eKtab
EN ع
بولقلق
Read free sample

بولقلق

by د. عبدالله المدني

Page 1
بولقلق
 
في السابع والعشرين من مارس 1983 كان خالد مقلعا من مطار بلده الخليجي صوب مانيلا على طائرة الجمبو 747 التابعة للخطوط الجوية الفلبينية بألوانها الحمراء والبيضاء والزرقاء· كانت تلك التجربة الأولى لخالد في السفر إلى الفلبين التي كثيرا ما سمع عنها الحكايات المشوقة من أفراد الجالية الفلبينية الكبيرة العاملة في بلاده·
 
غير أن خالدا لم يكن في رحلة إستجمام أو سياحة كما تمنى دوما كما لم يكن في رحلة عمل تجاري خاص كالكثيرين من مواطنيه· لقد كان في رحلة متعلقة بعمله الرسمي الجديد كموظف في المفوضية السامية لشئون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة· تلك الوظيفة المحترمة التي جاءته بعد تعب ومشقة وتحصيل علمي طويل معطوفا على مسابقات إجتازها بإقتدار وجدارة وتغلب فيها على أكثر من مائة منافس من جنسيات مختلفة·
 
كان خالدا فخورا بذلك الإنجاز فالعمل مع منظمة دولية كالأمم المتحدة علاوة على إمتيازاته الكثيرة فإنه يفتح الباب أمام المرء للإرتقاء السريع في عالم الدبلوماسية والتنقل المستمر ما بين دول العالم والإلتقاء بالشخصيات المهمة والنافذه· من ناحية أخرى كان العمل ضمن مؤسسة إنسانية كمفوضية إغاثة اللاجئين من ضمن إهتمامات خالد الذي كثيرا ما طمح إلى القيام بأي عمل يخفف من خلاله آلام وجروح البشر المنكوبين من جراء الحروب والكوارث·
 
كانت المهمة التي أنيطت بخالد هو الإقامة أولا لبعض الوقت في مانيلا من أجل دراسة أوضاع اللاجئين الفيتناميين وتقديم تقرير مفصل عن أحوالهم إلى مرجعيته في جنيف· كان هؤلاء اللاجئين قد هربوا من ديارهم وانتشروا في بلدان جنوب شرق آسيا بعيد إنتصار ثوار الفييتكونغ الشيوعيين على نظام سايغون الموالي للولايات المتحدة في الحرب المعروفة التي حصدت أرواح مليوني فيتنامي ونصف مليون عسكري أمريكي وقبل أن تكتسح قوات فيتنام الشمالية أراضي الشطر الجنوبي وتعلن توحيد البلاد تحت رايتها· الخوف من بطش الشيوعيين بهم وإحتمالات محاكمتهم بتهمة العمل مع النظام البائد أو موالاته أو عدم الإنضمام إلى صفوف الفييتكونغ كمقاتلين جعلهم يهربون على عجل وبما تيسر لهم من وسائل وطرق في رحلات محفوفة بالمخاطر وممزوجة بشتى صور القلق والخوف والرعب من المصير المجهول· لم تكن أحلامهم وطموحاتهم كبيرة· كان أكثر ما يحلمون به هو الوصول بأمان إلى شاطيء من شواطيء الدول المجاورة لبدء حياة جديدة بعيدة عن سفك الدماء ودوي المدافع وأزيز الرصاص وغارات المقاتلات النفاثة· وعلى حين تمكن البعض من تحقيق ذلك الحلم المتواضع بمشقة كبيرة فشل البعض الآخر وانتهى به المطاف غريقا في مياه بحر الصين المظلمة وطعاما للحيتان أو أسيرا في أيدي القراصنة وتجار البشر·
 
كان خالد منذ أن كان صبيا مهووسا بمتابعة شئون العالم وشجونه من خلال الصحف ونشرات الأخبار المذاعة لذا لم تكن غريبة على مسامعه أسماء مثل فيتنام وفييتكونغ ونهر الميكونغ (1) ومدينتي سايغون وهانوي وخليج تونكين (2) ومعركة  ديين بيان فو (3) أو شخصيات مثل الرؤساء  هو شي منه (4) ونغو دييم (5) و نغوين فان ثيو (6) والجنرال نغوين كاوكي (7) والسفير هنري كابوت لودج (8) والوزير;روبرت ماكنمارا (9)· كان متحمسا لأداء عمله ومستعدا لتقديم تقرير واف وشامل لرؤسائه عما طلب منه في أسرع وقت كي تسند إليه مهام مماثلة في بلد آخر من بلدان الشرق الأقصى فيضيف إلى علمه وثقافته وتجاربه أشياء جديدة ومتميزة·
Page 2
وصل خالد إلى مطار مانيلا الدولي في يوم صيفي حار ليجد في إستقباله طاقم الموظفين الذين سيتعاونون معه في مهمته الإنسانية· كان منهكا من رحلة الساعات السبع التي إستغرقها الطيران من بلده إلى الفلبين· كان يرنو إلى الوصول سريعا إلى فندقه لأخذ;دوش بارد وبعض;المساج في النادي الصحي لا سيما وأن الفلبين عرفت بتقديم خدمات;المساج بكفاءة وتميز في فنادقها· هكذا سمع ممن سافروا قبله إلى الفلبين·
 
كان الفندق الذي أختير مكانا لإقامته هو;فندق مانيلا المصنف ضمن فنادق الخمس نجوم والقريب من حي المال والأعمال والمتاجر الفاخرة المعروف بإسم;مكاتي بوسط العاصمة· فرح خالد كثيرا بمقر إقامته· فرحه إزداد حينما تفقد غرفته التي كانت هي الأخرى غاية في الفخامة والأبهة والذوق الرفيع من حيث نوعية الأثاث وتناسق الألوان والمزج ما بين التصاميم الغربية والشرقية بأسلوب مبتكر·
 
