eKtab
EN ع
بروج وأسماء
Read free sample

بروج وأسماء

by د. أمجد نواس

Page 1
إلى أسماء و أوصاف جميع نساء الكون
 
 
 
مـيــــزان ... الـــجـــدات الخـــامــــلات... عبيـر مـريــم
 
حــــــــوت ... المضطهدات المثالـيـات... رجــاء أسـيـــل
 
حـــمـــــل ... الأمــــهـــات المســـــؤولات... شهـــــرة مــهـــا
 
ثـــــــــــــور ... المنـاضــلات الساحـرات... إزدهــار رامــــة
 
أســـــــــــد ... الـــزوجــات المتسلــطات... إلهــــــام شـهـلا
 
عـــــذراء ... الـقانطات المتــطرفـــات... أسـمى ميرفت
 
جـــــــدي ... الأخـــوات الصريحــــات... أمـــل مـيســـــم
 
قــــــــوس ... المتمــــردات الوسطيـات... هنــــاء بديـــعة
 
دلــــــــــــــو ... الحبـيبــــات المساعـدات... جــــهاد زاهيــة
 
عـقــــرب ... القــــابـــلات الممـــتعــــات... مـــــنـال ليــنـــــا
 
جـــــوزاء ... العشيـقات المحافظـات... حــنــان نانـسي
 
ســرطان ... الرافضـــات المزاجيــــات... أنــــعـــام رابــعــة
 
حـقيـقة ... الشاهــدات القاضيــات... أشــــواق رنــــدة
 
أنحني إحتراماً أمامكن
Page 2
إستنهاض
 
لا تعتذري و لا تقدمي أعذاراً... لأن وجدانك عبق بخور برائحة الحرية
 
مملوك بصك شرعي لثقافة حكيم.
 
لا تعتذري لجهل غادرك... لأن ألحانك تضيء قمر رحلتك القصيرة
 
ريشة تعزف سلاحاً لمحاربة الظلام.
 
لا تعتذري لحب تمسكت به...لأن سحرك شعاع يرتديه الأديب درعاً يعزف به الموسيقى وينظم سطور الحياة.
 
لا تعتذري إن جاهرتي بالحقيقة... لأن آهاتك أنين يقاوم القهر والظلم
 
ولوحاتك بين السطور في صفحات الساحر.
 
لا تعتذري إن قاومت بالوعي... ثالوث الجنس والدين والسياسة المحرم
 
بل اعتذري إن بقيت في الظلام ولم تشعلي تلك الشمعة.
 
المؤلف
Page 3
أجرام الفلك
 
تركت لي رسالة صوتية مسجلة على آلـة الإستقبال الآلي المثبتة في جهاز هاتفي الثابت، إستمعت اليها بعد عودتي من السفر، كان صوتها هادئاً جداً ومختلفاً عن عادتها، قالت فيها أوصاف حالتها حرفياً:
 
"أنا مش زعلانة ومش مبسوطة... لكني أكره نفسي وأحياناً بحبها... بكره عمري بيصير ستين سنة .. مش قادرة أتحمل... إنتَ الوحيد في الكون اللي بيعرف كل شيء عني... بدك تنشر كل شيء حكيته.... أنشر... أنا موافقة... لكن إلتزم بشرطي الوحيد" .
 
لون داكن في لوحة الحياة يبزغ منه شعاع يعطي أملاً... هذا ما شعرت به للوهلة الأولى بعد سماعي التسجيل، بدت لي كأنها تعاني من نقص هرمون السيروتونين المسؤول عن السعادة لدى البشر، فالهدوء غير المعهود في صوتها والقرار المفاجيء بالموافقة على النشر بعد تعنت ورفض متكرر رغم أنه مازال لدي بعض التساؤلات، وعدم الإتصال بي لفترة طويلة جعلني قلقاً بعض الشيء عليها.
 
أصابتني هواجس مقلقة عندما أعطتني حق نشر حكايتها التي لم تكتبها بل روتها لي في أحاديثنا الطويلة المؤلمة في جوهرها، الشيقة في شكلها، المتعددة في قضاياها، الساكنة حيناً والغاضبة أحياناً.
 
