eKtab
EN ع
بني آدم خمسة عشر عامًا مع الإخوان وسنة ونصف مع شفيق
Read free sample

بني آدم خمسة عشر عامًا مع الإخوان وسنة ونصف مع شفيق

by شريف عبد العزيز

Page 1

تقديم

الكاتب الصحفي/ أ. أنـور الهـواري

رئيس تحرير "المصري اليوم" الأسبق

هذه الصفحات التي بين أيديكم، هي سباحة عقل، هي رياضة ضمير، هي روح مصرية نبيلة، تكشف عن جوهرها، وهي تبحث عن وجوه الحق في نفسها وفي غيرها، وترفع الأقنعة عن وجوه الباطل في نفسها وفي غيرها.

عقلٌ قرَّر الاستقلال الفكري، قرَّر ألا يكون تابعًا، قرَّر أن يضحِّي بالأمان اللذيذ، الذي يوفِّره الركون الدافئ للذائع من الآراء، والشائع من التوجهات، والرائج من الأقاويل.

المؤلف - بتواضعه الشديد - يهدي الكتاب إلى طفله الصغير ألا يتبنى رأيًا إلا عن قناعة، ولا يتبع مسارًا إلا بعد تفكير ودراسة، وأن يدافع عن آرائه حتى لو أغضبت العالم، وأن يغيِّرها حين يتبين له الحق في غيرها بلا خجل، وألا يخاف من تصنيف الناس له، وألا يخشى في الله لومة لائم.

لكني - لأول وهلة - فهمتُ هذا الإهداء موجهًا إلى هذه الجمهورية الوليدة، إلى هذه الأمة الجديدة، إلى هذه الديمقراطية الناشئة، إلى هذه الأجيال الواعدة التي تولد - تحت أبصار التاريخ - من رحم التحولات العاصفة.

لقد تأخرتْ هذه الإشراقة الشجاعة في الوصول إلى القارئ الكريم، لسبب بسيط : أن صراحة المؤلف أخرجته من كل التصنيفات، من كل التحيزات المسبقة، من كل القبائل السياسية المتصارعة، ليجد نفسه - وحيدًا مفردًا - دون حزب أو إطار أو جماعة أو جمعية أو أي من هذه التكوينات التي ملأت الساحة.

شجاعة المؤلف لم تكن - عنترية مزعومة - في وجوه الآخرين ممن يختلف أو يتفق معه، ممن يرضيهم أو يسخطهم، ممن يعجبون به أو يتشككون في أمره... شجاعته التي يلقاك بها في سطور هذا الكتاب هي مواجهته مع نفسه ومراجعته لعقله، ومساءلته لضميره، دون تستر على أخطائه، دون تحصن خلف الأقنعة.

هذا كاتب شجاع يروي من أرض الواقع ومن منظوره الخاص فصول أشد اللحظات كثافة وعصبية وحساسية وتعقيدًا وغموضًا من فصول تاريخ مصر المعاصرة.

هذه الرحلة الشجاعة كانت تنتظر هذا الناشر الشجاع، وعندي يقين أن كليهما؛ الكاتب والناشر؛ لهما مستقبل واعد في عالم الكلمة الأمينة والفكرة الحُرَّة والشهادة النزيهة.

Page 2

مقدمة لابد منها

ربما لم يتح للكثيرين أن يتجولوا بين التيارات السياسية كما حدث معي، خاصة حينما انتقلتُ من تيار ديني أنفقتُ فيه قدرًا معتبرًا من عمري؛ إلى غيره من تيارات سياسية معارضة أو كيانات اجتماعية وحقوقية التحقتُ بها أعوامًا تلت، ثم فارقتها جميعًا لأكون أنا نفسي التي قرَّرتُ أنها يجب ألا تُصنف أو تتبع شيئًا ما بعينه، لتمر الأعوام وأنا مُحمَّل بخبرات متراكمة ومخضرمة ومعقدة تجعلني اليوم الشخص الذي يكتب هذه الكلمات.

ثم - وبغير استئذان ولا توقع - دخلتْ مصر مرحلة فارقة في تاريخها معروفة باسم "ثورة الخامس والعشرين من يناير" والتي غيرَّتنا جميعًا إلى الأفضل أو الأسوأ أو إلى الاثنين معًا، أو قلْ كشفتنا جميعًا أمام الناس وأمام أنفسنا بالشكل الذي عرفنا فيه مَنْ نحن وإلى أي حال وصلنا وما هي جودة الخامة التي نتكون منها جميعًا وعلى أي حال أصبحت تلك الخامة؛ أقصد الخامة الإنسانية... وفي هذه اللحظات تفاعلتُ ولازلتُ مع تلك الأحداث من واقع خبرتي الطويلة ليتكون رأيي عن الأشياء مؤسسًا تمامًا على تجاربي المتنوعة، وينشأ حُكمي على الأفكار والأشخاص من واقع ما مررتُ به بكل تفصيلة في حياتي، ولذا أصبحتُ أجتهد لأقرأ ما بين السطور وأفهم ما يحدث خلف الكواليس، وأبحث عن أجوبةٍ لأسئلة لا يسألها الكثيرون في خضم الضوضاء الإعلامية بسطحيتها وحمقها ودوغمائيتها وبروباجندتها، لأصِلَ إلى نتائج يسهل الوصول لها مع شيء من الموضوعية وبعض التأني وقليل من الالتزام بقيم العمر التي آمنت بها طوال حياتي.

إنَّ هذا الكتاب وإن بدا "شخصانيًا" بشكل أو آخر، فإنه في الحقيقة يعبِّر عن رؤيتي لمعظم ما حدث في السنوات الأربع السابقة، حتى ولو كان في سياق الحديث عن اختيار سياسي محدد أو شخصية سياسية محددة دعمتُها بقناعة ويقين تامّين؛ ولا زلتُ، ولذا تيقن عزيزي القارئ أن كل كلمة في هذا الكتاب لابد وأن يكون من ورائها خبرة أوتجربة لا تخلو من ألم أومشقة أحيانًا.

Page 3

لماذا أكتب عن أحمد شفيق ؟ ولماذا الآن ؟

لقد اخترت أن أتعرف إلى هذا الرجل - أي لفريق أحمد شفيق - منذ اللحظة الأولى التي رأيته فيها على الشاشة، وأدركتُ في ذات اللحظة كيف أن النظام السابق؛ والذي عارضته سنينًا طويلة والذي قام بعض أجنحته بإقصاء الكفاءات وإبعاد القامات ودفع أصحاب الخبرة والعقل والجدية إلى الانعزال أو العمل في صمت بعيدًا عن الضوضاء، كان نظامًا وبلا شك يسقط في بئر الفشل تدريجيًا ويحتاج إلى إصلاح، ويكفيه فشلاً أننا أصبحنا جميعًا منتجين لخطاب هدَّام وانتحاري احترفنا جميعًا إنتاجه ثم استهلاكه، حتى أن (الخالع والمخلوع) أصبحا وجهين لعملة واحدة.

إن أحمد شفيق رجل بناء وقامة عمل ونموذج ممتاز لخطاب بنائي في زمن كان الكثيرون يهدمون فيه، لذا اخترتُ أن أدعمه برضا وفخر واعتزاز، ولا زلتُ وسأظل، ولقد كتبتُ عن هذا الرجل الكثير من المقالات التي نشرت على عدة مواقع إلكترونية منذ بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى هذه اللحظة لأشهد شهادة الحق التي ترضي ضميري وحسب، وتتسق مع قيمي ومبادئي. وأعرف أني أعبِّر عن الملايين الكثيرة التي ترى في هذا الرجل نموذجًا وطنيًا ومحترمًا غير مصدقين كلمة تشويه واحدة صدرت ضده طوال سنين أربع، وغير عابئين بكل المحاولات التي تمَّتْ للزجِّ به في آتون المعارك القضائية بغرض استنزافه وتشويه سمعته ظُلمًا وبهتانًا، غير أن الكثيرين ممن يدعمون هذا الرجل ربما لم تسعفهم كلماتهم للتعبير عما يجول بصدورهم وعقولهم حوله، فاخترتُ أن أكتب بالنيابة عن نفسي وعن الكثيرين. أنا لا أدافع عن أحمد شفيق في الحقيقة، فأفعاله ومواقفه وإنجازاته تدافع عنه حتى لو شوش الكثير من الإعلاميين على ذلك ببرامجهم الموجهة، وحتى لو قام سياسيون بتضليل الرأي العام بلا أي ضمير، ولذا فإني في هذا الكتاب جمعت معظم المقالات التي كتبتها عن الفريق أحمد شفيق في السنين الأربع الماضية، ومقالات أخرى في شؤون سياسية واقتصادية واجتماعية متنوعة، كل منها مؤرخ بالتاريخ الذي نُشرتْ فيه لأول مرة والسبب الذي لأجله كتبت المقال حينها.

كما أوردتُ في هذا الكتاب أيضًا شهادات شخصية عن الفريق أحمد شفيق للكثيرين من الشخصيات العامة من مختلف التوجهات السياسية والثقافية والاجتماعية وكلها موثقة ومشار للمصادر التي اقتبست منها هذه الشهادات، وكذلك شهادات شخصية لبعض ممن شارك في ثورة الخامس والعشرين من يناير والذين لم يجدوا لهم منابر لتسمح لهم بالتعبير عن وجهات نظرهم لسنين طويلة، حينما كانت أغلب وسائل الإعلام قد كرَّست كافة منابرها لنُخبٍ ورموزٍ ونشطاء يشوهون الفريق شفيق وحسب؛ متجاهلين آخرين كثيرين كانوا من ثوار 25 يناير ولهم آراء إيجابية في الفريق أحمد شفيق.

كما يحوي الكتاب فصلاً كاملاً عن إنجازات الفريق أحمد شفيق والتي اعتبرها ركنًا ركينًا وأساسًا موضوعيًا لطرحي الذي أطرحه في هذا الكتاب.

أكتب هذا الكتاب الآن ليعلم الكافة أن للفريق أحمد شفيق مؤيدين عن قناعة وتقدير شديدين، وأنهم كثيرون ومن مختلف التوجهات، وحتى يتبين للمصريين أن رجالاً شرفاء ووطنيين مخلصين، ظلمهم بعض كُتَّاب التاريخ في مرحلة مضطربة من تاريخ مصر، فأبيتُ إلا أن تكون شهادتي هذه مزاحمة لهم ومخالفة للصورة السلبية التي حاولوا تصنيعها عن الفريق أحمد شفيق ظُلمًا وزورا، ولعل كتابي هذا يكون الأول من نوعه فيفتح الباب لآخرين أرادوا أن يوثقوا لجزء من حياتهم أمضوه مع الفريق أحمد شفيق على المستوى الشخصي أو المهني أو السياسي.

أريد أن أوضح هنا أني لستُ مع تقديس الأشخاص أيًّا ما كانوا ومهما كان تقديري لهم، وأن التقديس الذي يحدث الآن لبعض الشخصيات المعروفة، للدرجة التي بها يتحول الفرد ليصبح منقذًا أو معصومًا أو قديسًا لا يخطئ هو تقديس مذموم ولا يأتي بخير على المادح أو الممدوح، إلا أن تخصيصي هذا الكتاب للتعبير عن حيثيات دعمي للفريق أحمد شفيق كجزء من اختياراتي السياسية لا يعني بحال أني أعتبره منزهًا عن النقد، بل إن واحدًا من الأسباب القوية التي جعلتني من أشد مؤيديه هو قبوله للنقد وسماعه للرأي الآخر وتأدبه مع معارضيه، ولو أنه تولى منصبًا لتحولتُ وعلى الفور إلى الناقد الأمين الذي يحرص على إسماع صوتي له بالسلب والإيجاب، بل وتبليغه بنقد الناقدين قبل مدح المادحين؛ وهو ما فعلته على الدوام منذ تعرفي إليه.

أشير أيضًا إلى أنه قد تتكرر في بعض المقالات بعض العبارات أو المفاهيم وهذا لأنها كانت مقالات متباعدة متناثرة، كنت أكرِّر فيها بعض الأفكار لتذكير القارئ بمعلومات سبق وأن ذكرتها وربما لم يطلع عليها في مقال سابق وذلك لضمان أن ما أكتبه في كل مقال مرتبط بمقال سابق قد يفصل بينهما شهور طويلة.

كان يمكن أن أجمع هذه المقالات من قبل، ولكن الفكرة لم تطرأ على ذهني بتاتًا، ثم واتتني الفكرة منذ فترة قريبة فشعرتُ بأن هذا هو الوقت الأنسب لمثل هذا الكتاب لتوثيق ثلاث سنوات أو أكثر من العمل السياسي في واحدة من أصعب المراحل التاريخية التي مرَّتْ بمصر؛ ولا زالت.

وفي النهاية عزيزي القارئ، أذكرك أن ما أكتبه هو رأيي الشخصي المحض، ولا يعبِّر إلا عن قناعاتي وحسب، وهو خلاصة تجربتي وفقط، وخلاصة هذه التجربة أثبتت لي بما لا يدع مجالاً للشك أن مصر تحتاج للكفاءات، وللعمل الجاد، والمسؤولية الوطنية المشتركة، وقبل ذلك تحتاج لكثير من الأفعال وقليل من الكلام... لتكون مصر وطنًا للجميع.. بحق... كما أثبتت لي أن محاولة البحث عن الحقيقة ولو ضايقت الكثيرين هي أهم من السير في أمان مع تيارات الداعمين لشيء أو الرافضين له.

وفي النهاية أحب أن أقول إن اتساقي مع قيمي - ولو لم تقنعك أو لم تفهمها - أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها.