كان من عادة خالد أينما حل أن يبدأ مشواره بإستطلاع مرافق ومناهل مكان إقامته· إكتشف سريعا أن ضمن مرافق فندقه حانة على النمط البريطاني الكلاسيكي مزروعة بالورود والنباتات النادرة وذات مقاعد وطاولات مصنوعة من خشب التيك البني المصقول· كان إسم الحانة;تاپ روم وموقعها إلى اليسار من مكتب الإستقبال في الدور الأرضي· فوق ذلك علم خالد أن في تلك الحانة آلة پيانو يتناوب عليها ليليا عازفون محليون مهرة لتقديم روائع المقطوعات الموسيقية الكلاسيكية من;فالس و>تانغو ونحوهما تليها مختارات من فن الجاز الامريكي فمقطوعات من الموسيقى اللاتينية على البيانو والغيتار· قرر خالد أن تلك الحانة دون غيرها ستكون ملجأه في ساعات الراحة والإسترخاء من عناء العمل خصوصا وأنه كان قد بدأ يتذوق الموسيقى الكلاسيكية والألحان اللاتينية القديمة ويعشق أعمال لوي آرمسترونغ وجيمي سميث وأل ماكيبسون وديوك إيلينغتون ضمن فن الجاز·
 
في ليلته الأولى في مانيلا ذهب إلى النادي الصحي وتعرى أمام فتاة صغيرة مكلفة بتدليك أجساد النزلاء· لم يكن التدليك متميزا كما توقع· بعده عاد مسرعا إلى غرفته· تحمم وتعطر وإرتدى أفخم ما في حقيبته من ملابس وإختار ربطة عنق ذهبية من صنع;بيار كاردان وصفف شعره الأسود بعناية مزيلا منها بضع شعيرات فضية متسللة وخرج قاصدا حانة;تاپ روم· في الطريق لم ينس خالد أن يسلم حذائه البني الأنيق لآلة التلميع المجانية المثبتة بالقرب من باب المصعد· إعتاد خالد أن يولي إهتماما خاصا بحذائه إنطلاقا من نظرية مفادها أن شكل ونوع حذاء المرء يعكسان درجة ذوقه وأسلوب حياته· كان خالد قد قرأ ذات مرة أيضا أن أول ما تركز عليه المرأة عند مقابلتها رجلا هو حذائه!
 
كان الجو العام في الحانة باعثا على الدهشة· موسيقيون ومغنون وأقداح فضية وبلورية وعشرات الرواد من الجنسين ومعزوفات تذكر المرء بأجواء كوبا في الخمسينات أو أحوال الأرجنتين في عهد پيرون وزوجته الحسناء إيفا· الكل كان يغني ويدندن ويرقص تاركا همومه خلف ظهره ومسلما أموره لكؤؤس الراح· وربما لولا أنظمة الفندق وقيوده الخاصة بإغلاق المناهل في ساعة معينة لبقي الجميع متسمرا في مكانه حتى بزوغ شمس اليوم التالي تحقيقا لمقولة;اليوم خمر وغدا أمر
 
توالت زيارات خالد إلى حانة الفندق مساء بل كلما وجد متسعا من الوقت· ذات ظهيرة إسترعى إنتباهه وجود فتاة تعطي ظهرها للمتواجدين وتتخذ من إحدى الزوايا البعيدة مكانا للجلوس والقراءة· لون شعرها الأسود الفاحم وطريقة تسريحتها الكلاسيكية المبتكرة التي كشفت عن رقبة مصقولة وأذنين صغيرتين تحملان زوجا من الأقراط الذهبية الدائرية دفعا خالد إلى سؤال الساقي عنها لكن الأخير لم يتمكن من إعطائه الجواب الشافي· لم يكن خالد معنيا كثيرا بتقاطيع الوجه فالوجوه في الفلبين تبدو للقادم من منطقة الشرق الأوسط متشابهة أو قريبة التشابه ولا سيما لجهة الأنف والعينين والجفون· بل أن العرب كثيرا ما تندروا على ذلك في طرائفهم ومنها أن بدويا مصابا بالأرق سافر إلى الفلبين فلما عاد سأله أصدقاؤه عن أكثر الأشياء التي لفتت نظره في تلك البلاد فكان جوابه:;كل الشعب شبعان نوم في إشارة الى جفون الفلبينيين والفليبينيات التي تبدو كما لو أن أصحابها إستغرقوا طويلا في النوم·
Page 3
بعد فترة من التردد والخوف من إحتمال أن تكون الفتاة في إنتظار حبيبها أو خطيبها أو عشيقها لملم خالد كل جسارته ونهض من مكانه متجها صوبها وكله أمل أن تتصرف معه بأدب على الأقل ولا ترد على مبادرته بالتجاهل أو الغضب أو الكلمات الجارحة·
 
حينما صار خالد في مواجهة الفتاة تلعثم من هول المفاجأة وإنعقد لسانه ونسى كل ما كان قد أعده من عبارات لتقديم نفسه والدخول معها في حوار· كانت الفتاة بخلاف كل من وقعت عليهن عيناه من مواطناتها سواء في بلده أو في الطائرة أو في المطار أو في الفندق أو في أثناء تجواله في مجمعات;مكاتي التجارية وشوارعها الفسيحة صاحبة وجه جميل صبوح وعينين عسليتين واسعتين نسبيا· ليس هذا فحسب وإنما أيضا صاحبة قوام ممشوق وطول فارع وخصر نحيل ونهدين متورمين قافزين إلى أعلى ورقبة مصقولة كالمرمر· أما لون بشرتها فكان هو الآخر من الألوان النادرة في المجتمع الفلبيني· لم يكن كلون بشرة مواطناتها المائل نحو اللونين الأصفر والأبيض وإنما كان مزيجا من اللونين الأبيض والأحمر اللذين تحولا بفعل الشمس إلى لون برونزي يسيل اللعاب ويحرك الغرائز·
 
سألها خالد إن كانت بمفردها فكان جوابها;نعم!
 