دخلت النفق دون أفق، هائماً في ظلام كريشة طائر في هبوب الرياح. فرحاً بعد أن كنت مرتبك الشعور خوفاً من ضياع مجهود عملي الذي قمت به لفترة طويلة من الزمن، وكي لا يندثر كل ما عانته من تجارب منوعة ومختلفة، الحب المستحيل، الزواج الحارق، العشق اللاهب، والطلاق الصامت.
 
داعبت عقلي الأجرام.. نجوم وشموس.. كواكب وأقمار.. أسماء وأوصاف.. محطات ومواقف تبحث فيها عن حياة أحلى.. قررت حينها النشر بطريقة مختلفة عما سبق، تكون الشخوص والمراحل والعلاقات فيها حسب البروج التي ينتمون اليها.
Page 4
دائـرة البـــروج
 
خريطة الطريق
 
بدأت حياتها بسماع ما تحكيه النساء اللاتي عشن من حولها، تتراقص في مخيلتها أحلام وأماني، لا تعرف أياً منهن الصادقة وأياهن الكاذبة!! أحاديث تافهة متعددة... من تقابل من؟ من تعاني من ماذا؟ كيف إلتقت فلانة بفلان؟ لماذا ضُربت فلانة من زوجها؟ وماذا أبكى من؟... كل ما كانت تطمح اليه في تلك الآونة أن تتحدث مثلهن أو تشاركهن الحديث سواءً بما تعرف أو بما يمكنها أن تختلقه.
 
تسير مسافات طويلة خلف الغموض، تتنقل في تلك المرحلة بين ثرثرات النساء وأحلام الفتيات، تشارك زميلاتها في المدرسة ولاحقاً في الكلية تلك الأحلام، تبدل أحلامها بخيالها إن سمعت حلماً أفضل مما تملك من إحدى زميلاتها، تتبنى ذلك الحلم كأنه لها أو على الأقل يناسب مواصفاتها .
 
يتألق من محياها نور القمر، لم يكن الذكر أو الجنس الآخر غائباً عن أحلامها، تشعر بالحاجة اليه دوماً, تتمرد أحياناً على ذاتها وتُشعر نفسها بشكل أو بآخر بأنه يمكنها الإستغناء عنه، فيبدو ما رأته نوراً سراب.
 
نسيم رقيق يداعب أوراق الشجر، تتساءل ما فائدة الرجال إن كانت قادرة على أن تتعلم وتعمل؟! ستصبح مستقلة اقتصادياً ويمكنها الإستغناء عنهم، فالرجال تسبب للنساء الحمل والخضوع وكلاهما مؤلم.. ألم الجسد وألم الروح، تفرغ من أرحامهن مواليد تلحق بنسبهم ولا تلحق بنسبهن.
 
إن تزوجت أحدهم ستصبح عبدة مطيعة له، تغسل ثيابه، تنظف بيته، تطبخ من أجل سعادته، وتسمع منه ما لا يليق من كلام إن قصرت في أدائها، قد يطردها من بيته عند حدوث أول مشكلة ويعيدها إلى بيت أهلها كأنها سلعة مستردة. مفترسون في وجه بديع، بعضهم يصدر الأوامر وبعضهم يضرب ويهجر.
 
سادت تلك الأفكار في مخيلتها خلال فترة الدراسة الثانوية، السبب الأكبر لذلك هو غيابه، فلم تعرف ذكراً في تلك الفتره باستثناء أبناء الجيران والأقرباء التي لم يستطع فيها أحد منهم أن ينال حتى الحد الأدنى من رغبتها في حبه أو إعجابها به، و لديها لكل واحد منهم الأسباب المبررة، الدوافع المختلفة، النقائض المجتمعة، والحجج الكافية لدحضهم بعيداً عن تملك أي جزء من عقلها أو قلبها.
Page 5
إقتصرت نشاطات مدرستها المنهجية في تلك الفترة على برامج تعنى في أمور النظافة، إعداد الطعام، والأشغال اليدوية.
 
إختارت إحدى الوجبات من أحد كتب الطبخ المتوفرة بكثرة في مدرستها كي تتعلمها وتتقنها، الجميع يهتم بأن تصبح ست بيت "لهلوبة" على عكس رغبتها.
 
