eKtab
EN ع
بنو إسرائيل عبر التاريخ
Read free sample

بنو إسرائيل عبر التاريخ

by د. شفيق الخليل

Page 1

كلمة المؤلف

بداية أود أن أتوجه بالشكر والعرفان لكل أولئك الذين وقفوا إلى جانبي في وضع هذا الكتاب "بنو إسرائيل عبر التاريخ"، والذين كان لهم دور كبير في إخراج الكتاب إلى النور بتشجيعهم لي أثناء فترة الكتابة، وتبادل الآراء حول الكثير من فصوله وأبوابه.. إضافة إلى تقديرهم للفكر الذي طرحته في الكتاب، مما يشعرني بأني مدين لهم جميعًا بكل الشكر والتقدير والعرفان.

بدأت فكرة هذا الكتاب تتجمع لدي قبل عشرين عامًا، ولم أكن معنيًا كثيرًا لأخذ قرار يتعلق بنشره، بل اكتفيت بجمع المعلومات من المصادر التي تدعم وجهات نظري في وضعه، وذلك لعدة أسباب أذكر منها:

1- الظروف السياسية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط خصوصًا في أعقاب بعض التسويات العربية، التي أخذت مكانها تحت اسم اتفاقيات السلام أو الاستسلام مع إسرائيل، والتي لم تجلب لأمتنا سوى الخزي والعار بكل الأسف، وبدء ما يسمى بموجة التطبيع مع العدو الإسرائيلي.. لهذا كان عليَّ أن أتجنب الدخول في تلك المتاهة تخوفًا من سوء فهم القصد واعتباره نوعًا من أنواع التطبيع الذي أرفضه جملة وتفصيلاً.

2- صعوبة البحث وتقصي الحقائق وإعادة نبش تاريخ منطقة الشرق الأدنى الحالي، الذي لا يمثل الواقع الذي تعيشه شعوب المنطقة، خصوصًا وأن تاريخ المنطقة المزور قد أدخل بشكل أو بآخر إلى عقول الناس، ونشأت عليه الأجيال العربية بكل أسف، وترسخ في ما اسميه أنا شخصيًا "تاريخ المستشرقين" في عقول الناس.. مما يجعل الأمر في غاية الصعوبة، خصوصًا وأن شعوبنا بطبيعتها تنفر من كل جديد وتكتفي بما لديها، حتى لو كان الخطأ بعينه، فكان من الضروري ألا تترك هذه المسألة دون البحث فيها ونشر الحقائق المتعلقة بماضي أمة العرب وحاضرها، والاعتداء على تاريخها المجيد وتعرضه للتزوير والأباطيل والروايات الأسطورية، وطمس حقيقة شعوب الأمة وتاريخها الحقيقي.

Page 2

ما من أحد يشك ولو للحظة بأن التاريخ الذي نتبعه ونُعلمه لأبنائنا في المدارس الابتدائية والثانوية والكليات الجامعية لا يمثل الحقيقة التاريخية على الإطلاق، لأنه سبق وأن تعرض إلى التزوير واستبدال الحقائق بروايات أسطورية ومجازية، بعيدة كل البعد عن واقعها الفعلي، وقد بدأت هذه الفكرة تراودني على أثر صدور كتاب بعنوان "التوراة جاءت من جنوب جزيرة العرب"، وقد أسس المؤلف وجهة نظره على المقارنات اللغوية للأسماء القائمة في الوطن العربي وفي المملكة العربية السعودية بالتحديد، وبين المسميات الواردة في التوراة اليهودية، وكان ذلك الكتاب قد تعهدته دار النشر الألمانية "دير شبيغل" عام 1986 تقريبًا بترجمته إلى ست لغات أوروبية، لأنه كان يدعو لإعادة النظر في قراءة جغرافية التوراة، ويقول إنها - أي التوراة - جاءت من جنوب الجزيرة العربية ومن جيزان وعسير بالتحديد، ومن المناطق الممتدة على طول الشريط الساحلي السعودي للبحر الأحمر وصولاً إلى حدود اليمن، فلماذا قصد الكاتب بطلبه إعادة قراءة جغرافية التوراة على أساس أنها لم تكتب في بابل العراق، بل جاء بها موسى عليه السلام من عسير وخميس مشيط وجيزان بعد أن قطع مستنقعًا في عسير إلى بلدة موجود الآن في السعودية باسم "فرعة"، وكان شيخ العشيرة في تلك البلدة لقبه فرعون نسبة إلى البلدة، وأنكر أن تكون قصة موسى الواردة في الكتب السماوية قد حصلت في مصر، كما أنكر وجود ملك فرعوني باسم رمسيس الثاني، وركز على أن أرض المملكة العربية السعودية هي مصدر التوراة، ومصدر الوجود اليهودي الأصلي، استنادًا إلى مقارنة لغوية لا أساس لها.. إذ أنه من المعروف أن اللغة العبرية التوراتية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على نظام التصويت، فإن كتبت الكلمة العبرية أو التسمية بدون تصويتها بمعنى (عدم تشكيلها) حيث لا وجود للإعراب في العبرية خلافًا للغة العربية.. فإذا جاءت الكلمة أو المسمى بدون التصويت فإنه يصبح في الإمكان نطقها وتصريفها لغويًا بأساليب عدة وكذلك إعطائها المعاني المرادة، وهذا ما حدث في تلك المقارنة اللغوية التي تحدث عنها مؤلف الكتاب الدكتور كمال الصليبي، أستاذ التاريخ واللغات السامية في الجامعة الأمريكية ببيروت في ذلك الحين..

فلماذا ركز المؤلف على قضية إعادة قراءة جغرافية التوراة في هذا الزمن بالتحديد؟ سؤال لابد من الوصول إلى إجابة له.. وهي أن التقدم التكنولوجي في العالم، وخلال النصف الأخير من القرن العشرين وقيام الأقمار الاصطناعية بإجراء مسح جيولوجي للكرة الأرضية تبين أن مناطق عسير وجيزان وخميس مشيط في السعودية تعتبر من أغنى مناطق العالم بالذهب الجيد، مما أثار شهية بني إسرائيل للتمهيد بهذه الأفكار لاقتناص المملكة العربية السعودية، باعتبارها أرض التوراة الفعلية وأرض جذور بني إسرائيل، وإلا لماذا تتعهد دير شبيغل الألمانية بترجمة الكتاب إلى ست لغات ونشره، وتوزعه في أوروبا وأمريكا إن لم يكن يخدم الأهداف الصهيونية وأطماعهم بالمناطق الغنية في العالم، وفي الشرق الأوسط على وجه التحديد؟.

أوكلت الصهيونية الدولية إلى ذلك المؤلف مهمة وضع ذلك الكتاب بالمعنى الذي جاء فيه، أو قُل إن الكتاب تم إعداده في الدوائر الصهيونية، وصدر باللغة العربية باسم المؤلف ليبدو وكأنه بحث تاريخي يستند إلى المقارنات اللغوية، ومن الغريب أيضًا أن الذي رشح ذلك الكتاب للنشر في البلاد العربية كان مركز الدراسات الاستراتيجية العربية في بيروت عام 1986، فوجدت نفسي مجبرًا على الرد على تلك الترهات في الكتاب المذكور بنشر حلقات طويلة في جريدة القبس الكويتية بعنوان "السنهدرين اليهودي الثاني"، أو "السنهدرين بيت"، واستمر النشر عدة سنوات إلى أن اجتاح العراق إمارة الكويت فتوقف النشر ولم يصدر كتاب به نظرًا لتلك الظروف القاسية.

هذه المسألة جعلتني على يقين تام بأن تاريخ المنطقة تعرض عن قصد للتشويه من قِبل الحركة الصهيونية وأعوانها، بإعادة تفعيل أهدافها القديمة والحديثة، وإمعانها في تضليل شعوب المنطقة، وإدخالهم إلى متاهات لا حدود لها، وتضليلهم عن طريق التزوير والروايات الخيالية التي لا تخدم إلا المصالح الصهيونية، لذلك أطالب في هذه الكتاب بإعادة النظر ليس في قراءة جغرافية التوراة، بل في إعادة قراءة تاريخ منطقة الشرق الأدنى ككل، لاستجلاء الحقيقة والواقع، وأن يُعاد كتابة تاريخ المنطقة في ضوء المعرفة الحقيقة واكتشافها، فجعلت هذا الكتاب نوعًا من المساهمة المتواضعة مني كباحث في الأمور التاريخية والدينية وصحافيًا ومراقبًا سياسيًا، ودعوة صادقة للمؤرخين العرب للاهتمام بهذه المسألة الحساسة، فقد حان الوقت لمؤرخينا أن يؤدوا واجباتهم الحقيقة في إضاءة شموع المعرفة على طريق الأجيال العربية القادمة، وأن لا يعتمدوا - كما فعل المستشرقون - على التوراة اليهودية كمرجع تاريخي وحيد، بل ينبغي دراسة المكتشفات الأثرية والمدونات التي تم العثور عليها خلال القرن العشرين للوصول إلى الحقيقة المتعلقة بتاريخ منطقة الشرق الأدنى.