سألها إن لم يكن لديها مانع من الجلوس إلى طاولتها فكان جوابها;لا مانع!
 
سألها عن إسمها فكان جوابها;جوزفينا
 
جمع خالد ما تبقى لديه من جرأة ليسألها عن سر ذلك الجمال الأخاذ وتلك البشرة النادرة والعينين الساحرتين فكان جوابها أنها نتيجة تمازج الدماء الآسيوية مع الدماء الأوروبية·
 
كان خالد بطبيعة الحال يعرف من خلال ما قرأه عن تاريخ الفلبين القديم مدى ما تركه المستعمرون الأوروبيون وخصوصا الأسبان منهم من آثار في تلك البلاد ومدى ما أسبغوه على ثقافة الفلبينيين وهويتهم من مظاهر نافرة لكنه لم يكن يتوقع أن إختلاط الدم الآسيوي بالدم الأوروبي يمكن أن يصنع مثل تلك الجوهرة المكنونة المسماة;جوزفينا
 
بمجرد جلوس خالد في المقعد المواجه لجوزفينا الجميلة دار بينهما حوار·
 
هو: أود أن أعرفك بنفسي· أنا خالد من الخليج· بإمكانك أن تناديني;كال جئت إلى هنا في مهمة رسمية مبعوثا من قبل الأمم المتحدة·
 
هي: هل هذه محاولة للإختفاء وراء شخصية ليست شخصيتك ووظيفة ليست وظيفتك؟
 
هو: ما وجه الغرابة في ما أخبرتك به؟ وعلى أية حال إن منحتيني الفرصة فسوف أثبت لك بالدليل صحة ما قلته عن شخصيتي ووظيفتي وسبب تواجدي في بلادكم·
 
هي: إعذرني إن أسأت فهمك! المشكلة أني كثيرا ما صادفت من يأتي إلى هنا من مواطنيك بحثا عن المتعة الرخيصة فيختلق الأكاذيب من أجل الايقاع بالفتيات الصغيرات والتغرير بهن معتقدا أنه بماله يستطيع شراء البشر وإرضاخهم لنزواته·
 
هو: فهمت ما تقصدين! لكن عليك التمييز· لدينا في بلادنا مثلا يقول;أصابع يدك ليست متشابهة كناية عن أنه إذا وجد في مجتمع ما الإنسان الأحمق او الأخرق أو السافل فانه بالمقابل يوجد من هو على عكسه تماما· أنا بإختصار لست من أولئك الذين صادفوك وإلا توجهت رأسا إلى حي;مابيني حيث لا قيود على شراء المتعة الرخيصة مع عشرات الفتيات من مختلف الأعمار والأشكال بدلا من تضييع الوقت في هذه الحانة·
 
هي: نحن أيضا يوجد لدينا مثل مشابه مفاده أن الورود ليست دائما على مستوى واحد من الجمال وطيب الرائحة بمعنى أنه إذا كانت هناك ورود لا رائحة لها أو ورود تدمي اليدين بأشواكها أو ورود سريعة الذبول فإنه في المقابل يوجد ما هو عكس ذلك·
 
هو : ما علينا! هل بإمكاني أن أشترى لك شرابا طالما أننا تعارفنا؟
Page 4
هي: لا بأس! سأتناول كأسا من النبيذ الأحمر· وأنت؟ هل ستتمسك بشرب الجعة طوال الليل أم أنك ستستبدلها بالنبيذ؟
 
هو : الجعة هي شرابي المفضل· والجعة الفلبينية المحلية من نوع;سان ميغيل لذيذة وخفيفة الطعم والأهم من كل ذلك أن سعراتها الحرارية منخفضة· ولا أبالغ لو قلت لك أنها:;ولانق قاطاپاط ( ليس هناك أفضل منها)
 
هي: ها أنت لم يمض عليك سوى أيام في بلادنا كما أخبرتني وأصبحت تنطق بلغتنا·
 
هو: ليس بالضبط· هذه مجرد عبارة وحيدة حفظتها من الدعايات المتكررة لجعتكم الوطنية على شاشة التلفزيون·
 
إلتقطت أذنا خالد كلمة غريبة أثناء حديث جوزفينا عن الورود· كانت الكلمة هي;بولقلق (10) التي ذكرت خالد بطائر اللقلق أو;اللوهة كما يسمى في الخليج· غير أن المقصود بالكلمة في اللغة الفلبينية (تقالوق) هو;الورد كان خالد قد سمع تلك اللغة من أفواه أصحابها فبدت له خالية من الموسيقى مشحونة بالأحرف الثقيلة مثل التاء التي تلفظ طاء والكاف التي تلفظ قافا قريبة في نطقها إلى هديل الحمام و>بقبقته لكنه لم يدر بخلده أن يطلق على شيء جميل كالورد إسم;بولقلق· أراد أن يضحك ملء شدقيه على هذه المفارقة! لكنه تمالك نفسه خوفا من إغضاب جوزفينا أو جرح مشاعرها دون قصد· وكيلا تفسد جلسته مع هذه الفلبينية الرائعة التي قد لا يجد صنوا لها إن فوت على نفسه هذه الفرصة حاول أن يضفي على الجو شيئا من المرح فقال لها بالانجليزية:
 
from now on, you are my bolaqlaq وهكذا سارت الأمور في الأيام التالية حيث لم يكن خالد يترك فرصة دون مناداة جوزفينا بإسم;بولقلق وكانت هي من جانبها مسرورة بهذه التسمية التي تنم عن الإعجاب والإطراء والمودة في آن·
 