تصنع في مخابر الدهر حكايتها، متوسطة القدرات الدراسية في جميع المواد، لا تبرع أو تتميز في أي مادة معينة، أما الهوايات فلم تستطع أن تبلور إحداهن، طورا تقرأ قصص الغرام أو بعض الكتب التي كان يزودها بها ابن عمها سميح فتعتبر أن هوايتها القراءة، أحياناً تساعد والدتها أم نادر في أعمال المطبخ، تحضر وجبة "بوليه تشاباتوليس" التي حفظت مكوناتها وطريقة التحضير بشكل كامل ودقيق، تتفاجأ عندما يعبّر جميع من يتناولها عن إعجابهم، فتشعر بأن هوايتها الطبخ، تارة تمارس بعض الألعاب الرياضية مع زميلاتها فيتهيأ لها أنها رياضية رغم رشاقتها.
 
ترسم بحبر الطيف دربها، تكبح في مهارات الحياة هوايتها، تعشق ما تعتقده صالحاً في أعماقها، وتبحث عما يكمل نقائصها، رغم محاولاتها المتعددة بوصف بعض التصرفات أو النتائج لبعض الأعمال التى تدعي بأنها هواية لها، إلا أني اكتشفت هوايتها، لا أعرف إن كان بمقدوري تصنيفها ضمن الهوايات الإنسانية!! لكنها كانت بارعة، بل مميزه في ذلك، حتى أني عرفت منها كثيراً من المعلومات في ذلك الشأن، أما كيفية تعلقها بهذه الهواية فهي حادثة طريفة كان السبب فيها الأستاذ نائل.
 
هواية "أسماء" بل عشقها وشغفها واهتمامها هو الفلك، ليس لهذا علاقة بأحوال الكواكب والظواهر الفلكية بل بالتنجيم، لم تكن محترفة بل هاوية ومؤمنة بما تهوى، فعندما تعرف شخصاً ما يكون اهتمامها في اللقاء الأول معه هو كيف تعرف برجه ؟؟ لم أكن مهتماً بتلك الهواية بل كنت مهتماً بما قرأته من كتب وأثار لديها تساؤلات؟!
 
تعتقد "أسماء" أن للتنجيم فوائد عديدة أقلها قدرته على مساعدتنا في فهم أنفسنا وغيرنا على حد سواء، مقتنعة تماماً أنه اذا توفرت لديها معلومات بأنها على أبواب أيام أو أسابيع سيبتسم الحظ فيها لها، فأنها تستعمل كل ما في وسعها لإستثمار تلك الظروف إلى أقصى حد ممكن بدفع خططها ومشروعاتها لتأخذ نصيبها من النجاح.
 
تؤمن بأن الحياة مقدّرة ونحن فيها مسيرون، حياتنا تجري وفقاً لدورات من خير أو بما فيها من سوء، وتشعر أنه بالإستعانة بالتنجيم يمكننا تعظيم الإستفادة من بعض الفرص المهيأة أو خفض الاحتمالات غير المرغوبة إلى الحد الأدنى.
Page 6
تشعر "أسماء" بالراحة عندما تعرف برج أحد ما عند التعرف عليه، يساعدها ذلك على معرفة أوجه الصداقة، العمل، العاطفة، نواحي ضعفها وقوتها، وكذلك نواحي ضعف الآخرين و أوجه قوتهم، لا يجيب البعض على سؤالها، آخرون لا يهتمون بذلك فيجيبوا بأنهم لا يعرفون، أما الغالبية فكانت تتجاوب معها.
 
تغطس الكائنات في شجن عميق تصاب بنشوة و فرح شديد إن أجاب أحدهم أو إحداهن على سؤالها عن برجه، تدلي له بمعلومات كاملة في وصف شخصيته، أحياناً تحدد موقفاً منه، فهى تملك تقنية الترميز والتنبؤ عبر استخدام الدلالات الفلكية وحركة الكواكب لتحليل سلوك الفرد ومواصفاته الشخصية وخصائص علاقاته مع الآخرين حتى مصيره.
 
كانت الأبواب موصدة، الأفكار مشتتة، إختلفنا في بداية تعارفنا حول مفهوم الفلك والتنجيم والبروج واتفقنا بعد جدال طويل على أن للنجوم تأثيرات على العالم الأرضي لكنها لا تتحكم بمصيرنا ويمكن استخدامها كدليل للشخصية على وجه الخصوص، بدأ إهتمام "أسماء" بتلك الهواية كتسلية في بداية الأمر، تطورت إلى مطالعة الصحف والمجلات ثم قراءة كتب متعددة حولها.
 
