقد قال فيها شاعرها محمد علي الهاني:
هذي بلاد المكرمات سماؤها
حلم يغازله اخضرار الموعد
هذي بلاد المكرمات ترابها
مسك تحلى الشذى والعسجد
هذي جنان الخلد توزر تمتطي
مجدا ومن مجد الآخر تفتدي
بين أزهار نجومها ونخيلها
تهنا على الدنيا بشتى الأبرد
يا أيها الزهر بحسنة
في واحة غناء قرب المورد
مهلا فمجدك بعد حين زائل
والمجد في فردوس توزر سرمدي
إن مشهد الواحة عند الغروب حيث تنعكس أشعة الشمس على سعف النخيل منظر فريد لا تمنحه لك إلا مدينة توزر وحدها دون سواها من المدن... وهوسر من أسرار هذه المدينة الخالدة الفاتنة.
نشر بجريدة الزمان الدولية – لندن
Page 3
قابس جنة الدنيا ودمشق الصغرى
عاصمة الحناء والنخيل والرمان
من مدن تونس الجميلة مدينة قابس التي تقع في الجنوب الشرقي للبلاد التونسية هي مدينة الحناء والنخيل وبوابة الصحراء، وصفها الرحالة التيجاني فقال عنها: وأصبحنا يوم الاثنين مرتحلين فأشرفنا على غابة قابس ووصلنا إليها ضحى فرأينا بلدا قد استوفى المحاسن واستغرقها، واذكر بمنظره وورقه الأخضر جنة الخلد واستبرقها، وقد احدقت غاباته به من جميع جهاته وبهذه الغابة من الجواجق والنخل المتناسق ما يستوقف الطرف ويستوفي الحسن والظرف ويحقق ما قيل أن قابس جنة الدنيا وأنها دمشق الصغرى وهي مدينة بحرية صحراوية فان الصحراء متصلة بها، والبحر على ثلاثة أميال منها.
ومدينة قابس مدينة عريقة ضاربة في القدم وقد أطلق عليها الرومان اسم تكابس وسكانها الأصليون هم بربر وقد مرت بهذه المدينة عديد الحضارات التي مازالت آثارها باقية إلى اليوم في العديد من مناطقها ومدنها. ويقول المؤرخون أن مدينة قابس كانت مفتاحا من مفاتيح إفريقيا وبابا من أبوابها التي ولج منها الفاتحون والمغامرون وقد ساعدها موقعها الجغرافي على خليج سرته على التفتح. وساهم في ازدهار تجارتها وفلاحتها ... فقد كانت مدينة قابس تزود أسواقا عديدة أخرى بمنتوجاتها الفلاحية مثل أسواق جزر قرقنة وجربة وصفاقس وسوسة بالإضافة إلى تحقيق اكتفائها الذاتي في اغلب منتوجاتها. وكانت القوافل التجارية الصحراوية والسفن البحرية تنقل البضائع وترجع محملة بمختلف المنتوجات بواسطة مرفئها القديم الذي يصل إلى المدينة.
اشتهرت مدينة قابس على مر العصور بواحاتها الجميلة التي تسقى من مياه الوديان العديدة والعيون الجارية وبهذه المدينة عيون مياه كثيرة مثل عيون رأس الواد والنحال ويوشمة وعين سلام وعين سنام وعين الأمير الازدري ...
وشكلت هذه الواحات مصدر ثروة وعيش كبير للسكان ومن الأقوال المأثورة للدلالة على تنوع المنتوجات الفلاحية بمدينة قابس انه لا يجتمع صيد البر وصيد البحر وجميع أنواع الثمار والفواكه إلا في مائدة من سكن قابس. ولعبت الواحات دورا مهما في تحصين المواطنين ورد الهجمات على سكانها... وتعرضت هذه الواحات مرات عديدة إلى الانتقام خصوصا على يد الكاهنة البربرية وعلى يد تميم ابن المعزي صاحب المهدية وعلى يد الثائر ابن أبي إسحاق الميزوني الملقب بابن غائبة.
ولكن مدينة قابس أبدا لم تستسلم أوتنكسر فقد كانت تنهض من جديد في كل مرة لتبنى مجددا... وهي تحضن مقام الصحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري الذي لا يزال مقامه قائما ويتبرك به أهل البلد ويقيمون له مهرجانا سنويا.