كانت مفردة;بولقلق هي المفردة الفلبينية الأولى التي تعلمها خالد لكنها لن تكون الأخيرة· فمن أجل التقرب من جوزفينا قرر خالد أن يتعلم لغتها الأم ويتمرن عليها من خلال الحديث اليومي معها رغم علمه المسبق بثقل ظل تلك اللغة· إبتاع خالد لهذا الغرض عددا من الكتب والكراسات والقواميس والأشرطة السمعية· كان كلما إستعصى عليه نطق كلمة ما نطقا صحيحا هاتف جوزفينا ليسألها· كانت الأخيرة لا تترد في الإستجابة لطلبه بل وتزيد عليه بإرشاده إلى كيفية وضع الكلمة في جملة مفيدة·
 
علم خالد من حديثه مع جوزفينا في يوم لقائهما الأول أنها تعمل مرشدة سياحية وأن سبب تواجدها في حانة الفندق هو أنها كثيرا ما تلجأ إلى ذلك المكان بحثا عن شيء من الراحة والهدؤ في أعقاب يوم مضن من العمل في جمع السياح من فنادقهم المختلفة وقيادتهم بالحافلات إلى هذا المعلم أو ذاك فضلا عن تقديم الشروحات اللازمة والإجابة على أية إستفسارات قبل إعادتهم إلى أماكن إقامتهم·
 
سأل خالد جوزفينا عن أفضل الأماكن من وجهة نظرها لشخص مثله لم يمض على وصوله إلى الفلبين سوى يومين ويريد مشاهدة معالم جميلة قبل أن تختطفه جداول العمل المزدحمة· فإقترحت عليه فورا الإشتراك في جولة سياحية إلى مناطق الشلالات في;باغ سان هان الواقعة على بعد 92 كيلومترا من مانيلا حيث بإمكان المرء أن يقضي نهارا جميلا وسط الطبيعة الجبلية الخلابة والمياه الصافية النقية المنسابة من قمم المرتفعات· وبإمكانه أن يقوم أيضا - إن كان من أصحاب العضلات المفتولة - بمغامرة ركوب الجندول والتجديف وسط تيار مياه الشلالات الجارف· أردفت جوزفينا قائلة : هناك بطبيعة الحال أماكن أكثر جمالا وروعة في بلادنا لكن أترك زيارتها للوقت المناسب· فحينما يتصدقون عليك بإجازة سنذهب سويا إلى الشرق ·· إلى جزر;سيبو حيث تتمازج الطبيعة الربانية مع ما صنعته أيدي البشر وحيث يتعانق التاريخي القديم مع العصري الجديد ·· وستكون;بولقلق دليلتك ومرافقتك ونديمتك أيضا·
 
لم يصدق خالد أن كل هذا الإستلطاف والود قد حدث في جلسة واحدة مع جوزفينا· سأل نفسه بغرور إن كان هو إلى هذا الحد قادر على جذب الجميلات والإيقاع بهن؟ غير أنه عاد سريعا إلى عرض جوزفينا للسياحة في;سيبو مقترحا عليها عمل;بروفة أولية كأن تقبل دعوته على العشاء عند الثامنة من مساء اليوم التالي في مطعم;إيلانغ إيلانغ الأسباني التابع لفندق مانيلا·
Page 5
وافقت جوزفينا التي بدت من نظرات عينيها العسلتين الجميلتين مغرمة بشخص خالد وأسلوب حديثه وقفشاته الناعمة وأناقته الملفتة للنظر ولغته الانجليزية الراقية وسرعة بديهته ورائحته الزكية على العرض وكأنها كانت بإنتظار فارس يأتيها من وراء البحار ليملأ حياتها الفارغة بهجة وأملا وحبا ومرحا·
 
حينما حان موعد اللقاء المتفق عليه ذهب خالد مبكرا إلى المطعم الاسباني ليختار بنفسه الركن الهاديء الذي سيجمعه مع جوزفينا في تلك الليلة التاريخية من حياته· لم يطل إنتظاره كثيرا· جاءت جوزفينا في الثامنة تماما دون أدنى تأخير وهي ترتدي فستان سهرة طويل من قماش الساتان الأسود· لون الفستان وشكله وملمسه المتناغم مع لون بشرة جوزفينا البيضاء وطولها الفارع وتضاريس جسمها البض وشعرها المرفوع بشدة إلى الوراء ومن ثم إلى الأعلى على طريقة تسريحة;إيميلدا ليلة زفافها إلى زعيم الفلبين الديكتاتور;فرديناند ماركوس كان دافعا لبحلقة المتواجدين وهمساتهم· نهض خالد من مقعده سريعا وإتجه صوب الجميلة القادمة مصافحا إياها وطابعا قبلة على يدها اليمنى فيما كانت عيناه تنظران إلى وجهها الملائكي دونما إكتراث بالضؤ المنعكس من تلألأ العقد الماسي الملتف على رقبتها البلورية·
 
كل هذا الجمال الأخاذ وذلك الجو الرومانسي البديع كادا أن يتواريا بمجرد أن نطقت جوزفينا بإسم الطبق الذي ستتناوله·
 