الدكتور شفيق الخليل

Page 3

مقدمـــة

بنو إسرائيل عبر التاريخ قديمًا وحديثًا

عندما اختمرت في ذهني فكرة استعراض تاريخ بني إسرائيل في منطقة الشرق الأدنى؛ ترددت كثيرًا حيث شعرت بأن ذلك لن يكون أمرًا سهلاً، إذ أن تاريخ هذه القبائل اليهودية القديمة له جذور عميقة وغامضة أحيانًا في منطقة الشرق الأدنى، وقد يتطلب الخوض فيه الكثير من الجهد والوقت والبحث، كما أن الكتابة به تفصيلاً قد تحتاج إلى مساحات واسعة ومتعددة، غير أنني أثناء ترددي هذا طرحت على نفسي السؤال المهم وهو: لماذا استعرض هذا التاريخ الطويل والمليء بالمغالطات والتزوير والغموض والادعاءات غير السوية، وقد سبقني الكثيرون سواء كانوا من العرب أو من غير العرب في طرق هذا الموضوع الحساس؟ وكان لا بد من إيجاد الجواب المقنع لهذا السؤال، وفعلاً هداني الله إلى الجواب وهو أن هذه الفئة من المخلوقات البشرية التي تعتبر نفسها شعب الله المختار، أو أنه الشعب الذي اختاره الله لنفسه، قد برعت في تزوير الحقائق التاريخية المتعلقة بمنطقة الشرق الأدنى، وبعد أن قرأت في أدبياتهم الدينية أن الإله الذي يعنون هو إله اليهود فقط، وأن اسمه "يهوه"، وأن له مساعدًا اسمه "ميتاترون"، وكما يقولون في أدبياتهم وعلى الأخص "التلمود" أن الله يعمل لمدة ساعتين في اليوم ثم يستريح ويأخذ مكانه نائبه "ميتاترون" ليعمل طوال المدة المتبقية أي 22 ساعة الأخرى من اليوم في تسجيل حسنات بني إسرائيل لذلك اليوم، وهذا يعني أن الله يعمل ساعتين ونائبه يكمل اليوم بعده بتسجيل حسنات بني إسرائيل وكأن الله ونائبه لا شغل لهما سوى تسجيل حسنات بني إسرائيل فقط، أما الكون بنظامه العظيم وكواكبه ومجراته وسماواته وأرضه وما بينهما والبشر جميعًا من غير اليهود، لا يشغل الله نفسه بكل هذه العظمة التي تحتار فيها عقول البشر؛ ولكن يشغل نفسه هو ونائبه الموهوم "ميتاترون" في تسجيل حسنات بني إسرائيل فقط! ألا يدعو هذا إلى الدهشة والاستغراب؟ ليس من ادعاءات بني إسرائيل وحدها بل وأيضًا من الذين تنطلي عليهم هذه الأكاذيب القائمة على الخيالات الواسعة والأوهام التي تفوق كل الحدود، فيصدقونها ويتناقلونها وكأنها حقائق ثابتة منسوبة إلى الله العلي القدير، هذه الافتراءات اليهودية وغيرها كانت العوامل التي جعلتني أحاول استعراض هذا التاريخ اليهودي المليء بالمفاجئات والملابسات والأباطيل، إضافة إلى أن هذه الأقوام التي غزت بلادنا العربية من أقاصي بقاع الأرض تحت ذريعة وعد سماوي من الإله "يهوه"، أهداهم فيه أرض فلسطين مُلكًا أزليًا دون مساعدة من نائب الإله "ميتاترون"، كان العامل الآخر الذي جعلني أقرر وضع هذا الكتاب لكي أصل إلى جزء من الحقيقة ولا أقول الحقيقة كاملة، اطلعت على كتبهم الدينية خاصة التوراة والتلمود وبعض الأدبيات اليهودية، فوجدت أن هناك تزويرًا للحقائق التاريخية، وأن التوراة التي تعتبر - من وجهة نظر بني إسرائيل – سجلاً تاريخيًا لحياتهم ومعاناتهم التي يدَّعون وسبيهم وحروبهم وشتاتهم وتيههم الأكبر، وتبين لي أن توراتهم هذه تشرح الأحداث القديمة دون أن توثقها بالزمن، أي أن التوراة تسجيل تاريخي أسطوري ينقصه التسلسل الزمني، الأمر الذي يترك الباب مفتوحًا أمام نسبة الأحداث إلى أزمنة متغيرة تتفق مع أهدافهم وتطلعاتهم المتعلقة بتحقيق ذلك الوعد المزعوم.

كان لا بدّ لليهود أن يزيفوا تاريخ المنطقة ليساعدهم على الوصول إلى غاياتهم الخبيثة، وقد تم ذلك عن طريق المستشرقين الأوروبيين الذين استقدموهم أو دفعوهم لكتابة تاريخ المنطقة، بما يتلائم وأهدافهم التي عملوا قرونًا طويلة لتحقيقها، ومن المؤسف أننا نحن العرب أخذنا ما كتبه المستشرقون وجعلناه تاريخنا المعتمد دون مناقشة.

Page 4

لا أظن أنني أنا الوحيد الذي يستعرض تاريخ بني إسرائيل في المنطقة العربية، بل هناك الكثيرون من المؤرخين والمفكرين منذ منتصف القرن العشرين الماضي حاولوا أن يضعوا بين يدي الإنسان تاريخ وفلسفة بني إسرائيل، وقد حاول البعض اكتشاف الحقيقة فأصاب نوعًا، والبعض لم يحالفه الحظ في التوصل إلى معلومات كاملة نظرًا لظروف خارجة عن إرادته، ونظرًا للزخم الهائل من التزوير والتضليل في ذلك التاريخ، ولهذا يمكن القول بإن معظم هذه المحاولات لم ترقَ إلى درجة الكمال في التوصل إلى الحقائق وإلى توضيح صورة جذور بني إسرائيل وفكرهم وثقافاتهم الدينية ومعتقداتهم المختلفة وعاداتهم، وحروبهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبين الشعوب الأخرى التي قُدِّر لهم أن يعيشوا بينها من جهة ثانية، ولا ينكر أحد الجهود التي بذلها هؤلاء المؤرخون والمفكرون والباحثون، أو أن يقلل من قيمتها وجدواها، ولست سوى مجرد باحث يضيف شيئًا من المعرفة التي أحسبها ضرورية للقارئ العربي والمسلم عن حياة بني إسرائيل من النواحي التاريخية والدينية والاجتماعية بقدر ما يتيسر من معلومات حول تلك الطوائف الدينية التي جاءت لغزو بلادنا العربية وتمكنت من فرض الهيمنة على عالم عربي مترامي الأطراف.

فلماذا يحاول أهل الفكر تقصي حقائق التاريخ اليهودي؟ الإجابة على سؤال كهذا إنما تأتي من رغبة الباحثين والمفكرين في استكشاف الحقائق الغامضة التي يلفها الضباب حول تاريخ بني إسرائيل ووجودهم في شبه الجزيرة العربية، فيحاولون سبر أغوار حياة وتاريخ وعقائد وتقاليد الآخرين، لكي يكونوا قادرين على دحض المفاهيم المغلوطة أحيانًا والادعاءات التي تقوم غالبًا على الباطل، خصوصًا في غياب المعرفة الحقيقية لطبيعة تلك الطوائف الدينية، خصوصًا في أعقاب غزوها لمنطقتنا العربية في الشرق الأدنى.