وقد أولت الحكومة التونسية عناية بهذا الضريح كما توجد في قابس عديد المعالم الدينية الأخرى ومنها المدرسة المرادية التي بنيت تكريما لهذا الصحابي وأصبحت مدرسة لتعليم العلوم الدينية وتحفيظ القران منذ العهد المرادي وعديد المساجد الأخرى وأهمها مسجد السهريج الذي يقع على شاطئ البحر... ومسجد سيدي ادريس وصمعته المتميزة ومسجد سيدي عبد السلام...
وفي مدينة قابس نلحظ اليوم نهضة عمرانية وثقافية واقتصادية كبيرة فقد تحققت بها عديد الانجازات الحضارية كالمعهد الأعلى للتكنولوجيا وكلية العلوم ومطار قابس وميناء غنوش... وقد أعاد العهد الجديد بقيادة الرئيس زين العابدين بن علي الاعتبار لمدينة قابس ويكفي هذه المدينة فخرا أن جل الرحالة العرب قد مروا بأرضها تفيؤوا ظلالها وتذوقوا ثمارها... وتشتهر مدينة قابس بإنتاجها للحناء... فهي مصدر إنتاج هذه النبتة الجميلة التي تستعمل في اكتمال زينة المرأة والعروس بالخصوص كما تشتهر هذه المدينة بإنتاج الرمان وبانتاجها المتنوع من الصيد البحري وخصوصا السمك الأزرق وبصناعتها التقليدية والمتنوعة مثل صناعة المرقوم الوذرفي وصناعة المظلات من سعف النخيل وأشهر المظلات هي التي تصنع في قابس... ولا يمكن لزائر قابس إلا أن يعود منها بالحناء ومظلات الرأس الجميلة وقفاف سعف النخيل الرائعة وفي قابس حركية ثقافية كبيرة وهي تحتضن سنويا ملتقى الرواية العربية ومن أدبائها وكتابها الكبار محمد العروسي المطوي شيخ الأدباء التونسيين والجيلاني بالحاج يحي والشاعر الكبير احمد اللغماني والروائي محمد الباردي والقاصة جنات اسماعيل وعدد من رجالات الصحافة والإعلام.
هذه هي مدينة قابس عاصمة الحناء والنخيل والرمان هي جنة الدنيا ودمشق الصغرى كما وصفها الرحالة التيجاني.
نشر بجريدة الزمان – لندن
وبمجلة مرآة الوسط
Page 4
روسبينا ﴿1﴾...ذاكرتي
اعتدت في كل صائفة أن أقضي مابين أسبوع وأسبوعين في مدينة المنستيرالساحلية،التماسا للرّاحة، وملاقاة الأصحاب والأصدقاء ، والواقع أنّي لا أحب تغيير الأماكن التي أرتادها بسهولة، فلكلّ مكان مكان في قلبي، أرتبط معه بذكريات،خصوصااذا ما شعرت في هذا المكان بالرّاحة التي أبحث عنها. ومدينة المنستير مدينة جميلة وصغيرة، ومن طبعي لا أحب المدن الكبيرة التي لا تهدأ فيها الحركة ، وهي أيضا مدينة مريحة ولا أشعر فيها بالضيق أوالملل..فهناك أشياء كثيرة يمكن رؤيتهافي هذه المدينة ، فضلا عن التمتع بالسياحة على شواطئها العديدة مثل شاطئ القراعية ولافلاز وصقانس ، والتنعم بجمال رمالها الذهبية ،ولا تشعر أبدا في المنستير أنك غريب عن الأهل والديار، فسرعان ما تندمج سهولة في أجواء هذه المدينة ويتلقاك أهلها بالترحاب..
ولقد أصبح لي بحكم ترددي عدة سنوات على هذه المدينة، أصدقاء كثيرون أسعد بملاقاتهم ومجالستهم وقضاء أوقات ممتعة معا.واعتدت أن أقسم يومي على فترات، بحيث لاأظلم العائلة التي جاءت معي طلبا للرّاحة، ولا أحرم نفسي من مجالسة الأصدقاء.. فعادة ما أخصص الصباحات للجلوس في أحد المقاهي الذي يرتاده الأصدقاء، حيث يلتأم مجلسنا، الصديق محمد البدري،الشيخ الأديب محمد محسن البواب ، صالح الجدى وغيرهم .
