eKtab
EN ع
بوبال
Page 1

تقديم
في ثقافتنا..مافيا..!
د.أحمد خيري العمري
لعلي لا أذيع سراً إذا قلت إنَّ هناك "مافيا" تهيمن على الساحة الثقافية والإعلامية العربية - خاصة الأدبية منها..
إنها "مافيا" تتمثل في سيطرة جماعات أو شلل معينة، ومنذ الستينيات في القرن الماضي، على الصفحات الثقافية والندوات والأمسيات والمؤتمرات الثقافية، ومن ثم على الجوائز والألقاب التي تمنح لهذا الأديب أو ذاك، والذي يجب أن يكون جزءاً فاعلاً من هذه "المافيا" أو على الأقل قادراً على التعبير عن توجهاتها..(توجهات ليبرالية غالباً، وهي توجهات صار يتبناها اليوم حتى فلول اليسار الذي كان مسيطراً على "المافيا" كلية فيما سبق).. وهي، بسبب قدرتها على التلون والضبابية، تكوِّن امتدادات داخل وزارات الثقافة العربية، وتكرم ضمناً أحياناً بعض المرضي عنهم من قبل هذه الحكومات، حتى لو لم يتوافقوا مع اتجاهات "المافيا"، فقط لتمرير أسماء أخرى شديدة القرب من هذه "المافيا" دون أن يشترط في ذلك موهبة كبيرة بالضرورة... وليس سراً أنَّ بعض الأسماء الشعرية التي كرِّست وتمَّ تحويلها إلى رموز وطنية وأدبية لا يمكن المساس بها، هي أسماء اعتمدت على نتاجها الأول المتميز لغة وفكراً، في حين كان نتاجها اللاحق أقلَّ تميزاً بكثير.. ومع ذلك فإنَّها (طوّبت) بألقاب رنَّانة ومساحات نقدية كبيرة لم تفرغ لأي أحد من قبل، ولم يفرغ عشرها لأصحاب مواهب كبيرة، لكنهم امتلكوا اتجاهات مغايرة، كل ذلك بفعل سطوة هذه "المافيا" وقوتها..
هذه "المافيا" امتدَّ تأثيرها إلى جمهور القراء كما هو متوقع بطبيعة الحال، وتعرَّض الجميع إلى ما يشبه غسيل الدماغ الذي خلق نوعاً من التوجه الليبرالي الذي يسمح للتوجهات الليبرالية أن تعبِّر عن نفسها بكل طريقة وبأكثرها مباشرة ووضوحاً، دون أن تتهم بالمباشرة وبخرق القواعد والمواصفات الأدبية، في حين أننا سنجد هذه التهم جاهزة لتوجه إذا ما عبرت هذه الرواية عن توجهات أخرى غير ليبرالية، وبالذات إذا كانت هذه التوجهات إسلامية..
 

Page 2

أيعود ذلك إلى براعة التسويق للمنتج الليبرالي، أم إلى إتقان الكتاب المنتجين له، أم إلى كون الليبرالية صارت تعامل كما لو أنها كانت من بدهيات الحياة التي لا تناقش، في حين يعامل كلُّ توجه فكري آخر على أساس أنه إيديولوجيا، وأن الزج به في رواية أو عمل أدبي خطيئة لا تغتفر؟!

وهكذا يحق للكتاب والكاتبات "التنظير" و"الخطابة" بخصوص حرية المرأة وحقوقها -على سبيل المثال- دون أن يشعر أحد أنهم قد سقطوا في المباشرة والتنظير، أو أنهم قد أساؤوا إلى قواعد الأدب..

أمَّا إذا عبَّر كاتب أو كاتبة عن توجه مختلف، عن ارتداء فتاة للحجاب، عن التزامها بالعفة مثلاً، فسيتهم فوراً بالسقوط في الوعظ والمباشرة، وسيصنف ما يكتبه خارج دائرة الاهتمام النقدي، وقد يقابل بالتجاهل التام..