التوفيق في هذا الاتجاه لم يحالف البعض من المؤرخين العرب، فلم يتمكنوا من إعطاء صورة حقيقية عن تلك الطوائف القبلية البدوية من أهل الصحاري والبوادي في جزيرة العرب، وقد ترجع أسباب ذلك إلى اعتماد من بحثوا وكتبوا وألَّفوا الكتب في هذه المسألة، على ما جاء في الكتب المقدسة وفي مقدمتها "التوراة"، وما تحكيه عن تاريخ تجرد من التسلسل الزمني، وأقيم على الأساطير القديمة، اعتمادًا عليه أكثر من سرد الوقائع التاريخية بذاتها، ولم يكلف المؤرخون العرب أنفسهم - فيما يبدو – عناء البحث والتقصي والتدقيق فيما أعطته المكتشفات الأثرية، وما توصل إليه علماء الأثار (الأركيولوجيون)، من كتابات ونقوش تحكي تاريخ بني إسرائيل بشكل مغاير لما ورد في كتبهم الدينية من أحداث بالمقارنة مع ما جاء في تلك الكتب، ومن خلال المكتشفات والأبحاث والكتابات والنقوش التي جادت بها الحفريات الأثارية خلال القرن الماضي، نرى أن التاريخ التوراتي الغامض والمبهم، لا يُعد أكثر من جانب جزئي، يجافي الصواب في أغلبه من تاريخ بني إسرائيل وجذورهم الممتدة عميقًا في الزمن في الصحاري والبوادي الشاسعة المترامية الأطراف، في منطقة عُرفت مؤخرًا بمنطقة الشرق الأدنى..

(وهنا ينبغي أن أنوه بأن المقصود بالتوراة هي الأسفار الخمسة الأولى في الكتاب المقدس (البنتاتويخ)، والتي نسبت لموسى عليه السلام، ولا أقصد الكتاب المقدس ككل، لهذا رأيت أن أشير إلى هذه الحقيقة من واقع الحرص الشديد على احترام وتقدير الديانات السماوية جميعها، وإننا هنا نتحدث عن الأسفار الخمسة الأولى في الكتاب المقدس من النواحي التاريخية، ولن ندخل في صلب المعتقدات الدينية أو العقائد المختلفة للشعوب، إذ أننا بصدد بحث تاريخي لا عقائدي على الإطلاق).

في أعقاب قيام دولة صهيونية في منطقة الشرق الأدنى عرفت بدولة "إسرائيل"؛ استطاعت خلال مدة وجيزة من قيامها أن تبهر الشعوب الأخرى وتستحوذ على انتباههم، وتوجه فكرهم إلى ما هو بعيد كل البعد عن الحقيقة، بما قامت به من أعمال وما نشرته من إعلام لا يمت إلى حقيقة مأساة شعب فلسطين العربي، ولا إلى واقع معاناة شعوب الشرق الأدنى بسبب وجودها في المنطقة وادعاءاتها بوعد سماوي يمنحها شرعية اقتناص الأرض والهيمنة على الشعوب الشرق أوسطية، واقتناص خيراتها وتسخيرها لخدمة الأهداف الاستعمارية العنصرية، وقد أعلنت عن نواياها بتهويد كل الأرض الفلسطينية بالتركيز على تهويد مدينة القدس، وإعادة بناء هيكل سليمان المزعوم، وحيث أن عمليات التهويد والإعداد لبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في ظل التداعيات والانقسام والتشرذم العربي، وما آلت إليه أحوال الفلسطينيين بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، فقد أخذت مخططات الصهيونية الدولية تطل برأسها غير آبهة بالاعتراضات العربية الخجولة، لهذا دفعني شعوري بالواجب تجاه الأمة التي أفخر بالانتماء إليها، وكباحث في الشؤون السياسية والتاريخية والدينية أن استعرض تاريخ بني إسرائيل، وعقائدهم الدينية الواردة في التوراة والتلمود، واستغلال النصوص الواردة فيهما سياسيًا ونفسيًا للتأثير على عقول البشر في العالم، باللجوء إلى الأكاذيب والتضليل والخداع فيما يتعلق بإقامة دولة لليهود على أرض فلسطين العربية.

العلماء والمنقبون الأثريون والمؤرخون بحثوا خلال نصف القرن الماضي في جذور هذه الفئة، التي استطاعت رغم قلة عددها أن تفرض على سكان الكرة الأرضية ذلك الزخم من الهيمنة الفكرية والسيطرة، وأعطت الانطباع الجبار عن بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار! لدرجة أن البعض من العرب أصبح يؤمن بهذه الأسطورة اليهودية، فجاءت أبحاث بعض هؤلاء العلماء والمؤرخين من غير العرب، حقيقية بعيدة عن الغموض التوراتي..

Page 5

ومنهم من أغفل عدة جوانب لا تخدم مصالح اليهود، خوفًا من الاتهام بمعاداة السامية، ومنهم من كرَّس بحثه للوصول إلى الحقيقة المجردة دون النظر إلى تحيز معين، ودون التخوف من التشويه والعقاب والاتهام بمعاداة السامية والإنسانية.. الخ، وكان من ضمن الباحثين عدد من اليهود الذين تجردوا من انتماءاتهم وكرسوا أبحاثهم للوصول إلى الحقيقة، وليس شيئًا آخر سوى الحقيقة، فجاءت أبحاثهم جادة حازت على إعجاب المحافل الفكرية والتاريخية العالمية، وتبوأت مكانة مرموقة لدى أهل الفكر، ولاقت التقدير والإعجاب على كافة المستويات باستثناء الدولة العبرية العنصرية بطبيعة الحال، وبعض الجماعات اليهودية المتعصبة والعنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول العالم الأخرى، وهنا لا بد من الاستشهاد بما ذكرته الأكاديمية "هلين صادر" أستاذة علم الأثار في الجامعة الأمريكية ببيروت تحت عنوان: (أريحا كانت مهجورة في تلك الفترة مما يختلف مع ما جاء في التوراة).

تقول الباحثة هلين صادر إن الاتجاه السائد في علم الأثار يأخذ بآراء يتناقض بعضها مع ما ورد في نصوص توراتية عن اجتياح الإسرائيليين لفلسطين، وكذلك وجودهم التاريخي في مصر، وترى الدكتورة صادر أن الحفريات الأثارية في السنوات الثلاثين المنصرمة أدت إلى التوصل إلى معلومات جديدة، سمحت بإعادة النظر فيما يسمى مجيء الإسرائيليين إلى بلاد كنعان، وتسمح هذه المعلومات كذلك بإعادة النظر في موضوع القول بوجود الإسرائيليين في مصر كشعب واحد، وإنهم تركوها "بقيادة موسى ودخلوا فلسطين بقيادة يشوع بن نون كجماعة موحدة"، وهم الذين يوصفون بأنهم كانوا (12) قبيلة أو سبطًا، وإنهم احتلوا فلسطين في حرب واحدة.

هكذا تفسر الرواية التوراتية مجيئهم وسكنهم في بلاد كنعان، ووردت في التوراة قائمة بكل المدن التي قيل إن العبرانيين احتلوها، وقد جرب العلماء سابقًا أن يجدوا إطارًا تاريخيًا لما ورد في التوراة، فنظروا في التاريخ المصري ليروا من كان الفرعون خلال فترة بناء مدينة رعمسيس، التي قالت التوراة إنهم كانوا يبنونها، وقد ورد في التوراة في الإصحاح الأول من سفر الخروج عن الإسرائيليين أن المصريين جعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم، فبنوا لفرعون مدينتي مخازن "فيثوم ورعمسيس"، ولكن المصريين انتقموا من بني إسرائيل بسبب مناصرتهم للهكسوس في احتلال مصر السفلى، فاستعبدوهم بعنف.

ربما يكون رعمسيس الثاني عاش في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولأن في التوراة ذِكرًا لمدينة اسمها مدينة "رعمسيس" التي تقول النصوص المصرية إنه بناها، فقد اتخذ هذا الأمر إطارًا تاريخيًا وضعت فيه قصة خروج الإسرائيليين من مصر، وتضيف الدكتورة صادر إن هذا الإطار الأول كان مقبولاً في الفترة الأولى، لكننا نعرف من جهة ثانية، أن خضة كبيرة أو أزمة شمولية وقعت في الشرق الأدنى – سوريا ولبنان وفلسطين – انتهت على أثرها كل حضارات الألف الثانية قبل الميلاد ومنها: الحثية والمسينية ودخل من سموا بشعب البحر إلى مصر من فلسطين ومن البحر، كما أسسوا مدنًا في جنوب الساحل الفلسطيني.

ويقال أيضًا إنه في الوقت نفسه الذي هدمت هذه الشعوب حضارة الألف الثانية قبل الميلاد على الشاطئ السوري - اللبناني – الفلسطيني، دخلت قبائل آرامية قديمة وأسست دويلات آرامية في سوريا، وقبائل إسرائيلية دخلت فلسطين وأنهت حضارة الألف الثانية الكنعانية، إذن كان هذا هو الرأي التقليدي كما تقول الدكتورة صادر، إلا أن أول اهتزاز لهذه النظرية جاء من علماء التوراة أنفسهم خاصة من مدرسة ألمانية تقول إنه يتبين لدى التعامل مع التوراة بنظرة نقدية أنه لم يحدث أي غزو يهودي لأرض فلسطين.