شريف عبد العزيز

القاهرة - يناير 2015

Page 4

الفصل الأول
بني آدم
قالات للمؤلف تمَّ نشرها بعد 25 يناير 2011
بني آدم
أول مقالة نشرها الكاتب بعد الخامس والعشرين من يناير 2011، وقبل تنحي مبارك
بداية الأمر
مثل الكثيرين؛ تشككت في البداية في نجاح يوم الخامس والعشرين من يناير لعام 2011، وتشككت في طريقة الدعوة له، وتشككت أيضًا فيمن دعا له، خاصة وأن جماعة "مبهمة" على موقع الفيسبوك لا يعرف الكثيرون من هم أصحابها هي من حشدت الناس لذلك اليوم... وكما كان الكثيرون متشككين مثلي، كان هناك أيضًا الكثيرون متفائلين؛ أو على الأقل متهيئين نفسيًا للمشاركة بحماسة معقولة، وعلى الرغم من غموض الدعوة إلا إني كنتُ أعرف شخصيًا بعضًا ممن حشدوا لفكرة الدعوة لتظاهرات يوم 25 يناير وهم من شباب النشطاء الذين ظهر بعضهم فيما بعد على شاشات الفضائيات وشتى وسائل الإعلام.
إن فكرة الثورة ضد نظام مبارك استهوتني كثيرًا في السنين الماضية، بل جاهرتُ عدة مرات بضرورة حدوث تغيير وإيقاف ما يُسمى بمشروع التوريث، والبحث عن وسيلة لتصحيح المسار منذ عام 2003.. ولذا جاءت الدعوة ليوم 25 يناير "على هوايا" تمامًا، وفي نفس الوقت شعرتُ بشيء ما يحيك في صدري تجاهها.
صراع الأجنحة داخل النظام
لقد سبق وأن حدثت مثل هذه الدعوات على الفيسبوك ولكنها لم تلقَ أي صدى، ولم نعلم حينها فيما إذا كانت الحالة التونسية هي في الحقيقة السبب الأقرب لقبول فكرة "أن ما لم يمكن ممكنًا أصبح ممكنا" أم لا...
دائمًا ما كانت تشغلني فكرة تصارع القوى داخل أروقة الحكم وهي بلا شك صحيحة وواضحة أيضًا، ولقد شهدتُ بنفسي مشاهد لها قبل سنين حينما انتشرت صور السيد عمر سليمان في القاهرة على الحوائط في يوم وليلة حينما استيقظنا فرأينا بوسترات تدعو لانتخابه رئيسًا، وكان حينها يوجد حديث متصاعد حول إمكانية التوريث من مبارك لابنه ورفض المؤسسة العسكرية لذلك، وكان لهذا الصراع أيضًا مشهد ملفت حدث قبل شهور قليلة سبقت حدوث ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهي تصارع أفراد من الحزب الوطني مع بعضهم البعض وخاصة بعدما قام رجل الأعمال المعروف أحمد عز بتصفية كل أعضاء الحزب الوطني الذين لا يتفقون معه في سياساته الحزبية وخاصة ما بدا واضحًا حينها في أنه يعمل وبشكل كامل لصالح جمال مبارك، وحينها قام عز بإبعاد كل من توقع أنه لن يخدم سياساته في البرلمان الذي كان مزمعًا عقد انتخاباته، فيما يُسمى بالمجمع الانتخابي للحزب الوطني، ولقد أطلق البعض على ما فعله عز من إقصاء أعضاء كثيرين من الحزب الوطني "مذبحة المجمع"، ورأينا ولأول مرة في تاريخ الحزب الوطني الحاكم أعضاء الحزب الوطني يتنافسون على مقاعد البرلمان في نهاية 2010 ضد بعضهم البعض، وهذا كان مؤشرًا لزيادة الصراع، ولقد لفت نظري وبلا شك وأصبح مؤشرًا لشيء ما قادم.
ودائمًا ما كانت تساورني شكوك حول ضلوع تلك القوى المتصارعة أيًّا ما كانت في أي عمل سياسي "شعبي"، فنحن لا نعرف ماذا يضبط تصرفات هؤلاء أو هؤلاء، ولا لأي حد يمكن أن يتورطوا في استخدام الناس كوقود لأعمال وأنشطة تهدف في النهاية لتكريس أوضاع تخدم مصالح جهة متصارعة على حساب الأخرى، ولعله لم يكن خافيًا على المراقبين السياسيين أن رأس المال السياسي كان متصارعًا، فرجال الأعمال يتصارعون فيما بينهم بما فيهم الوزراء الذين كانوا وزراءً ورجال أعمال في نفس الوقت، وكان صراعًا آخر يدور بين المؤسسة العسكرية وبين بؤر رأس المال هذه، وصراع ثالث ربما داخل المؤسسة العسكرية وبين أجنحتها العدة، وكل منهم يسعى لنسبة من التمثيل السياسي أو قل ربما الاستئصال السياسي بمعنى أن جانبًا يقصي جانبًا تمامًا، ناهيك عن أن أجهزة المخابرات الخارجية كانت ولابد من أنها تراقب بمنتهى الحذر ما يحصل وقد تكون ضليعة فيه بشكل أو بآخر، وسنعلم ذلك ربما لاحقًا.
ملاحظات على يوم 25 يناير
يوم 25 يناير هو يوم غير مسبوق بأي حال، ورغم تحفظي وتشككي كما شرحت في بداية مقالي؛ فقد شاركت في التظاهرات بالفعل لتأييدي لمطالبها الأولى التي لا يمكن الاختلاف عليها خاصة وأني كنت معارضًا لنظام مبارك لسنين طويلة، فنزلت وشاركت، ولخوفي على زوجتي التي أوحت لي برغبتها في المشاركة، أقنعتها بالمشاركة في رحلة عائلية بعيدة ولم أخبرها بنيتي في المشاركة وزعمتُ أن لديَّ عملاً يجب أن أؤديه... وبالفعل نزلت أنا إلى الشارع مبكرًا، وشاركت في التظاهرات ووصلت مع من وصلوا إلى ميدان التحرير بعد صلاة العصر تقريبًا، وكنت في الحقيقة في حالة مراقبة شديدة أثناء المشاركة، لدرجة أنه لفت انتباهي أشياء كثيرة ربما لم تلفت انتباه الكثيرين، فقد لفت انتباهي مثلاً أن الشرطة لم تمارس أي عمل قمعي طوال النهار؛ وهذا شجَّع آخرين للنزول... ولفت انتباهي أيضًا المبالغة في الأرقام المجتمعة والمتظاهرة وهذا أقلقني في بداية الأمر ولكني فطنت فيما بعد إلى كونها وسيلة للحشد ووسيلة لتشجيع الناس للتزايد في العدد، وقد كان يقوم بهذا الأمر شبكة رصد والتي كانت ما تزال جديدة في الساحة ولا يعرف أحد توجهها، وقد يبدو في بادئ الأمر أن المبالغة والتهويل في الأرقام المشاركة في التظاهرات أمرٌ محمودٌ حينها، إلا أنه ينبئ عن بداية ظاهرة ربما تحدث فيما بعد حينما يصبح هناك ما يسمى بالتظاهرة والتظاهرة المضادة، فيبالغ كل فريق في أعداد حشوده بغرض الصراع السياسي والتنازع الفكري...
ولفت انتباهي أيضًا أنك لو خرجت خارج حدود ميدان التحرير أمتارًا قليلة تجد الغالبية العظمي من الناس في الأسواق لا تشعر بمن في الميدان وكأن هناك "مصرين"، مصر داخل الميدان ومصر خارجها، للدرجة التي شعرت فيها أن الناس خارج الميدان لا يبالون بما يحدث على الإطلاق في داخل الميدان حيث كان يجتمع قرابة المغرب حوالي خمسة آلاف شخص أو أكثر قليلاً يحيطهم من كل جهة قوات الشرطة والأمن المركزي.
القلق يزداد
في هذا الوقت أيضًا تملكتني عدة مخاوف ونحن مقدمون على عمل لا أعرف فيما إذا كان سيأتي بنتائج أفضل أو يسمح بما لا نعرفه أو لا نتوقعه، أن يتجلي ويظهر فيكون سلبيًا أكثر منه إيجابيًا، وعلىَّ أن أقول إني كنت أكثر حماسًا لفكرة الثورة منذ سنين قليلة فقط، ولكن واقع المناضلين السياسيين والنشطاء والنُخب كان مزريًا ومتفتتًا وعنتريًا ومخزيًا، وللأسف كانوا يحاولون تصدر مشهد الخامس والعشرين من يناير، وكان تفتت النُخب والنشطاء قبل ثورة الخامس والعشرين ملفتًا جدًا إلى الدرجة التي جعلتني أحجم عن المشاركة في كثير من أعمالهم قبل 25 يناير، خاصة وأن ملامح الفساد تظهر على كثير منهم رغم أنه يدعون أنهم يحاربونه... ثم جاءت الدعوة ليوم 25 يناير وكل ما سبق يخيم في عقلي وقلبي، وكل تلك الأسئلة تجول بخاطري وقد أجد إجابة لها قريبًا.
بالتأكيد، سواء صحت فكرة "الثورة الممسرحة - Staged" أو "الثورة التلقائية - Genuine". ففي الحالتين فإن الأمر على الأرض قد اختلف، فلقد أصبح الوضع الآن خارج السيطرة تمامًا خاصة بعد يوم الثامن والعشرين من يناير وأصبح له تداعيات ستظهر مع الوقت بحلوها ومرها.
ظهرت أشياء إيجابية وأخرى سلبية، وظهر أيضًا لأول مرة قدرة الناس على النزول والاحتجاج بلا خوف وهو أمرٌ محمود، وكل ما تلا ذلك دلَّ على أن الذين خافوا في بداية الأمر حينما رأوا الألوف نزلت، قرروا المخاطرة بالمشاركة، ثم تلاه قطع الاتصالات، فنزلوا على مراحل متتابعة بأعداد غفيرة قد تكون مئات آلاف أو ربما ملايين؛ لا أعرف بالضبط، ولكنها كثيرة جدًا مقارنة بأي وضع سابق ربما نحاول أن نقارن به من التاريخ المصري.. ولكن على كل حال ما حدث كان بشكل أو بآخر غير مسبوق، ثم إن ثقافتنا كمصريين بدأت واضحة في تفاعلاتنا جميعًا مع الأحداث حسب تتابعها فظهرت ملامح كثيرة لكل ما تحدث عنه الكثيرون في سنين سابقة من آمال أو مخاوف كنا نحاول أن نحللها ونحاول فهمها، سواء أصبنا في بعض أو لم نصب في البعض الاخر... والسؤال يطرح نفسه الآن وبشدة: إلاما نسير الآن ؟
الكثيرون يقولون: ليس مهمًا، المهم أن خطوة للإمام قد حدثت...
والبعض يقول: المستقبل قد يكون أسوأ... والبعض الآخر يقول: ربما لن نعرف الآن، وربما تظهر تداعيات هذا مستقبلاً بالحلو والمُر.
وحدث ما كنت أخشى منه
اكأبتني كثيرًا حملات التخوين المتبادلة بين الأصدقاء الذين اختلفوا على تفاصيل فيما حدث من أحداث وقعت من يوم 25 ثم ما تبعها، حيث اكتشفت أن بعضًا من الذين نزلوا إلى الشارع مؤمنين بحرية الرأي؛ لا يمتلكون القدرة على منع أنفسهم من قمع آخرين على الإطلاق، لأنهم فاشيون بالسليقة، وكم أخشى من هؤلاء... فهم شرٌ محض.
أؤمن أن الثقافة الذاتية لأشخاص عديدين سيتم امتحانها يومًا بيوم.. سينكشف الناس على حقيقتهم... وكل ما آمنا به من مبادئ أو ادعينا أننا نؤمن بها ستظهر أدلة عملية؛ لتثبتها أو تنفيها؛ خلال الأيام والأسابيع القادمة.
لا زلتُ أؤمن بان الاتساق هو الحل، الاتساق مع القيم التي نؤمن بها بالفعل، ولعله أمرٌ مثالي أو غير واقعي، ولكني أؤمن بأن الذين دفعوا الناس للنزول إلى الشارع ليسوا بالضرورة متسقين مع مبادئهم التي أعلنوها من قبل، هذا وقد نزل المئات من الآلاف من الناس الآن وربما هم لا يمتلكون كثيرًا من هذه القيم ولا يعرفونها أيضًا... ولذا سيتشكل مستقبل مصر من هؤلاء، وسنرى وهو يتشكل أين تمضي مصر.
وفي خضم الثورية العالية ويوفوريا الحالة، حدث تحول ملموس في العلاقات الإنسانية، فرأينا المسلمين والمسيحيين في حالة حنو ووحدة بشكل ملفت في الميدان مثلاً، وعلينا أن نرى ونراقب كم ستمكث تلك الرومانسية الإنسانية لتتحدى خرائب الذات التي لازالت داخل كل منا، خرائب مثل الالتفاف والتناقض والتعالي والأنا المتضخمة وتبرير الفساد الذاتي للنفس؛ وإنكاره على الاخر... وسنرى وسنتعلم في تلك الحالة الإنسانية الجديدة... وسأتعلم مع من يتعلمون بلا شك.
بني آدم
بينما كنتُ في ميدان التحرير أسير مع زوجتي هناك وهي حامل في الشهر السابع.. وقد حدث هذا بالأمس فقط... قال لي صديقٌ رآني مع زوجتي : " لديك ابنٌ لم يولد بعد؛ قد ناضل بالفعل... فهو مناضل وثوري".. فقلت له بعفوية: "ليس مهمًا أن يكون مناضلاً ولا ثوريًا " - قلتُ هذا وقد بدأتُ أرى توزيع الألقاب وتقسيم الغنائم والعجرفة والفاشية تظهر بين بعض من هؤلاء الذين شاركوا في الخامس والعشرين من يناير - ثم أكملتُ قائلاً: "الأهم أن يصبح ابني (بني آدم)"... لمعتْ عيناه... ثم مضى كلٌ منا في حال سبيله وأنا أفكِّر فيما قلته بشكل تلقائي... نعم "أنا عايز ابني يطلع بني آدم"... هذا هو جُلُّ ما كنت أتمناه لنفسي ولبلدي وللناس؛ ولا زلت... سنرقب إلى أين تسير مصر، ولعله خير ؟.
 

Page 5


الإعلام الخاص: من أنتم ؟
كيف حاولت النُخب الفاشية توجيه الرأي العام المصري ؟
( أغسطس 2011 )
الانحياز الجميل !
يحلو للكثيرين اليوم من أصحاب المطالب "الثورية" أن يتهموا التليفزيون المصري بأنه "منحاز" ضد الثورة وأنه مليء بـ"الفلول"، بينما تكاد كلمة "انحياز" و"اللا موضوعية" تلتصق التصاقًا بكل منابر الإعلام الخاص بكل أشكاله الورقية والصوتية والمرئية أيضًا بلا أدنى اختلاف، فلو كانت تهمة المنبر الحكومي المصري أنه منحاز بشكل عام فهذا الانحياز لا يمكن أن يكون عارًا فقط إذا اتصف به التلفزيون المصري، ولكنه يصبح شرفًا وكرامة إذا اتصف به الإعلام الخاص بمنابره المتعددة.
ما أعرفه عن الإعلام الموضوعي والمحترف أنه نبض الشارع بكل أطيافه، وأنه يتيح الفرصة للنقد، ويسمح بإبداء الرأي وإتاحة الفرصة للحوار، وأنه لا يخلط الخبر بالرأي، ولا يقرِّر مسبقًا كيف يجب أن يكون الرأي العام وكيف يجب أن يفكِّر الناس.. لذا تضحكني كثيرًا تلك التهمة الموجهة للتلفزيون المصري الآن بعد الخامس والعشرين من يناير - على الرغم من بعض أوجه الصحة في هذا الاتهام - بينما يمكن للإعلام الخاص أن يمارس "الانحياز الجميل" ليلاً ونهارًا ويعتبره البعض أمرًا عاديًا؛ بل بطوليًا ووطنيًا. وقد تبدى ذلك جليًا عندما قام مقدِّم برنامج وكاتب في مرة من المرات بالاتصال بمذيعة معروفة على قناة مملوكة لرجل أعمال معروف على الهواء مباشرة ليخبرها كم هو فخور بها لأنها "منحازة" للثورة "إعلاميا" وأنه لا مجال "للموضوعية" في هذا السياق. لذا كان على كليهما - هذا المذيع وتلك المذيعة - أن يقفا معًا في ذات الصف الذي وقف فيه التلفزيون المصري "متهَما" - بفتح الهاء - ليصبحا هما ومن معهما من فرق الإعلام الموجه المنتشرين في أنحاء القنوات الفضائية وعلى صفحات الجرائد التي اصفرَّ بعضها من شدة "الكلام المرسل" الذي يستحق بعضه المقاضاة القانونية بسبب ما فيه من كذب؛ على هذين الإعلاميين وغيرهما إذن أن يقفوا في ذات صف الاتهام الموجه للتلفزيون المصري بلا أي شك.. بمعنى آخر، فليقف الكل وقفة المتهَم ولا يحاول طرف ادعاء النزاهة بالإشارة إلى طرف آخر بأنه هو المتهَم... "اللي بيته من إزاز ميحدفشي الناس بالطوب"، ولو حتى باسم الثورة.
الخبر اللي ف صفي يبقى "موضوعي"
وهذه مسخرة أخرى من مساخر الإعلام الخاص بكل أشكاله ابتداءً بقناة الجزيرة التي تفتقر للمهنية بشكل واضح في تغطيتها الصحفية للأحداث الهامة بناءً على أيديولوجيتها وسياساتها التحريرية، مرورًا بالقنوات الفضائية المصرية الخاصة التي يمولها رجال أعمال معروفون ويعمل فيها رجال ونساء لهم توجهات معروفة أيضًا. عندما بدأت قناة الجزيرة "الثورية" بنقل أحداث الانتفاضة الشعبية في مصر شاركتْ في صناعتها بالحشد لها بدلاً من تغطيتها ونقلها كما هي، لذا قامت هذه القناة الموجهة بتضخيم أعداد المتظاهرين حتى بلغت أضعاف أضعاف مَنْ هم في الشارع وكذلك أتاحت الفرصة لأصحاب آراء معينة بالحديث بشكل أكثر وأكبر وأطول للتأثير في الرأي العام المصري. وعندها قلتُ: "الإعلام المنحاز لك سينحاز ضدك في يوم من الأيام عندما تتغير سياسته أو تتغير أولوياته أو تتغير رسالته الموجهة".. وقد كان.. ففي أحداث ما بعد الثورة وبينما كان رفقاء الأمس في ميدان التحرير متفقين على رحيل مبارك وكانت الجزيرة تزايد معهم، قامت نفس القناة بالانقلاب على فصيل من تلك الفصائل عندما تحول رفقاء الأمس إلى فرقاء اليوم وغدًا.. بل بلغ الأمر أن هؤلاء الفرقاء اتهموا القناة بأنها منحازة لفصيل دون الآخر.. والمضحك جدًا أن الذي انتقد الجزيرة قال إنها تغيِّر في أعداد المتظاهرين حسب دعمها لفصيل أو عدم دعمها لفصيل آخر حتى تبين بالدليل القاطع عدة مرات أن قناة الجزيرة تعبث، فهي تحشد حينما يتوافق هذا مع أجندتها، أو هي تخذل وتقلل من شأن آخرين لو كانوا لا ينتمون للفصيل الذي تدعمه القناة في ذلك الوقت !.
إذن هذا ليس إعلامًا نظيفًا؛ ولم يكن يومًا... وهنا على الناس أن ينتبهوا لتلك القنوات ورسائلها الواضحة والضمنية، حتى لا يقعوا في فخ التحريض والحشد أحيانًا أو التخذيل والتهوين أحيانًا أخرى، ولذا قد يصبح الناس رهن حملات إعلامية موجهة قد يكون لها أعظم الضرر في وقت أصبحت فيه مصر تحت سمع وبصر العالم وأصبح ما فيها من أحداث يهمُّ أطرافا كثيرة تحب أن توجهه يمنة أو يسرة حسب رؤية سياسية أو أيديولوجية لآخرين لهم مآرب قد لا تتوافق مع مصالح الشعب المصري العليا... ولذا وبكل بساطة فإن الخبر أو تفسير الخبر الذي في صفك لا يعني بالضرورة أنه موضوعي، ولو كنت تعلم ذلك فعليك أن تنتبه لعل الأمر يكون وراءه أهداف أخرى.
المراسل المسيس / الناشط الصحفي
وهو آلافة التي اُبتلينا بها في الشهور المنصرمة، فمكان الناشط السياسي هو أن يكون منشغلاً بنشاطه السياسي ولا يصح أن يكون صحفيًا ناقلاً للخبر ولا مراسلاً لقناة ينقل لها الواقع من الأرض، وقد اعتاد كثير من النشطاء أن يكونوا مراسلين لمراصد إخبارية محترمة مثل رويترز والاسوشيتد برس والبي بي سي والهولندية والألمانية وغيرها، وكذلك قناة الجزيرة والعربية وغيرهما من القنوات الموجهة. فتجد الخبر مفصلاً تفصيلاً، وتكتشف ذلك عندما تكون في محل الحدث ثم ينقل أحدهم الحدث وتجده على صفحات الجرائد وأنت تعرف أنه إما مبالغ فيه أو مهون منه أو مفبرك تمامًا أو منقول بطريقة منحازة... وخطورة هذا الأمر هو أنك تصنع الخبر ولا تنقله، وخطورة هذا تكمن في أن المنبر الإعلامي الذي نعتبره موثوقًا فيه هو في الحقيقة منبر مخترق من أصحاب الرؤى السياسية المتنوعة.
كيف لمراسل إسلامي مثلاً أن ينقل خبرًا عن نشاط يقوم به الإسلاميون وهو متحمس له جدًا ؟ كيف أطمئن لنقله للخبر ؟.. هناك فرصة كبيرة أن يقلل من شأن الأخطاء ويبالغ في وصف المزايا، وهناك فرصة كبيرة أن يبالغ في عدد المشاركين أو يقلل منهم حسب وجهة نظره في تلك اللحظة.. والشأن بالشأن يذكر، فتلك أيضًا مصيبة المراسلين أصحاب الرؤى الليبرالية واليسارية والمحسوبين على الفريق العلماني أو أصحاب الرؤى الأخرى المغايرة فهم يضعون رغباتهم في الخبر ويضعون تحيزاتهم في القصة المنقولة.. إنهم يزّورون الواقع ويخلقون رأيًا عامًا غير حقيقي.. هؤلاء يستمرون في الخديعة بشكل مستمر، وهم لا يخالفون أصحاب المنابر الحكومية في شيء فكلهم سواء، إنهم جميعًا يرتكبون جريمة الخيانة والخديعة.
وعلى منابر الإعلام الأخبارية أن تتحقق من مراسليها بشكل مستمر عن طريق الآليات المعروفة المتبعة للتحري من نزاهة المراسل أو الصحفي الذي ينقل الخبر من على الأرض.
أبطال الكلام المرسل
وهم بلا شك معروفون لنا جميعًا، هم مذيعو ومذيعات التوك شو وبرامج الحوار "من طرف واحد"، يظهرون على قنواتهم وكل منهم امتلك برنامجًا على قناة من القنوات الخاصة ليخبرنا عن وجهة نظره هو ومن يتبعه، ويأتي بضيوف يغنون معه نفس الأغنية ويتحدثون عن أفكارهم بشكل "زن على الودان" والذي عرفنا أنه "أقوى من السحر"، إنهم يقولون لنا كيف يجب أن نفكر عن طريق التمثيل والأداء وإظهار شكل حواري بينما هو منتقٍ وموجه، ثم استمع إلى القصص التي لا نهاية لها عن فلان قام بكذا وفلانة صنعت كذا، وفلان قام بكذا لأن وراءه كذا، وحدث كذا لأن كذا لابد وأنه متعلق بكذا الآخر، وأن فلان له علاقة بفلان، وفلان آخر اتفق في السر مع فلان ثاني... وكل هؤلاء الفلانات يخبئون هذه الأسرار بينما هذا المذيع اللوذعي أو المذيعة الخارقة يعرفان هذه الأسرار من مصادر لا يمكن كشفها.
بعض هذا الكلام المرسل قد يوقع صاحبه في براثن القانون في دولة فيها قانون، فحينما يجلس فلان يبتكر تُهمًا لأشخاص بلا بينة ثم يدعي أن هذا حق، فهذا شخص يحتاج إلى صفعة قانونية تزيله من على عرشه الفضائي وإلى الأبد، بل ويجب مقاضاة تلك القناة التي سمحت لهذه المهزلة بالحدوث.
على الجميع أن يتوقف عن هذا الكلام المرسل، فلقد امتلأت الأجواء بالشك والريبة، بل وخلف هذا الكلام المرسل أموال يتم إنفاقها وببذخ ونحتاج أن نعرف لماذا ومَنْ وكيف ولأي غرض يتم نشر كلام مرسل لا قيمة له ولا دليل عليه غير أن "الرصاصة اللي متصبشي تدوش"، وهذا هو الهدف الوحيد الظاهر؛ أن يكون نشر الشائعات وظيفته خلق رأي عام والتأثير فيه بدون الاحتكام للقانون ولا للحقيقة لأن الحقيقة تضيع وسط هذه المنابر المتمسحة بحرية الرأي والثورة بينما هم في الحقيقة يهدمون ذات القيم التي نزل لها الناس في يوم الثامن والعشرين من يناير محتجين أولاَ على فساد جعل البعض فوق القانون وجعل صاحب الحق مخذولاً وصاحب الباطل ممكنًا وصوته عال.
لا يمكن أن يستمر الأمر على هذه الشاكلة... لقد ثار الناس من أجل الكرامة، والكرامة تعني ألا أجد من يلفِّق لي قصصًا ويرسم لي حياة كاملة بدون دليل ويختلق لي واقعًا تخيليًا يجعلني أبدو على شكل ما عن طريق ربط أحداث ببعضها البعض فنصبح وكأننا آلهة نعرف الضمائر.. آن لكثير من أبطال الكلام المرسل أن يروا صفعات القانون تنهال عليهم، وحين يتم سجن واحد منهم سيمتنع الباقون وسيخافون وسيكفون عن قذف الناس بالباطل تحت شعارات ثورية وتحررية تمَّ تفريغها من القيم تمامًا.
كوبي و بيست
والملفت للنظر أن هناك حوالي خمسين شخصًا أو أكثر يمثلون رموزًا محسوبة على الثورة لم ينصبهم أحد لقيادة الثورة وهم لا ينطقون إلا باسم أنفسهم أو تياراتهم أو جماعاتهم أو أيديولوجياتهم، ورغم أن كل منهم يحلف بالله أنه لا يمثل إلا نفسه إلا أنهم يتحدثون بلغة الجمع وبثقة تشعر منها أنهم لديهم من الله والناس ميثاق مبين، يدورون على القنوات الخاصة والحكومية يحللون ويفتون وينظرون ويعطوننا الأسرار التي لم تنكشف إلا لهم، ويرددون عبارات "أكلشيهاتية" ثم يدرجون تحتها أي شيء مثل "الشعب يريد"، و"تطهير"، و"فلول"، و"دول من النظام السابق"، و"مطالب الثورة"، و"ثورة مضادة"، و"الشرفاء"، و"الفاسدين".. عبارات مرسلة يتم تناقلها وما تحتها من مضامين بشكل "كوبي وبيست" حتى أنك يمكن أن تتنبأ بما سيقولون قبل أن يتفوهوا به.. لا تعرف معهم حوارًا ولا يفهمون لغته أصلاً؛ رغم أنهم صدعونا بالحوار وقيمه سنين طويلة.. يمتهنون السخرية ممن خالفهم في الرأي حتى أصبحوا يسخرون من العوام ويتعالون عليهم بلغة مقعرة مليئة بمصطلحات سياسية وتعبيرات متكررة واتهامات محفوظة وتحليلات يقولونها أشبه بالحقائق المدعومة بالأدلة، وهؤلاء كوَّنوا ما يبدو لنا أنه رأي عام، إلا أنهم في الحقيقة عبثوا بالعقل الجمعي للمصريين.
تخيل أن لهؤلاء منابر أو أنَّ منهم ضيوفًا يدورون من قناة لأخرى يرددون ما يرددون بما فيه من مرسل ومؤكد؛ تخيل كيف يمكن لقلة لا تمثل إلا نفسها أن تساهم في تشكيل الرأي العام لكون الإعلام الخاص قد سلَّم رؤوسنا لحوالي عشرين من الإعلاميين يفكِّرون بهذه العقلية الفاشية، وعشرين أو ثلاثين آخرين يتم دعوتهم كضيوف في البرامج الحوارية لا يختلفون في تعميمهم وتنميطهم ولغتهم القمعية عن النظام السابق الذي يزعمون أنهم ضده.
هذا هو حال الإعلام الخاص الموجه، لم تعد عنجهيتهم موجهة فقط ضد من يسمونهم بالنظام السابق أو الفلول؛ بل ضد بعضهم البعض حين يختلفون، بل وضد الناس والعامة. ولكن ثبت بالدليل القاطع أن العامة - وبعد غسيل المخ اليومي - يثبتون أنهم لا ينطلي عليهم الكثير من هذا الحكي الذي لا نهاية له... هذا الكويي والبيست ينكشف مع الوقت حينما تتخذ الجماهير قرارًا مغايرًا للصورة الوهمية التي يرسمها هؤلاء على منابر الإعلام الخاص ولقد كانت نتائج استفتاء 19 مارس كالصفعة القوية على وجوه مجموعة كبيرة من هؤلاء المنظّرين ومَنْ يمولهم.
كذلك يبدو أن الإعلام الخاص يسيطر عليه أصحاب أيديولوجيات بعينها، فتجدهم يتحدثون بنفس اللغة عن القضايا والمؤسسات والتيارات المغايرة لهم، غير القناة من هذه إلى تلك.. فالنغمة واحدة.. والكلام يشبه بعضه بعضًا.. "كلهم تافين ف بق بعض".
ثورة قيم وليست ثورة شعارات
وهذا ما أعرفه، ولا يهمني بحال الشعارات ولا من يقولونها... فليسمونها ثورة أو يسمونها هوجة أو يسمونه انقلابًا أو يسمونها انتفاضة... القضية هي في القيم، قد أفهم أن من نتهمهم بكونهم من "الفلول" قد يقومون بالخيانة الإعلامية من حين لآخر، ولكن كيف أبرِّر للذين يرتكبون هذه الجريمة باسم الثورة واسم الناس ؟ حتى أصبح شعار "الشعب يريد" شعارًا مبتذلاً اُرتكبت باسمه أخطاء شتى، وقد حان الوقت للتوقف والاعتبار والتحرك أيضًا... نحن نريد قيمًا ولا نريد كلامًا مرسلاً ولا شعارات ثورية ولا تغييرات شكلية.. قيم بمعنى قيم...
ولذا أريد أن أسأل وبصوتٍ عالٍ ومعي الكثيرون :
أيتها المنابر الإعلامية الخاصة بكل من فيكِ من إعلاميين ومن وراءكِ من ممولين.. أريد أن أسألكم : من أنتم ؟.
 