تلك هوايتها الأولى، أما هوايتها الثانية فكانت معاني الأسماء، عرفت ذلك عندما سألتني عن معنى اسمها، لم تنتظر الرد بل أكملت إنه "السمو واللفظ الموضوع على الجوهر".
 
تبوح لي بأشياء غريبة، لن أنكر أبداً أني استفدت معلومة هامة من "أسماء" حول دائرة البروج وهو الخط الذي نرى فيه الشمس تسير في السماء، ترتفع هذه الدائرة وتهبط مع الفصول، تتقاطع مع خط الإستواء الفلكي في نقطتين هما نقطة الاعتدال الربيعي الموجودة في برج الحوت وهو برج "أسماء" ونقطة الاعتدال الخريفي الموجودة في برج العذراء الذي تنتمي اليه شقيقتها ميسم الأصغر منها سناً، أبلغتني أن البروج أربعة أنواع، نارية، ترابية، هوائية ومائية حيث تنتمي.
 
لم تنسى أن تؤكد أن جميع الكواكب تسير حول الشمس في دائرة البروج، لكل برج أسطورة وكوكب يؤثر فيه إبتداءً من القمر مروراً بالزهرة والمريخ وعطارد والمشتري وزحل وانتهاءاً بالشمس، أن السنة الفلكية تبدأ في برج الحمل مع أول أيام الربيع في الحادي والعشرين من آذار من كل عام، وتنتهي في العشرين من آذار في آخر أيام الخريف، في برج الحوت آخر البروج في الترتيب حيث تكمل الشمس دورتها.
 
تساقطت أوراق ورد من السماء حمراء على أرض حديقة المنزل فلامست الغبار، تغيرت الأشياء، إختلطت وإبتدأت الرحلة.
 
سوف أكشف من البداية أوصاف "أسماء" بالكامل فهي "أوصاف" عاطفية، حالمة، خدومة، ومتقلبة، "أوصاف" تحب الحياة، تعشق الحرية، تملك أسمى معاني الإنسانية، طير يزهو بألوان الحياة الجميلة، ينفض عن ريشه الغبار وحبات الندى، يرفض الأسر فيحلق عالياً في الفضاء بحثاً عن "أوصاف" الحرية والحقيقة التي كانت محور اهتمام "أسماء".
 
تشدو لحن الحقيقة، تعزف موسيقاها في بساتين المعرفة، تشكل قناعاتها، تقبل بمن يختلف عنها ومعها، بدأت رحلتها سريعة كالغزال في الاتجاه الخاطيء ثم أكملتها كالسلحفاة بطيئة في الاتجاه الصحيح.
Page 7
التحقت "أسماء" بكلية جامعية متوسطة في مدينة عمان حيث تقيم لمتابعة دراستها بناءً على رغبة القائد الوالد الراغب في أن تكمل تعليمها بعد أن منعت الظروف إبنه البكر نادر من مواصلة تعليمه.. لا تعلم لماذا تبنى ذلك الموقف؟! بدلاً من أن يوفر نقوده التي يصرفها على تعليمها المكلف ويستمتع بحياته القصيرة التي لم يخرج فيها من حدود بلاده حتى أنه لم يجدد جواز سفره إلا مرة واحدة لأنه أدرك أنه لن يستخدمه أبداً.

لم تكن لديها رغبة في دراسة مادة معينة، وافقت فوراً على دراسة المحاسبة بناء على ترشيح والدها للمادة، المهم بالنسبة لها كان الخروج إلى الكلية والبحث عن أهم شيء مفقود في حياتها وتحلم به دائماً، الحب الذي تسعى للحصول عليه لارضاء ذاتها التي تعشق الحياة وتبحث عن الحرية.

اكتسبت قبل أن تلتحق بالكلية صديقتين من بنات صفها الدراسي هما أمل و رامة اللتان مازالتا على إتصال بها بعد النجاح في الثانوية وتذكر كيف كن يتزاورن، يلعبن سوياً ويرقصن على أنغام الحياة التي كن يحلمن بها، تزوجت أمل من صدّام "شقيق أسماء"، فيما إلتحقت رامة بالجامعة لدراسة الطب.