وأنا هنا لا أنكر أن بعض الكتاب الإسلاميين (على قلتهم أصلاً) قد بالغوا جداً في تقديم "شخصيات" معقمة بلا صراع مع شهواتها أو حتى محاولة ترويض لها، لكن بالمقابل فإنَّ الكتاب الليبراليين قد بالغوا أيضاً في تقديم شخصيات "معقمة" بالمعنى السلبي للكلمة، أي إنها منحازة تماماً إلى شهواتها دون أي صراع.. دون أن يتهموا بأنهم يقدمون مواعظ ليبرالية ويقدمون تحريضاً لقرائهم.. ودون أن يسأل أحد لم يعتبر هذا من الأدب الواقعي الذي يستحق التصفيق، إذ يسرد لنا الكتاب قصص انحراف أبطالهم وسقوطهم بالتفاصيل الدقيقة للأمر، دون أن يفعل الشيء ذاته بالمقابل مع كتاب آخرين يحاولون سرد قصص التوبة والهداية.. علماً أنَّ مجتمعاتنا تزخر بالنوعين من القصص، فكما أن هناك ضياعاً وانحرافاً، هناك أيضاً توبة وهداية وعودة إلى الدين والقيم الأخلاقية..

Page 3

أمر آخر تم غسل أدمغتنا به من قبل "المافيا" تلك، وهو أنَّ الأدب يجب أن يعزل عن أي معيار أخلاقي، وهكذا لا يحق لنا أن نصدر أي حكم على عمل أدبي إلا بناء على قواعد أدبية مطاطة وفضفاضة، تتغير باستمرار بحسب تغير النقاد أنفسهم.. ومن الناحية المبدئية لا أنكر أن أسلوب العمل الأدبي وموهبة الكاتب أو الكاتبة قد لا تستلزم انسجامه أو انسجامها مع معاييرنا الأخلاقية، لكن ما فرضته "المافيا" كان يتجاوز ذلك إلى فرضية أنَّ عدم الانسجام مع المعايير الأخلاقية والتمرد عليها هو شرط أساسي من شروط الإبداع، وهكذا صار أنصاف الكتاب وأرباعهم يتبارون في سرد مذكراتهم الجنسية (أو ربما خيالاتهم الناتجة عن إحباطاتهم الجنسية!) وتتلقف نتاجاتهم "المافيا" الأدبية -الإعلامية بالتبجيل والمساندة والتصفيق، ويدعم بعضهم ليفرض على الساحة ويتحول إلى علامة من العلامات الأدبية التي لا تمس ولا تواجه بالنقد، مع أنَّ الموهبة الحقيقية له قد لا تكون بهذا الحجم..

ولا أنكر هنا وجود تقاعس عند الكتاب الإسلاميين الذين إما انساقوا إلى المبالغة في تقديم الشخصيات المعقمة كما سلف، أو أنهم صدّقوا أن الأدب لا بد أن يتناقض مع المعايير الأخلاقية، فانسحب من النتاج والإبداع الأدبيين بعض من لا أشك في عمق موهبتهم وندرتها..

و مما روجته "المافيا" أيضاً، أنَّ اللغة الأدبية يجب أن تكون غامضة وألاّ يقال شيء بوضوح على الإطلاق، وإنما "يشفر" ويستخدم رموزاً تعبيرية ولغوية، وإلا عد ذلك مباشرة، ولا بأس إن لم يفهم القارئ المغزى المقصود من ذلك، أو فهم بالاستعاضة عن طريق قراءة مقال نقدي عن الرواية، تشرح لهم مثلاً أنَّ البطلة التي قضت الرواية بأسرها متنقلة من سرير إلى آخر هي رمز فني وأدبي عميق للوطن المستباح!!.(ونحن الذين ظلمنا الكاتب وتخيلنا أنه يستخدم هذه المواضيع لدغدغة غرائز القراء).