Page 6


تسعون دقيقة... مع شفيق
( 26 ديسمبر 2011 )
بـدايـة القـصـة
تسعون دقيقة مع الفريق أحمد شفيق في أبريل الماضي، كانت بالفعل تسعين دقيقة هامة في استكشافي لهذا الشخص الذي اختلفت عليه الآراء ما بين مؤيد ورافض.. تسعون دقيقة حاولتُ فيها الاستفادة من كل ما مررت به من خبرات في حياتي ومن عملي في حقوق الإنسان والتنمية والنضال السياسي وغيرها من ملفات، في تجربة ربما لم تكن سانحة للمواطن العادي من قبل في أن يقابل مسؤولين رفيعى المستوى بهذه الشاكلة واليسر.
سعيتُ لهذا اللقاء بكل حرص وإصرار، وقد تأجل عدة مرات لانشغاله المتوقع، وخاصة أني كنت قد نسقت مع العديد من الأصدقاء للذهاب إلى منزله والذي أصبح قِبلة للكثيرين من أفراد الشعب خاصة بعد أن قدَّم استقالته من منصبه في رئاسة الوزراء في شهر مارس 2011، حيث كانت وزارته ربما أقصر وزارة في مصر؛ حسب علمي.
مطارات مصر :نقلة نوعية
كثير من المصريين يعرفون الفريق شفيق بسبب سمعته الحسنة وكفاءته وحسن إدارته وإنجازاته المتعددة في مجال الطيران المدني الذي تولي مسؤوليته منذ عام 2002، محولاً مصر للطيران ومطارات مصر بشكل عام من خرائب سيئة السمعة إلى محطات دولية محترمة حازت على مراكز متقدمة من أكثر من هيئة رسمية عالمية، وهذه معلومة معروفة لكثير من المصريين، فشفيق يمثل لهم نموذجًا بنائيًا ناجحًا في زمن الهدم.
* روابط مهمة متعلقة بموضوع تطوير صناعة الطيران في عهد الفريق أحمد شفيق :
(1) اختيار الفريق شفيق لوضع رؤية عالمية للطيران المدني حتى عام 2050
http://www.elfagr.org/258342
http://www.mobtada.com/details.php?ID=29130
(2) Cairo Airport : One of the top three best airports in Africa 2010 by Skytrax World Airport Awards
www.africanbusinessreview.co.za/top10/1538/Top-10-African-airports
(3) Best Airports in Africa
http://www.chillnite.com/5295/2010/02/worlds-best-airports-named-asia-sweeps-top-5
(4) مصر للطيران مع العشرة الكبار في وضع سياسات النقل الجوي العالمي
http://www.dostor.org/society-and-people/variety/10/june/18/19565
ضـد التـوريـث
تفاءلت كثيرًا عندما جعله مبارك رئيسًا للوزراء، بل قلت في نفسي : لماذا لم يصنع مبارك هذا من قبل ؟ ولماذا اضطر لتعيينه في ظروف احتجاجات بدلاً من أن يضع رجلاً ناجحًا في موقع يمكن أن يغيِّر فيه مسار سائر الوزارات التي اشتكى من أدائها الكثيرون طوال السنوات العشر الماضية ؟
حسبما سمعت فإن د. أحمد نظيف رئيس الوزراء السابق ربما لم يكن يحب شفيق، خاصةً وأن أقوالاً كانت تتناثر دائمًا حول احتمالية تولي شفيق لرئاسة الوزراء خلفًا لنظيف... نظيف الذي أخفق في عدة ملفات، كان يخشى من شفيق التكنوقراطي الذي لا ينتمي للحزب الوطني ولا يقبل أن يكون ألعوبة في يد أحد، ولذا كانت وزارته خطًا أحمرَ يصعب على أي شخص في جناح جمال مبارك أو غيره أن يتجاوزه مع رجل عسكري الخلفية ولا يوالي الجناح المنغمس في تجهيز مصر لمشروع التوريث.
لعنـة مبـارك
غير أن هذا التعيين المباشر من مبارك لشفيق تحول إلى سُبَّة عند البعض، خاصةً بعد التعقيدات السياسية التي توالت أحداثها بعد ما يُسمى بموقعة الجمل في يوم الأربعاء الدامي. ورغم تعهد شفيق بأن كل المتظاهرين سيكونون تحت مسؤوليته الشخصية؛ وهو صادق، لم يعرف شفيق أن أمرًا دُبِّر بليلٍ لتفريغ هذا الوعد من محتواه، ورغم اعتذاره الشخصي بعد ذلك وتشكيله للجنة تحقيق أصدرت أحكامها بعد رحيل وزارة شفيق لأنها استغرقت وقتًا للبحث في التفاصيل المتعلقة بالحدث، رغم هذا.. ظلَّ البعض معتقدًا أنه إمَّا متواطئ - وهي شبهة برأته منها لجنة التحقيقات ذاتها - وإما غير قادر على القيام ببعض مسؤولياته... والجدير بالذكر مثلاً أن بعض المتظاهرين تعرض للضرب مرات عديدة في أربعة أشهر في وزارة عصام شرف وتبين بعدها أنه لا يعرف عنها الكثير من التفاصيل أو ربما لا يعرف عنها شيئًا على الإطلاق.
وظني أن الفريق شفيق كان يأمل في أن النظام الراحل سيصدق بالفعل في استهلال بداية جديدة تكون أكثر شفافية وأقل فسادًا وأحسن أداءً ونفعًا للمواطن، كان اعتقادًا مبنيًا على أمله في تصحيح مسار نظام كان كثيرًا ما لا يفي بوعوده، ولكن إرادة بعض الأطراف في النظام السابق في العودة للوراء، أو أطراف أخرى قد لا نعرفها اليوم، كانت أقوى من اعتقاد شفيق، فحدث ما حدث في موقعه الجمل المؤسف، بالإضافة للأطراف التي ربما سينكشف عنها الستار يومًا ما والتي استفادت من موقعة الجمل تلك لتحقيق مكاسب سياسية وحسب.
ألفـاظ جـدليـة
أوافق البعض في أن اختيار الفريق شفيق لبعض الألفاظ قد لا يكون الأفضل في بعض المواقف، ولذا أخذ عليه البعض أنه يهزأ من المطالبين بحقوقهم والمعتصمين في ميدان التحرير، رغم أني كنت أفهم ما يقوله بمنتهى السهولة بدون تفسير سلبي، وقد تبين لي ذلك في مقابلتي الشخصية معه ووافقني صديقي الذي رافقني في كون الفريق شفيق شديد التلقائية وقد يحتاج إلى بعض الوقت ليشرح ما يقصد حتى لا يتم تفسير ما يقول بشكل سلبي. إلا أن أفعاله تشرح أنه لا يستهزأ، بل ربما تبين لي من لقائي الشخصي به أنه ببساطة "ابن ناس" يعامل الناس بتلقائية ومودة حتى أنه تحدث معنا في أمور عائلية يفخر بها وعن أسرته في الشرقية، وكأنه يعرفنا من زمن بعيد، وكأن بيننا وبينه رابطة قرابة.
أسطورة "الشعب يريد"
في حديثنا مع الفريق شفيق تبين لنا أنه ربما يشعر بشيء من الرفض الشعبي بسبب النقد الذي تعرَّض له من عدة قنوات فضائية خاصة ومن جرائد معروفة قام من خلالها أشخاص معروفون من الكتاب والمثقفين وبعض الإعلاميين بتسخير منابرهم للهجوم عليه تحت عدة شعارات، وبفتح المنابر لأشخاص بعينهم وشباب بعينهم ليتحدثوا عن الثورة ومطالبها والتي ألحقوا بها فيما بعد مطلب رحيل وزارة شفيق تحت عدة تبريرات أهمها أنه حلف اليمين أمام الرئيس السابق وأن شرعيته انتهت بانتهاء شرعية مبارك ذاته... بالطبع كانت هذه أسطورة ضمن أساطير عدة من أهمها أسطورة "الشعب يريد"، وهي مُضحكة للغاية ففور أن تترك ميدان التحرير بمن فيه تجد "مصر" أخرى لها ألف رأي ورأي لا يعبِّر عنها ميدان هنا ولا ميدان هناك، وكان من الملفت للنظر أن ما يُسمى بمليونية الثلاثاء التي خُصصّت لرحيل شفيق والتي سبقت استقالته بعدة أيام فقط لم يحضر فيها إلا عدة آلاف - بشهادة من حضروا أنفسهم - وتبقى منهم حوالي الألف حتى نهاية الليل يهتفون "الشعب يريد".
من الملفت أيضًا أن فئات من هؤلاء الشباب كانوا يبتكرون مطالب قد يكون بعضها معقولاً والآخر هزليًا، أو بعضها متفق عليه والآخر غير متفق عليه، ثم يحشدون الناس على بعض المطالب، ثم فور أن يجتمع الناس تجد شعاراتٍ وطلباتٍ مخفية ظهرت في هذا الميدان.. وقد تكرَّر هذا الأمر في عدة مليونيات أو ألفيات تحريرية ثم تجد فيها التفافًا واضحًا حول نتائج استفتاء 19 مارس، أو دعوى لحل المجلس العسكري وتعيين مجلس رئاسي، أو فرض ما يُسمى بالدستور أولاً.. وهكذا. تكررت هذه الحركات الملتفة كثيرًا جدًا عبر مليونيات أو ألفيات متتابعة، حتى أن رفقاء الأمس تقاتلوا فيما بينهم واختلفوا لأنهم اكتشفوا أن المسألة برمتها أصبحت ألعوبة سياسية ومسرحية مضحكة ومؤسفة شعارها المرسل أصبح "الشعب يريد ".
ألفية رحيل شفيق يوم الثلاثاء السابق لاستقالته مباشرة كان المفترض فيها أن تكون مليونية، بينما هي في الحقيقة كانت تعبيرًا عن إرادة قلة أعدادها يتراوح ما بين الألف والثلاثة آلاف، وباعتبار أن الميدان يمتلئ برُبع مليون شخص تقل أو تكثر، فإن اجتماعهم على مطلب لا يعني أنه مطلب المصريين على الإطلاق.
شرحتُ للدكتور شفيق أن مصر أكبر من ميدان التحرير ومن أي ميدان آخر وأن الناس يعبِّرون عن أنفسهم وهذا حقهم، ولكنهم فقط يعبِّرون عن أنفسهم لا الشعب، فأسطورة "الشعب يريد" التي انكشفت من شهور تبين أنها سقطت في الامتحان في استفتاء 19 مارس وبجدارة حيث قامت كل هذه المنابر الخاصة الفضائية والورقية بحشد الناس في اتجاه رأي معين بينما نزلت جموع المصريين لتقول شيئًا آخر.
الشعب يريد ألا يتحدث باسمه أحد، ولو أراد الشعب أمرًا فليصوت في انتخابات ويضع رأيه في صندوق انتخابي وهذا يحسم الأمر.
بلوفر شفيق و ترينج شفيق أيضًا
ضايقتني جدًا سخرية البعض من "بلوفر شفيق" رغم ما يعنيه هذا "البلوفر" من تواضع الرجل ومهنيته وتقديره لقيمة العمل والإنتاج وعدم تعقيده، بل قال لي سائق تاكسي كان يعمل في مجال السياحة - الذي انهار بشكل كبير الآن - أن العاملين في المطار قالوا له إن الفريق شفيق كان يعتاد النزول بنفسه إلى مواقع العمل وهو يرتدي "الترينج "، ولعل وداع موظفي وزارة الطيران المدني له بالدموع عندما تقرر له أن يتولى رئاسة الوزراء شاهد آخر على محبة الموظفين له وتبسطه معهم.
القانون فوق الجميع
أضحكني سائق تاكسي آخر وهو يقول إنه يلوم شفيق في أنه قرر أن يزيل كل التعديات على الأراضي الزراعية أثناء فترة الثورة، لأن سائق التاكسي نفسه تعدَّى على أرض متحججًا بكونه مضطر وأنه من الغلابة، بل وقال إن لو شفيق ترشح للرئاسة ربما ينتخبه حتى بعد لومه هذا وإن كان يميل أكثر لعمرو موسى... أضحكني أنه لام شفيق في أمر يعرف هو شخصيًا - أي سائق التاكسي - أنه أمر ما كان ينبغي أن يفعله وهو التعدي على أرض زراعية.
وكم كان غريبًا أن ثورة لها مطالب منها وضع حد أقصى للأجور، لم يلتفت كثيرٌ من "ثوارها" إلى أهمية الإجراء الذي قام به شفيق عندما بدأ بتطبيق هذا المبدأ على الإعلاميين الذين كان يتقاضى بعضهم تسعة ملايين جنيهًا مصريًا في السنة من أمثال محمود سعد الذي قام فيما يبدو بافتعال معركة إعلامية مع شفيق متغلفًا بجو الثورة بينما هو - كما يبدو لي - لم يعجبه أن يقوم شفيق بتطبيق أحد مطالب الثورة عليه هو شخصيًا... وكم كان مضحكًا أن تكون "ثوريًا" على الناس ولا تريد لقيم هذه الثورة أن تمسَّ مصالحك الشخصية... وهو ما أشعر بأنه مرض أصاب الكثيرين من أصحاب الصوت العالي المتمسح بالثورة.
بلاغات كيدية و صحافة صفراء
انفجرت ماسورة بلاغات ضد شفيق بلغت العشرات بشكل فجائي بعد تركه لرئاسة الوزراء ورغم أن كثيرًا منها ثبت أنه كيدي بالفعل، إلا أن تعمد بعض الجرائد المصرية أن تنقل الأخبار عن هذه القضايا وكأنها جرائم مثبتة أو حقائق بل ووضع صور لورق يسمونه مستندات رغم أن هذه المستندات قد يعتريها ما يعتريه من تلفيق أو كيدية إلا أن الجرائد تعمدت نقل هذه الأخبار بشكل غير حرفي ومنافي لمهنة الصحافة بل ويعرّض البعض للمقاضاة، بل ووصل الحد إلى تأليف الأخبار والكذب التام ووضع تحليلات وآراء في شكل أخبار، لدرجة أن وزيرًا مثل شفيق كان مشهودًا له في عهد مبارك بالنزاهة والكفاءة يبدو الآن ولوهلة أنه أكثر فسادًا من أحمد عز وفتحي سرور وصفوت الشريف وغيرهم.. إن هذا لمضحك بشكل هستيري، وأعتقد أن أطرافًا في النظام البائد من أصحاب المصالح المتبقية في التخفي وراء ستار الثورة هم أصحاب المصلحة بشكل أساسي في تشويه سمعة شفيق لذا يحاولون الزج باسمه في أخبار مسيئة لسمعته في محاولة لتشويه تاريخه في حال إذا أراد الترشح للرئاسة، وكذلك بعض أنصار مرشحي رئاسة آخرين يحاولون تلميع مرشحيهم بترويج أكاذيب عن شفيق، وكذلك تحمس بعض المنتسبين للثورة في كراهيتهم لأي رمز خدم في سياق النظام السابق معتبرين أن هذا عهد قد انتهى ويجب أن ينتهي معه كل شخص عمل فيه ولو كان نزيهًا.
الغريب أن عشرات الأخبار عن استدعاء شفيق وإدراج اسمه في قضية هنا أو هناك لم يصدق منها خبر واحد، فترى مَنْ الذي يؤلِّف هذه الأخبار محاولاً تشويه سمعة الرجل ؟.
مـصـر أولاَ
قال لنا الفريق شفيق وهو يتحدث عن تعقيدات الثلاثين يومًا التي تولى فيها منصب رئاسة الوزراء إن الأمر لم يكن سهلاً، بل وفيه من التفاصيل التي تكشف عن تحديات كان عليه أن يتعامل معها بحكمة خشية أن تنهار الحكومة بينما ينتظر الشعب منه أداءً متميزًا وحلولاً سريعة لمشاكل متراكبة، فقد كان في سباق مع الزمن لحفظ الأمن وتقوية عجلة الإنتاج وعدم الزج بمصر في صراعات داخلية، كان عملاً شاقًا بالطبع... تحدث معنا بشفافية شعرتُ فيها بالثقة أن هذا الرجل كان يحاول العمل في جو صاخب مليء بالضغوط، حتى أنه قدَّم استقالته في مرة من المرات وتمَّ رفض هذه الاستقالة، فالرجل حاول، ولمَّا شعر أن ما يفعله أصبح لا معنى له في ظل الصوت العالي شعر بضرورة الرحيل عن المنصب.
قال عن البرادعي
