Page 1
التلفـزيون الأعْـوَر
ما إن بدأت السنة الثالثة عشرة من عمري حتى بدأت الحرب العراقية ـ الإيرانية، وقبل أن تكمل عامها الأول قُتل أخي الكبير وأُسر أحد أبناء عمومتي، فصرت أسمع أبي يشتم (السيد الرئيس) كلما وجد نفسه منفرداً مع أمي في البستان أو في المطبخ وغرفة النوم أو وهي تحلب أبقارنا في الزريبة، فأصاب بحيرة لا أعرف لها حلاً بين هذا الشتم البذيء وتلك الصور والأناشيد الجميلة التي يعلموننا إياها في المدرسة مدحاً بالقائد، المعلم الكبير، البطل، الشجاع، العبقري، القوي، الضَرورة والمُلهَم.. إلخ من قائمة أسماء وصفات طويلة بكلمات كبيرة لم نكن نفهم معانيها كلها آنذاك، ومع ذلك صرنا نحلم أن نراه ولو في المنام ـ وكان بيننا من يدعي أن ذلك تحقق له ـ أو أن نكون أمثاله حين نكبر. كما سمعت أبي يشتمه بعد منتصف الليل حين كنت أستيقظ لأشرب ماء أو لأبول وأمُر من قربه جالساً في الصالون مع أمي وعمتي والدة الأسير التي كانت تجيء إليه بعد أن ينام الناس في القرية كي تستمع معه سراً إلى إذاعة طهران العدوّة التي كانت تبث برنامجاً يومياً لرسائل الأسرى إلى ذويهم، وما إنْ ينتهي دون ذكر ابنها حتى تنفجر بالبكاء وتشاركها أمي. عندها يبصق أبي على الأرض خلفه بحنق ومرارة، وأحياناً يسحب نعله ويروح يضرب بصقته بحقد كأنها عقرب، ويطلق شتائم قذرة وهو الذي كان يعاقبنا على مجرد نطق أحدنا بكلمة نابية.. وهذه حيرة أخرى من كثيرات أوقعتني بها شخصية أبي. لكنني لا أنكر مدى فخري به كونه الوحيد الذي كان يملك صندوقاً صغيراً يتكلم ويغني اسمه (راديو).. وإن كان لا يدعه يغني أبداً، فبمجرد سماعه لموسيقى سرعان ما يبحث عن أخبار أو قراءة قرآن، فهو يجيد تقليب خيطه الأحمر ويعرف محطاته ومواعيد برامجها، لذا كان محور المجالس والنجم اللامع في مقهى القرية صباحاً حيث يلتف الرجال حوله يسألونه عن أخبار الدنيا البعيدة، وعن رأيه، فيجيد صياغتها بأسلوبه الخاص وهم منبهرون بسعة معرفته وفصاحته ويقدمون له أقداح الشاي وفناجين القهوة على حسابهم. وهذا أمر أثار حسد جليل الحداد فصنع صندوقاً حديدياً شبيهاً لكنه لم يتمكن من إنطاقه. اشترى أبي هذا الراديو إثر ذهابه إلى نينوى لبيع محصول الطماطم الوفير في أحد المواسم. وظل يمنع الجميع من لمسه. يخبئه في صندوقه الخاص ذي القفل الكبير، ولا أذكر أني قد لمسته إلا مرة واحدة حين قال لي وهو يخرج مسرعاً من البيت: احمله إلى أمك وقل لها أن تقفل عليه جيداً. ذلك حدث لا ينسى في حياتي. تفحصته بين يدي برهبة وألصقت عيني على ثقوبه كي أرى ما بداخله.. فتخيلت أكثر مما رأيت.