وللتوراة عدة قصص تفسر مجيء الإسرائيليين إلى بلاد كنعان (فلسطين) منها اثنتان متعاكستان، قصة تقول إن إبراهيم عليه السلام جاء من "أور" الكلدانية في بلاد الرافدين وسكن فلسطين، والثانية هي قصة "الخروج" وهذا يعني أن هناك عدة قصص جمعت في التوراة، فالتوراة كما نعرفها لم يكتبها رجل واحد بل هي مجموعة وحدات جاءت على فترات مختلفة وجمعت بالشكل الحالي في القرن الثامن بعد الميلاد، وتبين أن الكتب التوراتية خاصة سفر "الخروج" هي تقاليد كتبت متأخرة بعد رجوع الإسرائيليين من السبي في بابل، وكل هذه القصص كما تقول الدكتورة صادر هي أقرب إلى "أسطورة"، من حيث أنها تسعى إلى أن تفسر بعد زمن طويل ضاعت فيه الذاكرة قصة نشأة معينة أو أصل معين.

وتضيف: أما النصوص التاريخية فلا علاقة لها بالمعتقد الديني، العلماء الألمان كانوا أول من نظر في هذه المسألة بهذا الشكل إذ أنهم رأوا أن الأمر ليس أكثر من قبائل كانت تروح وتجيء متنقلة في مناطق "الأطراف" ثم استقرت، وكانت هذه أول "زعزعة" للقصة التوراتية عن تاريخ الإسرائيليين، أما الزعزعة الثانية فقد صدرت عن علماء الأثار المتخصصين في موضوع التوراة، من خلال سعيهم إلى التأكد فيما إذا كان ما ورد في التوراة قد حصل فعلاً أم أنه لم يحصل، فكانت حصيلة أبحاثهم أنه من كل المدن والبلدات التي ورد أن الإسرائيليين احتلوها رصدت في واحدة أو اثنتين بمستويات من الدمار لطبقات العصر البرونزي الحديث، والمفترض أن الإسرائيليين سكنوا في تلك المدن، لكن لم يظهر أي دمار يدل على ذلك، وأعظم مثل على هذا الأمر قصة "أريحا" واحتلالها وتدمير أسوارها بالطريقة التي تصفها التوراة مما لا ينطبق على الواقع، فأريحا كانت مهجورة في تلك الفترة، وكذلك ما عرف باسم "خربة التل"، فإنها لم تكن موجودة أساسًا كي يجري احتلالها. كما أن المكتشفات الأثرية الحديثة تؤكد أن مدينة أريحا كانت مدينة مدمرة ومهجورة قبل ما لا يقل عن ثلاثمائة سنة قبل وصول الموسويين إليها، مما ينفي نفيًا قاطعًا ما جاء في التوراة حول تدمير أريحا على أيادي بني إسرائيل ويشوع بن نون.

أما ما تسميه الباحثة الأكاديمية اللبنانية "البرهان القاطع" فقد توصل إليه العلماء الإسرائيليون بعد سنة 1967 واحتلال الضفة الغربية ووسط فلسطين، فقد أجرى هؤلاء العلماء مسحًا شاملاً لفلسطين كلها، منطقة السهول التي كان الكنعانيون فيها وكذلك منطقة الجبال الوسطى، ونتج عن ذلك اكتشاف مئات المواقع الأثارية الصغيرة، التي هي أقرب إلى مستوطنات أو مواقع ريفية ولم تكن مدنًا كبيرة.

Page 6

ونتيجة الحفريات التي أجروها في هذه المستوطنات اتضح أن كل طرق الحياة لم تتغير عما كانت عليه قبلاً، وأن الناس كانوا هم الناس أنفسهم دون أن يجري أي انقطاع حضاري، بل جاءت الأمور تكملة لما كانت عليه في السابق الحياة المدنية توقفت لمدة قرنين وازدهرت بدلاً منها المستوطنات الريفية، إلا أن أهل المستوطنات كانوا يعرفون الزراعة، أي أن أغلبهم لم يكونوا بدوًا بل من سكان تلك الأرض، وقيل إن المستوطنات جمعت شرائح اجتماعية متعددة، قسمًا من البدو أو شبه البدو وقسمًا من الحضر، سكنت فيها وتعايشت في فترة من انعدام الاستقرار.

والاستنتاج الذي خرج به هؤلاء العلماء هنا؛ هو أن هذا الشعب نفسه أكمل حياته ولم يدخل عليه أناس من الخارج حاملين معهم حضارة جديدة، بعد ذلك عاد الاستقرار إلى هذه المستوطنات، وتدريجيًا أخذت تنشأ مدن بدلاً منها واحدة تلو أخرى.

وتتحدث التوراة عن وجود الإسرائيليين في مصر لعدة أجيال، أما تاريخيًا فليس هناك نص مصري يذكر وجود الإسرائيليين، هناك نص واحد هو نصب ملكي للفرعون "ميرنبتاح" الذي عاش في القرن 12 – 13 قبل الميلاد، وقد جاء فيه أنه تغلب على "إسرائيل" لكن كلمة إسرائيل هنا تتضارب فيها التفسيرات، فالبعض يعتبرها إشارة إلى شعب إسرائيل، والبعض الآخر يعتبرها اسمًا لمنطقة في شمال سيناء أو ما يعرف اليوم بمنطقة النقب في جنوب فلسطين، ومع أن العلاقات بين فلسطين ومصر قامت منذ آلاف السنين فليس هناك ما يدل على وجود الإسرائيليين في مصر، والسبب في هذا قد يرجع إلى أن الإسرائيليين دخلوا مصر مع الهكسوس، وكانوا قد تذوبوا في البيئة الهكسوسية واعتبروا من الهكسوس الذين غزو مصر السفلى وحكموها لمدة 150 عامًا، وهم يرجعون في أصولهم إلى بلدان في آسيا الصغرى.

العلماء الإسرائيليون على أساس أبحاثهم الأثارية ونتائجها توصلوا إلى نتيجة، هي أنه لم يكن هناك غزو لفلسطين كما جاء في التوراة وليس هناك من دلائل سوى تلك التي تشير إلى استمرارية الحضارة في فلسطين لكن في أوضاع اقتصادية واجتماعية مختلفة، وبعد هذه الفترة الانتقالية نشأت مملكتان - هما يهودا والسامرة - لا شك في تاريخيهما، إذ ذكرتا في نصوص غير توراتية، منها نصوص أشورية وبابلية وغيرها، وأهلهما ساميون عبدوا آلهة متعددة، أما التوحيد فقد توصلوا إليه في فترة متأخرة.

ويستمد من نصوص مختلفة أن فكرة آلة خاص بالجماعة انتشرت في الجنوب في مملكة يهودا، فتكونت ديانة التوحيد في القرن السادس قبل الميلاد، وتأصلت بعد السبي إلى بابل، حيث صار العائدون يكتبون قصص التوراة، والآن هناك فريقان من العلماء، فريق يأخذ بهذه النظرية، وفريق آخر يرفضها ويقاومها، ويبقى متمسكًا بالنظرة التقليدية في هذا المجال.

اجمع علماء التاريخ والأركيولوجيا بأن كتابة التاريخ تأتي على نوعين.. الأول أسطوري يقوم على الروايات المتوارثة والمتناقلة من جيل إلى آخر، ومعظمها روايات مجازية تختلف في نصوصها بين جيل وجيل وبين مكان وآخر أيضًا، كما أن الروايات بحد ذاتها تخضع غالبًا للمبالغة أحيانًا نظرًا لتعدد الرواة واختلاف أساليبهم، فلكل راوي أسلوبه في التعبير والوصف، فإما أن يزيد على الرواية التي سمعها أو ينقص منها، وهكذا مع مرور الزمن وباختلاف الرواة تصبح هذه الرواية أو تلك أسطورية مشوهة إلى حد كبير، وبعيدة كل البعد عن الواقع، ولهذا أطلق الباحثون والعلماء على هذا التاريخ اسم (التاريخ الأسطوري). أما النوع الثاني فهو التاريخ المدون، وهو الذي يقوم على المكتشفات الأثارية الحديثة والكتابات القديمة والنقوش التي وجدت على تلك المكتشفات، خصوصًا ما تم اكتشافه خلال القرن العشرين بما توفر للإنسان من وسائل تقنية ساعدته على قراءة الكثير من الكتابات القديمة التي كانت غامضة سابقًا وفي مقدمة تلك الوسائل الحاسوب الإلكتروني (الكمبيوتر).