تبين لي أنه يعلم أن منصب الرئاسة منصبًا مُضنيًا في ظروف كتلك، ولقد تفاجئنا عندما تحدث عن البرادعي بأدبٍ جمٍّ رغم معرفتي أن البرادعي انتقده بشكل أعتبره أنا شخصيًا؛ فظًا.. كان مما قاله عن البرادعي أنه كان سعيدًا بمحاولات البرادعي لمناوشة النظام السابق ولو من بعيد رغم عدم اقتناعه بكل شيء صنعه البرادعي أو بقدرته على قيادة مصر بسبب خلفيته في الخارجية والتي يعتقد أنها لا تكفي لفهم الشأن المصري وحل مشاكله.. تحدث عن البرادعي بشكل مهذب جدًا وانتقده نقدًا لا يقدح فيه، وكذلك أقرَّ له بجهوده في محاولات الإصلاح. فشفيق يحترم ويقدِّر حتى الذين يتناولونه بنقد مسيء، بينما هم لا يقدرون من إنجازاته شيئًا.
أحمد زويـل
حدَّثنا عن أحمد زويل وتمنى لو كان زويل قادرًا على الترشح لولا أنه مزدوج الجنسية، بل قال لنا إنه لا يمانع أن يعمل تحت إدارة يرأسها زويل لو فاز بمنصب الرئاسة لأن زويل تحدث معه حول رؤيته وما يحمله من إصلاحات يمكن أن تغيِّر التعليم في مصر وتصنع ثورة ثقافية غير مسبوقة؛ حسب ما قال زويل.
حدَّثنا شفيق عن بعض إنجازاته العسكرية والمدنية والمنهج الذي يتبعه في حل المشاكل العملاقة بخطوات مدروسة يمكن أن تحقق نتائج سريعة على المدى القصير ليثق الناس في قدرتهم على تحقيق شيء ما على الأرض فيصبروا ليحققوا نجاحات على المدى البعيد، وشرح لنا هذه النظرية في طريقة عمله في المطارات حين تولى منصب وزير الطيران المدني وكيف استلم الوزارة وفيها ما فيها.
الأمن القومي المصري
حدَّثنا عن رؤيته للأمن القومي المصري وطُرق التعامل مع الملف الإسرائيلي العربي... وحدَّثنا عن ملف الأمن الداخلي وطُرق التعامل معه، وكان قد شرح بعضًا من هذا في لقاء تلفزيوني أذكره قبل قراره بالاستقالة من منصب رئاسة الوزراء.
ضايقه بشده أن كُتَّابًا يحترمهم وتعلم منهم يكذبون أو يبالغون ثم يأتي أحدهم ليعتذر له في السر، وتحدَّث عن معرفته بأشخاص يصرون على الزج باسمه في ما يسيء له ليشوهوه، وأنه متيقن أن الوقت كفيل بحل كل هذه المشاكل وأنه يعلم جيدًا أنه قام بعمله متحريًا الدقة والإتقان والنزاهة، وأن الله لن يضيع هذا. حدَّثنا عن عدم صبره عن غير الأكفاء والمستهترين بحياة الناس وأنه لا يبقيهم في العمل إذا تبين له بالدليل القاطع أنهم لا يصلحون، فالكفاءة بالنسبة له أولوية.
كما حدَّثنا عن الملف الوطني والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين وداعب صديقي المسيحي الذي رافقني في هذه الزيارة فأضحكنا جميعًا وأشعرني بتوازنه خاصةً أنه تحدث عن رغبته في تعيين مسيحيين في مناصب وزراء بناءً على الكفاءة، وذلك عندما كان رئيسًا للوزراء.
سقوط علاء الأسواني وأشباهه
كانت زوجتي وكثير من أصحابي يحبون القراءة لعلاء الأسواني، أنا شخصيًا لم أحب رواياته، لكني لم أكن أحمل له أي نقد سلبي، غير أن موقفه المشين في تعامله مع الفريق شفيق في برنامج "أون تي في" الشهير كان كفيلاً بتصريح زوجتي لي أنها ندمت أنها قرأت له سطرًا واحدًا، وأنها صُدمت فيه وفي عدم قدرته على احترام الرأي الآخر وآلمها بشدة أنه زايد بدم الشهداء وأصبح يصرخ بشكل همجي..
لقد سقط بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.. وسقطت معه مثالية النُخبة التي تبشر بالديمقراطية والحرية واحترام الرأي الآخر.. وتبين لي شخصيًا أن هذا النموذج يعشش بيننا الآن في شكل كُتَّاب ومثقفين يتحدثون عن أشياء لا يستطيعون تمثلها.
تخاريف صحفية
تعبتُ من قراءة "الفتيا" والتحليلات التي يسوقها الكثيرون في شكل حقائق واقعية ومعظمها من حكاوي الناس وكلامها مرسل ليس عليه أي دليل، حيث أشعر أن ما يُسمى بالصحافة المصرية كادت أن تتحول كلها إلى صحافة صفراء بإيوائها لكتاب لا يملكون من الدنيا غير قلم يكتبون به وفقط ولا مهنة لهم غير الحكايات، حتى أن بعضهم يؤلِّف قصصًا ويدَّعي أن فلانًا اتصل به وعلانًا أخبره... وللأسف فإن مذيعًا كنت أحترمه أصبح الآن ينتهج هذا المنهج ذاته رغم أنه يعلم أن هذه الطريقة ليست مهنية فهو ليس صغيرًا على مثل هذه الترهات.
استطلاعات رأي
صنعتُ استطلاعًا للرأي ليتم توزيعه على المصريين في الشارع وكان من الأماكن التي وصلت لها مصنع في القاهرة الكبرى فيه مائتا موظف؛ خمسة وخمسون منهم استجاب للاستطلاع، وتعجبت أن شعبية الفريق شفيق بينهم عالية رغم كل الإعلام السلبي المضاد له، وتفاجأت من حواراتي مع المارَّة وسائقي التاكسي وغيرهم أن هذا أمر حقيقي وليس متوهمًا...
وكان مما سمعته من الناس عن شفيق قولهم إنه محترم وإنجازاته واضحة ويعجبهم حزمه العسكري وتواضعه في التعامل مع الناس وقدرته على وضع حلول لمشاكل مزمنة والاستعانة بالكفاءات... الكثيرون قالوا إنظر كيف أصلح مصر للطيران وكيف وضع المطارات المصرية في منافسة عالمية.
رجل على خُلق
الفريق شفيق أخرجنا من هذا اللقاء بصورة أعتقد أنها تطابق الأصل، وأنه رجل محترم يملك القدرة على المبادرة ولا يخشى المخاطرة، لا يحتقر معارضيه وليس من شيمه الرد عليهم بطريقتهم السوقية أحيانًا والمليئة بالكذب أحيانًا أخرى.
شهادة سائق تاكسي
قال لي سائق تاكسي: لقد ظلم مبارك شفيق، فقلت له: هل هذا رأيك وحدك ؟ فقال لي: بل رأي الكثيرين من الزبائن الذين يركبون معي كل يوم، فسألته بوضوح: هل تنتخبه إن ترشح للرئاسة، فقال لي: أنا أثق في من له إنجاز على الأرض، وفي من يستطيع البناء، وفي من يعرف مصر ومشاكلها، وفي من نعرف عنه النزاهة والأمانة والحزم، هذه كلها خصال في شفيق.. ولو ترشح سأنتخبه.
دلَّل لي هذا الرجل البسيط - وهو شاب يبلغ من العمر السابعة والعشرين- أن المصريين سئموا الأكلشيهات والكلام المرسل ويبحثون عن بانٍ ومعمِّر وحلال مشاكل معني بالشأن المصري أولاً... ومن خلال لقائي بشفيق،... فإن ما سمعته عن الرجل طوال السنين الماضية؛ أثبتته التسعون دقيقة بلا شك.
وشهادة سائق تاكسي آخر
مشتكيًا من حال البلد والفوضى التي ضربت فيها، حيث قال إنه لا يمانع في أن يحكم مصر الجيش لأننا أسأنا استخدام الحرية؛ حسب قوله؛...غير أني لم أوافقه في أن الفوضى الحالية ستدوم وأنه من الطبيعي أن يحدث تغيير للأفضل في الشهور القادمة.
كان مما قاله هذا الرجل إن شفيق رجل نزيه، ويعجب من محاولات تشويه سمعته ويعتقد أن البعض قد يكون قد نجح في نشر إشاعات وقد يصدقها البعض، وقال إنه يخشى أن هذا الرجل أو غيره ممن لا يقبله "معتصمو التحرير" حتى لو فاز بسبعين في المائة في الانتخابات سينزلون الشارع ويعترضون ويخلقون فوضى ونستمر في هذا المولد - حسب قوله -.. قلت له: حينها سأنزل أنا وأنت ومئات الآلاف لحماية الديمقراطية وبما تأتي به، لأن الصندوق هو الفيصل بيننا وهو الوحيد الذي يمكن أن يخبرنا ماذا يريد الشعب... وافقني، غير أنه كان متشائمًا.
الرجل كان مهندسًا معماريا في إحدى دول الخليج، ويعمل الآن سائقا لتاكسيه الخاص الذي يمتلكه وهو في الأربعينيات من عمره.
مرشح رئاسي محتمل !
قال له صديقي ونحن نودِّعه: سيادة الفريق، أكثر من المستشارين حولك وأحط نفسك بقدر من الشباب يشاركون معك في التفكير والبحث عن حلول... قلت له: نحتاج إلى برنامج انتخابي قوي يا سيادة الفريق يعالج قضايا كبرى... وتركناه وهو لا يعرف إن كان سيرشح نفسه أم لا.. قائلاً لنا ربما يرشح نفسه من هو أفضل منه، أو من يخدم مصر بشكل أحسن. قال له صديقي: سيادة الفريق نحن نعتقد أنه عليك أن ترشِّح نفسك ففي الحالتين سنربح، فلو ترشحتَ وخسرتَ في الانتخابات ستثري السباق الانتخابي بلا شك، وإن ترشحت وفزت فسيكون هذا أيضًا خدمة للشعب المصري.
مصر 28 يناير.. تختفي
رأيي من رأي صديقي، فشفيق ليس منزهًا عن الأخطاء فلا أحد منزه، ولا أعتقد أنه يملك حلولاً سحرية في زمن لا ينبغي فيه أن نعود إلى الوراء ونقدِّس فيه الأشخاص... فنحن لا نعبأ بخبر عن مسؤول يحدثنا عن مدى تواضعه لأكله في محل فول وطعمية شعبي كما كان يحدث مع د. عصام شرف، بل نريد نجاحات وإنجازات بشرية ممكنة، ونريد مصر أفضل.
ما حدث يوم الثامن والعشرين من يناير من نزول أفراد الشعب العاديين مطالبين بالكرامة والعدالة والإصلاح، هو ذاته القيم التي أراها تختفي من كتابات المثقفين من النخبة الذين قفزوا على الثورة ويزايدون بدم الشهداء لإسكات المخالفين لهم، حتى أصبح النقد أصعب مما كان سابقًا... ليس هناك كتالوج نبحث فيه عن حلول، ولا توجد تيارات نُقصيها حتى نعتبر أننا على الطريق الصحيح.. هناك بشر وهناك قيم وهناك احتياجات ومصالح، وهذا ما نريد وحسب... هذا ما طلبناه منذ الخامس والعشرين من يناير.. خطوة أفضل للأمام، بلا مزايدة ولا شعارات ولا تقليد ولا إسكات للأفواه التي تريد أن تمارس النقد الموضوعي.
أنا ثائر.. أنا أؤيـِّد أحمد شفيق
- تعرفتُ على "ياسر" في إحدى الفعاليات التي كانت مخصصة للتعرف على الفريق أحمد شفيق، وكان يتحدث مع شخص آخر بصوتٍ عالٍ، فاستمعتُ إلى حواره وشدني للدرجة التي أستاذنته أن أشارك فيه... ياسر مهندس إلكترونيات، متزوج وله طفل، وهو في الثلاثينيات من عمره، وكان ممن شاركوا في يوم 28 يناير مع زوجته ووالديه، وكان ممن حضروا ملحمة قصر النيل المعروفة والتي لها صور منشورة في أرجاء الإنترنت... ياسر يتحدث عن خطف لقب "ثائر" ولصقه بمجموعة صغيرة احترفت الحديث باسم الشعب، حتى أنه أصبح لا يجد نفسه ممثلاً وغيره كثيرون ممن شاركوا في يوم 28 يناير؛ اليوم الحقيقي للانتفاضة الشعبية التي غيرَّت مسار الأحداث وصنعت تاريخًا غير مسبوق لمصر وللمنطقة، وهو نفس اليوم الذي مات فيه الكثيرون أيضًا، وهو اليوم الذي يستحق بجدارة أن يخلده التاريخ.
ياسر يتحدث عن كثير من أصدقائه من الذين يرون في الفريق أحمد شفيق شخصًا نزيهًا نظيف اليد كفؤا وقادرًا على الأداء والتنفيذ، ولا يعيبه أن يكون وزيرًا سابقًا في النظام السابق... كان مما قاله: لو كانت كلمة "نظام قديم" كلمة يراد بها التضليل حتى يقوم البعض بتصفية حسابات سياسية والقفز على الشعب فليكن إذن، ولذا أنا أحب أن أقول إن شفيق كان هو "النظام الجديد" في قلب "النظام القديم" مثله مثل حسب الله الكفراوي وآخرين كانوا يتقنون ما يفعلون ويتقدمون في زمن التقهقر والفساد.
- يقول "محمد" وهو طبيب في السابعة والعشرين من عمره وشارك في الثورة من يوم 25 وحتى التنحي أنه يشعر بأن هناك أشخاص يريدون أن يوهموا الناس أن "طلبات الثورة" هذه مسالة إجماع، هناك أشياء لم يتفق عليها أحد، ولو كان بعض الذين شاركوا في الثورة لا يحبون شفيق فأنا من الذين شاركوا وأحبه وأرى شيئًا آخر تمامًا وليس من حق أي إنسان أن يقول إن "الشعب يريد" وهو لا يمتلك هذا الحق بحال.
- الشاهد هنا أن مؤيدي الفريق شفيق ينتمون لقطاعات عدة، سواء من الذين شاركوا في 25 يناير وما بعدها، أو الذين لم يشاركوا ويسخر منهم بعض المتحذلقين من النخبة بإعطائهم لقب "حزب الكنبة"، أو من الذين يعتبرون 25 يناير خطأ.. من الكذب المريع أن يحاول رافضو شفيق ترويج فكرة أن من يؤيد شفيق خائن للثورة أو للوطن أو خلافه، فهذا كذب يتبين لك فور نزولك إلى الشارع واحتكاكك بالناس، وعلى المتحدثين باسم الشعب من النشطاء أن يكف عن ممارسة نفس أسلوب النظام السابق في التضليل والكذب، فلقد أصبحوا سواءً، وأعتقد أن كثيرين بدأ يتبين لهم هذا مع مرور الوقت.
تحدثوا معه بدلاً من أن تتحدثوا عنه
تسعون دقيقة مع شفيق... كنت أودُّ أن يقضيها ثمانون مليون مصري معه أيضًا... وأنا أعتبر هذه دعوة لوسائل الإعلام وكثير من الكُتَّاب الذين أعرف أنهم يحترمون الفريق شفيق وبدأوا يخشون الكتابة عنه مخافة انتقادهم.. أنا أدعو وسائل الإعلام أن تكف عن الكذب وأن تبدأ بعمل حالة حوار خاصة، وهم يعلمون أن الفريق شفيق يعرفه المصريون أكثر من آخرين قفزوا علينا قفزًا.. وأن كثرة الكذب لن تأتي بالنتيجة المرجوة.. الرجل عندهم وقريب منهم، فبدلاً من أن يتحدثوا عنه.. فليتحدثوا معه، وليمضوا هم أيضًا تسعين دقيقة معه، وسيتفاجأون أن كثيرًا من المصريين كانوا يعرفون.. أن أحمد شفيق.. رجل يستطيع البناء ويحب مصر.
مقالات رأي عن الفريق أحمد شفيق
- بعد 25 يناير
تعظيم سلام للفريق شفيق (موقع بص وطل)
http://www.boswtol.com/politics/opinion/11/march/3/28290
منتقدو شفيق خائفون من شعبيته (الوفد)
http://www.alwafd.org/69298
الطيران "عسكري" لحين إشعار آخر (الدستور)
http://www.masress.com/dostor/48681
- قبل 25 يناير
النواب يتسابقون لكيل المديح لوزير الطيران المدني «أحمد شفيق» (الدستور)
http://www.masress.com/dostor/19716
ما لا أتمناه لأحمد شفيق (جريدة المصري اليوم)
http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=276970
أحمد شفيق وزير الطيران المدني : طفرة في صناعة النقل الجوي
(الأهرام ومجلة نصف الدنيا)
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=142992eid=881
الفريق شفيق وأوراق التلفيق (موقع مصرس وصوت الأمة)
http://www.masress.com/soutelomma/3924
 