أنهى طائر النورس فطام أمه، إبتدأ رحلة الصيد، أصبح رمزاً للحرية، إرتفع إلى كبد السماء رأى أوسع مسطح للماء، نظر في الأعماق، متلهفاً يبحث عن فريسة يحقق فيها إنتصاره، نظرت منذ اليوم الأول لها في تلك الكلية بعيونها اللاقطة مثل ذلك الطائر إلى جميع زملائها نظرة فاحصة فيها روح الإستعداد لشم رائحة الفريسة التى ستضعها على شوائها لتستمتع بذلك الشواء قبل التهامه.

جلست في الزاوية العليا اليمنى، إختارت أقصى المقاعد الخلفية في قاعة المحاضرات، نظرت وراقبت الجميع فرداً فرداً، ركزت تلك النظرات على الذكور منهم، ثم كررت ذلك في ساحة الكلية حين جلست للمراقبة في أبعد زاوية مرتفعة من المدرج العام، ذلك المدرج المشرف على المبنى ومن يتواجد من حوله.

أزاحت من أعماقها الظلمة ونظرت في عيون الجميع، فالعيون مرآة فيها من النقاء والصفاء ما يمكّنها من الإستشعار بأسرار الشخصية التي تبحث عنها، تحدق بهما كما يفعل الطبيب الباحث عن علامات المرض أو المحقق الباحث عن الحقيقة.

إستبعدت أصحاب العيون المدورة لأن طباعهم حادة، وأصحاب العيون الغائرة فرغم الارادة التي يملكون فإنهم يميلون للحزن، وأصحاب العيون المنغولية لأن طباعهم شرسة، كذلك أصحاب العيون المتهدلة لأن طبعهم حزين وأصحاب العيون المتقاربة التي تدل على توتر الأعصاب، وأخيراً إستبعدت أصحاب العيون الجاحظة الدالة على القسوة.

إشتعلت في أعماقها أنوار الحكمة، رشحت "أسماء" من مراقبة اليوم الأول ثلاثة ذكور، شعرت بهم ضمن خيالها العام الذي نسجته بطريقتها الخاصة، قررت أن أحدهم سيكون الحب الذي ترسمه في ذهنها، تبحث عنه في فراشها، ستصيده بشوكتها وتشرب من كأسه جرعات حنانه كي تتحرر من قيود الأهل وقائمة الممنوعات الطويلة التي فرضتها شروط الإنتماء إلى العائلة، ستصبح حرة مستقلة تفجر كبتها القاتل لإنسانيتها.
Page 8
تعرفت في ذلك اليوم على أربع فتيات ممن كن في مدرستها الثانوية وسيرافقونها رحلتها في نفس الكلية، ابتدأت زمالتها معهن وبعد عدة أيام أصبحن كشلة يجلسن، يتجمعن، ويتسامرن سوياً، اصطلح عليها لاحقاً من قبل الجميع " شلة ألف ".
 
إرتاحت "أسماء" لإسم تلك الشلة فهي تعطيها شعوراً بالتمايز فألف أول الحروف مما يعني أنهن الأفضل والأجمل والأذكى أي نخبة الكلية، إلا أن الواقع كان غير ذلك، ففي الكلية هناك من هن أجمل منهن، وأذكى منهن، بل وأفضل منهن، أما سبب تسميتهن بذلك هو أن الصدفة الأولى التي جمعتهن تكررت بصدفة ثانية حين كانت أسماء جميعهن تبدأ بحرف الألف.
 
أشواق، إلهام، إزدهار، أسيل، كلهن أعضاء في "شلة ألف" مع "أسماء" يجمعهن حرف الألف والكلية ويفرقهن خصائص ورغبات ومواصفات مختلفة لكل واحدة منهن.
 
رغم إنخراطها في تلك الشلة لم تنسى ما قامت به في اليوم الأول، محاولة البحث عن فارس من أولئك الذكور الذين رشحتهم في ذهنها ليكون أحدهم حبيباً لها حتى لو كلف الأمر خروجها من تلك الشلة.
 
لم يكن ينقصها الجرأة في الكلام، تحدثت في منتصف الأسبوع الأول من إنتظامها في الكلية مع أحدهم حين إستوقفته في ساحة الكلية، سألته إن كان يعرف شقيقها صدّام كونها تعتقد أنها شاهدته مع أصدقاء آخرين له، نفى أدهم معرفته به ثم دار بينهما حديث عرفت من خلاله كل ما تريد.
 