كان لابد لنا نحن العرب أن نبحث في ذلك التاريخ الطويل باعتباره سجلاً حافلاً بحياتنا في المشرق العربي، وبعد أن تأكد لنا أن التاريخ التوراتي هو تاريخ لا يفي بالحاجات المطلوب معرفتها، وقد تكونت لدينا القناعة بأن أحبار اليهود حين دونوا التاريخ التوراتي كانوا تحت تأثير الأحلام السياسية بالعيش في منطقة الشرق الأدنى الغنية، وتخطيطهم المتعلق بغزوهم لأرض كنعان (فلسطين)، واحتلالها لتكون نقطة انطلاق لبلدان المنطقة التي يرمون إلى إخضاعها واقتناص ثرواتها وخيراتها، وقد تم ذلك تحت عباءة وعد سماوي لهم بتلك الأرض، وكأن السماء التي وعدتهم بها كانت وكالة عقارات مرخصة، أو شركة متخصصة في إصدار سندات الملكية برئاسة نبي الله إسحق عليه السلام - وإسحق من هذا بريء - وأن الإله يهوه هو مالك تلك الأرض، يهبها على هواه لمن يشاء دون أدنى اعتبار لمصير أصحابها الحقيقيين وسكانها الأصليين! فإن صدقت روايتهم – ولن تصدق – فإن ذلك يدعونا إلى الاعتقاد بأن يهوه هذا إله غير عادل على الأقل، أو أنه بدعة من وحي خيالاتهم وليس له وجود بالأساس، وما أكثر بدع هذه الطائفة! وما أكثر افتراءاتهم التي جاءت في التوراة وكتبهم الدينية، خصوصًا ما جاء في التلمود من قصص مجازية غير حقيقية.

لقد تحقق لهم هذا الهدف بعد أكثر من ألفيتين ونصف الألفية وبعد أن عملوا جديًا لاحتلال فلسطين كنقطة انطلاق إلى كافة بلدان الشرق الأدنى، وقد عملوا هذه المرة بأسلوب مختلف عن الأساليب السابقة، فكانت خططهم الجديدة تتركز حول امتلاكهم لكل وسائل القوة وعلى رأسها قوة (الذهب والمال)، فجمعوه من كل أرجاء الأرض ووضعوه في خزائنهم وسخروه كقوة كبرى، باعتباره القوة الأكبر في السيطرة على الأمم الأخرى واستغلالها لخدمة أغراضهم، كما نشاهده في هذا الزمان من الهيمنة الخفية على أكبر دولة في العالم الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى معظم الدول الكبرى الأخرى ونرى كيف تمكنوا من جر الأمريكيين وغيرهم لخوض حروب بالنيابة عن إسرائيل كلما دعت الحاجة، كما هو الحال في أفغانستان وفي غزو العراق العسكري الثلاثيني واحتلاله، وعن طريق الذهب وضعوا النظام المالي العالمي ونظام صندوق النقد الدولي، وفرضوا هيمنتهم الخفية على معظم شعوب الأرض ودول العالم، وسخَّروا هذه الهيمنة لخدمة هدفهم الأول وهو إقامة دولة لليهود في منطقة الشرق الأوسط، لتكون اللبنة الأولى في إحكام السيطرة على بلدان وشعوب المنطقة العربية، والأسباب معروفة لا تحتاج إلى تفصيلات وشروحات، فإن ما يتوفر في المنطقة العربية من خيرات طبيعية تحكي عن نفسها بنفسها وتجعلها عرضة لأطماع الطامعين، كما أن من يسيطر على الشرق الأوسط يضمن هيمنته وسيطرته الكاملة على دول العالم وبإمكان الحركة الصهيونية بعد تثبيت تلك السيطرة الإعلان عن هدفها الأكبر وهو بعث دولة العالم الواحدة يرأسها ملك من نسل داود.

Page 7

حاول العرب أن يقاوموا المد الصهيوني الذي اجتاح بلادهم بغزو خفي الأول من نوعه خلال الألفيتين السابقتين، غير أن التصدي العربي لهذا الغزو أخذ منحى التقليدية دون أن يدركوا أن الغزاة الجدد يختلفون اختلافًا كليًا عن أي غزاة آخرين، الأمر الذي أدى إلى الفشل الكامل في وقف الزحف الصهيوني، علاوة على أن العرب لم يتمكنوا من فهم العقلية الصهيونية اليهودية فهمًا دقيقًا، ولم يكلفوا أنفسهم عناء ومشقة البحث والتدقيق والتمحيص للوصول إلى المعرفة الحقيقية للفكر اليهودي الغازي لبلادهم والسبب الرئيسي لذلك الإهمال العربي يرجع إلى عوامل عديدة، أهمها طمس دور الحضارة والثقافة العامة العربية التي سبقت ظهور الإسلام، إذ اعتبر العرب تلك العهود "عصور جاهلية"، وصنفوها بالجاهليات الأولى والثانية.. الخ، مما يتهيأ للباحثين والعلماء أن العرب كانوا يعيشون طوال حياتهم متنقلين بين جاهلية وأخرى، برغم أن الجذور العربية في منطقة الشرق الأدنى عميقة جدًا، وموغلة في القدم، وقد نمت من تلك الجذور أعظم الحضارات الإنسانية بكل فروعها، مثل حضارة الكنعانيين العرب والسومريين والبابليين والآشوريين والعموريين والفينيقيين والحثيين والكلدانيين والآراميين، وأقدمها أيضًا حضارة العرب الفراعنة في وادي النيل التي لا زال العالم بأسره يقابلها بالإجلال والتكريم، ولكن ما يؤسف له حقًا، أن عرب هذا الزمان لم يدركوا حتى اللحظة أن الفراعنة كانوا من أصلاب العرب واقحاحهم، الذين عبروا في هجرات متلاحقة من مناطق جنوب جزيرة العرب إلى وادي النيل، سعيًا وراء الخصب والمرعى، واستقروا هناك ثم أقاموا أكبر حضارة عرفتها البشرية وأسسوا نظام دولة كان الأول من نوعه في العالم القديم. ومن المؤسف أيضًا أننا نعتبر الفراعنة أقوامًا غربية غريبة عنا لا تعرف أصولها، وأنهم كانوا غزاة من الأجانب جاءوا إلى وادي النيل من جهات مجهولة، لدرجة أن البعض ممن يرفضون العروبة يقولون بجهالة "نحن لسنا عربًا بل فراعنة"، وسوف نعود للحديث عن هذه المسألة والتأكيد على هوية الفراعنة العربية في فصل لاحق من هذا الكتاب.

أما السبب الآخر والمهم فإنه يرجع إلى الاعتماد على مراجع التاريخ التوراتي الذي يفتقر إلى التسلسل الزمني، وعلى التاريخ الذي وضعه المستشرقون الأجانب استنادًا إلى التوراة اليهودية، وبالتحديد الإصحاحين التاسع والعاشر من سفر التكوين، وإهمال المكتشفات الأثارية الواسعة التي تحققت خلال القرن العشرين، والتي تحكي حقائق التاريخ القديم خلافًا للتاريخ الأسطوري القائم على الروايات والقصص المتناقلة من جيل إلى جيل، ذلك التاريخ الذي اخضع عن قصد وتعمد إلى "الميثولوجية" الواسعة التي أعطت فرصة لتزييف الحقائق التاريخية، خصوصًا فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأدنى التي كانت ولا زالت عيون العالم تتطلع إلى خيراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية الهائلة.

لا أحد ينكر بأن ما تعرضت له منطقة الشرق الأدنى على مدار الألفي عام الماضية خصوصًا خلال الألفية الثانية بعد الميلاد قد أخَّر إلى حد كبير انطلاقة شعوبها، وفرض نوعًا من التخلف الفكري ثم ساهم في وجود الإهمال العربي في معرفة حقيقة الدور العربي ومعرفة الفكر المعادي الذي اجتاح المنطقة، لهذا فقد نجد بعض الأعذار لمفكرينا في مثل هذا الإهمال، غير أننا نأخذ عليهم مأخذًا بركونهم إلى واقع جميعهم يعرفون أنه بالإضافة إلى كونه مريرًا، فإنه أيضًا يتنافى مع الحقائق الفعلية لدور شعوب المنطقة العربية.

خلال الألفية الثانية الميلادية كان تعداد سكان العالم لا يزيد على مئات الملايين من البشر، وقد ارتفع في نهاية الألفية إلى حوالي ستة مليارات، وكان متوسط العمر 30 عامًا، ليصل في نهاية الألفية إلى 60 عامًا ويزيد، كانت أوروبا في بداية الألفية الثانية مجموعة من الممالك التي برزت عشوائيًا في عصور الظلام بينما كانت الدولة العربية الإسلامية في منتصف الألفية الثانية تقريبًا تمتد من شمال أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا مرورًا بالقارة الهندية وأسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا ونمت معها الحياة الفكرية الرائدة على نطاق واسع للغاية لم يسبق لها مثيل في تلك العصور.