وهذا المجلس هومجلس معروف، وعادة ما يتخذ لنفسه ناحية في هذا المقهىحيث يدورالحديث حول كل شئ بدءا بأحداث السّاعة والتعليق على ما تنشره الصحف وتبثه الفضائيات الىالحديث عن شؤون الثقافة وأهلها، الى ذكريات صالح الجدّى ، المعلم المتقاعد ، وترحاله عبر عديد المدن التونسية .وحديث الشيخ محمد محسن البواب، وهورجل غزير المعلومات ،ولا ينسى أن يذكر لي أنه عاش سنوات في مدينة سيدي بوزيد وأنه يحن الأن الى زيارتها. أمّا صالح الجدى، فهوعادة ما يتخذ لنفسه مكانا في صدارة المجلس ما أن يستفزّه الأصدقاء حتى يسترسل في الحديث بصوت عال ومرتفع ، فيأخذ محمد البدري هاتفه الجوال، ويشرع في التقاط صور تذكارية له، ويتدخل بشير ويطرح علي نفس السؤال الذي ظل يطرحه منذ سنوات، متى ستنشر صورة صالح الجدي في غلاف مراة الوسط ؟ أنه لا يقل قيمة ولا شهرة عن نجوم الغناء والطرب،ويضيف أنا اعدك باقتناء كمية
من المجلة لتوزيعها على الأصدقاء.فيجيبه صديقه عن .. ومن يشتري مجلة صوره غلافها هي صورة صالح الجدى ، أتريد للرجل أن يفلس؟ !!
وينفض المجلس عند الظهر على أن يتواعد الأصدقاء على اللقاء مجدّدا في العشيّة في مقهى آخر من مقاهى المدينة وعلى عجل يأتي علي الشملي الصحفي والوجه الأعلامي المعروف أو"العميد" كمــا يسـميه الأصدقاء والزملاء.. علي، موزع بين الصّحافة والشعر والعمل بإذاعة المنستير، التي يتوالى بثها بأصوات ألفناها وأحببناها.
Page 5
فتحية جلاد،علياء رحيم، يافت بن حميدة، ربح عبد اللاوي وعبد العزيز فتح الله صاحب خزائن الألحان..
إنضم الى مجلسنا وقد عاد لتوه من سوريا محملا بمجموعة من التّسجيلات النّادرة لأهل الفن والطرب ليمررها في برنامجه خزائن الألحان .
صدفة وأنا في طريق العودة الى البيت ، التقيت علياء رحيم ،كانت تحثّ الخطى بإتجاه الأذاعة ، وعلياء رحيم، منشّطة اذاعية جريئة، لها برامج كثيرة في اذاعة المنستير، وهي تتمتّع بحس ثقافي لا غبار عليه، فهي قاصّة وشاعرة ولها كتب منثورة .. سألتني عن اخر الأخبار وعن مراة الوسط، وعن كتابي الجديد .. وقالت وهي تودّعني .. لابدّ أن أراك مجدّدا لتكون ضيفي في برنامج " فرجة وبعد "أوبرنامج " عقد الأثير" ولكنّني اعتذرت وعلى غير العادة لم ألتق خلال هذه الصّائفة بصديقي الشّاعر "توفيق حليلة"قال لي الحبيب الزناد أنّه لابدّ أن يكون مختفيا في احدى المقاهي..
سألت هل تزوّج؟
قال لي حبيب الزناد ...لا...
وتوفيق حليلة هوأشهر عازب في عالم الشّعراء، فقد تجاوز الثّلاثين بكثير، وكلّ سنة يقول سأتزوّج هذه السّنة ...ويأتيني صوت يافت بن حميدة المنشّط باذاعة المنستير، توفيق يريد أن يظلّ أعزب على الدّوام .
وأسأل حبيب الزّناد عن جديده، فيقرأ لي من قديمه
عيناك.
زيتونتان... لم تدخلا
التعاضد ... بعد..
روسبينا: الاسم القديم لمدينة المنستير
نشر بمجلة مراة الوسط نوفمبر 2006.
Page 6
ومرت الأيام...