كان أدهم وحيداً بين أخواته الإناث الثلاثة، يسكن في منطقة تدل على أن أهله متوسطي الدخل، والده يعمل سائقاً لحافلة كبيرة وهو من برج الجدي، أما من حيث الشكل فقد كان وسيماً عيناه كبيرتان واسعتان بنيتا اللون تدل على أنه ذو طبع حالم، صريح ومحب للترف ، شعره كستنائي، متوسط القامة، وإن كان يدرس في قسم العلاقات العامة فهذا لا يهم بالنسبة لها الأهم أنه صيد قد يصبح ثميناً بنظرها... لم تقرر بشأنه فوراً أي قرار بل فضلت الإنتظار حتى تعرف ماهية الذكرين الباقيين التي كانت قد حددتهما سابقاً.
 
تحدثت في نهاية الأسبوع الأول مع الفريسة الثانية، بعد أن عرفت مسبقاً أن إسمه وديع، إتجهت نحوه حين كان مغادراً الكلية إلى أن أصبحت على مقربة منه، نظرت إليه بابتسامة متواضعة، سألته عن الوقت، أجابها بعد أن نظر إلى ساعته بدقة إلى التوقيت، ثم قذفته بالأسئلة المتتالية التي لم توفر فيها إلا رغبتها في معرفة كل شي عنه.
 
عرفت من ذلك الحديث أن له ستة إخوة من الجنسين، يسكن في محافظة أخرى، والده يعمل صحفياً في إحدى الصحف اليومية وهو من برج الجوزاء، يمتاز بطوله وعضلاته المنتفخة، بشرته المائلة إلى السمرة، شعره الأسود، وعيناه السمراوان المتباعدتان اللتان تنمان عن ذاكرة قوية وتتمتعان بالتفاؤل.
Page 9
أما الفريسة الثالثة فكان الإنقضاض عليها مؤجلاً إلى بداية الأسبوع الثاني، أعدت الشباك اللازمة لاصطياده، ذهبت مبكرة إلى قاعة المحاضرات كي تجلس في المقعد الذي كان يحب أن يجلس عليه في الصف الأمامي الأول من القاعة، إنتظرت إلى أن دخل لحظة بدء المحاضرة ثم جلس إلى جانبها دون أن يكترث بها، لم يلتفت إليها ولم يلقِ عليها تحية الصباح.
 
بدأ منذ لحظة جلوسه يتصفح كتابه، يقرأ ما كان قد دوّن على هوامشه من ملاحظات وأسئلة تخص المحاضرة التي لم تكن تعرف حول ماذا كان موضوعها؟! بقيت طيلة المدة المخصصة للمحاضرة تراقب خطه الجميل وهو يكتب، تنظر إلى أظافره المقلمة، تشم رائحة عطره، تتنسمه في أعماق أنفاسها ولا تزفره.
 
أزاحت من أعماقها الظلمة، أحست عندها بشيء غامض نبت في داخلها، تسارع جريانه داخل الأنابيب المتشابكة في أعماقها وأدى إلى إزدياد خفقان قلبها، أدارت وجهها نحوه، إختلست النظر إلى تصفيف شعره الأسود المائل إلى البني وإلى عيونه الصغيرة فصاحبها لابد أن يكون ذو حساسية مرهفة وذكي، ثم تمعنت في هندامه المكوي بدقة متناهية.
 
كانت تفكر طيلة الوقت باسمه وتشعر بروحه تنسل إلى مسامات جسدها إلى أن إنتهت المحاضرة، بدأ الجميع يهم بالخروج، لم تدعه يفلت بسهولة، بادرت كعادتها بسؤاله عن اسمه فقال لها بعد أن نظر اليها لأول مرة بأن اسمه فواز، قالت له فوراً اسمها ثم أمطرت عليه سيلها المعتاد من الاسئلة بطريقتها الخاصة وهي تسير إلى جانبه بإتجاه ساحة الكلية حتى عرفت منه كل ما تريد، له أخ واحد دون أي أخوات، والده صاحب شركة كبرى ووالدته مديرة لفرع أحد المصارف المعروفة، يسكن في إحدى المناطق الراقية وينتمي إلى برج الأسد.
 
قررت "أسماء" فوراً بعد أن شعرت به إختياره لأن يكون فارس خيالها في أحلامها، فقبل هذا اليوم لم تكن معالم وجه ذلك الفارس واضحة بل كانت ترى أدواته من فرس وسيف، أما من الآن وصاعداً سوف تراه بكامل ملامحه وبالألوان، سيصبح حلمها دافئاً ناعماً كحبات المطر في أول الخريف.
 