مكتبة غرناطة في الأندلس العربية وفي ذلك الوقت الذي كان الظلام فيه يخيم على أوروبا، احتوت على أربعمائة ألف مجلد ضخم تبحث في كافة العلوم والثقافات والحضارات الإنسانية، وتوغل العلماء العرب والمسلمون في أرضيات الطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء والفلك، لا أريد الإسهاب في تعداد الأدوار العربية والإسلامية في الحضارة الإنسانية، وفي استعدادات العالم في الألفية الجديدة والاهتمام بها، وأفضل أن أذكر بأن علينا نحن أمة العرب دورًا كبيرًا في هذه الألفية بما يليق بماضينا المشرف وبما يخدم مصالح شعوبنا العربية، وبما يحقق لأمتنا اللحاق بركب الحضارة الإنسانية والإسهام من جديد في كافة الميادين الثقافية والعلمية، بما يليق بهذه الأمة الرائدة ومكانتها بين الأمم.

وهنا أود أن أذكِّر بأن مجلة "لايف الأمريكية" أصدرت عددًا خاصًا في نهاية الألفية الماضية، احتوى على أسماء مائة شخصية عالمية أبدعت بعلومها واكتشافاتها وثقافاتها، وأعطت البشرية زخمًا جديدًا من التقدم الحضاري والعلمي، وكان من بين المائة شخصية عشرة علماء من أصول عربية أي 10% من علماء العالم كانوا من العرب كرَّمتهم المجلة بنشر نبذة تاريخية عنهم، ألا يحق لنا أن نفخر بهذه الحقيقة؟.

العرب حاولوا مقاومة المد الصهيوني المتغلغل في منطقة الشرق الأدنى، ونشبت عدة حروب بين العرب واليهود خلال الستين عامًا الماضية، انتهت جميعها بفشل العرب في وضع حد للتوسع الإسرائيلي، فبعد الهزيمة العربية الأولى عام 1948 والتي نتجت عن دخول الجيوش العربية إلى الحرب على أساس تقديرات خاطئة، إذ كانت الأنظمة العربية في ذلك الحين تعتقد أن اليهود ما هم إلا عصابة من المتشردين، ولا يحتاج القضاء عليهم أكثر من أيام معدودات، ولما بدأت القوات العربية في الحرب ضد اليهود في فلسطين يوم الخامس عشر من أيار عام 1948 تبين أن تقديراتهم كانت لا تقوم على أساس، ولا حتى على الحد الأدنى من المعرفة بعدوهم، فأولاً كانوا يجهلون لغته ومعتقداته وخبثه ومؤامراته، واعتماده على الجواسيس والمخبرين، واختراق هيئة الاستخبارات اليهودية لمعظم الأنظمة العربية، إضافة إلى من تم استخدامهم كمخبرين من العرب، مما سهل صد الهجمات العربية ومواجهة جيوش جاهلة لا تتمتع بثقافة ولا بمعرفة حقيقية بشؤون الحروب، تنقصها الخبرات القتالية، باستثناء ما يحمله ضباط تلك الجيوش على صدورهم من أوسمة ونياشين، يتهيأ للمشاهد أن صاحب هذه الأوسمة هو مونتغمري أو رومل ثعلب الصحراء، برغم أن البعض منهم كان لا يجيد استعمال المسدس العادي، ولا يحق لنا أن نوجه إهانة لهم، بل علينا أن نعترف أنهم كانوا بارعين في قمع الشعوب وقهرها.

Page 8

خسرنا حرب 1948 وفشلنا في وقف التوسع الصهيوني في بلادنا العربية وتغنينا بعدها بالمخلصين الجدد الذين تولوا السلطات عن طريق انقلابات عسكرية، مما أعطى الأمل لأبناء الأمة العربية بمستقبل جيد واستعدادات جيدة لما عرف في حينها بالجولة الثانية من الحرب، فتولى الحكم في سوريا ضباط من العسكريين وكذلك في العراق وفي مصر، وكان ذلك مؤشرًا جديدًا على النصر القادم مما جعل الأمة تتجاوز هزيمة عام 1948.

وتوالت الأوضاع غير المحببة بسبب الخلافات العربية التي بدأت تنخر جسم أمة العرب، خلافات كان يهيأ للإنسان العادي أنها ترمي إلى الوصول إلى التنافس في قضية الصراع العربي الإسرائيلي، ولكنها كانت في الحقيقة غير ذلك على الإطلاق، بل كانت صراعًا عربيًا عربيًا حول السلطة والسيطرة والزعامة، وكانت النتيجة أننا هزمنا مرة أخرى عام 1967 شر هزيمة طاب لبعض العرب أن يطلقوا عليها اسم "النكسة" وهي في حقيقتها أكبر هزيمة عرفتها الأمة العربية عبر تاريخها القديم والحديث.

وتبع تلك الهزيمة النكراء مبررات للتنصل من المسؤولية مما يسمى دول الطوق، أي الدول المحيطة بإسرائيل، غير أن الهزيمة وما بعدها من آثار سلبية بقيت تنخر عقول الأمة العربية، إضافة إلى التيه الفكري الذي أحدثته الهزيمة بين أبناء الشعوب العربية، فلم يعد الإنسان قادرًا على التفكير، أو حتى لم يعد قادرًا على متابعة الأحداث والمتغيرات، وانشغل بالمهاترات التي سادت الأوضاع بين الدول العربية كنتيجة طبيعية للسياسات غير المدروسة والدكتاتورية اللعينة، فقبل عام 1967 كان العرب يشترون السلاح من روسيا، وأخذوا يهددون إسرائيل بالدمار والإبادة الجماعية لليهود على أرض فلسطين، استغل اليهود بخبثهم ومكرهم وأساليبهم هذه الأمور بالإيعاز إلى الصحافة المأجورة، سواء في العالم العربي أو في العالم الغربي، لتثير في أقوالها وافتتاحياتها قلق العالم من تنامي القوات العربية المحيطة بإسرائيل، وحصولهم على أحدث أنواع الأسلحة، بالتركيز على مصر العربية، لاستدرار عطف العالم على بني إسرائيل الذين يتباكون دائمًا بأنهم الضحية، وأن حوالي 300 مليون عربي يحيطون بهم من كل جانب وكلهم يضمرون العداء لإسرائيل المسكينة، وثانيًا ليحصلوا على الدعم العسكري والمالي والاقتصادي اللامحدود من دول العالم الغربي دون أن يتكلفوا دولارًا واحدًا، وهنا نستطيع القول بإننا نحن العرب كنا السبب الأول في تسليح إسرائيل بكل أنواع الأسلحة المتطورة، بما فيها الطاقة النووية، بسبب خطاباتنا العشوائية وعدم تقدير الأوضاع، وتكالب العالم علينا من أجل حماية بني إسرائيل في فلسطين، وتعهدت الدول العظمى بضمان أمن إسرائيل ووجودها، بل ودعمها وتقويتها بدعوى الحفاظ على أسطورة التوازن العسكري في المنطقة.

بعد البحث والتقصي بأسباب الهزائم العربية والتعتيم الإعلامي العربي المفروض على تلك الهزائم، رأيت أن من حق الأجيال القادمة علينا نحن أهل الفكر من الذين عاصروا الهزائم منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، من حقهم علينا أن يعرفوا الحقائق المغيبة عن واقع أمتنا العظيمة، ويعرفوا إلى أي مدى وصل تخاذلنا في التعامل مع الغزاة لأرضنا وأوطاننا، وإلى أي مدى تمكنت أنظمتنا العربية من إخفاء الحقيقة عن الشعوب، وبعضها اعتبر الهزائم النكراء نوعًا من النصر العربي، فإذا استمر الحال على ما هو عليه سوف نرى الأجيال القادمة تأخذ بهذه الأكاذيب والافتراءات وتؤمن بها، إن لم تجد الأمة من يصارحها بحقيقة الأمر وحقيقة المأساة التي حوَّلت شعوب منطقتنا إلى أموات يتحركون على الأرض لكن بدون روح وبدون كرامة إنسانية، حيث أخذ العالم يعتبرنا نوعًا من الحيوانات، وهذا يجعلني استحضر إلى الذاكرة قول شاعرنا الكبير نزار قباني في هزيمة عام 1967:

إذا خسرنا الحرب.. لا غرابة

لأننا ندخلها..

بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة

بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة

لأننا ندخلها..