وقفصة هي قفصة التي نجبها
في السبعينات من القرن الماضي، كنت تلميذا بمعهد حي الشباب بقفصة... وكانت قفصة في ذاك الوقت تعج بالنشاط الثقافي... من أدب ومسرح وموسيقى وحتى صحافة. فقد شهدت تلك السنوات ميلاد فرقة مسرح الجنوب بقفصة، وكانت تقدم روائعها المسرحية الخالدة مثل «جحا والشرق الحائر» وفيران الداموس وغيرها من المسرحيات التي ولدت على أيدي ثلة من رجال المسرح الذين حلوا بالمدينة لتأسيس هذه الفرقة وفي مقدمتهم محمد رجاء فرحات ورؤوف بن عمر والفاضل الجزيري وجليلة بكار،وانضم إليهم شباب قفصة المغرم بالمسرح مثل عبد القادر مقداد الذي كانت بدايته مع مسرحية «البرني والعترة» والمنصف البلدي والفاضل قلنزة والدالي الهاني وغيرهم...
واستطاعت فرقة مسرح الجنوب بقفصة أن تشكل الحدث الثقافي الكبير في عقد السبعينات واشتهرت أعمالها في كامل أنحاء البلاد وخارجها أيضا فقد سافرت هذه الفرقة بأعمالها إلى كندا ولبنان وسوريا ومصر والمغرب.
وفي مجال الأدب عرفت فترة السبعينات في قفصة نشاطا ثقافيا غزيرا، حيث ولد لأول مرة ملتقى ابن منظور، وحضرنا إلى جانب أساتذتنا أشغال دوراته الأولى والثانية التي شارك فيها عدد من ألمع الباحثين الذي كنا نسمع عنهم فقط ونقرأ لهم في الكتب مثل العلامة المغربي عبد الله كانون والدكتور محمد اليعلاوي وحسن فنطر والشاعرة الفلسطينية التي تعرفنا عليها لأول مرة في ملتقى ابن منظور سلمى خضراء الجيوسي...
كما كان عبد الحميد الزاهي علامة قفصة الشهير وفيلسوفها، يملأ الساحة بمحاضراته في شتى فروع الثقافة والأدب، يرتجلها ارتجالا... كما كان عامر بوترعة يملأ الساحة بشعره، واشتهرت في تلك الفترة قصيدته الرائعة «مع سائحة» وكنا نحفظها عن ظهر قلب ونرددها، كما يردد شباب اليوم أغاني الكليبات.
وكان النادي الأدبي يجمع ثلة من هواة الأدب من الشباب بلقاسم خنوسي ومحمد الهادي بوقرة وبلقاسم التيجاني والصافي سعيد وكاتب هذه السطور وبوبكر الدياري. كنا نجتمع مساء كل يوم جمعة لنناقش إنتاجنا الجديد ونستمع إلى توجيهات عدد من الأساتذة مثل عبد العزيز فاخت الذي أدين له شخصيا بالفضل لأنه صقل موهبتي وكان وراء نشر أول نص أدبي... وكنا ننتقل لزيارة نوادي أدبية أخرى مثل زياراتنا لنادي القصة والشعر بصفاقس الذي كان من رواده الشاعر المنصف المزغني وابتسام المكور وابوبكر العيادي وغيرهم...
ولم تكن السينما غائبة عن المشهد الثقافي فعلاوة على نشاط نادي السينما، ونادي سينما الشباب Ciné Jeunesse بدار الشباب كان الاخضر صويد العائد لتوه من فرنسا يملأ أسماعنا لأنه شارك في بطولة فيلم عمار الخليفي «صراخ» مع الممثلة القديرة سلوى محمد.
وفي معهد حي الشباب كانت هناك حركة ثقافية كبيرة يؤثثها التلامذة المقيمون بالمعهد فقد كانت لنا مجلة حائطية وكنا نقيم أمسيات شعرية... وكان أساتذتنا يوجهوننا، وأذكر شخصيا الأستاذة نجاة مامي التي كانت أستاذتي في مادة العربية... وكانت تعشق اللغة العربية «عشقا لا مزيد عليه».
سنوات طويلة مضت... وقد تفرقت بنا السبل وذهب كل في طريق... ولكن قفصة مازالت هي قفصة يأتيها العاشقون فنعلمهم الشعر والأدب والصبر
نشر بجريدة الصريح التونسية الأحد 16 جانفي 2005.