جسد يكتنفه الضياع، قررت إرتكاب معصية التورط بالحب، أجبرته في اليوم التالي على إلقاء تحية الصباح عندما جلس إلى جانبها في مقعده المعهود حين كانت تنتظره وكأنها تحجز المكان له، لم يختلف ذلك اليوم عن سابقه إلا أنها كانت تكتب وتتابع المحاضرة كما يفعل فارسها، ثم فرضت نفسها عليه حين أصبحت تجلس يومياً إلى جانبه، تسير معه إلى الساحة ولا يفصلهما عن لقاء بعضهما إلا موعد إلتقاء "الشلة" المعهود في فترة منتصف اليوم وقبل المغادرة ببعض الوقت.
Page 10
كان يوم الخميس من أسعد الأيام في تلك الفترة، تقضيه مع صديقاتها وتعود متأخرة إلى البيت لأن شقيقها نادر لا يحضر ذلك اليوم لإصطحابها بسبب إنشغاله في أعمال أخرى بينما يحضر باقي أيام الأسبوع بإنتظام وتعود معه في سيارته، لم تجرؤ على إبلاغه بعدم رغبتها في إصطحابها للبيت يومياً، فقد كان يعمل في التجارة ويعود للبيت في نفس الوقت الذي تنتهي دروسها ويحين موعد مغادرتها.
 
طالب متفوق، إهتمامه الأول دراسته ولا يهتم كثيراً بغير ذلك من الأمور. رغم ثراء أسرته إلا أن فواز كان يشعر بأهمية العلم في حياته، كما أنه وبعكس كافة زملائه لا يحب القهوة والشاي والمشروبات الغازية بل يفضل فقط العصير الطبيعي غير المتوفر في مقصف الكلية الذي كان يتجمع فيه الجميع بمن فيهم "أسماء"، بالإضافة إلى أنه لا يتناول الساندويشات في الكلية ويكتفي ببعض حبات البسكويت التي يحضرها معه، لا يدخل المقصف إلا في حالات نادره حين يحتاج إلى شراء قارورة ماء وبعضاً من الحاجيات الأساسية التي تلزمه دون أن يجلس هناك، وإن جلس فلا تطول جلسته، يستقل سيارة والده التي تكون بإنتظاره مع سائقها بعد إنتهاء المحاضرات، فلا يتأخر بعد الدوام.
 
لاحظت "أسماء" أن طالبتين من الكلية كانتا مهتمتين بفواز، الأولى من "شلة ألف" وهي أسيل المتدينة والمحافظة، أما الثانية فكانت رندة التي كانت تعتبر من أثرى الفتيات، فهي الوحيدة التي كانت تملك سيارة فاخرة صنعت في نفس العام تفوق برفاهيتها جميع من يملكون سيارات في الكلية بمن فيهم مديرها العام، ورغم أنها متواضعة في علاقتها مع الجميع إلا أن الجميع كانوا يحسّون بالفارق الطبقي الواضح حتى في هندامها وعطرها.
 
أثارت هاتان الشاباتان الغيرة عند "أسماء" التي لم تكن تعرفها سابقاً إلا قليلاً. وإن كانت تغار من شيء فقد كان من أشياء تافهة، أما الآن فقد إختلف الحال فالغيرة ليست من أشياء تافهة، بل من فرصة العمر الثمينة، الحب المؤكد من جانبها لفواز.
 
وشاح لم تلوثه غيرة إلا من أولئك الجوارح اللواتي يحاولن اقتناصه بجمالهن أو جاذبيتهن، فقررت أن تتصدى لهما حتى بأظافرها ووضعها في عيونهن كي تصبن بغشاوة من نوع خاص يستطعن من خلالها رؤية كل شيء إلا فواز، فهو وسادتها التي كانت تحضنها في نومها، هو الوحيد شبحاً دائماً في فراشها، ومصدر سعادتها ونشوتها.
 
لم تطل مدة غيرتها، التحقت رندة بإحدى الجامعات السورية بعد أن حصلت على مقعد لدراسة القانون الذي كانت ترغب بدراسته، وأباحت "أسماء" إلى أسيل بحبها له، فأبلغتها أسيل بأنها لا تملك أي مشاعر نحوه، فاطمئنت.