- آي ويل إستارت ويذ غرين سالاد فولود باي;علي ما زق أز ماي مين دش! لقد أفسد;علي ما زق وهو الإسم الفلبيني لسرطان البحر الأزرق أو ما يعرف في الخليج بإسم;القبقب كل جميل· أما ما أفسد جلسته مع جوزفينا أكثر فقد كان إصرارها على تناول;پاكاؤون مع وجبتها· والپاكاؤون ليس سوى نوع من أنواع المخلللات الفلبينية التقليدية ذات الرائحة النفاذة الكريهة بسبب صنعها من السمك المخمر·
 
خالد من جهته لم يبد مكترثا كثيرا بالطعام قدر إكتراثه بالشراب وتدخين سيجاره الكوبي الثمين وتخيل ما سينتهي إليه لقاء تلك الليلة مع;بولقلق الفلبينية· لذا فإنه طلب من النادل أن يأتيه بطبق متنوع من الأجبان الفرنسية وكأس من نبيذ pinot noir الأحمر الفرنسي الفاخر·
 
الأمر الآخر الذي أفسد جمال تلك الليلة هو الطريقة التي تناولت بها جوزفينا طبق;علي ما زق والتي بدت غير متسقة مع مظهر إمرأة صارخة الجمال وصاحبة ذوق رفيع في إختيار ملابسها وحذائها وعطرها ومجوهراتها وتسريحة شعرها فضلا عن ثقافتها وإنتسابها الى أسرة مدينية متوسطة· لقد إستخدمت جوزفينا يديها في تفتيت سرطان البحر ومصمصة قشوره حتى بدت كما لو أنها فتاة ريفية أمية ألقت بها الصدف في المدينة أو كما لو أن خطأ حدث في دعوتها إلى ذلك الفندق الفخم لتناول العشاء·
 
لم تكترث جوزفينا بنظرات الجالسين على مقربة من طاولتها أو بنظرات خالد الذي بدا محرجا لكن ظل صابرا دون أن ينطق بكلمة أو يطلق زفرة أسى حارة· لقد تركها خالد على سجيتها وراح هو يتناول طعامه كالأرستقراطيين· كان سؤاله الوحيد في تلك اللحظات هو عما إذا كانت جوزفينا ستقبل دعوته لتناول القهوة أو الشاي في غرفته أو تقبل هي إستضافته في شقتها للغرض نفسه· لم يكن المكان مهما بالنسبة لخالد· كان المهم عنده أن يرى تلك المخلوقة الجميلة تقف أمامه عارية تماما فيمتع ناظريه بما تحت الملابس الأنيقة من مؤهلات بديعة·
 
ما تمناه وشغل تفكيره حدث في غرفته هو وليس في شقتها هي· وهو ما أسعد خالد أكثر من بعد سعادته بذهاب جوزفينا إلى دورة المياه لغسل يديها وفمها والتخلص من روائح ما إلتهمته من بصل ومأكولات بحرية زفرة· كان خالد خائفا من أن يشتم بقايا تلك الروائح فتفسد السهرة التي حلم بها طويلا· التجارب علمته أنه ما من شيء أسوأ من إشتمام المرء لرائحة غريبة منبعثة من جسد شريكته أيا كان مصدرها فذلك كفيل بإفساد كل شيء وترحيل مشروع ممارسة الغرام إلى وقت آخر أو إلغائه نهائيا·
 
من حسن حظ خالد أن جوزفينا كانت ترتدي تلك الليلة عطر;أوپيوم القوي من أعمال;إيف سان لوران وهذا ساعد على حجب أية روائح أخرى كرائحة;علي مازق و>پاكاؤون التي أصبحت عند خالد مرادفا لكل ما هو منفر· بمجرد وصولها إلى غرفة خالد الفاخرة ألقت جوزفينا بحقيبتها اليدوية على السرير وخلعت حذاءها وعقدها الماسي· لم تفكر بخلع باقي أشيائها وكأنها تعمدت ترك تلك المهمة لأصابع خالد· فهم خالد صاحب التجارب النسائية الكثيرة أن تلك ليست سوى دعوة غير مباشرة من جوزفينا لتعريتها·
Page 6
لكنه قبل أن يبدأ عمله هذا أدار بعض الموسيقى الهادئة وأخرج من;الميني بار من الشراب والماء والثلج ما يكفي لاعداد كأسين من فودكا;أبسولوت الروسية·
 
بمصاحبة الموسيقى وإحتساء جرعات متقطعة من الفودكا راحت أصابع خالد تتسلل بخفة نحو شعر جوزفينا· رفعته إلى أقصى حد حتى بدا له ظهر رقبتها المكسو بشعيرات سوداء ناعمة· أطبق خالد بشفتيه وأسنانه ولسانه على تلك البقعة المغرية من جسد جوزفينا ليطبع عليها شيئا هو ما بين التقبيل والمص والعض· بعدها جذب جسمها اللولبي الى أحضانه تاركا كفيه يتحسسان أردافها برفق فبدت له مكورة صلبة· قبلها في كل مكان وتوقف طويلا عند النهدين· هنا صاحت جوزفينا بعبارة فلبينية لم يفهم خالد معناه لكنه عرف من صيغة طرحها أنها سؤال·
 
-;سوسو ديب ديب مالائيط؟
 
- I don t understand!
 
- Are my boobs small?
 
أدرك خالد بذكائه أن ما يقابل النهدين في اللغة الفلبينية هو;سوسو ديب ديب فتبسم وقال لنفسه: هاهي كلمة اخرى ثقيلة على السمع لشيء جميل رائع في جسد المرأة! وأردف متسائلا: ماهو يا ترى المرادف لكلمة;المؤخرة في الفلبينية·· ربما كان شيئا مماثلا أو أثقل من حيث النطق·
 
حينما أعاد يديه مرة أخرى لتحسس خلفية جوزفينا ضغط عليها وسألها عن إسم ذلك الشيء الجميل الذي تحمله خلفها ولم تستره إلا بخيط رقيق يرقد بأمان في الشق التي يقسمه إلى قسمين فكان جوابها كما توقع: كلمة قبيحة أخرى لأكثر ما في جسد المرأة إغراء ··;بويط!!!
 