Page 4

سطوة "المافيا" تمكنت من إعادة صياغة "ذوق" لنخبة كبيرة من الجمهور الذي تشكل ذوقه الأدبي على الرمزية الفارغة، وعلى الخوض في الجنس وموضوعاته باعتبارها نقلاً للواقع كما هو.. (كما لو أنَّ الواقع لا يحتوي على بشر يتناصحون بوضوح ويقاومون شهواتهم بقوة..).. وهكذا صار الجمهور القارئ (قليل النسبة أصلاً لأسباب لا داعي لنبشها الآن)- بل حتى الجمهور الملتزم بالقيم الدينية - يتعجب ويستنكر لو أنه قرأ رواية أو عملاً أدبياً فيه حوار ديني، مع أنَّ حياة القارئ نفسه قد تضم حوارات من النوع نفسه وأكثر بكثير، لكن ما إن يصل الأمر إلى الأدب والرواية حتى نتوقف، لأنه يمس قواعد ذهبية افترضتها "المافيا" المسيطرة على الأدب الرفيع وغير الرفيع..

والأمر في النهاية يرتبط برؤيتنا حول تعريف الأدب وتوصيفه الوظيفي: هل هناك غاية من الأدب؟ أيفترض به أن يثري تجربتك؟ أن يزيدك وعياً؟ أن يزيدك صلابة؟..أم أن يزيد من حيرتك ومن ضياعك ومن كثرة الأسئلة بلا أجوبة في حياتك؟..

لا أقصد أبداً أن تكون الرواية نشرة توجيهية في الوعظ والإرشاد، لكن لا يخرق قواعد العمل الفني والأدبي أن يتضمن قيماً أخلاقية أو ألاّ يدعو لتحطيمها على الأقل. لتكن الرواية عملاً فنياً فيه من الجمال والصدق ما يجذب القارئ، لكن دعونا لا نصدق ما تريدنا "المافيا" أن نؤمن به من أن ذلك يجب أن يضم أيضاً كل ما يحطم الأخلاق والقيم..

Page 5

هناك عاملان أساسيان لتحقيق ذلك والوصول إليه:

أولاً: أن يعمل المبدعون من أصحاب القيم الدينية على تحطيم كلِّ القواعد النقدية المشار إليها، إذا كان الإبداع تحطيماً للقواعد النقدية فلتحطم هذه القواعد أول ما تحطم، ليستخدم المبدعون كل ما أوتوا من خيال وموهبة في تقديم عمل فني يعبر عن قضاياهم وعن قيمهم دون السقوط في المباشرة الفجة، ودون الخوف الشديد من وجود عبارات واضحة تعبر عن قضيتهم في الوقت نفسه..

ثانياً: على مثقفي التيار الإسلامي جميعاً أن يتساندوا في دعم الأعمال الأدبية التي تطرح قضاياهم، نشراً وترويجاً ودعماً لأصحابها، ليس تعويضاً عن الإهمال الذي تتعرض له هذه الأعمال من قبل التيار النقدي السائد فحسب، ولكن لأنَّ نجاح الكثير من الأعمال المكرسة وأسماء أصحابها لم يكن إلا بفضل دعم مماثل كما سبق، ومن ثم فإنَّ نجاح أعمال أدبية بتوجهات أخرى يتطلب تكوين جبهة مضادة، أو حتى "مافيا" مضادة، تعمل من أجل قيم نؤمن بسموها وعلوها..

سيكون هناك أعمال أدبية متفاوتة الجودة، وهذا طبيعي جداً، فمن بين آلاف الشعراء في عصره يوجد شكسبير واحد ومتنبي واحد.. الحصى هي القاعدة، واللولؤ هو الاستثناء..النتاج العادي هو القاعدة، والإبداع هو النادر، لكن تكوين تيار أدبي ودعمه ابتداء سيمهد لظهور أسماء مبدعة حقيقية، ويمهد لظهور أعمال مبدعة كبيرة..

Page 6

أين تقع رواية "بوبال" من هذا كله؟..

أزعم أنها قد تجاوزت بكثير فخ المباشرة التي سقطت فيها الكثير من الأعمال من قبل، هناك جمل تحمل توجهات واضحة، لكنها جمل قد نقولها في حواراتنا اليومية دون أن نرفضها أو نعتبرها خطباً.. لذلك نحتاج إلى أن ننزع إرهاصات "المافيا" الأدبية عندما نقرؤها..