Page 7


لهذا أؤيـد الفريق أحمد شفيق
( 27 ديسمبر 2011 )
كنتُ من الإخوان
لا يخفي على أحد ممن كان يتابع مدونتي التي بدأتها منذ عام 2004 أن مرجعيتي إسلامية، فأنا لم أخفها قط؛ بل وكنت معلنًا لها خاصة وأنا أترك صفوف الإخوان في نفس العام تقريبًا (2004) بعد رحلة طويلة معهم في الكويت ومصر والولايات المتحدة الأمريكية، رحلة بدأت في المرحلة الإعدادية واستمرت أكثر من عشر سنوات، وعلى الرغم من أن علاقاتي الشخصية مع بعض شباب الإخوان وبعض قياداتهم لا زالت جيدة؛ إلا أنني توقفت كثيرًا عند كثير من أدبيات الإخوان وانتقدتها وتعرضت لها بالتمحيص والفحص بأشكال عدة، فبينما أفارق الإخوان تنظيميًا وفكريًا أتمسك بالمرجعية ذاتها التي من أجلها التحقتُ بهم ومن أجلها تركتهم، حيث تغيَّر فهمي وإدراكي لكثير من الأمور عبر السنين والخبرات المتراكمة التي اكتسبتها.
لي من السلفيين أيضًا أصحاب كثر؛ نتفق قليلاً ونختلف كثيرًا ويجمعني مع بعضهم علاقة أخوة وصداقة واحترام متبادل... كما تجمعني الآن ببعض أفراد من حزب الوسط الإسلامي المنشأ أيضًا علاقات جيدة؛ وربما تفاهمات فكرية أوسع قليلاً مما كانت لديَّ مع الإخوان في السابق.
وعندما كنت في الإخوان تعلمتُ بينهم حسن الخلق والالتزام وحب الناس والتضحية، كما تعلمت من خلالهم القيادة والإبداع والبحث عن وسائل دائمة لنشر الفكر الذي أؤمن به، فقد كنا نفعل كما يفعل أفراد الجيش في الأزمات أو كما يقال (الجيش بيقولك اتصرف)، وهذا منحنا مهارة البحث عن حلول لكثير من المشاكل والمعيقات التي كانت توضع أمام الإخوان للحول بينهم وبين الوصول للناس بأفكارهم ومبادئهم... تعلمت بينهم أيضًا ألا أحكم على الناس من موقف أو اثنين... وتعلمت بينهم ألا أشتم المؤسسات ولا الأفراد؛ وهو الأمر الذي بدأ يتغير بوضوح منذ بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير وهو أمر صادم لي وبشدة، فالإخوان تغيروا وبسرعة بعد 25 يناير بالشكل الذي جعلني أعتقد أن شراهة السلطة سيطرت عليهم وأصابتهم بلوثة عقلية.
مواطنة عالمية
سافرتُ إلى الولايات المتحدة الأمريكية قبل حادث التفجير المعروف باسم 11/9 وذلك قبل الحادث بعدة شهور وحسب، وهناك أكملتُ دراستي في إحدى الكليات الأمريكية في علوم التكنولوجيا والحاسب الآلي بعد تخرجي من كلية الهندسة في مصر، وقد كان سفري هناك بمثابة مدرسة تعليم متعدد الروافد طوال السنين الخمس التي مكثتها هناك، فلقد دخلت كنائس لكل الطوائف وغيرها لأتحدث عن الإسلام الذي كان قد أُتهم حينها بأنه منبع الإرهاب وأنه دين عنف.. بدأت هذه الرحلة بفكر الدفاع عن المعتقد وحسب وانتهيت بعقلية الاندماج وفهم الآخر وتقدير الاختلاف وفهم الحوارات الخلفية لدى الآخر وتقديري لقيمة القانون وحقوق الإنسان البسيطة وحرية التعبير وحسن التصرف في الموارد، وغير هذا من قيم لا يختلف عليها أحد... وهناك شعرت بالمواطنة العالمية، وهو أن أكون فاعلاً؛ لي حقوق وواجبات تجعلني لا أنتمي فقط لبلد المنشأ (مصر) أو بلد الإقامة (أمريكا)، بل للإنسانية حيثما وُجدتْ، وفي أي سياق كانت.
ومن هناك اكتسبت مهارات التفاوض وفض النزاع وأدوات الحوار وبناء الجسور بين أصحاب الأديان المختلفة، خاصة بعد أن نشطتُ سياسيًا في عدة مجالات ومنها حقوق الإنسان ضمن عدة منظمات حقوقية معنية بالمخالفات التي كانت ترتكب ضد المسلمين وضد فئات أخرى مثل الهنود الحمر والملونين وغيرهم من فئات قد يوصم بعضها بسبب أو آخر.
وهناك تعلمت الممارسة السياسية عندما نشطتُ ضد حرب العراق وضد الرئيس الأمريكي بوش وسياساته الاستعمارية، وزادت خبرتي في الحملة الانتخابية لكيث أليسون الذي ترشح ثم فاز في الكونجرس الأمريكي كأول مسلم أسود في التاريخ ومن ولاية كان أكثر سكانها من البيض المسيحيين. وأذكر حينها حينما قلت له لا يهمني ما هو دينك بل يهمني ماذا ستصنع، وذلك عندما اقترب مني في مقهى ليقدِّم نفسه كأول مرشح مسلم للكونجرس في التاريخ الأمريكي، وغالبًا قدَّم نفسه لي بهذه الطريقة بسبب ملامحي الشرق أوسطية والعربية.. ثم التحقت بحملته ورأيت أمريكان من كل عرق ولون وعقيدة يعملون معه.
ومن عملي كمدير في شركة كبرى في ولاية من الولايات، كان يعمل معي زملائي من كثير من جنسيات العالم؛ ومنهم نسبة مسلمين كبيرة من الصومال، وهناك تعلمتُ كيف أتفاوض لأحصل على حقوق الجميع بما لا يظلم العمل ولا يجور على العامل، كمصري مسلم من الأقليات يمتلك سلطة معقولة تمكنه من توفير بيئة ملائمة للجميع بما يتفق مع القيم العامة للبلاد، وما يتفق مع قيمي أنا شخصيًا وأنا في تمام الاتساق بلا أدني شك.
وهناك ظهرت لي أهمية الكفاءة وإتقان العمل بلا أي ارتباط بعقيدة العامل أو جنسه أو عرقه. فمثلاً خضت عدة تجارب في التعامل مع بعض المسلمين الذين استقووا بعددهم في مكان العمل فبدأوا يتراجعون في أدائهم ولا يقومون بواجباتهم، ومع بعض المسيحيين الذين كان يتعصبون ضد المسلمين وحاولوا حرمان بعض الأكفاء منهم من مناصب يستحقونها.
وفي خضم هذا وذاك تعلمت الكثير، وتعلمت قيمة البحث عن حلول توافقية وتقديم الكفاءة على الانتماء والولاء، وإعطاء الفرص للتطور ان أمكن.
الملف الطائفي و المواطنة
منذ عام 2004 وأنا أعمل في الملف الطائفي الذي روعتني مشاهده بعد أحداث الإسكندرية ومحرم بك في 2005، حيث اندلعت حرب شوارع غير مسبوقة خوفتني على مستقبل مصر وأهلها، وكنت حينها في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عدت في نهاية عام 2006 لأكمل مبادرة بدأتها أنا وبعض المدونين باسم "مصارحة ومصالحة" ثم تطور الأمر لعمل ورش عمل للحوار تضمنت مجموعات من الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين والمسيحيين بطوائفهم الثلاث ونشطاء سياسيين وحقوقيين ونشطاء في المجتمع المدني؛ وذلك حتى يومنا هذا، فلقد قمت ومعي بعض النشطاء بتدريب المئات على قيمة الحوار والتفاوض وفهم الآخر وتكريس معاني المواطنة.
لم أسلم من التحرش الأمني؛ سواء أيام انتمائي للإخوان، أو حتى بعد تركي لهم، فلقد تمَّ اعتقالي في قنا عقب أحداث نجع حمادي لمدة يوم ونصف عندما قرَّرتُ زيارة المنطقة التي حدثت فيها مذبحة في أيام عيد الميلاد ومات فيها مسيحيون أبرياء كثيرون وذلك لتوثيق ما حدث، ولتعزية أهالي الذين ماتوا وللوقوف معهم.. فما كان من أمن الدولة إلا أن اعتقلوني أنا ومعي 30 ناشطًا سياسيًا في بداية عام 2010، بل ووجهوا لنا تُهمًا مضحكة ومنها أننا كنا نريد عمل فتنة طائفية... وهناك تعرفتُ على عدد أكبر من النشطاء الذي اشتهرت أسماؤهم اليوم عبر شاشات الفضائيات والذين كنت أعرف بعضهم منذ عام 2003 أو ما بعدها.. وفي الحقيقة كانت تجربة مفيدة بكل شكل.
أؤمن بحقوق المواطنة الكاملة بلا نقصان لكل مصري مهما كانت عقيدته، وأؤمن أني بهذا متسق اتساقًا كاملاً مع قيمي الدينية وأخلاقي ومبادئي، ولهذا فأنا أعمل في هذا الملف بكل سعة ممكنة.
كنتُ أنتخب في زمان التزوير، وأنا أعلم أن النتيجة مزورة في كل حال، وأحث الناس على الانتخاب لأني كنت أؤمن بأن البداية يجب أن تكون من حيث نريد أن يكون الناس، وكنت مثار سخرية كثير من النشطاء أيضًا الذين كانوا يحترفون التنظير ويسافرون إلى بلاد عدة ليحاضروا عن الديمقراطية ومصر والوطن، ثم يتحدثون باسم مصر والمصريين بلا أي خجل.
إن الذي حمى انتخابات 2011 أن الناس جميعًا نزلوا، حموا صناديقهم بأرواحهم ومعهم جنود الجيش وكتائب من القضاة ودعم من الشرطة، ولو فعل المصريون هذا من عشر سنوات لما كنا اليوم فيما كنا، لو صدقوا أن الملايين لو نزلوا بحق لحموا أصواتهم ولما تمكن بلطجي من الاقتراب، أو منتمون للحزب الوطني من العبث وتغيير النتائج.
28 ينايـر
رغم أنني كنت ممن شاركوا في النزول للتظاهر يوم 25 يناير، إلا أنني لم أكن أتصور أن يحدث ما حدث بعدها؛ ربما مثل الكثيرين. وفي ذلك اليوم وبعد تدخل قوات الأمن بقوة لفض المظاهرة ليلاً؛ مما عرَّض الكل للضرب والإيذاء بسبب القنابل المسيلة للدموع. عدت للمنزل وأنا أشعر أن الأمر انتهى ولم ينجح فيه شيء، ونزلت إلى الشارع يومي 26 و27 أيضًا وشاهدت تعامل الأمن مع بقايا المتظاهرين في الشوارع الجانبية لمنطقة وسط البلد وما حولها.
جاء يوم 28 يناير ليغيِّر الصورة، وهو اليوم الذي أعتبره يوم الثورة الحقيقي، ولذا فأنا أحب أن أسميها بثورة 28 يناير أو انتفاضة 28 يناير التي غيرَّت مسار التاريخ في مصر، وهو اليوم الذي أفخر به بحق، وهو اليوم الذي توحَّد فيه كل من نزل إلى الشارع بلا خلافات سياسية ولا أجندات أيديولوجية ولا غير هذا أو ذاك، على الأقل في أغلب من شارك، وقبل أن يقفز على المشهد بعض النشطاء المنتمين لحركات سياسية بعينها وأحزاب وتيارات وغيرها مزقت هذه الوحدة وتحدثت باسم الشعب وهي ليست لها أي شرعية، ورأيت مشهد يوم 28 يناير يتآكل... وتتآكل كل قيمه واحدة تلو الأخرى في صراعات سياسية حول التورتة وكيفية تقسيمها، ورأيت من يُسمي نفسه ثائرًا يزايد بحق الذين ماتوا تضحية لأوطانهم وهو يدعي أنه يطلب حق الشهيد، ولكنه في الحقيقة يبحث عن مكسب سياسي أو نجومية، ومنهم نشطاء أعرفهم ويعرفونني كانوا يسخرون سخرية شديدة من الفكرة ذاتها، فلما غلبت إرادة الشعب هبطوا إلى الميدان ليأخذوا صورة أو صورتين وليصبحوا أبطالاً، قلَّ أن تجد منهم من مات أو جُرح، لأنهم يحبون الشاشات أكثر، ويعشقون مانشيتات الجرائد الموالية لهم.
خطاب بنائي
بارك الله في أستاذي الفاضل الدكتور أسامة القفاش الذي أفخر بالتتلمذ على يديه عبر سنين طويلة وهو الذي قدَّم لي فكرة الخطاب الانتحاري وغيره وهي نظريته التي يمكن أن تجد تفصيلها في كتاباته والأمثلة الموضحة لها على موقعه الخاص. وفي تلك النظرية يشرح الدكتور طبيعة منشأ هذا الخطاب، وهو أسلوب حياة متغلغل في كل تفصيلة في حياتنا وكرَّسه النظام السابق بوعي وغير وعي حتى أصبح جزءًا منا جميعًا. خطاب فيه الأنا العليا متضخمة، وتقبل الآخر هزيمة، والتفاوض نكسة، وإتقان العمل مسألة ثانوية، والبحث عن شماعات والهروب من نقد الذات منهج تفكير، والبحث عن حلول وسط مضيعة للوقت، وإطلاق الأكلشيهات والشعارات مهنة، وغياب المضامين حرفة، وقتل الكفاءات مهارة، وإقصاء القامات والخبرات فن، وتقديم المهرجين والمقلدين والدجالين في مجالات عدة نوع من أنواع البطولة والوطنية.
ولذا لا تجد فارقًا كبيرًا بين قيادات الحزب الوطني مثلاً وبعض رموز النظام السابق، وبين الذين يدعون الثورة عليهم لأنهم ينتمون لنفس المنهج من التفكير، فالمعارض ومن يعارضونه وجهان لعملة واحدة.
بينما الذين يعملون بإتقان، يقدِّرون الآخر المختلف، ويقدمون الكفاءة على الولاء، ويبحثون عن حلول وسط، ويبدعون في ايجاد مخارج للأزمات، لا يتحدثون كثيرًا، وربما لا يعرفون السياسة بألاعيبها الملتوية، ولا يتقنون الأكلشيهات ولا رفع الشعارات، وهؤلاء يعملون وينتجون ويصلحون ويعرفهم الناس حتى لو خفتت أصواتهم ونالهم ما نالهم من أذى وجهالة. أصحاب الخطاب البنائي، يعيشونه بالفعل، وقليلٌ هم.
ولذلك أقنعني شفيق
من أجل كل ما سبق، وبسبب كل الخبرات التي مررتُ بها، والمواقف التي عايشتها، والأشخاص الذين عرفتهم.. رأيت بما لا يدع مجالاً للشك أن الفريق أحمد شفيق يجسِّد كثيرًا من تلك المحاور التي لخصتها ببساطة في عدة عناوين...
فهو المسلم المحافظ العارف بخصوصية المصريين في التدين من مسلمين ومسيحيين ويحترم هذا ويعرف قدره بل ويعلنه في كثير من اللقاءات حينما يقول إن التدين كقيمة يدفع المسلم والمسيحي لعمل الخير وإتقان العمل والبناء، وهذا تدين نافع يجب الحفاظ عليه ودعمه.
وهو مواطن مصري وعالمي في ذات الوقت، يعرف قدر مصر وخصوصيتها التاريخية والجغرافية وتنوع هوياتها، وهو كذلك واسع الأفق يفهم السياقات العالمية والإقليمية ويفخر في كل محفل أنه يقدِّر إنجازات الآخرين ويستفيد بها وأن هذا من صميم حسن إدارة الموارد والمؤسسات وذلك بأن تبحث عن الخبرات والكفاءات وتجعلهم قريبين منك ليشيروا عليك ويساعدوك.
وهو مناضل بلا شك في مجالات عدة؛ سواء في مساحته العسكرية وخدمته الوطنية في حرب أكتوبر وتعدد اسهاماته في عهود عبد الناصر والسادات ومبارك، أو في مساحته المدنية حينما تولى وزارة الطيران المدني فحارب الفساد والواسطة والعِزب والشللية بكل وسيلة وبالتدريج حتى حول مطارات مصر إلى مفخرة بعد أن كانت خرابات ومزابل.
وقد كان ضد فكرة التوريث بلا شك، وناضل ضد أي تدخلات من بعض رموز النظام السابق في سياسات مجلس الوزراء. وإن مضابط المحاضر التي تسجل اعتراضاته على قرارات كارثية كانت يمكن أن تمرر في مجلسي الشعب والشورى دليل على ذلك، ورغم الدعاية القليلة حول هذا، فإنه رجل حارب الفساد منفردا وبصوت منخفض وضد السلطة مباشرة بينما كان المطبلون والمزمرون يعتبرون أن مظاهرات عند سلالم نقابة الصحفيين أو غيرها هي قمة الوطنية ويتقاسمون بعدها النجومية على شاشات الفضائيات ليأخذوا ألقابًا مثل مناضل وناشط وحقوقي وغيرها.
وهو معتدل التوجه بلا أي شك فهو يقع في الوسط من حيث الفكر ويقدر المواطنة الكاملة لكل مصري من مسلم ومسيحي ومن رجل وامرأة، يقدر حقوق النوبيين المهدرة ويعدهم بإنهاء مأساتهم التي امتدت عقود طويلة، ويعرف مدى معاناة بدو سيناء وأهل العريش وبقية أجزاء سيناء وكيف تعاملت معهم وزارة الداخلية بمنتهى الإساءة في وقت من الأوقات، ويعرف قدر السوايسة وأهل الإسماعيلية والبورسعيديين ويعد بطفرة اقتصادية تحدث حول هذه المنطقة لتحويل مصر إلى مركز اقتصادي غير مسبوق، ويعتبر تعمير سيناء أولوية قومية ومسألة أمن قومي... ويعرف كيف تمَّ تجاهل الصعيد والأرياف بجعل القاهرة مركز الكون بينما تمَّ إهمال الجميع... فهو ينظر لدولة غير مركزية وعدالة توزيع للثروات والموارد.
وهو رجل الكفاءات والقامات العلمية والعملية، يقرب منه الأكفاء ويبعد عنه كل محترف كلام أو فاسد أو شللي، وهو الذي قال في تجمع شعبي ذات يوم : "لقد كنتُ النظام الجديد، داخل النظام القديم". ولقد صدق بالفعل.
وهو متواضع ينزل إلى الأرض ليكون مع عُمَّاله وموظفيه.. وهو يقدِّر من يجتهد، ويساعد من يقصِّر، ويتخلص ممن يصر على التقصير رغم كل الفرص.
وهو الذي إذا أخطأ يعتذر، وإذا قصر ينتقد ذاته، وهو الذي يدعو إلى الحوار ويرفض إقصاء أي طرف في مصر.
وهو يرفض التحامل على الإسلاميين عند كل منعطف حتى وإن اختلف معهم في مسائل معينة ويرفض إنكار مواطنة المسيحيين الكاملة غير المنقوصة أو المساومة عليها بحال، ويرفض تخوين من يسمون أنفسهم بالثوار وإن انتقد تصرفات بعضهم، ويؤمن بوطنية المؤسسة العسكرية بلا أي شك أو تشكيك حتى لو انتقد بعض سياساتهم، وهو لا يزايد بشعارات سياسية براقة ولا أكلشيهات خلابة، وهو يحترم كرامة كل مصري ويؤمن بقوة القانون وشرعيته على الجميع.
هو صاحب تجارب بنائية تتحدث عن نفسها... كثيرون يتحدثون عن الحلول... ولكن القلة التي يمكن أن تجعل هذه الحلول قابلة للتطبيق، ولذلك ولكل ما سبق فأنا أؤيد الفريق... أحمد شفيق.
 