إكتفى خالد بدروس تلك الليلة وقرر أن يترك بقية أسئلته لوقت آخر وينتقل إلى مطارحة جوزفينا الغرام· سألته بلغتها:
 
- ماي كوندوم كا با (May condom ka ba?)·
 
فعرف من المفردة الثانية في العبارة أنها تسأله إن كان لديه الواقي من الحمل؟
 
فكان جوابه: نعم ·· قالها هذه المرة بلغة جوزفينا; أو أو (oo)·
 
في تلك الليلة الحمراء تعرف خالد للمرة الأولى في حياته على ممارسة الجنس مع آسيوية من الشرق الأقصى· شعر أنها مختلفة عن الأخريات وأنها تجتهد بل تبذل المستحيل من أجل إسعاد شريكها في الفراش وإشباع رغباته بالطريقة التي ترضيه· لم يكن ذلك مقتصرا على جوزفينا وإنما شائعا عند كل مواطناتها كما سيتضح له بعد حين·· إنه جزء من ثقافة وخصوصية الشرق الاقصى المختلفة!
 
في تلك الليلة أيضا فكر طويلا في مغامرته مع جوزفينا· فبقدر إستمتاعه بصحبتها وإنبهاره بجمالها وتلذذه بالنوم في أحضانها فإنه لم يرد أن يكون شريكا رسميا لها تحصي عليه أنفاسه وتستجوبه في الدخول والخروج وتقيد عشقه الأبدي للحرية والإنطلاق أو تفسد عليه مهمته بفرض حصار بحري وجوي وبري على تحركاته· كان خالد خائفا من تكرار تجربة مرة له مع صديقته الأمريكية;جانيت أثناء سنوات تعليمه العالي في دينفر بولاية كلورادو· غيرة جانيت عليه دفعتها إلى إستئجار جواسيس لمتابعة حركاته وتنقلاته وتقديم تقارير لها عنه· الخوف من غيرتها العمياء وما قد ينجم عنها من طيش والإشفاق على حالها جعلاه لا يستمتع كما يجب بمباهج الحياة الكثيرة في الولايات المتحدة·
Page 7
 في نهاية تلك الليلة وقد هده الإعياء من ممارسة الجنس المرة تلو الأخرى خرج خالد إلى شرفة غرفته تاركا جوزفينا تغط في نوم عميق· جلس على أريكة مصنوعة من البامبو وترك قدميه في حالة إسترخاء· أشعل سيجارة وبدأ في تدخينها بعمق· أطلق العنان لأفكاره في كيفية إنهاء علاقته مع جوزفينا دون أن يجرح مشاعرها· هداه تفكيره في نهاية المطاف إلى التذرع بالعمل والمهمة الكبيرة التي إنتدب من أجلها كوسيلة للهروب التدريجي منها· شعر أن تلك الذريعة هي الوحيدة التي لا تنطوي على الكذب والغش فهو سيكون بالتأكيد مشغولا طوال الوقت حينما يبدأ العمل ولن يكون بمقدوره الخروج معها كلما أرادت·
 
في اليوم الثالث له في العاصمة الفلبينية ذهب خالد لمعاينة المكان الذي سيكون مقرا لعمله· وجدها شقة رحبة رخامية الأرضية مفروشة بعناية بأثاث خشبي من الصناعة المحلية وتقع في الدور العاشر من عمارة مكونة من عشرين طابقا· كانت العمارة قريبة من مقر سكناه وتحمل إسم;صامپاقيتا التي عرف لاحقا أنها إسم الزهرة القومية للفلبين·
 
لم يكن لخالد مطالب إضافية ليطلبها من فريقه سوى تزويده بملف كامل عن لاجئي القوارب الفيتناميين وخصوصا أولئك المتواجدين على الأرض الفلبينية· كان يريد أن يقرأ أدق التفاصيل عنهم قبل أن يبدأ عمله بالإلتقاء بهم وإجراء مقابلات إنفرادية معهم للوقوف عن كثب على أحوالهم ومقترحاتهم وأمانيهم·
 
أجيب إلى طلبه في غضون يومين فقط· حيث عكف عناصر فريقه على العمل ليلا ونهارا لإعداد آلاف الصفحات المزودة بالأرقام والإحصائيات والصور الفوتوغرافية عن القضية· قال لنفسه وهو مشفق عليها لما ينتظرها من تعب في تصفح تلك الأكوام من الورق وقراءتها:;لو رأت جوزفينا هذا لصدقت بالفعل كم أنا مشغول بعملي وليس لدي متسع من الوقت للترفيه عنها مثلما حدث في أول يومين لي على الأرض الفلبينية·
 
حمل خالد رزما من تلك الأوراق إلى غرفته الفندقية وعمد إلى وضعها في كل زوايا الغرفة بقصد إشعار جوزفينا بطريقة غير مباشرة بأنه مشغول· علها بتلك الطريقة تنقطع عن زيارته وتخفف من ملاحقتها له فتموت بالتالي علاقتهما رويدا رويدا·
 
في مساء ذلك اليوم جاءته جوزفينا كالعادة وهي تمني النفس بقضاء وقت ممتع بصحبة خالد لكنها خرجت من عنده بسرعة تاركة إياه يسبح في غمار أوراقه وملفاته· عرفت جوزفينا سريعا ومن تلقاء نفسها أن صاحبها يفضل عمله عليها فتركته لشأنه من بعد مواجهة صريحة كان العتب والندم أهم محاورها·
 