يكفي "بوبال" أنها تطرح قضية منسية، نسيتها أنا شخصياً بعدما تراكمت القضايا والمشاكل، ولا تكتفي بطرح القضية، بل تقدمها بشكل شمولي، وضمن إطار الحل، وهو أمر من الصعب جداً تحقيقه في عمل أدبي...

"بوبال" تعرض لمشكلة في غاية الأهمية، من خلال حدث واحد يكون كالبعد البؤري الذي تجتمع فيه أسباب أمراض الأمة، ما حدث في بوبال لم يحدث بالضرورة في أي مكان آخر من العالم الإسلامي، لكن أسباب الكارثة لو حللناها إلى مبادئها الأولى، لوجدنا أنها متوافرة في كل كارثة مرت بها أمتنا..من كارثة فلسطين إلى العراق مروراً بكل كوارث أمتنا العصية على الإحصاء..

مهارة الدكتور باباعمي تتجلى في السيطرة على الجانبين؛ التنظيري والروائي، لتقديم عمل أدبي أزعم أنه سيشكل علامة مهمَّة في مسيرة الأدب الإسلامي، الذي لا بد من دعمه والترويج له....

Page 7

المقطع الأول
أنا... عائلتي... مدينتي...
«لو كان الفقر رجلاً لقتلته»
(عمر بن الخطاب رضي الله عنه )
كان عمري ليلة الأحد الثاني من ديسمبر (كانون الأول)، سنة أربع وثمانين وتسع مئة وألف، أحد عشر عاماً...
كنت وديعاً، كثير التأمُّل والتفكُّر، مختلفا جدّاً عن أقراني وأترابي، الذين يفضِّلون اللعب على القراءة والمطالعة؛ ومع ذلك فقد حقَّقتُ نتائج متوسِّطة في سنيّ الأولى؛ ذلك أنني أمقُت الحفظ وترديدَ ما تعلَّمته كالببغاء، وأبحث دوماً عن المعنى والسبب كالهدهد... باختصار شديد: عشقتُ التفكير والفهم، حتى جنى ذلك عليَّ وعلى الكثير من مسارات حياتي.
والدي عامل في مصنع للكيمياويات، ظهرت تجاعيدُ الشيخوخة على مُحيَّاه، وارتسمت آثار المحن فوق جبينه، مع أنَّه لا يزال كهلاً... لا، بل قد بلغ الأربعين السنةَ الماضية...
مدينتي جميلةٌ جدّاً في طبيعتها، تُطلُّ على بحيرات مائية عريقة، شمسُها ناصعة دائماً، وجوُّها دافئ أبداً، لولا أنَّ أهلها عرفوا الفقر والمسكنة منذ أمدٍ، فاقتنعوا بالقليل، وامتهنوا الشقاء، ورضوا بقدرهم رضاً مُميتاً... رضاً قاتلاً... رضاً أشبه بالرضا؛ ولكنه مختلف عنه قلباً وقالباً...
كان الليل يخيفني كلَّما أسدل سِتره، فأترقَّب طلوع الشمس مؤذنة ببزوغ فجر جديد، تماماً كما ترقَّب (المهاتما غاندي) تحرير بلدي (الهند)، من براثن الاستعمار الإنجليزي، وفكَّها من بين مخالب الظلم.
 

Page 8

خوفي من الليل مردُّه الفئران، والجرذان، والحشرات، والزواحف اللاسعة؛ بل... ويُعثر أحياناً على أفعى هنا أو هنالك، وعادةً ما نسمع عن موت طفل أو طفلة بلسعة مسمومة قاتلةٍ، من حيَّة ماكرة مكرَ المستعمِر...

وممَّا يزيد ليلي ثقلاً ورعباً تأوُّهاتُ والدي العزيز وصرخاتُه، جرَّاء قروح في المعدة، تؤلمه الألم المبرح الشديد، فتتركه يتلوَّى ويصارع سكرات الموت... وهو يلعن في كلماته وهمهماته: كلَّ سببٍ أدَّى به إلى ما هو عليه، وكلَّ إنسان أرداه رغماً عنه في محنته هذه... وهو أحياناً يلقي اللوم عالياً على نفسه، مردِّداً بصوت حزين: أنا السبب... أنا السبب...!