بمنطق الطبلة والربابة

لأجيالنا القادمة علينا حق بأن نطلعهم على حقيقة أمرنا، دون أن نخجل من واقعنا الذي ليس من صنعنا نحن الشعوب المغلوب على أمرها، بل من صنع أحداث لم نرقَ إلى مستوى معالجتها بالطرق السليمة، حيث بقينا نعتمد على منطق الطبلة والربابة في تعاملنا مع الأعداء.

قد يرى البعض أن هذا الكتاب غير مألوف في بحثه حول بني إسرائيل ومسيرتهم عبر التاريخ قديمًا وحديثًا، حيث لم يسبق أن قام مؤرخ أو مفكر عربي بطرق هذا الموضوع بصورة جادة وموسعة، فإن معظم ما تعج به المكتبات العربية من كتب وأبحاث في هذه المسألة جاء بالتقليدية الكتابية من حيث المضامين والأساليب واللغة، لا اختلاف في المضامين بين كتاب وآخر سوى اختلاف أسلوب الكاتب في فن الصياغة اللغوية واهتمامه ببلاغة النصوص، مما أدى بالتالي إلى توجيه الأجيال العربية المتعاقبة إلى نوع من "عبدة النصوص"، فكانت كارثة فكرية لا حدود لها داهمت حياة هذه الأمة العريقة.

على العموم، هذه محاولة أحسبها جادة وجريئة، وهي دعوة مشجعة للمفكرين العرب للقيام بدورهم المهم واللازم في كشف الحقائق المتعلقة ببلادهم وأوطانهم وشعوبهم على مرّ العصور، وإني أرجو الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في هذا البحث، وفي الوصول إلى جزء من الحقيقة، إن لم تكن الحقيقة بعينها، حيث أن هذا البحث تطلب الكثير من الاستقصاء والسفر والمتابعة والجهد والوقت، فكان ثمرة أبحاث دامت قرابة حولين ويزيد.

الدكتور شفيق الخليل

Page 9

الفصل الاول: أساطير اليهود
عُرف بنو إسرائيل بطبيعتهم الانفجارية، خصوصًا فيما يتعلق بأعدادهم وتضخيم أزماتهم ومعاناتهم، أي أنهم يعملون بالمثل القائل "يجعلوا من الحبة قبة"، وقد لازمتهم هذه الطبيعة مدى حياتهم، والتي يقول فيها بعض علماء النفس أنها ترجع في أساسها إلى رغبتهم في استدرار العطف والشفقة بتكريس المسكنة، باللجوء إلى الكذب وتزوير الحقائق والادعاءات التي لا أساس لها، فباتت هذه الطبيعة تُسيطر على حياتهم اليومية وعلى آدابهم وثقافاتهم، فكان لا مناص من أن يجنح إليها مدونو التوراة والتلمود لتُصبح جزءًا من معتقداتهم الدينية وتُصبح ذات تأثير كبير في كتاباتهم وتدوينهم التوراة والتلمود على حد سواء.

تقول الروايات التوراتية والتلمودية التي وضعها أحبار اليهود على مدار ثلاثمائة عام ويزيد، إن عدد بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى عليه السلام من مصر في عهد الملك المصري (رعمسيس الثاني) كان ستمائة ألف شخص، بين كهل وشاب وامرأة وطفل، ينتمون إلى أسباط بني إسرائيل أي رؤساء قبائلهم الاثنتي عشرة، جميعهم عبروا بحر "سوف" البحر الأحمر، بعد أن شق لهم موسى بعصاه مياه بحر سوف، وفتح لهم اثنتي عشرة طريقًا على عدد قبائلهم كما تقول الرواية التوراتية، والسؤال الذي لا بد من طرحه هنا هو: كم كان بالضبط عدد قبائل بني إسرائيل وكم كان عدد العشائر الصغيرة وفروع العائلات منهم؟ جاءت الأقوال في التوراة والتلمود بإن عدد القبائل التي خرجت مع موسى من مصر كانت (12) اثنتي عشرة قبيلة، إلا أن هذا الرقم هو رقم رمزي، بل رقم سحري، فإذا ما أجرينا عدًّا بسيطًا نجد أن هناك خمس عشرة قبيلة على الأقل، وهي: قبائل روبين وسيمون ولاوي وإساخر وزبلون ودان وجاد ونفتالي وعاشر ويوسف وإفرايم ومنسي وبنيامين، وهناك اعتقاد لدى عدد من المؤرخين المعاصرين بأن "العموريين" كانوا ينتمون لقبائل بني إسرائيل، إلا أن المؤكد بأن المديانيين كانوا فعلاً من بني إسرائيل، وقد جاءت سلالات موسى عليه السلام منهم، وإن لم يكن موسى نفسه واحدًا منهم، حيث تزوج من المديانيين الذين شاركوا بني إسرائيل في المراعي في برية سيناء وجنوب الأردن. كما أن هناك قبائل يهودية صغيرة تُعرف بعشائر "الكينات"، تذوبت بمرور الزمن في القبائل اليهودية الأخرى واندثر اسمها، لهذا يكون عدد القبائل اليهودية الفعلية التي تعرف ببني إسرائيل خمس عشرة قبيلة خلافًا لتعداد التوراة.

عدد آخر من المؤرخين الغربيين قرروا بأن إبراهيم الخليل، الجد الأعلى لبني إسرائيل، حسب التاريخ التوراتي الأسطوري، كان "عموريا" ولم يكن "أراميا" كما جاء في التوراة، وكان العموريون قد أخبروا عن إبراهيم وأخبار أبنائه إسحق ويعقوب في قصصهم التي جاءت بنفس القصص والروايات التي تذكرها التوراة، ولكنها بأسلوب يختلف نوعًا من حيث النصوص، وتتطابق من حيث المضامين، والجدير بالذكر أن روايات العموريين سبقت التوراة بحوالي 1400 عام على الأقل، وسوف أعود للحديث عن هذه المسألة في فصل لاحق من هذا الكتاب.

ما تقدم يحاكي الروايات التوراتية والتلمودية التي وضعها أحبار اليهود على مدار ما يزيد عن ألفين وخمسمائة عام، وهو ما ارتأوه لتدوين تاريخهم ودياناتهم ومعتقداتهم وسيرة طوائفهم، وأدوارهم في الحياة العامة لمنطقة الشرق الأدنى، غير أن المؤرخين المعاصرين يؤكدون بأن اليهود هم أكثر شعوب الكرة الأرضية في التاريخ عنادًا وتشبثًا بالأساطير، ويقولون بإن هناك في بلاد الكنعانيين مدينة الخليل أو "حبرون" تقع على مسافة 20 ميلاً جنوب مدينة القدس التاريخية، وترتفع حوالي 3000 قدم عن سطح البحر، وتقوم على عدد من التلال الجبلية، وهناك في هذه المدينة كهف يعرف بكهف "المكفيلة"، الذي يضم قبور ما يسمى بالآباء الجوالين، وفي مقدمتهم ضريح إبراهيم الخليل عليه السلام الذي يضم رفاته، والذي ادعى اليهود دون برهان قاطع على أن إبراهيم الخليل هو المؤسس الأول للعقيدة الدينية اليهودية والجنس اليهودي، وضريح إبراهيم يزدوج معه ضريح "سارة" زوجته ابنة أخيه "ناحور"، وفي ذات المبنى قبران آخران لابنه اسحق وزوجته "رفقه" وبالفناء يوجد قبران آخران الأول لحفيد إبراهيم "يعقوب" وزوجته "ليئه"، وفي الساحة الخارجية للمبنى قبر "يوسف" ابن يعقوب وهذا يُشير إلى تاريخ مضى عليه اليوم حوالي 4000 سنة.

يصف المؤرخون مدينة الخليل بأن لها جمال خلاب، وأنها تعطي الزائر انطباع السلام والسكون، الذي غالبًا يكمن في المقدسات القديمة في المدينة، ولكن حجارة هذه المقدسات هي الشاهد الصامت على الكفاح الطويل الذي يعتقد أنه كان على مدار أربع ألاف سنة من النزاعات الدينية والسياسية المستمرة، وكانت بدورها مزارًا ومعبدًا يهوديًا وكاتدرائية بيزنطية ومسجدًا وكنيسة ثم مسجدًا مرة أخرى، أقام حولها الملك هيرودس سورًا ملكيًا يرتفع إلى أعلى حوالي أربعين قدمًا، بحجارة مجدوعة يبلغ طول بعضها 23 قدمًا، وقد زين صلاح الدين الأيوبي في وقت لاحق مزار إبراهيم الخليل عليه السلام بمنبر للوعظ والخطبة الأسبوعية في المسلمين..