من جانبه شعر خالد بإرتياح حول ما آلت اليه الأمور مع جوزفينا· خاطب نفسه قائلا:;أن تخرج من عندي الآن غاضبة أفضل من أن تخرج لاحقا وهي تشتكي من تضييع وقت ثمين من عمرها مع شريك غير جاد ولا ينوي الإرتباط بها· كان خالد ضد مبدأ الزواج وما ينطوي عليه من مسئوليات على الإطلاق فكيف بالزواج من فتاة لا قواسم ثقافية مشتركة معها كجوزفينا التي حتما لن تجيد لغته ولن تستمتع بما يعشق من الطرب العربي الأصيل ولن تتفهم طبيعة مجتمعه الخليجي ولن تتمكن من مناقشة نصوص كتاب أو رواية أو مقال معه بل قد تفشل في تربية أولاده بالطريقة التي يتمناها·
Page 8
أرزاق التيوس
 
على خلاف ما إعتقد خالد وتمنى ظلت لدى جوزفينا بارقة أمل في أن تستعيد فارسها القادم من الخليج وتقضي معه أوقاتا جميلة رغم كل الأحوال المضطربة التي كانت تعيشها الفلبين في ظل الأحكام العرفية ولا سيما بعيد إغتيال المعارض السياسي الكبير;بنينو أكينو فور وصوله الى مطار مانيلا من منفاه الاختياري في الولايات المتحدة في23 أغسطس 1983·
 
كانت كلما مرت بفندقه سارعت إلى الإتصال بغرفته من الهاتف المثبت في مكتب الإستقبال وهي تمني النفس بألا يكون خالد مشغولا أو غارقا في عمله كي تسعد برؤيته فحسب· في معظم الأحيان كان خالد يتهرب منها بحجج مختلفة لكنه في أحايين قليلة كان يشفق عليها ويجاملها فيطلب منها إنتظاره في بهو الفندق أو في الحانة التي شهدت لقاءهما الأول لإحتساء بعض المشروبات·
 
ذات مرة وهما على تلك الحالة لمحمها من بعيد شخص بدا لخالد أنه من معارفه القدامى· ولم تمض ثوان إلا والشخص نفسه يقطع بهو الفندق بخفة ويتجه إليه فاتحا ذراعيه لإحتضانه مع عبارات عربية بصوت مرتفع:
 
- هل تتذكرني؟ أنا سعد! كنا زملاء في جامعة دنفر!
 
- طبعا ·· طبعا ·· أتذكرك رغم أنك تغيرت كثيرا!
 
- قل لي الآن ماذا تفعل هنا؟ سياحة أم عمل؟
 
- عمل·
 
- إذا فأنا أسعد حالا منك لأني في إجازة إجازاتي أقضيها دائما في هذه البلاد الجميلة!
 
( قالها رغم أن خالد لم يسأله عن سبب وجوده في الفلبين كيلا يطول حديثه مع هذا الرجل الذي كان ضمن معارفه الكثر لكنه لم يكن يوما من أصدقائه المقربين بسبب ثقل دمه وطبيعته في دس أنفه في ما لا يعنيه وتطفله على موائد الآخرين)·
 
كما توقع خالد لم يكن التخلص من سعد أمرا سهلا خصوصا في ظل وجود جوزفينا الجميلة·
 
واصل سعد حديثه قائلا:
 
- ألا تعرفني بهذه;البدرة (11) التي معك؟
Page 9
- هذه جوزفينا من الفلبين· وهذا سعد من الخليج!
 
- بمناسبة هذه الصحبة الجميلة أنتم مدعوون الليلة لتناول طعام العشاء على مائدتي!
 
( لم ينتظر سعد الإجابة رغم محاولة خالد إبداء التذمر وإقناعه بإرتباطه بأعمال كثيرة في تلك الليلة· وجه سعد سهام عينيه نحو جوزفينا مستعطفا إياها بقبول الدعوة وإقناع خالد بالموافقة ومذكرا إياهما أنه سوف يحجز على الفور طاولة لأربعة أشخاص في التاسعة مساء في مطعم كشمير الهندي)·
 
- قال خالد لنفسه:;هذا سعد تغير شكلا فقط! لكن طباعه لا تزال كما كانت· يقرر نيابة عن غيره· يفرض على الآخرين ما قد لا يريدونه· يصعب التخلص منه بأي عذر· وفوق ذلك يرى أنه أحق بما في يد غيره
 
- إستسلم خالد لقرارات سعد الذي لا يصدق فيه سوى وصف;الغلس بتعبير المصريين وهو يعرف أن كل ما ظهر على وجهه من علامات السعادة وكل ما تلفظ به من كلمات المودة إضافة إلى دعوة العشاء لم تكن من أجل سواد عينيه وانما من أجل سواد عيني جوزفينا· بدا ذلك لخالد واضحا من خلال نظرات سعد الخبيثة وإبتساماته المتوارية لجوزفينا· بل أن خالدا توقع مسبقا ما سيحصل اثناء وبعد عشاء تلك الليلة من محاولات مستميتة من جانب سعد للظفر بجوزفينا·
 
بقدر ما كان خالد غير راغب في إستمرار علاقته بجوزفينا فإنه رأى ألا يدع سعد يظفر بها· لقد أصبح الأمر الآن بمثابة معركة تحد!
 