Page 7
توزر أنجبت كل الشعراء
بين توزر والشعر حكاية عريقة وقديمة؛
فقد يكون الشعر سبق كل شيء ليستقر في هذه المدينة، قد يكون سبق أشجار النخيل الباسقات، وسبق الآجر الأحمر، وسواقي المياه في الواحات، ولا يخلو بيت في توزر من شاعر، أومن رجل أو امرأة يقول الشعر، ويحفظ عيون القصائد والمعلقات. لذلك فالشعر في مدينة توزر يجري على كل لسان. ومن الطبيعي جدا أن تحب توزر الشعر وتحتفي بالشعراء.
بعض المدن في العالم تكره الشعر ولا تحب الشعراء لأنها مدن إسفلتية بلا قلب وبعض المدن في العالم تغتال الشعراء وتكفر برائحة الشعر وبعض المدن في العالم تعادي الشعراء وبعض المدن في العالم تنافق الشعراء أما توزر فإنها مدينة تحب... وتنجبهم وتفاخر بهم.
قد نظلم مدينة توزر عندما نقول أنها أنجبت شاعرا واحدا أو شاعرين أو ثلاثة أو حتى عشرة، مدينة توزر أنجبت كل الشعراء وما من شاعر في الأرض إلا ولمدينة توزر فضل على موهبته. وبعض المدن تعتبرها انهار، والنهر الذي يعبر مدينة توزر هو نهر دافق لا يتوقف ولا تتجمد مياهه.
الشعراء يحبون مدينة توزر، ويقيمون معها علاقات مودة ليس فقط لأنها مسقط رأس الشابي، شاعر تونس الخالد وإنما هم يحبونها لأنها المدينة الوحيدة في العالم التي تستحي من ارتكاب جريمة حب الشعر، وتقديس الشعراء. لذلك فهي تقيم أكثر من مهرجان ورجالها ونساؤها يرتكبون في واضحة النهار خطيئة قول الشعر، وحفظ الشعر ورواية الشعر.
تنادينا مدينة توزر في ذكرى سبعينية الشابي الخالد، فلا نملك إلا أن نلبي النداء، ومتى أخلف الشعراء وعدهم مع الحبيبة، لبيكم يا توزر... فنداؤك مس منا شغاف القلب والواجدان ونحن إليك قادمون... قادمون....
نشر بجريدة العرب الدولية
Page 8
قمودة مهد الحضارات وأميرة الجنائن
والبساتين في تونس الخضراء
في الوسط الغربي للبلاد التّونسيّة تقف مدينة سيدي بوزيد عروس الوسط وأميرة الجنائن والبساتين تحرسها غابات الزّيتون وبساتين اللّوز، يمكن الوصول اليها عبر مدينة القيروان على مسافة ثلاث ساعات انطلاقا من تونس العاصمة ، تحدّها شرقا ولاية صفاقس وشمالا ولاية القيروان وجنوبا ولاية ﭬفصة وغربا ولاية القصرين .
لقد اشتهرت هذه المدينة على مرّ تاريخها بحقولها الغنّاء وبساتينها الخضراء الوارفة
وهي وريثة أمجاد إقليم ﭬمّودة في العهود السّابقة . يذكر المؤرّخون أنّ إقليم ﭬمّودة كان من أزهى الأقاليم في البلاد التّونسيّة وﭬمّودة هوالاسم القديم لمدينة سيدي بوزيد وبشئ من التّوسّع هوالسم القديم لما عليه ولاية سيدي بوزيد حاليا .
ولقد عثر على عديد الحفريّات والنّقائش الأثريّة الّتي تدلّ على ازدهار عمران في هذه المدائن في العصور القديمة مثلما أثبتته حفريّات هنشير الحنانشة بمدينة بئر الحفي وحفريّات هنشير البارود بجلمة والحفريّات الّتي وقع اكتشافها بسيدي علي بنعون وفسقيّة السّماوي بهذه المنطقة. وورد ذكر الاقليم في ما كتبه البكري والرحّالة التّيجاني ودلّت عديد الحفريّات والنّقائش الأثريّة الّتي تمّ اكتشافها بجهة المكناسي والقلاّل ومنزل بوزيّان والهيشريّة على ما كان قائما في هذه المنطقة من عمران، وان لم تبقى لنا من هذه الاثار سوى بعض المعالم مثل القصر الأحمر بمنزل بوزيّان وقد ذكر التّوهامي الهاني في كتابه " تاريخ ﭬمّودة وأعلامها " أنّ مناطق اقليم ﭬمّودة غنيّة بالاثار وذكر منها هنشيرالبارود الّذي يوجد بمعتمدية جلمة وهي اثار رومانيّة تتمثّل في لوحات فسيفساء وكميّة من الفخّار، وتمثّل الاثار حمّامات رومانيّة وأربعة أحواض مزخرفة بالفسيفساء وبئر رومانيّة وبقـايا قنوات الفخّار لجلب المياه وبقايا جدران علوّها 20 صم واسم هـــذا الموقع قديمــا هــم " تاقامودا " وكذلك هنشير النّاير بمعتمدية بئر الحفي ويحتوي على 20 معصرة وخزّان ماء وقوس نصف قسيمة وعدّة أحواض ماء ومعلم مربّع الشّكل وبقايا جدران وعدد هام من الحجارة المنقوشة وهنشير الحنانشة.