ذاتَ يوم اشترى لنا والدي، من حُرِّ ماله الذي ادَّخره، من عَرَق جبينه، تلفازاً ملوَّناً، صغير الحجم، لا يكبُر عن ورقة الكتابة إلاَّ ببضعة إنْشات...

كنَّا نحن الصغار نشاهد فيه أفلام (الرسوم المتحركة) وأفلام (رعاة البقر) الأمريكية؛ أمَّا الرجال فكان فيلمهم ومسلسلهم المفضَّل هو (دالاس)... ذلك القمقم الذي يجمعهم على صعيد واحد مع تباينهم واختلافهم... فتراهم فاغِري الأفواه، لو دخلتْ ذبابة فمَ أحدهم ثم خرجت لَما أحسَّ بها... وقد يصل عددُ المشاهدين أحياناً العشرين من رجال حيِّنا، فكان فناؤنا الضيِّق الوسخ مثل قاعة كبرى للسينما.

لقد رسخ في ذهني ذلكم الصراخ الجماعيُّ على الأطفال، إذا اقترب الواحد منهم من مجموع المشاهدين؛ ذلك أنَّ الرجال - في تقديري - يخافون أن تَلتقط عيوننا الصغيرة بعض المشاهد المثيرة من جمال نساء (هوليود)... فكان الصراخ يزداد حدَّة كلَّما كان الطفل أكبر عمراً، إلى أن يبلغ سنَّ المراهقة... فإذا ما تجاوز الثامنة عشرة قُبِل ضمن فريق الرجال الأبطال، حتى وإن لم يكن متزوِّجاً... كأنَّ غضَّ البصر له عمرُه، وإلقاءَ العنان للنظر الحرام له عمره... ولله في خلقه شؤون.

أبي مسلمٌ، يصلِّي أحياناً، ويترك الصلاة غالباً؛ فهو يقول لنا: إنني أصلّي لله بقدر النعم التي أنعم بها عليَّ، ولا أزيد...

Page 9

ويستعير - بصوت عالٍ - من الأعرابيِّ الذي قال للرسولِ عليه السلام: «لا أزيد...» مقولتَه؛ لكنَّه يستعيرها مبتسرة مخرومة...... ثم يُردف والدي قائلاً: أتمنى اليوم الذي أصير فيه ثرياً مثل مشاهير (هوليود)، ويومَها أظنُّ أنني لن أتخلَّف عن الصلاة أبداً...

وكان عادةً ما يكرّر هذه العبارة بألفاظها على أصدقائه، فيضحك البعض منهم، ويصمتُ آخرون ممن هم أكثرُ التزاماً؛ إلاَّ أنهم لا يملكون العقل ولا الحجة التي بها يُحاجون والدي... ومن الغريب أنَّ من بين هؤلاء مؤذِّن مسجد حيِّنا، الشيخ الوقور ذا اللحية الكثَّة البيضاء...

أمَّا والدتي (شايستا) فهي عالَم في إنسان، وفلتة من فلتات الزمان والمكان: صبورةٌ، حليمةٌ، محسنةٌ... مجتهدةٌ في فعل الخيرات، ومبدعةٌ في إسداء المبرَّات... مع أنها أمِّية، لا تعرف الكثير عن الدين إلاَّ ما ورثته أباً عن جدٍّ...

من ميزاتها، التي لا ينساها أحدٌ من سكان (بوبال)، نفعُها لأهالي الحيِّ، بما آتاها الله من معرفة تقليدية، وطاقةٍ لا تنفَد؛ فهي قد أخذت بعض مبادئ التطبيب الموروثة عن الجدَّات، وأتقنت صناعة بعض العقاقير من أعشاب غاباتنا الكثيفة المدهامَّات...