في مطعم كشمير الذي تذكر أجواؤه وديكوراته المرء بفخامة قصور المهراجات الهنود ومآدبهم اللذيذة المزركشة بكل ما لذ وطاب لم يترك سعد فرصة لضيفيه كي يختارا ما يريدان· تولى هو بوقاحة الإدعاء بأنه يعرف الألذ والأشهى في قائمة الطعام بل لم يترك حتى المجال لخالد أن يطلب بيرة;كينغ فيشر الهندية المفضلة لديه·
 
أثناء العشاء كاد خالد أن يتقيأ من ثرثرة سعد المستمرة حول نفسه وثروته ووظيفته الرسمية في الدولة ورحلاته حول العالم ومغامراته وطريقته في إختار ملابسه وعطوراته حتى بدا وكأنه حديث نعمة· زادت حالة خالد سوءا حينما نهضت جوزفينا للذهاب إلى دورة المياه فإختلق سعد عذرا لترك الطاولة واللحاق بها· عرف خالد أن سعد سيتبعها ثم ينتظرها عند باب دورة المياه ليدس في يدها رقم هاتفه أو يطلب رقم هاتفها عند خروجها· كان ذلك أسلوبه المعتاد في سنوات الدراسة في الولايات المتحدة وقتما يريد إختطاف صديقة زميل له أعجبته·
 
حالما إنتهى الجميع من العشاء الثقيل زاده سعد ثقلا بإقتراحه العودة إلى الفندق لإحتساء بعض المشروبات في حانة;تاپ روم أو الذهاب إلى حانات أخرى في فنادق الخمس نجوم مثل فندقي;سيلاهيس أو;فلبين بلازا
 
من بعد نقاش وجدال لم يترك فيه سعد لغيره الكلمة الفصل كعادته قرر خالد العودة إلى مقر سكنه عارضا على جوزفينا توصيلها إلى منزلها الواقع على خط سيره·
 
بمجرد وصول خالد إلى غرفته وقبل أن يخلع ملابسه كان جرس الهاتف يرن· سارع إلى التقاط السماعة· كان الصوت على الطرف الآخر هو صوت جوزفينا· لما سألها عن سبب الإتصال في تلك الساعة المتأخرة شكت له أن سعد حصل منها على رقم هاتفها وبدأ على الفور مسلسل إتصالاته ومعاكساته وإلحاحه بضرورة الالتقاء مجددا في الليلة نفسها·
Page 10
كان هذا مطابقا لما توقعه خالد· لكن ماذا عساه يفعل وهو السبب في معرفة سعد بصديقته؟ ثم حتى لو أنقذها من ثقيل الظل هذا في تلك الليلة فما يضمن عدم ملاحقته إياها في الغد وبعد الغد؟
 
فكر خالد سريعا في كيفية الخروج منتصرا من هذه المعركة· فكر أولا في حل وقتي لمشكلة تلك الليلة· قاده تفكيره إلى الذهاب مباشرة إلى مكان إقامة جوزفينا لإصطحابها إلى فندقه· في اليوم الثاني طلب من صديقته أن تغير رقم هاتفها إن لم تكن راغبة في المزيد من الإزعاج من قبل من كان هو سببا في تعارفهما· قال لها:;أنا مستعد لدفع تكاليف العملية كلها بل وأيضا إستخدام ما تتيحه لي وظيفتي من;واسطة لدى الجهات الرسمية لإتمام ذلك سريعا طلب منها أيضا أن تكف عن المجيء إلى فندق مانيلا إلى حين إنتهاء إجازة سعد ومغادرته الأراضي الفلبينية· وافقت جوزفينا على الفور معتقدة أن ذلك دليل إهتمام متجدد بها من قبل خالد!
 
لم يترك سعد الأمور تمضي كما خطط لها خالد· هو الآخر إعتبر الأمر معركة تحد بينه وبين خالد· في أحد الايام إستوقفه في بهو الفندق ليسأله بوقاحة عن جوزفينا·
 
- أين;البدرة جوزفينا؟ أين أخفيتها؟ هل أنت وراء تغيير رقم هاتفها؟
 
- ماذا تريد منها؟ لماذا لا تتركها وشأنها؟
 
- صج (12) إنك أناني وما تحب الخير لغيرك! أنت لست جادا في علاقتك! فلماذا لا تتركها للجادين؟
 
- ماذا تقصد بهذا الكلام؟
 
- أقصد اني عقدت العزم على الزواج منها؟
 
- لكنك متزوج على حد علمي!
 
- نعم! لكن ما المانع من الإقتران بواحدة أخرى أكثر جمالا ودلالا من;جاموستي الخليجية؟ ·· الشرع حلل لنا أربع نساء! ( الشرع ·· الشرع ·· هذا جوابهم كلما واجهتهم بتخلف نظرتهم إلى النساء أو كشفت النقاب عن شبقهم الجنسي اللامحدود)
 
- الشرع يشترط يا أستاذ يا متعلم أن تعدل! فهل تقدر على ذلك وأنت تصف زوجتك الخليجية المسكينة منذ الآن بالجاموسة؟ طيب على إفتراض أنك جاد وتريد الزواج من جوزفينا هل أخذت رأيها؟ أم أن رأيها لا قيمة له؟ ثم كيف تتزوج فتاة خرجت ونامت مع صديقك الذي هو أنا؟
 
- ياسيدي أترك لك مسألة إقناعها بالزواج مني قليل من بهاراتك الطيبة ستجعلها تقبل خصوصا حينما تخبرها أنها سوف تعيش في بلدي داخل قصر ووسط خدم وحشم بدلا من حياتها البائسة هنا· أما موضوع خروجك ونومها معك فلا يشغلني كثيرا! سأتعامل مع الأمر كما لو أني تزوجت إمرأة مطلقة!