Page 8


من أقوال الفريق د. أحمد شفيق في ندوة الغرفة السياحيةبعنوان " مستقبل السياحة برؤية مرشحي الرئاسة "
( 14 فبراير 2012 )
كنت هناك في هذا المؤتمر الذي يرسم ملامح رؤية المرشح الرئاسي الفريق الدكتور أحمد شفيق لصناعة السياحة، وحتى لا يقوم منبر إعلامي منحاز أو أفراد كل وظيفتهم السخرية من الإنجازات والأفكار وإخراجها من سياقها بسبب هذا الانحياز، فقد أفردت لما قال في هذا المؤتمر مقالة تسرد معظم وأهم ما قال فكان مما قال :
- "لا قبول بأنصاف الحلول، يجب أن نكون على قلب رجل واحد، وأنا عندما أضرب الأمثال بالإنجازات السياحية من دول أوروبا وكيف انتقلت وتطورت، فأنا أفعل هذا لأثبت أن النمو السياحي ممكن، وأن السياحة يمكن أن تكون هي قاطرة التنمية في مصر والأسرع في حصول نهضة اقتصادية لأنها جاهزة من حيث البنية التحتية ويمكن أن تدخل في طور العمل الفوري لأنها بالفعل تعمل الآن".
- "إنتاج اليوم إذا شابه إنتاج الأمس فهو أمر غير مُجدي... بل يجب أن يكون الغد أفضل من الأمس وإلا سنكون أمواتًا، فيجب أن يكون هناك تغيير يومي إلى الأفضل، فالتغيير حياة، ومع إشراقة كل شمس يجب أن يكون هناك جديد.. فالثبات نوع من الموت".
- في إجابة على سؤال: (هل يمكن ضم وزارة الطيران ووزارة السياحة ووزارة الآثار في وزارة واحدة ؟ ) أجاب د. شفيق :
" مشاكلنا الإدارية جسيمة والروتين ذو إشكالية كبيرة ويسبب تلكؤ في الأداء، وربما يكون ضم الوزارات كمبدأ أمرًا معقولاً، ولكن واقعيًا فإن ضم وزارتين مثلاً قد يستغرق عشر سنوات من أجل ضم ملفات الوزارتين معًا مثلاً وتوحيدهما.. وهذا يعطِّل الإنتاج المطلوب من الوزارتين. وفي رأيي أن الأجدى هو أن يكون وزيران مثلاً تحت تنظيم إداري واحد بحيث يكون لوزير الآثار مكتب في وزارة السياحة ولوزير السياحة مكتب في وزارة الآثار، وقد يمكننا هذا من تلافي الروتين حتى تصبح قدرة الضم واقعية.. ومثال حدث بالفعل وهو ضم وزارة الطيران والنقل أدَّى لمشاكل مرصودة وموثقة.. وهناك تجارب في فرنسا مثلاً تجعل أكثر من حقيبة في يد وزير واحد... إذن الأمر يحتاج للبحث مع قبول المبدأ، ولكنه يحتاج للتجريب والتعديل حسب النتائج".
- "كان خلافي مع وزارة د. أحمد نظيف عميقًا، مثل رفضي لموضوع الصكوك، وموضوع الخصخصة والطريقة العبثية التي تمَّ بها، وغيرها من أمور".
- "في بداية عملي في تطوير المطار وجدتُ مثلاً أن جودة التشطيب وإتقانه في الحمامات سيئة جدًا على الرغم من أن المقاول وصله حسابه بالكامل حسب العقود المتفق عليها، فأجبرته على إعادة العمل كله وعلى حسابه لأنه لم يتقن عمله".
- "النمو السياحي، يعد مؤشرًا حقيقيًا للنمو في كافة المجالات الأخرى لأن زيادة عدد السائحين يعني أن الأمن استتب والطرق انتظمت والخدمات استقرت والتصرفات الحضارية والثقافية أصبحت أكثر اتساقًا مع ما يجب أن يكون عليه المصريون".
- "أنا الذي وقَّعتُ على قرار الإفراج عن حسن مالك وخيرت الشاطر في قضية غسيل الأموال فور أن توليت منصب رئاسة مجلس الوزراء لمجرد الشك أنه ربما يكونان مظلومين، رغم عدم معرفتي بتفاصيل القضية ولاعتقادي أن إطلاق سراح ألف متهم أفضل من إدانة شخص واحد ظُلمًا وعدوانًا".
- ويجيب عن سؤال: "كيف ترى التشريعات السياحية وخاصة القديم منها وأثرها على الواقع ؟"... فكانت إجابته :
" العلاقة ليست طردية.. قد يكون هناك قانون قديم ونافع وهناك قانون حديث وضار.. لنضع كل القوانين على طاولة البحث ونختار القانون الأفضل، ويجب أن نكون جريئين في إصدار القوانين ولا يمنعنا الخوف، التجريب مهم؛ فإذا ثبت فشل قانون ما بعد البحث المطول فلنغيره... يجب أن تكون هناك جرأة في اتخاذ القرار... أخذ القرار الجرئ المدروس والذي يأتي بنتائج 80 % أفضل من الانتظار لاتخاذ قرارنعتقد أنه سيأتي بنتائج 100 % ولكنه متأخرجدًا".
- ثم يجيب عن سؤال: " كيف ترى إصلاح شبكة المواصلات والنقل البري وعلاقة ذلك بالسياحة ؟"... فكانت إجابته :
"النقل البري أيضًا يشمل السكك الحديدية، وأعتقد أن شبكة المواصلات تحتاج إلى إصلاح شامل وعميق، فهناك دول يقاس تطورها بتطور طُرقها وشبكة مواصلاتها، وفي الحقيقة، هناك مشكلة في الطرق والالتزام بآداب القيادة، وهي من وجهة نظري مشكلة كبيرة جدًا".
- "بعض المنتمين للتيار الإسلامي قد ينحى أحيانًا منحىً واقعيًا في مجال السياحة؛ خاصةً مع التصريحات المتشددة من البعض الآخر والذي يعتبر السياحة مصدرًا للفِتن أو مدخلا للمحرمات، وأعتقد أنه يمكن التعاون مع الأفراد المنفتحين من التيار الإسلامي في مجال السياحة، ولعلكم لاحظتم أنه في الآونة الأخيرة قرر بعض أصحاب هذه التصريحات التي تبدو متشددة بخصوص بعض أشكال السياحة تأجيلها لخمس سنوات مقبلة حتى تستقر الدولة وهذا يوحي بمرونة بعض الأطراف الإسلامية عندما بدأت بممارسة العمل الواقعي... وأنا لا أرى مشكلة في التعامل مع أي تيار بشكل عام طالما كان في خدمة المواطن، وأتمنى النجاح للجميع".
- "يجب أن يحيط رئيس الجمهورية خبراء يصاحبونه طوال فترة العمل؛ خبراء من أعظم الخبرات في العالم، ومعهم خبراء مصريون.. إننا لن نخترع العجلة.. فلقد فعلت هذا من قبل في تطوير صناعة الطيران في مصر، فقد استعنا بالخبراء من أنحاء العالم.. فأنا من أنصار الانفتاح على العالم والبدء من حيث انتهوا... هناك تجارب عالمية ناجحة، لماذا لا نستفيد منها ؟ يمكن تحديث وتطوير أي قطاع في مصر بهذا المنهج في التفكير".
 

Page 9


شفيق : " كنت النظام الجديد في النظام القديم"
( 23 فبراير 2012 )
في مؤتمر حاشـد
سمعتُ هذه الكلمة منه وهو في لقاء جماهيري في المحلة في رمضان الماضي وكان عقب مأدبة إفطار خُصِصتْ لقدومه ضيفًا على الجماهير التي دعته للمشاركة، ولم يكن قد أعلن بعد نيته للترشح؛ ولم ينفي أيضًا.
الجُملة تعني الكثير، وهي أيضًا تحوي عدة مضامين يمكن أن تجيب على جدل تمَّ فرضه في الإعلام وكأنه أمر هام، بالضبط مثل جدلية "مدني وعسكري" التي يبدو أنها تمَّ فرضها أيضًا بقصد أو بغير قصد، وهي قد تضر بفُرص أي مرشح له خلفية عسكرية، كما أن جدلية "النظام السابق" أيضًا قد تسبِّب لدى بعض الناخبين عزوفًا عن انتخاب أي شخص امتهن منصبًا رسميًا في السنوات السابقة؛ بغض النظر عن أدائه وكفاءته ونزاهته.
فزاعة النظام السابق
الذين يشوحون بكلمة "أنت من النظام السابق" قاصدين الإشارة بأن كل من عمل في هذا النظام لا يصلح للمرحلة الجديدة في إدارة الأمور في مصر، يفعلونها بحسن نية أو بسوء نية محاولين النيل من سمعة أي مرشح والتقليل من فُرصه الانتخابية باختلاق فزاعة يسمونها "النظام السابق"، وهي كلمة أصبحت سيئة السمعة؛ أو هكذا تبدو، ويتم لصق بعض التُهم بها بشكل مباشر ولو بدون بينة، فأصبحت كلمة "أنت من النظام السابق" تعني أنه بالضرورة فاسد أو متسلق أو ظالم أو غير كفؤ أو ولاؤه للفاسدين، وهكذا... وهي طريقة معروفة في الوصم، بمعنى أنك تختلق تعريفًا وتضع تحته عدة مسلمَّات هي في الحقيقة كلها جدليات غير حقيقية، ثم يتم التسويق للمصطلح، ثم يتم لصقه بمن شئت لتشويهه وجعله في خانة الدفاع عن النفس، مضيعين على المرشح وقتا كبيرًا يحاول فيه الدفاع عن نفسه، بينما مرشحون آخرون يتحركون بحُرِّية في فضاء الرأي العام لمجرد أنهم لم يمتهنوا مِهنًا رسمية في النظام السابق.
كلهم عملوا في النظام السابق
ما هو النظام السابق ؟ هل هي مؤسسات الدولة الرسمية من وزارات وهيئات ونقابات وجامعات وغيرها ؟ إن كان هذا هو النظام السابق فالكل عمل فيه تحت مسمى وظيفي ما، فمرشح معروف كان في نقابة الأطباء وله منصب رسمي، وآخر محامي، وآخر وزير خارجية، ومرشح آخر عمل في وكالة الطاقة سيئة السمعة أصلاً؛ بيد أنه تمَّ تبرئته من تهمة التواطؤ المخابراتي لمجرد أنه على هوى النُخبة التي تحترف إسباغ ألقاب النعمة والنقمة حسب مقاييس مطاطية تصلح أكثر في قصص ألف ليلة وليلة، لأننا في الحقيقة نتحدث في الهزل وليس الجد على الإطلاق.
كفاءة ومنهج تفكير
قبول الآخر ورؤية للتطوير وتقديم الكفؤ وحسن الإدارة ومكافأة المتقن ومعاقبة المهمل وتقليل الخسائر وزيادة الإنتاجية وتأسيس بنية تحتية بدون عبء على ميزانية الدولة، والوقوف أمام قرارات سياسية سيئة السمعة، وتقدير قيمة العمل، والقتال من أجل الوطن على خطوط الموت الأمامية في أربعة حروب.... كل هذا لم يشفع لأحمد شفيق.. ولذا قام أبطال النخبة الأشاوس بفرضياتهم القشرية بتحييد هذا الإنسان واعتباره جزء من نظام سابق.. غير أن كل ما فعله موثق بالأرقام محليًا ودوليًا، وأنه كان يعمل خادمًا لمصر ولمواطنيها، لا خادمًا لنظام ولا رأسه... بينما محترفو الكلام يمارسون الإقصاء والقمع وتصنيف الناس.. وكأنه لم تحدث ثورة، فهم وإن كانوا يعارضون نظام مبارك؛ فهم في الحقيقة يلعنونه نهارًا، ويمتهنون منهج تفكيره ليلاً... فهم امتداد لنظامه الذي تهاوى، بينما هم يشيرون إلى الناس متهمين إياهم بانتمائهم للنظام السابق.
من الذي يصلح لمصر ؟
الكفؤ القادر الذي لديه خبرة، قادر على احتواء المخالفين وجمعهم على طاولة واحدة، يعرف أين الضرر ويعرف كيف يصلحه، بطولاته ليست ورقية ولا صوتية، ونضالاته ليست عنترية ولا لاءاتية انتقادية اعتراضية وحسب... هذه السمات الشخصية ليست في كثير من المرشحين، وأعتقد أن قول شفيق إنه كان النظام الجديد في النظام القديم، كان قولاً محقًا إلى حدٍّ بعيد، فهو في الواقع مؤيَّد بأدلة لا حصر لها من إنجازات وأفعال لا يمكن تجاهلها.
احذروا نخبة نظام مبارك وخطابها الاقصائي
وأعتقد أن غالبية الشعب المصري فطنت لتلك النُخبة وأصبحت في عداء معها يتزايد مع الوقت بسبب أنها أدخلت مصر في جدليات لا قيمة لها، وفرضيات ما أنزل الله بها من سلطان، واستمدت من "بكابورتات" النظام السابق أدبياتها الثورية، فهي مهترئة متماهية في القمع والعنجهية والتعالي وفرض حلول نخبوية وشعارات عنترية تجعلهم في حالة عزلة متزايدة عن جماهير الشعب المصري.
أين أخلاق الإسلام ؟ أين القيم الليبرالية ؟
يستفزني كثيرًا أن بعض المرشحين الذين يعلنون مرجعيتهم الإسلامية يستخدمون منهجًا غير إسلامي في التعامل مع الناس، فالإسلام علَّمنا تقدير الكبير، والاعتراف بالفضل، وتمييز المُسيء من المخطئ، وإعطاء كل ذي حق حقه، والاعتراف بعمل من يعمل، وشهادة الحق ولو كانت ضد الهوى... لا أدري كيف يريدون حكم مصر بالإسلام، وأفعالهم الشخصية لا تنتمي لهذه المرجعية، ثم هم يقولون انتخبونا ليكون الإسلام أسلوب حياة ؟... تقصدون أسلوبكم أنتم في الحياة ؟ بمعنى اتهام الناس بالباطل بدون دليل ؟ وإطلاق أحكام مرسلة بلا أي ضمير ؟ والتقليل من شأن العامل واحتقار إنجازه لأنه يخالفك الرأي ؟ والكلام بعنجهية إقصائية بشعة ؟ وفاشية تنضح بوضوح من كلمات يسمونها ثورية ؟
الغريب أني تربيت في مدرسة الإخوان المسلمين سنينًا طويلة وتعلمتُ الإسلام بشكل وسطي وكان من أول ما تعلمته هو أن صاحب الفضل نعترف بفضله ولو خالفك في كل معتقد، وصاحب الحق يرد له حقه ولو خالفك في كل فكر أو فكرة... الغريب أن الفريق أحمد شفيق يحترم كل منافسيه، متمثلاً أخلاق الإسلام تلك بدون أي راية إسلامية يرفعها، ويفتح يديه للجميع من أجل الحوار والبناء كأفضل ليبرالي يتحدث عن قبول الآخر... بينما المرشحون الإسلاميون والليبراليون يدوسون على قيمهم التي يزعمون أنهم ينهلون منها بمنتهى الصفاقة.. ثم يقولون: هذا بضاعتنا فاشتروها.
نظام النُخبة الجديد :لغة ثورية بمضامين مباركية
هو نظام خالٍ من حلول فعالة، مليء بالمهاترات والجدليات الهزلية الخالية من مضمون، يقصي المختلف، ويتحدث بفاشية مطلقة، ويمنع الآخر من حقه في التعبير، ويستخدم أساليب التشويه والشيطنة للمختلف بقصد تدميره، يتحدثون بلغة ثورية وأفعالهم كلها مباركية... ليس هذا التغيير الذي نصبو إليه... فلن نستبدل نظام مبارك بنخبته... شئتم أم أبيتم .
 