وأمِّي - غالباً - تقوم بدور القابلة لكلِّ امرأة يجيئها المخاض، حتى وإن كانت هذه المرأة زوجةً لأحد خُصوم والدي الكثيرين... ذلك أنَّ الفقرَ مدعاةٌ للنقر، تماماً مثل نقر الدجاج بعضها بعضاً عند فقدها الطعام الذي يُشبعها... فكان هذا الكرم من والدتي، مع هذه الحال من والدي، سبباً كافياً لنشوب خصومات بينهما، ولا يزال والدي يتفنَّن في الشتم والسبِّ والتعيير، كلَّما فقد وعيه واشتدَّ حنقه، ولا تزال والدتي تتلقى ذلك بصمت أشبه ما يكون بصمت البومة...

مدينتي اسمها (بوبال)، تقع في إقليم (ماديا براديش) من أقاليم الهند الوسطى، وهي مملكة حديثة نسبياً؛ مؤسِّسها الحقيقيُّ هو (محمد دُست)، وهو جندي أفغانيٌّ هرب من فتنة (دلهي)، بعد وفاة (أورنغزاب)؛ ويعود ذلك إلى 1723م.

ومن خصائص مدينتنا أنها كانت تحت حكم (النبَّاب) بداية، ثم انتقلت إلى حكم (البقَّام)، ثم عادت إلى (النبَّاب) سنة 1947م؛ أي بعد استقلال باكستان عن الهند.

Page 10

السلطان الحادي عشر من سلاطين (النبَّاب) اسمه (مهانجير محمد خان)، حكمَ بين 1837 و1844م، ولعلَّ والدي سمَّاني باسمه، تيمُّناً به وتفاؤلاً، واستذكاراً لتاريخه ومناقبه... فاختار لي اسماً مركَّباً، هو: (محمَّد مهانجير)... مجرَّداً من الصفة: (خان)، التي تعني: (السيِّد)... فما أبعدنا - نحن أهالي (بوبال) الفقراء - عن مرتبة الأسياد والأشراف.

مساحة مدينتنا صغيرة، مع أنَّ عدد سكَّانها يتجاوز المليون ونصف المليون نسمة، ولذا كانت الكثافة السكانية عالية جدّاً، إذ يتقاسم الكيلومتر المربع الواحد أكثرُ من عشرين ألف مواطن؛ فكأنَّ الفقر والعجز باتا قدرَنا، منذ سقوط آخر سلطان من سلاطين المسلمين على يد المستعمرين البريطانيين أولاً، ثم على يد النظام الإمبريالي العالمي ثانياً.

يحكي لنا الكبار أنّ أوَّل مصنع للمبيدات، أنشأته شركة أمريكية في ظروف غامضة جدّاً، في أواسط السبعينيات، بالتواطؤ مع حكومة الهند، بزعامة رئيسة وزرائها آنذاك (أنديـرا غاندي)... خرِّيجة (جامعة أكسفورد)، وابنة بريطانية المدلَّلة.

ثمَّ بُني مصنعٌ ثانٍ، وهو أضخم منه بكثير، مِن المجموعة الأمريكية نفسها سنة 1978م؛ أي خمسة أعوام بعد ميلادي، وأوانها لم يكن عدد السكان يتجاوز ثلاث مئة ألف مواطن، إلاَّ أنَّ البطالة والحاجة دفعتا الكثيرين إلى الهجرة من أراضيهم الفلاحية، ليعملوا بأبخس الأجور في هذه الشركة العملاقة؛ مما سبَّب تفاقماً رهيباً في عدد السكان، حيث تضاعف خمس مرَّات، وصار المجموع محشوراً كالجراد المنتشر، أو كيأجوج ومأجوج.

أنا الثالث في ترتيب العائلة، تكبرني أختان هما (سارا) و(زينات)، وأكبُرُ أختاً ثالثة محبَّبة لدينا جميعاً، اسمها (شريفة)، وكذلك أخاً أصغر بلغ الفطام منذ شهور، وهو يحبُو لإيجاد مكانه في سرب عائلتنا الفقيرة.