وإذا ما دخلنا مدينة سيدي بوزيد وجدناها مدينة الحداثة الإنشاء والتكوين، إذ يعود تاريخ بداية نشأنها إلى بداية القرن الماضي، عندما انتقل إليها العمران مع بداية 1901، ولا توجد بهذه المدينة اليوم بقايا رباطات أوحصون أوقصور على غرار ما نجد في عديد المدن الأخرى... وأقدم بناياتها الموجودة بها اليوم يرجع تاريخها إلى بداية القرن العشرين، وأغلب سكانها جاؤوا إليها من المناطق المجاورة الأخرى واستقروا بها ومارسوا بها أنشطة مختلفة مثل الأنشطة التجارية والفلاحية. وقبل هذا التاريخ كان مركز العمران الأساسي فيها هوتجمع الصداقية القريب منها. ومع بداية نشأة المدينة، بدأت تستقطب وفودا عديدة من السكان من عديد المناطق الأخرى إلى أن غدت من أهم المدن التونسية، وتطور عدد سكانها وتركزت بها المرافق الحضارية والإقتصادية والمصالح الإدارية. وتركزت بها بلدية سنة 1958 ومنذ سنة 1975 أصبحت سيدي بوزيد عاصمة لولاية متطورة.
Page 9
لأبناء هذه المنطقة ولع خاص بالفروسية، حيث تعد تربية الخيول من تقاليد العديد من أبنائها، وتقام في الجهة مهرجانات عديدة تعتبر الفروسية فقرة من فقراتها الرئيسية، مثل مهرجان سيدي علي بنعون ومهرجان سيدي خليف ضمن التقاليد الفلاحية بالجهة تربية الخيول العربية الأصيلة بالمكناسي التي يقام بها سنويا مهرجان للجواد العربي الأصيل يأتيه الزوار من كافة أنحاء الجمهورية التونسية. واكتسب هذا المهرجان في المنطقة شهرة كبيرة. كما تشتهر سيدي بوزيد بتربية الأغنام وتربية البقر الحلوب مما أهلها إلى أن تحل مكانة هامة في إنتاج الحليب. إلى جانب إنتاجها المتنوع من الخضر والغلال والزيتون واللوز. ومازالت لعض الآثار القديمة قائمة في مناطق عديدة مثل قصر خليفة الزناتي بالمكناسي وهوقائد بربري تصدى للغزوالهلالي لما قدم الهلاليون إلى تونس. والقصر الأحمر بمنزل بوزيان وعديد النقائش الأثرية الأخرى التي عثر عليها مؤخرا والتي تدل على ما كانت عليه هذه المنطقة من نمو وازدهار لا تزال بع الزوايا قائمة شاهدة على العمق التاريخي لهذه المنطقة مثل زاوية سيدي علي بن عون وهو ولي صالح مشهور عرف بالتقوى والورع، قام بدور كبير في نشر الدين الإسلامي ومقاومة التطرف خلال القرن العاشر للهجرة، واشتهر بالدعوة إلى تعمير الأرض وزاوية سيدي بوزيد وهوأيضا ولي صالح قدم واستقر بالمنطقة التي يوجد فيها زاويته اليوم، وزاوية سيدي خليف.