Page 10


خمسة عشر عامًا مع الإخوان ،وسنة ونصف مع شفيق
(10 أكتوبر 2012 )
مقدمة لا بـد منها
البعض يتعجب عندما يعرفون أني كنت عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين منذ سن صغيرة ولفترة طويلة، ثم يعرفون بعدها أني واحد من أشد المؤيدين للفريق أحمد شفيق منذ البداية وحتى الآن، ويزداد تعجب هؤلاء البعض عندما يعرفون أني كنت من النشطاء السياسيين منذ عام 2003 ضد التوريث ومع رحيل مبارك ومع انتخابات ديمقراطية، ويتعجبون أكثر عندما يعرفون أني تعرضت للاعتقال من قبل أمن الدولة وكان آخرها في يناير 2010 ضمن مجموعة من النشطاء يقرب عددهم من الثلاثين، ويزداد التعجب عندما يعلمون أني كنت ضمن الآلاف المحدودة التي شاركت في تظاهرات الخامس والعشرين من يناير التي كانت في بدايتها ضد بلطجة وزارة الداخلية والمطالبة برحيل العادلي وحل مجلس الشعب الذي جاء بالتزوير الفاضح في نهاية 2010... ولكن هذا العجب يبدو أوضح في الفئات المسيسة أصلاً والتي أنتمي لها وهي الفئات المحدودة تأثيرًا في الرأي العام أو تمثيلاً للجماهير رغم علو صوتها على الفيسبوك ومواقع الإنترنت، إلا إنه وفي الشارع المصري ستجد كثيرين شاركوا في تظاهرات يوم 28 يناير المعروفة باسم "جمعة الغضب"، والذي اعتبره يوم الثورة الحقيقي وكذلك آخرين ممن كانوا مستاءين من أوضاع البلاد؛ ورغم هذا اختاروا أحمد شفيق لأنهم لا يرون تعارضًا أصلاً في ذلك، أو بمعنى آخر يرون أن اختيار شفيق يخدم التغيير ويقود إليه.
شفيق هو الخاسر الفائز
الشاهد أن الصورة النمطية التي حاول هؤلاء البعض أن يظهروها في الإعلام بكل وسيلة ممكنة كانوا ولا يزالون ينتمون إلى القلة غير المعبِّرة عن الجماهير، والدليل أن حملات التشويه المنظمة والممولة ضد أحمد شفيق، ثم قيام جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية بمواصلة هذا التشويه؛ لم تمنح هؤلاء أو هؤلاء أغلبية ساحقة في نتائج الانتخابات الرئاسية، بل يمكنني القول إني أعتبر أن أحمد شفيق فاز بجدارة في سباق غير متوازن ما بين رجل لا يدعمه حزب وليس له أتباع مخلصون بالطريقة التي يتربى عليها شباب الإخوان وبين رجل أو رجال وراءهم ماكينة إعلام وجيش من المخلصين وأموال لا حصر لها ولا يعرف لها مصدر، بمعنى أنه لولا هذا التشويه الذي لم يتعرض له أحد كما تعرض له شفيق لكان شفيق حصد أغلبية جيدة جدًا، أضف إلى قصور في أداء الحملة الرسمية الانتخابية للفريق أحمد شفيق، وأنا أعتقد أن هذا الأداء كان مسؤولاً - من وجهة نظري - عن خسارة بعض الأصوات.
كابرتم و استكبرتم
هذه المقدمة الضرورية ليس الهدف منها استعراض تاريخي في النضال السياسي أو التباهي بمواقفي السياسية أو غيرها، بل هي إشارة لمن لا يريد أن يفهم - وهم يعرفون أنفسهم - أنكم كنتم تكابرون وتنكرون الواقع وتسبون الناس وتسخرون منهم، وكان سلاحكم هو الإهانة والكذب والتخوين وتقسيم الناس إلى معسكرات والحكم عليهم، وكانت لغتكم لغة ناقدة بلا هدف ولا رؤيا ولا شيء، وثبت بالدليل القاطع أن كثيرًا من آرائكم كانت مبنية على الوهم، وأنكم لا ترون الواقع ولا تعرفون فيه الكثير سواء بسبب قلة الخبرة أو بسبب سوء النية... لقد استهزأتم بشفيق وجمهوره وراهنتم على خسارته من الجولة الأولى، وقمتم بكل أشكال التحقير والإهانة ثم تبين لكم الوهم الذي كنتم تعيشون فيه، ولا يزال بعضكم يحاول إحياءه مرة أخرى بمزيد من الدجل التنظيري والفلسفة النخبوية المستترة بالثورة.
مـؤيـد حتى النهاية
لقد أعلنتُ تأييدي لشفيق من البداية، ولم أعبأ بسخرية المتحذلقين ولا تكفير المنتقدين ولا تخوين المزايدين، ولا زلتُ أؤيد الرجل وأؤمن بوطنيته وأقرُّ بقدرته وخبرته وكفاءته في زمن قلَّت فيه الوطنية والخبرة والكفاءة، وهذا الأمر قمتُ بالتدليل عليه - من وجهة نظري - في مقالات سابقة كتبتها أثناء الانتخابات الرئاسية لمن أراد الاستزادة.
ولا زلت أذكر اليوم الذي ذهبت إليه فيه ومعي شاب من شباب ميدان التحرير، ثم تتابعت الزيارات ومعي آخرون من الشباب المشارك في الثورة، كنا نذهب إليه وكنت أحرص أن أذهب له بعينة معينة من الشباب الذين شاركوا أو أيدوا الثورة ليتعرف إليهم ويعرف انتقاداتهم وأفكارهم ويتواصل معهم. وكانت لقاءات في مجملها جيدة ومنتجة ومحترمة جدًا.. والجدير بالذكر هنا أن المجموعة التي كانت محيطة بي من مؤيدي شفيق لم يكونوا من أنصار مبارك أو من مجموعة "إحنا آسفين يا ريس" وحسب، بل ولم يكونوا من أتباع "حزب الكنبة" وفقط، وهذا خلاف الصورة الذهنية التي تمَّ تصديرها للرأي العام، وهو ما قمتُ مرارًا وتكرارًا بتوضيحه للقريب والبعيد.
إن تأييدي لهذا الرجل ينبع من إيماني بقيم أرى أن هذا الرجل هو أكثرهم قربًا منها وأكثرهم اتساقًا معها، وأن الصورة التي حاول البعض تخليقها كانت من محض خيالهم، وكانت سرعان ما تنهار فور التعامل معه مباشرة أو الاستماع لما يقوله بدون أحكام مسبقة. ومن المؤكد لي أيضًا أن شفيق لم يكن معاديًا لأحد، ولم يكن يريد سوى سباقًا رئاسيًا نزيهًا ومحترمًا بعيدًا عن التراشق، وكان يحفظ لكل فصيل احترامه، ولم يكن يضطر للخروج للرد إلا إذا تجاوز البعض حدودهم بالفعل، ويكفي أن شفيق كان يحترم كل منافسيه بينما كان بعض منافسيه قد دخلوا إلى سباق الرئاسة وكأنهم يسابقون أنفسهم وكأنهم يقدِّمون طلب توظيف لدى آبائهم وهم يظنون أنهم مقبولون لا محالة وأن هذا السباق إنما هو تحصيل حاصل، وقد بدا ذلك جليًا في خطابهم الإعلامي المتعجرف الذي لم يحتقر فقط شفيق بل احتقر كل من انتخبه؛ وهم بالملايين.
جـدل عبثي
يقولون ثورة أو إصلاح أو انتفاضة أو تظاهرة أو تغيير، وكل هذا لا يعني شيئًا بالضرورة ولا قيمة لخلاف حول ما حدث، لأن العنوان لا معنى له، بل المعني في المضامين، بمعنى أن قراءة الذي حدث من 25 يناير وحتى الآن أو ربما قبل 25 يناير بقليل أيضًا؛ يجب أن يكون قابلاً للرؤية النقدية التي قد تدفعنا لتغيير آرائنا في ملف أو ملفات بحيث يمكن لنا أن نرى العالم بصورة موضوعية بقدر الإمكان بطريقة تهدف إلى قراءة الواقع وفهمه ثم البدء بالحركة الايجابية في اتجاه مستقبل جيد وأفضل، وعلينا ألا نستمر في مسلسل تقسيم المصريين إلى ثوار وفلول، وإلى مدنيين ودينيين، وإلى رجعيين وتقدميين، وغير هذا من الهراء السخيف الذي ملَّ منه معظم المصريين واستفاد منه بعض المرتزقة من الإعلاميين المعروفين بالاسم، وبعض الرموز السياسية التي كانت تريد جنازة وتشبع فيها لطم، أو أصحاب نفسية "عبده مشتاق" وما أكثرهم، وهم الذين وجدوا لهم في "الأجواء الثورية" فرصة لركوب موجات إعادة التلميع والتنظيف والتغليف ومن ثم التسويق، ومنهم منتفعون من النظام السابق يرقصون على كل إيقاع، فلو كان جمال مبارك من يضرب بالطبلة فليرقصوا، ولو كان شفيق سيرقصون، ولو كان مرسي "حيشبعوا رقص" ولو كان أيًّا من كان "حيرقصوا للصبح" بلا انقطاع.
حـرب و تجـاوزات
لا أدري من أين أبدأ في حديثي عن طبيعة ما يحدث الآن من حرب موجهة ضد الفريق أحمد شفيق من محسوبين على التيار الإسلامي أو غيره، أو طبيعة ما حدث في الحملات الانتخابية من تجاوزات قانونية وأخلاقية كان لا يمكن بحال أن تؤدي إلى انتخابات نزيهة في مصر، لكن التطرق إلى التجاوزات التي حدثت أثناء الانتخابات الرئاسية ربما ينال أولوية في مقالي هذا.
لو مفيش خبر حط إشاعة
كثيرون منا من الذين شاركوا في الحملة الرئاسية الانتخابية، سواء الرسمية أو الحملات الشعبية المؤيدة لشفيق وخاصة الذين تصدروا في الناحية الإعلامية؛ رأوا أشياء يشيب لها الولدان، فقد كنا على احتكاك دائم بالصحفيين والمراسلين وغيرهم وكنا نرى تأليف وفبركة الأخبار في جرائد يقال عليها محترمة، وكان السبب أن البعض كان يتم دفع مرتب له من بعض المرشحين المنافسين، أو لأنهم إذا أرادوا الحصول على تغطية حصرية أو لقاء حصري مع شفيق فإن لم يحصلوا عليه قاموا على الفور بتأليف أخبار مفبركة ضده... وعبثًا حاولنا إقناع الفريق شفيق بملاحقتهم قضائيًا، وكان هذا خطأ منه من وجهة نظري، فقد قام إعلاميون لا حصر لهم بارتكاب جرائم أخلاقية في حق مهنة الصحافة وشوهوا سمعة الفريق شفيق بلا حساب، واعتبروا أن تكرار هذا الأسلوب بلا أي رد من الفريق شفيق نوع من الضعف استباح معه صحفيون جُدد هذا الأسلوب، حتى أصبح الفريق شفيق محل كل إشاعة ممكنة وكل خبر سلبي يمكن أن تتخيله، ولو قرأنا الأخبار السلبية المفبركة عن شفيق ستجدها أضعاف الأخبار عن مبارك نفسه وعن نجليه بل وعن أباطرة فساد معروفين من الحزب الوطني، وهذا أمر لافت للانتباه لمن يريد أن يفهم... وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر صحفية في جريدة حزبية ألفَّت خبرًا مفبركًا عن الفريق شفيق، فقمنا بفضحها ثم زرنا جريدتها وواجهناها وواجهنا معها عدة صحفيين فقال لنا أحدهم: "يا جماعة عاوزين أخبار عن الحملة لو مافيش خبر ححط إشاعة"... نعم بهذه البساطة أيها السادة.
ولقد بلغ الأمر بشاب إعلامي مغمور في جريدة لها نسخة إلكترونية بتأليف أخبار ضد شفيق، ووضع لفظ "مصادر" و"تمَّ" و"استطاع" بدون ذكر اسم المصدر، ثم يقوم بتأليف أخبار من نوعية "مبارك سعيد بترشح شفيق"، و"فلان المحسوب على الحزب الوطني بارك ترشح شفيق"، وهكذا من خيالاته، حتى وصل الأمر إلى أنه كان يلفق وهو واقف معنا وفي وجودنا، بمعنى أنه يفبرك الخبر ونحن وقوف معه، حيث يأتي ليغطي حدثًا ثم يكتب شيئًا آخر، ومن هذه العينة الفاسدة من الإعلاميين كان الكثيرون بالفعل، ولذا من أراد ثورة فليبدأ بالإعلام فإنه مليء بالفاسدين والمرتشين وبالمتثورين الحمقى الذين دفعتهم كراهية بلهاء إلى الانسياق دون حتى مراعاة أخلاق المهنة التي قاموا بثورة - حسب زعمهم - لتطويرها وتطهيرها.. وليتهم بدأوا بأنفسهم.
أخلاقـي ما تسمحش
قبل انتخابات الإعادة الرئاسية بين شفيق ومرسي، قابلت صديقًا قديمًا من الإخوان في مكان عام بالصدفة البحتة، وتطرق مباشرة إلى الانتخابات الرئاسية وحثني على انتخاب مرسي لأنه على حدِّ قوله "لو ما فازشي كل شيء حينتهي"، ولم يكن يعلم صديقي هذا لمن سأعطي صوتي ولم أرغب كثيرًا في الاستغراق في هذا ونحن في حوار "عالماشي" قد لا يستغرق عدة دقائق، إلا إنني سألته بعدما وضح لي أنه مسؤول إخواني في منطقة قريبة وأن كل شيء يجري في منطقته من قبل الإخوان يجب أن يكون تحت سيطرته هو تمامًا، فسألته: "هل من المقبول استخدام الفتاوى الدينية والأكاذيب في الدعاية الانتخابية ضد المنافس ؟" فردَّ عليَّ قائلاً: "بالطبع لا"، فقلت له وكيف تفسِّر إذن توزيع ورق طباعته فاخرة وبالألوان في كل مكان تقريبًا يحمل في محتواه فتوى (مكذوبة) لعالم أزهري يفتي بعدم جواز التصويت لشفيق في الانتخابات الرئاسية، ويحوي الورق ذاته بعض الإشاعات التي تمَّ تكذيبها وتمَّ التحقق منها مثل مثلاً نسب زوجة الفريق شفيق الذي تمَّ الزعم مرارًا أنها قريبة لجمال مبارك من طرف عائلة الجمال ؟ فقال لي مدافعًا عن نفسه "أخلاقي وديني ميسمحوش" ثم زاد: "وأنا شفت الكلام ده على النت وقلت للشباب اللي شغالين تحت إيدي محدش يستخدم الكلام ده مهما كان مغري بالاستخدام" ثم انتهى الحوار وتركته وذهبت إلى بيتي.. وفي الطريق وجدنا شباب الإخوان واقفين عند بعض مداخل المولات والمحلات التجارية يوزعون هذا الورق الذي تحدثت عنه، في المنطقة التي يزعم صديقي أنه يتولي مسؤوليتها، وكان الشيء الذي تبادر إلى ذهني فورًا هو أن صديقي هذا إما كاذب ولكنه استحى أن يصرِّح برضاه عن تصرف حقير وغير أخلاقي وغير إسلامي كهذا، أو أنه ليس له علاقة بقيادة المنطقة التي زعم أنه مسؤول عنها أو ربما ليس له سيطرة حقيقية على من فيها من إخوان... الشاهد هو اننا كلنا شاهدنا هذه الدعاية الحقيرة والمنافية لكل الأخلاق من أناس يدعون أن مرجعيتهم إسلامية كنت أنتمي لهم يومًا بسبب هذه المرجعية بالتحديد.
لو رحـت اللجنة حتتقتل
تطوعت في الحملة الانتخابية الرئاسية للفريق أحمد شفيق، وشاركت كذلك في حملات شعبية موازية، وكان من الملفت للنظر أساليب الإرهاب التي تمَّ استخدامها ضد مؤيدي أحمد شفيق في الشوارع أحيانًا للدرجة التي وصلت إلى تخويفهم من وضع بوستر أو صورة لشفيق على سياراتهم أو مبنى أو سور، بل ووصل الأمر إلى تهديد مئات المندوبين على الصناديق بالقتل قبل ليلة الانتخابات في الإعادة، والتي أدَّت بدورها لخلو مئات اللجان من مندوبي شفيق مما يجعلها عرضة للتزوير خاصة وأن التهديد كان يصل إلى درجة التهديد بالاعتداء على الأهل والأقارب والأبناء. وصل الأمر كذلك إلى حد شراء بعض المندوبين لكي لا يذهبوا أصلاً إلى الصناديق من أول اليوم، أو شراء محاضر الفرز منهم عند انتهاء الفرز في بعض اللجان، وبما أن كثيرًا من المندوبين كانوا موظفين يتقاضون مبالغ محدودة لأداء وظيفة محددة - خلاف ما هو الحال في وضع الإخوان حيث كان كل مندوبيهم من الإخوان أو محبيهم أو مؤيديهم والذين لهم ولاء أيديولوجي وعقائدي للجماعة - فإن كثير من هؤلاء الموظفين آثروا السلامة أو تمَّ شراؤهم.
إن هذا الفعل المخزي يشكك تمامًا في نزاهة العملية الانتخابية من منبعها وهو ما لم يقم به الحزب الوطني المنحل في قمة استبداده وفساده، والعجيب أن تيارًا شعبيًا يبشِّر بالنهضة بالإسلام يمارس جرائم كتلك لا أعرف كيف كيفوها شرعيًا، أم أن مبدأ "الحرب خدعة" كما يقولون جعلهم يستبيحون كل شيء من أجل قضية يؤمنون بها ؟... وأي قضية تلك التي تبيح لفصيل يخوض انتخابات ديمقراطية أن يهدم فلسفة العملية ذاتها في مقتل بتلك التصرفات القبيحة والمخزية ؟.
إنجيل شفيق حرام وإنجيل مرسي حلال
حملة شنعاء شنَّها إسلامي مغمور عرَّف نفسه بالصحفي أو الإعلامي، حملة استخدم فيها عبارات قالها الفريق أحمد شفيق في لقاء له مع مذيع في قناة مسيحية حيث طرح المذيع سؤالاً عليه حول صعوبة تلقي كثير من الطلبة المسيحيين للآيات القرآنية في منهج اللغة العربية وردَّ الفريق أحمد شفيق بعدة بدائل وكان منها وضع آيات الإنجيل في المنهج موازية للآيات القرآنية وشارحة لها من وجهة نظر مسيحية فيسهل على الطالب المسيحي فهم المقصود من الآيات القرآنية ويتيح للطالب المسلم التعرف على أخيه في الوطن المسيحي والتعرف على مدى قُرب المبادئ الدينية والقيم المشتركة بين الدينين بما يدعم فكرة المواطنة... قام هذا الإسلامي بعدها بشن حملة أقسم على الله فيها أن "يفضح" أحمد شفيق - على حد قوله - إلى الدرجة التي وصلت فيها الإشاعة إلى أن شفيق قال إنه سيحذف الآيات القرآنية، وأن شفيق يدعو المسلمين للتنصر، وأن شفيق نفسه تنصر.. وقام هذا الشخص الكاذب والمدعي بتخويف المسلمين من انتخاب شفيق بدعوى أنه كفر أو أنه ضد الشريعة، وغير هذا من الخزعبلات.
الغريب أنه لما تمَّ اقرار فكرة وضع آيات إنجيلية في مناهج اللغة العربية لبعض السنين الدراسية تحت حكم مرسي لم نسمع لهذا الشخص ولا غيره من المدعين صوتًا ولا حِسًّا، بما يثبت أن هؤلاء يستخدمون الدين في الكذب وحسب، وأنهم غير متسقين مع أي قيمة يدعونها.. وهذا يؤكد بالدليل القاطع أنهم يشكلون خطرًا على المجتمع لأنهم قادرون على إثارة فِتن لا حصر لها، وأنهم قادرون على تشويه الأشخاص بادعاءاتهم الكاذبة، وأنهم متلونون؛ أي أنهم يتلاعبون بعواطف الناس ولا يقدِّرون عواقب ذلك إلا حينما يفوت الأوان.
هايد بارك شفيق أصبح "ثوريـًا"
قامت الدنيا ولم تقعد حينما تحدث شفيق - وكان رئيس وزراء حينها - عن أن التظاهر السلمي حقٌ من الحقوق؛ بينما قطع الطريق وإيذاء الناس أمر لا يقبله أحد، ودعا حينها إلى أن يتحول ميدان التحرير في يوم من الأيام إلى شيء يشبه الهايد بارك مثل الذي يعرفه البريطانيون في بلادهم ليصبح منتدى تعبير عن الرأي متاح ومباح للجميع وفي نفس الوقت لا يقطع طريق ولا يسد شارع... حينها سخروا منه جميعًا، ثم جاء مرسي وجاءت حكومته وقالوا نفس الكلام، فلم نسمع لإخواني صوتًا ولا لثوري حِسًّا ولا لمنبر إعلامي نقدًا.. ولذا يمكن أن نقول إذن أن ما يُسمى بالخطاب الثوري كان خطابًا مسيسًا وانتهازيًا، ولم يكن له مضمون واضح، فهو يُستخدم من قبل مرتزقة يوجهونه حسب الهوي للإطاحة بفلان ولتلميع علان... وقد حدث هذا عدة مرات في السنة والنصف الماضية.
الفرصة التي أضاعها مرسي
بعدما قام الفريق شفيق بالخروج علنًا وتهنئة مرسي بالرئاسة، كنت أتوقع من مرسي أن يرد عليه بنفس الطريقة؛ خاصة أن مرسي كان في الحملة الانتخابية شديد الوقاحة حين يتحدث عن أحمد شفيق، وكانت تهديداته بحرق مصر إن أصبح شفيق رئيسًا تهديدات مخزية وتخوِّف المصريين من انتخاب شفيق، إلا أن أحمد شفيق وعد وقال إنه سيقبل النتيجة مهما كانت؛ وقد كان، فكنت أتوقع من مرسي تصرفًا أفضل، لرأب صدع أمة منقسمة إلى نصفين تقريبًا، فيقوم على أقل تقدير بشكر شفيق بل يدعوه للمشاركة في الحكومة الجديدة للاستفادة من خبراته المشهود لها من الجميع؛ حتى وإن كان يتظاهر بهذه الدعوة وحسب.. إلا أنه بقلة حكمته التي رأيناها في الانتخابات أخطا خطًا فادحًا فقد كانت لديه الفرصة لتوحيد المصريين وجمعهم على حبه وتأييده وإثبات فكرة أن مرسي سيكون رئيسًا للمصريين جميعًا.. لكنه لم يفعل، ولا أظنه سيفعل، بل على العكس تمامًا.. فهذه فرصة ضاعت ولا تزال.. ويا ليت مرسي وأتباعه يكفون عن تصديعنا بشعار "قوتنا في وحدتنا" فهم أساتذة في شق الصف وتحزيب الأمة.
صـداع اسمه "يسقط حكم العسكر"
سنة ونصف من صداع "يسقط حكم العسكر"، ومعارك جانبية جعلت المصريين لا يرون القضايا الحقيقية للأمة، ومنها مثلاً إصلاح وزارة الداخلية باعتبارها مسؤولة عن كثير من الفساد الذي كان في مصر، ومنها لقمة العيش والاقتصاد.. ولكن النخبة المنسوبة للثورة ومحسوبة على القوى الليبرالية، بشكل مقصود أو غير مقصود تفننوا في قتل أنفسهم يومًا بيوم، وتركوا الساحة للإسلاميين، فأي طفل في الابتدائية كان يعرف أن مصر ليس فيها إلا قوتان حقيقيتان: الإخوان ومن شابههم، والمؤسسة العسكرية من الناحية الأخرى.. وكان من الطبيعي لتيار بلا حشد شعبي ولا امتداد جماهيري أن يقف مع المؤسسة العسكرية وينتقدها حين يكون الانتقاد لا يحاربها حربًا ضروسًا، ففرغت الساحة تمامًا للإخوان الذين فهموا اللعبة السياسية بمنتهى الحرفية، وعرفوا أنهم سيمثلون دور الحليف للعسكري؛ بينما منهم من يدفع الليبراليين إلى مهاجمة المجلس العسكري، بل ويدمرون فرصًا جاءتهم جاهزة لخلق التوازن ومنها مثلاً "وثيقة السلمي" التي كان من المتوقع أن يرفضها الإسلاميون، ولكن كان من الحماقة - كالعادة - أن يرفضها الليبراليون وغيرهم من اليساريين ومن هم غير محسوبين على التيار الديني.