Page 10

يدَّعي اليهود أنه كان هناك مجزرة اقترفها العثمانيون في مدينة الخليل، طالت اليهود عام 1518، غير أن العلماء أفادوا بأنه كانت هناك طائفة يهودية صغيرة قد تأسست، وحافظت على وجود ضعيف لها يتكون من اليهود الأرثوذكس (المتعصبين دينيًا)، وتلموديين، وطلاب المذهب الصوفي الباطني الذي عرف بمبدأ "الكبالا"، كما ضمت الطائفة اليهودية هناك الزاهدين الذين كانوا يجلدون أنفسهم بقسوة حتى تسيل دمائهم على الحجارة المقدسة، وكانوا جميعًا ينتظرون مجيء "المسياح" المخلص، وفي زمن الانتداب البريطاني وعام 1929 بالتحديد تعرض اليهود في الخليل إلى هجوم شرس من أهل المدينة العرب، وهجوم عربي آخر عام 1936، ولاقى العديد من اليهود حتفهم في الهجومين، خصوصًا "طلاب التوراة" من اليهود المقيمين في الخليل، واليهود الوافدين لدراسة التوراة والعقائد الدينية اليهودية، حيث كانت الخليل تضم أكبر كلية دينية يهودية في العالم في ذلك الحين.

هكذا عندما يزور المؤرخ مدينة الخليل في هذا الزمان يسأل نفسه أين كل أولئك الناس الذين أقاموا يومًا في ذك المكان؟ أين الكنعانيون والاديميون؟ أين الهيلونيون القدماء؟ أين الرومانيون والبيزنطيون؟ لقد اختفوا جميعهم مع الزمن، لكن ظل اليهود هناك في الخليل، لذلك أصحبت الخليل تعدُّ مثالاً عن العناد اليهودي على مدار أربعة ألاف عام، وهي أيضًا تمثل تناقض اليهود الفضولي نحو ملكية الأرض والاحتلال، ليس هناك من حافظ لفترات طويلة على الوجود وبالتعلق بزاوية معينة على سطح الكرة الأرضية كاليهود، فكانت الخليل أول مكان سجله تاريخ بني إسرائيل في قضية شراء الأرض، الإصحاح الثالث والعشرون من سفر التكوين في التوراة يتحدث عن كيف تمكن إبراهيم الخليل من شراء كهف "المكفيله" والأرض المحيطة به ليدفن فيه زوجته "سارة"، واعتبروا أن إبراهيم الخليل أرسى بهذا مبدأ امتلاك الأراضي في بلاد الكنعانيين، بعد أن نسبوا كذبًا أنفسهم إلى إبراهيم الخليل وذريته.

المؤرخون المعاصرون يتساءلون: من كان إبراهيم هذا ومن أين جاء إلى الخليل؟ ما جاء في سفر التكوين فقط هو الإثبات الوحيد أن إبراهيم كان موجودًا وكانت نصوص ذلك قد جمعت على شكل كتابة ربما بعد حوالي ألف سنة من أيام حياته المفترضة، وقيمة الكتاب المقدس كسجل تاريخي كانت مسألة جدل مكثف على مدى القرنين الماضيين التاسع عشر والعشرين، وكانت حتى العام 1800 وجهة النظر السائدة بين العلماء وغير العلماء أيضًا أن الكتاب المقدس هو مجموعات من روايات التوراة، استلهمت إلهيًا وأنها مفصلة أحيانًا وغامضة أحيانًا أخرى، غير أن علماء كثيرون من اليهود والمسيحيين قد حافظوا لقرون عديدة عليها واعتقدوا أن أسفار الكتاب المقدس العهد القديم احتوت على مقاطع تفهم على أنها حقيقة رمزية أو استعارة أدبية.

ومنذ بداية القرن التاسع عشر الميلادي برز هناك وبازدياد نقد فني خطير للتوراة، فالعلماء اليهود الألمان مثلاً رفضوا فكرة الاعتراف بالعهد القديم كسجل تاريخي وصنفوا أكبر أجزائه كأساطير دينية، الأسفار الخمسة "البنتاتويخ" التي نسبت لموسى عليه السلام قدمت الآن كأساطير شفهية تناقلتها القبائل العبرانية المختلفة والتي وضعت كتابة بعد المنفى البابلي في النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد.

هذه الأساطير (كما كان يدور الجدل) كانت قد حررت بعناية، بعد أن تم خلطها وتثبيتها لتعطي تبريرًا تاريخيًا وإجازة إلهية للمعتقدات الدينية والممارسات والطقوس الخاصة ببني إسرائيل، التي سبقت السبي البابلي، من أجل تأسيسها، والأشخاص الذين ذكروا في الأسفار المبكرة لم يكونوا أشخاصًا حقيقيين، ولكن كانوا أبطالاً أسطوريين، أو شخصيات مركبة تدل على تعدد القبائل اليهودية.

وهكذا ليس فقط إبراهيم والآباء الجوالين، ولكن موسى وهارون ويشوع قد شملتهم الأساطير فلم يعودوا جوهريين أكثر من هيركوليز، وكانت الإنجازات الموسوية حول التوحيد قد تآكلت، وإعادة كتابة تاريخ العهد القديم عملت بها نوعية دقيقة مخضبة بمعاداة السامية.

العمل الجماعي لعلماء التوراة اليهود الألمان أصبح أرثوذوكسيًا، وهذا من تعاليم "يوليوس فيلهاوزن" (1844 – 1918) الذي احتوى كتابه العظيم (مقدمات نقدية لتاريخ بني إسرائيل القديم) الذي نشر للمرة الأولى عام 1878، وحتى لمدة نصف قرن تقريبًا هيمن "فيلهاوزن" ومدرسته على تدريس التوراة، وكثيرًا من تأثيرات فكره انعكس على قراءات المؤرخين، وحتى علماء القرن العشرين مثل (م. نوث) و(أي الت)؛ استبقوا هذا النهج المتشكك رافضين انتزاع التقاليد الأسطورية والجدلية بأن الإسرائيليين أصبحوا شعبًا على أرض كنعان فقط وليس قبل القرن العشرين قبل الميلاد وفتح بلاد الكنعانيين، إنما ذلك كان من أساطيرهم الكبرى، حيث أنهم كانوا قد تسللوا إلى أرض كنعان، كما يقترح علماء آخرون أن أصول إسرائيل يكمن في سحب جالية متعصبة دينيًا من المجتمع الكنعاني اعتبروا فاسدين، هذه والنظريات الأخرى بالضرورة تتجاهل كل التاريخ التوراتي قبل سفر القضاة، الذي كان بذاته مزيجًا من الحقيقة والخيال. فالتاريخ اليهودي كان قد خضع للجدل ولم يكتسب أسسًا جوهرية من أسس الحقيقة حتى عصر "صموئيل" و"داود".

يقول العلماء والباحثون في تاريخ الشرق الأدنى، إن المؤرخين نادرًا ما يهدفون أو حتى يرغبون أحيانًا في توضح التاريخ التوراتي الذي يتحدث عن معتقدات وتحاملات وتحيزات إضافة إلى الإجحاف والتعصب، حيث أن هذه الأمور تدخل إلى صلب حياة الإنسان وهي المساحة التي تكون فيها الموضوعية بالذات صعبة للغاية، إن لم تكن مستحيلة التحقيق، وأكثر من هذا فإن خصوصيات الباحثين وأعمالهم تقوم على أساس تفعيل وتحديد مصادر الموارد، وإيجاد الدوافع الخاصة بالذين جمعوا بعض التصنيفات الأصلية، ليعيدوا تشكيل الأحداث في ضوء التاريخ المقارن.

مع التطور في علوم الأركيولوجيا الحديثة برزت قوة معوضة لانحياز علماء الأثار المتعلقة باستعمال النصوص القديمة للاهتداء بها، وتأكيد البقايا المادية، وقد جرت أبحاث بهذا الشأن في اليونان وآسيا الصغرى، فالاكتشافات والحفريات في طروادة وكفوسس ومواقع أخرى في مينون وكريت والمدن اليونانية القديمة الأخرى والروايات الهومرية، واتخاذها تسجيلات تاريخية مكَّنت العلماء من التوصل إلى عناصر الحقيقة الكامنة تحت القشرة الأسطورية، وهكذا في فلسطين وسوريا والتنقيب في المواقع القديمة فيهما وترجمة أعداد كبيرة من التسجيلات الإدارية والقانونية، قد جنحت بقوة إلى إعادة تخزين قيمة أسفار الكتاب المقدس المبكرة كروايات تاريخية، ويضيف العلماء بأنهم الآن يرون نصوص الكتاب المقدس (التوراة) أنها معقدة جدًا وغامضة، لا تقود إلى معرفة الحقيقة، بل لا تقود إلى شيء البتة.