وقال البكري في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري متحدثا عن غناء إقليم قمودة : " ومن مدينة قفصة إلى فج الحمار وبه فندق وماجل للماء، إلى الهروبة وهي آخر قرى قمونية إلى مدينة مذكود (أومذكورة) وهي أم أقاليم بلد قمونية، بها جامع وحمامات وأسواق ومساجد كثيرة، وفنادق عدة وأبار عذبة بعيدة الرشاد حوله ثمار كثيرة من جميع الأصناف، أكثرها شجر التين، وهو يفوق تينة إفريقية طيبا، ومن يحمل زبيبا إلى القيروان، فيكون أغلى من سائر التين ثمنا، وأكثر طلبا، وهي غابة من شجر التين لا تظهر لمن قصدها حتى يبلغها، ومن مدينة مذكود إلى جمونس الصابون قرية كبيرة آهلة وبها غدير ماء كبير وبها قرى كثيرة عامرة ".
وقد بقي إنتاج التين من أهم الإنتاجات الفلاحية في هذه الربوع العامرة إلى اليوم، وكذلك بعض ما ذكره البكري بخصوص حفر المواجل لتجميع المياه.
نشر بمجلة االفيصل السعودية
Page 10
بيروت في القلب
رغم أنني زرت لبنان مرة واحدة في حياتي، وكان ذلك منذ حوالي ثماني سنوات بدعوة من مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري لحضور احتفالية توزيع جوائز إحدى دوراتها التي حملت اسم شاعر لبنان الشهير بشارة الخوري، المعروف بالاخطل الصغير فان لي ذكريات كثيرة عن هذا البلد عمقتها تلك الزيارة التي تواصلت أسبوعا.
لقد كانت إقامتنا في بمدينة جونيه الكائنة بالضاحية الجنوبية الجميلة الرائعة، حيث المنازل معلقة في الجبال وحيث الهدوء والراحة والسكينة والجمال يعترضك في كل ناحية تقصدها... وخلال تلك الزيارة التي لن تمّحي ذكراها، زرنا مدنا لبنانية كثيرة ومعالم لبنانية شهيرة، وأهمها قصر الثقافة ببيروت بشارع الحمراء ذائع الصيت، وهو القصر الذي شهد سنة 1961 مبايعة الشاعر احمد شوقي بإمارة الشعر بحضور كوكبة من فرسان الشعر العربي. ولا يملك الزائر للبنان ألاّ يتجول في شارع الحمراء الذي يشتهر بمكتباته الشهيرة، وكل مكتبة فيه هي عبارة عن سوق تجارية واسعة ذات طوابق وتكرمت علينا المؤسسة المضيفة فبرمجت لنا زيارة إلى جنوب لبنان فمررنا بالروشة، وكيف لزائر لبنان ألا يتوقف بها ويزورها.... وفي صيدا عاصمة الجنوب استقبلنا الناس بحفاوة كبيرة... ثم استضافتنا السيدة بهية الحريري بقصرها العامر...لن أعود هنا إلى تفاصيل تلك الزيارة، فقد سجلت بعض ما رسخ منها في ذاكرتي في كتاب «مذكرات صحافي في الوطن العربي» حيث افردت في هذا الكتاب فصلين للبنان... ولكن أعود للكتابة عن لبنان وقد رأيته يستأنف الحياة بكل عنفوان بعد الحرب الظالمة التي تعرض لها وصمد خلالها أكثر من ثلاثة وثلاثين يوما....
كنت أشعر طيلة أيام الحرب، أن شيئا عزيزا مني يتعرض للإعتداء... فلبنان من البلدان التي لا يمكنك ألا ترتبط معها بعلاقة ما... علاقة عاطفية... علاقة وجدانية
وأحيانا تجد نفسك عاجزا عن تفسير هذه العلاقة، المهم، أنك تجد نفسك في علاقة حب لهذا البلد الجميل وعندما تعرّض لبنان للإعتداء... وقصفت القنابل والصواريخ هذا البلد، شعرت كما شعر كل عربي أن هذه القنابل والصواريخ وهذه الوحشية التي تعرض لها الشعب اللبناني أنها تريد أن تغتال في هذا البلد أجمل ما فيه...
تريد أن تغتال الجمال
تغتال الحرية
تغتال الطيبة في القلوب
تغتال البهجة في النفوس
ولذلك شعرنا بالحزن يعتصر قلوبنا لأن لبنان في نظرنا هو بلد كل هذه الأشياء وبيروت عاصمة لبنان، هي عاصمة الجمال والحب والديمقراطية في العالم العربي...