كان من الواضح أن أكثر أعضاء المجلس العسكري لا يبغون البقاء في السلطة حينها، وكانت هناك محطات واضحة تثبت ذلك لأي معتوه؛ فضلاً عن نخبوي أبله يدعي الثقافة، فلقد كانت هناك انتخابات مجلس شعب حرص المجلس العسكري على أن تمر بمنتهى النزاهة بكل قدرته، ولو كان له فيها مأرب لغيّر صناديق وزوَّر ولفَّق؛ ولكنه لم يفعل.. لقد كان هذا أول مؤشر أن المجلس العسكري لا يريد البقاء في السلطة... ثم جاء المؤشر الثاني والثالث ومع كل منهما دليل على غباء النخبة وأيضًا على انتهازية الإخوان: رشَّح عمر سليمان رحمة الله عليه نفسه ثم خرج بثلاثين توكيلاً فقط، وقالوا هو مرشح المجلس العسكري، ولو كان؛ لبقي، ولكنه خرج لسبب تافه، هذا إن لم يكونوا هم أنفسهم مسؤولين عن إخراجه... ثم حاولوا منع شفيق بكل طريقة وابتكروا قانون العزل الفاشي الهتلري الذي يذكرنا بمجانين التاريخ، وصدَّق المشير عليه، ولو كان يريد أن يبقي شفيق في الرئاسة لما صدَّق، ولكنه صدَّق، وكاد شفيق أن يخرج من السباق لولا عدم دستورية القانون... ورغم هذا ظلَّ الحمقى يرددون هذا مرشح العسكري وذاك مرشح العسكري، فبينما النخبة تشير على هذا وذاك، جلس الإخوان في راحة تامة وهم يشاهدون مشهدًا سياسيًا فيه الندّ العسكري يشتبك مع النخبة الحمقاء، فيخسران معًا والإخوان يكسبون... وسواء تمَّ هذا بتآمر وتخطيط أو بسبب الغباء المحض الذي قاد إلى هذه النتيجة، فلكم أن تعرفوا أن الغباء هو أسوا أنواع التآمر أيضًا؛ إن صح التعبير.
ثم جاء مرسي وأزاح بالمشير وعنان بقرار، وألغى الإعلان الدستوري التكميلي ولم يحدث شيء... ومرَّ ما حدث في رفح مرور الكرام دون حساب ولا مسؤولية، ولو كان شفيق رئيسًا لأشبعونا شتمًا وسبًّا وتخوينًا لكنهم هم من هم، يقذفون الناس بالباطل ثم يقومون هم بالباطل ويضعون عليه يافطات إسلامية. ألا يزال هناك أحمق واحد لا يزال يقول "يسقط حكم العسكر" ؟ ألم يستفق الحمقى الذين ردَّدوا هذه الشعارات اليوم ؟ ألم تأتي لهم لحظة حقيقة، وودَّ كل أحمق فيهم أن يصفع الأحمق الذي بجانبه ليستفيقوا من غيبوبة الحماقة التي عاشوا فيها سنة ونصف؟
لم يكن هناك حكم عسكر أصلاً حينها، ولامنصر، ولا مرشح عسكري، لقد صدقنا حينما قلنا ذلك، وصرح كثيرون من أعضاء المجلس العسكري في جلسات خاصة أنهم لا يفضلون رئيسًا من خلفية عسكرية، بل ثبت فيما بعد أن المشير لا يتفق مع شفيق وأن بعض أعضاء المجلس العسكري لا يريدون شفيق أساسًا.
أيها السادة... لقد حسبتم شفيق على كل فصيل، فمرة فلول ومرة حزب وطني ومرة نظام سابق ومرة المجلس العسكري، وهو الرجل الذي كان يتبع نفسه وهو رئيس جمهورية نفسه وقراراته منبعها رؤيته للوضع سواء اتخذ قرارًا توافق عليه أو ترفضه، وهذه النُخب لم تفهم حتى الآن رغم أن 13 مليونًا فهموا رغم التشويه والدجل والسب والقذف وقلة الحياء والسخف والقوادة السياسية التي اشتغلت رموز تسمي نفسها ثورية بها طوال سنة ونصف... هل تعترفون بالخطأ أم تستمرون في الحماقة ؟ .
غابوا عن الجنازة واصطفوا أمام البيت
في مشهد مهيب قلَّ أن تراه، رأينا عشرات الآلاف من المصريين يصطفون في طوابير طويلة للوصول إلى صالة عزاء مسجد آل رشدان في أبريل الماضي للعزاء في الفقيدة زوجة الفريق شفيق رحمها الله، حتى أن بعض المراقبين من السياسيين والإعلاميين قالوا إن هذا المشهد يشهد أن الفريق شفيق ليس بالشخصية الهينة، وأنه ندٌّ يُعمَل له ألف حساب، وأن هذه الآلاف تذكرنا بجنازة الراحل عبد الناصر... وهناك رأينا كل الناس من كل فصيل ومن كل حدب وصوب يقومون بواجب العزاء، والغريب أن الإسلاميين لم يحضر منهم أحد إلا من رحم الله، رغم أن هذا واجب إنساني وديني خاصة وأن هؤلاء يتمحكون في الدين كلما استطاعوا، لكن الغريب أنهم في المواقف التي يتحتم عليهم فيها العمل بموجب هذه المرجعية يتقهقرون للخلف، والغريب أيضًا أنهم اصطفوا أمام بيت الفريق أحمد شفيق قبل انتخابات الإعادة يبحثون عنه، أو قبلها أيضًا، فيؤيدونه سرًّا ويسبونه علنًا... نافقوا كما لم ينافق أحد، ليتهم يعقلون، أو يفقهون، أو يتوبون.
"للأسف الثورة نجحت" : كات أند بيست
بعد لقاء سي بي سي المعروف الذي قام فيه شفيق وغيره من مرشحي الرئاسة بعرض أنفسهم للجمهور المصري، وبعد حلقة شفيق بثلاثة أيام اكتشفنا أن كاذبًا من الكذابين قام بقطع عبارة عن سياقها في لقاء شفيق بخيري رمضان ومجدي الجلاد ثم وضعها في شكل عبارة تبدو فيها وكأنه يتأسف على أن الثورة نجحت، ثم انتشر الفيديو في كل مكان، فيما اضطر شفيق إلى أن يخرج ويدافع عن نفسه وينكر إنه قال هذا الكلام.
وبالفعل شفيق قال هذه الكلمات؛ ولكنه قالها ضمن عبارة أكبر، لكنهم اقتطعوها بأسلوب "ولا تقربوا الصلاة"، حيث قال: "للأسف.. الثورة نجحت، ثم قام آخرون بخطفها أو امتطائها"، فهو يتأسف على خطفها وليس نجاحها، والغريب أن الملايين الذين شاهدوا الحلقة والمذيعين خيري ومجدي لم يفهموا أن شفيق يتأسف على نجاح الثورة وإلا لاعترضا عليه ساعتها أو طلبا توضيحًا ولرأيت مانشيتات الجرائد تقول في اليوم التالي : "فضيحة.. شفيق يتأسف لنجاح الثورة".. ولكن شيئًا من هذا لم يحدث.
الشاهد أن الأفاقين ارتكبوا كل كبائر وجرائم التلفيق والتشويه بلا أي ضمير أو دين للدرجة التي استباحوا فيها كل شيء كانوا يدعون إلى احترامه؛ سواء كانوا من الإخوان أو كانوا من المنسوبين إلى الثورة.. وهذا يدل على انحطاط خلقي يجعل هؤلاء هم ورثة النظام السابق بكل كذبه وافترائه، بل يجعلهم يتفوقون عليه بلا شك.. إنهم لا يراعون الله في شيء ومستعدون للكذب على الناس من أجل كرسي السلطة... فمن هم إذن الذين سيكررون إنتاج النظام السابق ؟.
المزايـدون الجـُدد
بعض الإسلاميين سواء المنتمين لفئة سمَّاها الإعلام فترة "الدعاة الجدد" أو توجهات إسلامية أخرى، بدأوا يزايدون ببطولات وهمية ويتمحكون في الثورة، وهم كانوا إما ضدها تمامًا أو متحفظين عليها أو ساكتين عن أحداثها مهما عظمت، أو صامتين لا يعلقون على شيء إطلاقًا، ومن هؤلاء من زار أحمد شفيق في منزله أثناء الحملة الانتخابية ليدعمه أو يتحاور معه أو ليتعرف عليه، ثم خرجوا علينا الآن ليمثلوا أدوارًا بطولية لا علاقة لهم بها - إلا من كان منصفًا منهم؛ وهم قليل - فمنهم من ردَّ تهنئة شفيق له بإنشاء حزب جديد بمنتهى الوقاحة التي تتنافى مع الإسلام أصلاً، ومنهم من كذب وأنكر زيارته لشفيق تمامًا ثم فضحه الله، ومنهم من يحاول أن يظهر نفسه مناضلاً ثوريًا كان يناضل ضد أمن الدولة سابقًا؛ رغم أنه كان متواطئًا معهم يكتب لهم تقارير ويجند لهم مخبرين؛ وفي أحسن الأحوال يتحدث عن أي شيء إلا السياسة ولا يضع نفسه في مواجهة مع النظام... كل هؤلاء فضحهم الله حتى اضطر بعضهم للاعتراف ثم التبرير، وسيسقطون تباعًا، ليس لأن تأييد شفيق أمر سيء، بل لأنهم كانوا يبحثون عنه سرًا ثم يشتمونه علنًا، فهم منافقون لا محالة ولا قيمة لأي مرجعية إسلامية يتمحكون بها، فهم لا يختلفون عن أي منافق سياسي من زمن النظام القديم مهما قالوا ومهما فعلوا... فضحهم الله.
إخوان "الدانمارك" مش هما إخوان "أمريكا"
نذكر تجييش الجيوش، والمظاهرات الشعبية والمطالبة بإغلاق السفارات، وحرق الإعلام، ومقاطعة المنتجات، وفتاوى نارية تمحق وتسحق... كل هذا رأيناه من الإخوان وغيرهم من سنين عند كل حدث إساءة للنبي عليه الصلاة والسلام أو الإسلام، أما وقد أصبحوا في السلطة وأصبحوا يعرفون من هو الغرب وأمريكا، وأصبحت المصالح مشتركة، فقد خفت الصوت وارتعدت الفرائص التي كانت تتوعد بحرب وحرق، وكانت رايات الجهاد ترفرف خفاقة ودعوات التطوع للقتال معلنة، والآن لا جهاد ولا قتال ولا يحزنون بل خطاب متقهقر بعد أن انتهى زمن الانتهازية الدينية لأغراض السياسة ومداعبة المشاعر وعواطف الجماهير... لقد انكشفوا مرة أخرى. لا يمكن اغضاب أمريكا، والقضية الفلسطينية أصبحت في سياق آخر غير الذي كانوا يعدوننا به، بل يبدو أن رئيسهم الذي جاء من رحم المرجعية الإسلامية على استعداد لإرسال جيش مصري لسوريا وليس على استعداد لغزو إسرائيل كما وعد، وهكذا... وليعلم الناس جميعًا، أن هؤلاء لا يصدقون ولا يعرفون للوعود قيمة، وهم يزايدون طالما كانوا خارج السلطة ثم يقومون بنفس الشيء الذي انتقدوه من قبل عندما يتولون السلطة. لقد خرسوا جميعًا، كل رموزهم الإسلامية سكتت، وذهبت إلى غير رجعة... أين رايات الجهاد الخفاقة أيها المنافقون ؟
مكالمة هاتفية من أمريكا تلغي مليونية، فضيحة بكل المقاييس، ويخرج الدكتور القرضاوي ليقول كلامًا غير الذي كان يقوله أيام رسوم الدانمارك وفيلم فتنة الهولندي...
ماذا حدث لهؤلاء ؟ يا ترى لو حصل ما حصل وكان شفيق رئيسًا ماذا يمكن أن يكون رد فعل الإخوان بشكل خاص؛ والإسلاميين بشكل عام، وجماعات المتثورين الحمقى ؟... سيكون أي إجراء تهدئة من شفيق أو حكومته أو حماية للسفارة الأمريكية من اعتداءات أو محاولة فرض القانون كان سيكون لها أسماء أخرى مثل قمع الثورة ومعأداة الإسلام والعمالة للغرب والارتماء في حضن أمريكا ؟ أليس كذلك ؟.
بيقولك شفيق حيطلع ظباط الشرطة براءة
محاكمة مبارك والعادلي والستة المساعدين وجمال وعلاء التي حدثت قبل الانتخابات بفترة قصيرة سبَّبت توترًا استفادت منه جماعة الإخوان وتيارات المتثورين الحمقى لمحاولة ايهام العامة أن شفيق لو أصبح رئيسًا سيخرج مبارك من السجن ويعيد مساعدي العادلي إلى العمل وسيخرج ضباط الشرطة المتهمين بقتل المتظاهرين براءة، وملأوا الدنيا صياحًا وتحذيرًا، وصدَّقهم بعض الناس.
واليوم وقد حكم مرسي الإخواني، خرج ضباط شرطة براءة في أكثر من قضية وخرج واحد من مساعدي العادلي؛ وهو مساعده في جهاز أمن الدولة سيئ السمعة؛ من السجن أيضًا، فلم نسمع لأحد منهم حِسًا.. ثم خرج علينا إخواني كان برلمانيًا في مجلس الشعب الذي تمَّ حله ليتهم القضاء ثم سكت سكوت القبور وصمت صمت الليالي المظلمة، أتدرون لماذا ؟ لأنه هو الذي كان يقود حملة "لو انتخبتوا شفيق حيطلع الظباط براءة"، فماذا سيقول الآن ؟ سيقول مرسي خرَّج الظباط براءة ؟ بالطبع لا، لأن الحجة سقطت.. لبسها ف حد تاني... ولذا فإن هذا الأفَّاق المضلل ومن معه من جوقة المدعين يظهر كذبهم كل ساعة ولا يستحون من الناس، وكيف يستحون من الناس وهم لا يستحون من الله ؟
يا سادة لو كان هؤلاء لهم مرجعية إسلامية بحق لالتزموا الأخلاق الإسلامية في أي تنافس، لكنهم لم يستطيعوا؛ ولن يستطيعوا، وكل من كان منهم وخرج من عباءتهم سيقول هذا الكلام، فهم لا يملكون السيطرة على أنفسهم فور تملكهم للسلطة، وهم قليلو الخبرة وكثيرو الجدل والتبرير ويمتهنون المعارضة لأجل المعارضة.
أخرج الورق الذي رأيناه بأعيننا
وهذا هو بيت القصيد يا سيادة الفريق، نحن رأينا محاضر الفرز وللعجب - كانت نُسخًا مرسلة إلينا من اللجنة العليا للانتخابات – وهي التي لم تطابق أرقام الإخوان التي تمَّ إعلانها في مسرحية الساعة الرابعة قبل الفجر في إعلان من طرف واحد يقول لنا: إن مرسي هو رئيس مصر شئتم أم أبيتم وأن أي شيء خلاف ذلك هو تزوير.. وخرجت جماعة من القضاة إخوانية تسمي نفسها "مستقلة" وأيدَّت الأرقام... ويذكّرنا هذا بما قاله الأستاذ ثروت الخرباوي في لقاء له على قناة الأون تي أن أسلوب إدعاء التزوير الاستباقي هو تخصص إخواني وذلك لبث الشك في النتيجة إن كانت مخالفة لما يريدون هم وليعطوا أنفسهم المبرر للانقلاب على الشرعية إن جاءت بغيرهم.
الشاهد هنا، أن هناك ورق، وهناك مستندات، وهم يا سيادة الفريق لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ويسمون ما شاءوا بما شاءوا فلو كان القرض يخدمهم سيكون حلالاً وسيسمون فوائده رسومًا إدارية، ولو كان القرض لا يخدمهم سيقولون حرامًا ويقولون عليه إنه تسليم لإرادة الأمة للهيمنة الغربية، وهذا ما حدث بالفعل في قرض البنك الدولي الذي فضحهم أيما فضيحة.
فضلاً عن انتهاكات الترويع الموثقة إعلاميًا من تهديد للمواطنين بحرق مصر وتدمير منشآت فيها لو فاز أحمد شفيق، ومنها منع مسيحيين من الذهاب إلى اللجان الانتخابية والتي تمَّ التستر على عشرات البلاغات التي تمَّ تقديمها بهذا الشأن، ومنها فضيحة تسويد 2000 بطاقة وقضية المطابع الأميرية التي ماتت ولم نعرف ماذا حدث لها...
الموضوع ببساطة ويسر لو أن هذا حدث تحت إدارة المجلس العسكري فكيف تتوقعون انتخابات حرة ونزيهة تحت سيطرة حكومة يقودها الإخوان ؟
سيظلون يطاردونك ببلاغات - واسأل المواطنين في الشارع المصري وسيقولون لك إنها بدافع الانتقام والحد من الحركة وتحجيمك تمامًا - وسيسخِّرون من يشاءون من مساحي الجوخ وأصحاب نفسية "عبدة مشتاق" و"اللي ماسكين له زلة" و"اللي بيشتري رضاهم النهاردة عشان يلاقي بكرة" ليفتحوا عليك أبوابًا من هنا وهناك ولتشويه السمعة، وسيسخِّرون قضاة مرتشين كما فعلوا بالفعل.
نظام مبارك بيركب دقن
لم أكن أتخيل أن يجد كثيرون منا ممن عمل في الحملة من قريب أو من بعيد اسمه على قائمة خاصة في أمن دولة مرسي، ولم نكن نتخيل أن يتم مراقبة هواتفنا، ولم نكن نتخيل أن نجد أنفسنا على قوائم سفر في المطار، ولم نكن نتخيل أن يتم منع البعض من التوظف في بعض وظائف الدولة. إن الذي عانى منه البعض أيام مبارك يعود، لو كان هناك شيء واحد فقط يحتاج إلى ثورة في النظام السابق فسيكون الطريقة الأمنية التي خنقت الكثيرين منا، وهل يعقل أن أكون ممن تعرضوا للاعتقال على يد أمن دولة مبارك بالأمس، أصبح معرضًا للاعتقال على يد أمن دولة مرسي اليوم ؟ هل يمكن أن يكون التعيين بالانتماء كما كان بالأمس مستمرًا اليوم ؟ هل يعقل أن يتجسسوا على هواتفنا وإيميلاتنا ؟ ما هذا الهراء والعبث والخزي ؟
إلى كل من صدعنا بشعار "شفيق الفلول" جهلاً أو كذبًا، أين أنتم اليوم من هذا الهراء ؟... الآن عرفتم من الفلول...
قلنا من قبل إن "النظام السابق" هو عقلية وشبكة مصالح... ابحث دائمًا عن ذلك، فلو أن العقلية لم تتغير، ولو أن شبكة المصالح غيرت ولاءها من نظام مبارك إلى نظام مبارك بدقن.. فكيف بحق الله قامت ثورة أصلاً ؟
وقلنا من قبل إن شفيق فردٌ في نظام لا يمثِّل إلا نفسه بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وأن اختيار الملايين له مبني على هذا وحسب، وأنا هنا لن أتحدث - كما تحدثت في مقالات سابقة - عن معرفتي به وقراءتي لشخصيته حينما تعاملت معه عن قُرب؛ فقد أفردت لهذا صفحات ووصفته فيها أنه شخصية متواضعة محترمة موضوعية وقادرة على الحوار وتقبل النقد والبحث عن حلول واقعية ويريد إصلاحا حقيقيًا، وهو شخص صادق بمعنى الكلمة ومهذب إلى أقصى درجة، ولكني أتحدث عن قدرته على الإنجاز وهو موثق عالميًا، وكفاءته؛ وتلك أيضًا موثقة، وقدرته على الإدارة؛ وهي أيضًا موثقة، واحترامه لكل الناس؛ وهذا أيضًا موثق... لقد قلنا من قبل انظروا لشفيق كفرد ولا تلتفتوا لحملات موجهة من البداية وانظروا من وراءها ولماذا... قيسوا الأمور بموضوعية كما تدعون دومًا.
انظروا إلى ما يحدث، واعلموا جيدًا أن قلة الخبرة وانعدام الرؤيا وسيطرة المصلحة الايديولوجية وعقلية "حارس الدين وحامي الأمة" هي التي أظهرت لنا في 3 أشهر اختيارات اقتصادية فاشلة ووعود مئوية فارغة ولغة انشائية متلونة ومتهربة من الحقائق.. وهي التي كشفت لنا سر قميص مرسي ومانجة مرسي وسيناء في عهد مرسي وقرض مرسي وبنزين مرسي وأولاد مرسي الشتامين، وأمريكا والإخوان والحب الجديد الذي فتحت زهوره في أروقة الحكم، وعشرات الأشياء التي لو كان حدث عُشرها في زمن شفيق أو لو كان شفيق رئيسًا لرأينا مظاهرات وحشودًا وشتمًا وقذفًا، وغير ذلك.
كونوا موضوعيين ولو لمرة واحدة في حياتكم؛ مرة واحدة وحسب... إن تبقى وقت لذلك أصلاً.
هذا النظام الجديد لن يرسل جيشًا إلى إسرائيل ليمحوها من على الخريطة، لكن يمكن أن يرسل فلذات أكبادنا وأبناءنا إلى جحيم حرب أهلية في سوريا بدعوى نصر الثورة... هذا النظام الذي لا يرى مصر دولة بل يراها ولاية ضمن خلافة عريضة؛ هو الذي سيتهاون في قضايا سيناء حتى نرى الترانسفير العظيم الذي كان مجرد نظرية في الثمانينيات يتحول إلى واقع بشع اليوم... هذا النظام الذي تداعبه أمريكا في خيالاته التوسعية ورغبته في إقامة خلافة إسلامية مقرها القدس كما داعبت أمريكا تركيا في خيالاتها التوسعية في إحياء الخلافة العثمانية، وكما داعبت قطر في خيالاتها التوسعية لتكون قُطبًا عربيًا كبيرًا رغم ضآلتها، وكما داعبت صدام حسين في خيالاته ليكون زعيمًا عربيًا يملك العرب ويهزم العجم.. وستقوم أمريكا باستخدامه كما شاءت لمصلحتها أولاَ ثم ثانيًا، ثم نحن ثالثًا... وتذكروا خطاب الإخوان والإسلاميين قبل وصولهم للسلطة كيف كان تجاه أمريكا، ثم راقبوا الآن ماذا يقولون، والأهم راقبوا بدقة أكبر ماذا يقومون به... لأن هذا أهم بكثير.
من كان يظن أن السودان يتحول إلى دولتين ؟ وربما ثلاثة عما قريب ؟ وأن العراق تحول إلى ثلاثة أقاليم منفصلة ؟ وأن ليبيا أصبحت قبائل متناحرة ؟... من كان يظن أن ما يُسمى بـ"الشرق الأوسط الجديد" الذي سخرنا منه لسنين أصبح حقيقة واقعة، وأن الأداة ستكون التيار الإسلامي بسبب قلة خبرته وقيام منظوماته السياسية على الغيبيات المفروضة سلفًا، وعلى روايات تاريخية منقرضة ؟
من كان يعتقد أن رجالاً ونساءً بعد الثورة يحالون للتحقيق بسبب إهانة الرئيس مرسي ؟ وأن صحفًا تُغلق وقنوات تُمنع ومقالات تمحى وكُتابًّا يخشون لقمة العيش لو انتقدوا أو صرحوا بالرفض؟
من كان يظن أن العمالة لأمريكا ستصبح يومًا.. حكمة... وليس هذا وحسب بل تصبح مبررة إسلاميًا ؟ ؟.