Page 2
كانت قريتنا صغيرة لا يتجاوز عدد بيوتها الخمسين، بينها مسجد ومدرسة، وكلها مبنية من الطين والصخر، حيث تقع في فسحة سهل ضيق محصور بين جبل (مكحول) ونهر (دجلة)، لذا كان السفر منها وإليها نادراً. كلنا أقارب، نتزاوج فيما بيننا، نتعاون في البناء والحصاد والمآتم والأعراس، ونتخاصم حد القتل أحياناً لأسباب قد تتعلق بدجاجة أو ببيضة دجاجة، لكننا سرعان ما نتصالح. الوحيدة من أهل القرية التي تسكن بعيدة عنها في إحدى المدن منذ أعوام هي السيدة ليلى التي عشقت بائع عطور متجول مر مع بغله بقريتنا، ورفض أهلها تزويجها له لأنه غريب، فهربت معه وتزوجا، وحُكم ذلك في تقاليدنا هو أن يتم قتلها من قِبل من يراها من أقاربها على مدى سنتين، أما إذا مر هذا الوقت دون أن يحظى بها أحد، فعند ذلك يمكنها العودة ويتم الاعتراف بزواجها. وهذا ما حدث، حيث صارت تزور القرية في الأعياد مع زوجها العطار وهما يرتديان ثياباً جميلة التصميم والألوان وتفوح منهما روائح تسحر الجميع. وكانت زياراتها هي أفضل ما تجلبه الأعياد أو ما ننتظره فيها، فعدا ذلك كنا نكتفي بأكل الحلوى واحتساء الشاي وزيارة المقبرة وتكرار تبادل عبارات التهنئة المُكَرَّرَة. جميع العائلات كانت تتسابق لدعوتها إلى العشاء، فعدا عطرها ورنين ذهب أساورها وقلائدها فهي تشد أسماع الناس بحكاياتها عن المدينة وقصص أخرى غير تلك الحكايات التي اعتدنا على سماعها قبل النوم من جداتنا عن السلاطين والأميرات والجن والملائكة والسحرة والحيوانات الناطقة والأفاعي الطائرة، فحكاياتها تتحدث عن أناس، بشر مثلنا وليس فيها خوارق ومعجزات ولكنها تشدنا بطبيعة تشابك علاقاتهم وسلوكياتهم، فتسهر القرية ملتفة حولها في صالون أو باحة بيت مُضَيِّفها الذي يدور باسماً على الجميع بالشاي والكيك المنزلي المعجون بالتمر والسمسم. كانت ليلى بالنسبة لنا هي العيد نفسه. وتطلب منها النساء النصح في كسب قلوب الرجال، والرجال في كسب قلوب النساء، ويتقرب منها الأطفال لأنها دائمة التقبيل والمسح على رأس القريبين منها في الجلوس. فيما بعد عرفنا سر هذا الحنان وهذه الحكايات. إنها عاقر لا تنجب فتمضي جل وقتها أمام التلفزيون فيما زوجها غائباً يجول مع بغله بين القرى، عرفنا ذلك في العام الثاني من الحرب حين أهدى (السيد الرئيس) تلفزيوناً لكل عائلة لا تملكه وذلك بعد زيارة له إلى قرية كردية، وهرب الناس منه حين حطت طائراته الهيلوكبتر في ساحة القرية، وعندما جلب له حمايته بعض الهاربين سألهم بتعجب: أنا السيد الرئيس القائد.. ألا تعرفوني؟!. فزاغت عيونهم خائفين وهازين رؤوسهم بالنفي. عندها أصدر قراره هذا كي يراه ويعرفه كل أبناء الوطن، وجاءت التلفزيونات مكتوباً على إطارها بالألمنيوم الفضي عبارة تشير إلى أن هذه هدية من السيد الرئيس القائد، واسمه وصورة صغيرة له وعلم العراق وشعار الجمهورية، ونُسخ من كراسات خطاباته بدل الكتلوغات التي تتعلق بالجهاز نفسه. ومن أجل التلفزيونات أمر بإيصال الكهرباء إلى كل القرى، بل وحتى إلى خيم البدو في الصحراء التي كنا نراها بعيدة في الأفق وراء الضفة الأخرى من النهر. ولأنهم رُحَّل فقد أهداهم مولدات كهرباء يحملونها معهم على ظهور جمالِهم هي والتلفزيونات أينما رحلوا. عندها تغير كل شيء.. كل شيء، وارتاحت شعور رؤوسنا من حرق الفوانيس لها حين نحضر واجباتنا المدرسية حولها مصارعين الحشرات والفراشات الحائمة حول نورها، وتخلصت أنوفنا من دخان فتائلها الخانق. ضوء الكهرباء أطفأ ضوء ليلى وإلى الأبد حيث اكتشفنا أن الحكايات التي كانت تُسمرنا بها لم تكن سوى الأفلام التي تراها في التلفزيون، فلم يعد لزياراتها طعم العيد، وخاصة أن الحكومة تبث لنا أجمل الأفلام والأغاني والرقصات في الأعياد، فيما تكثر في الأيام الأخرى من بث زيارات وخطابات السيد الرئيس وصور من المعركة وأفلام الحروب، جثث الأعداء ووجوه أسراهم الخائفة وأعلام الوطن ترفرف على قمم تلال في أراض مهجورة وموحشة. وراحت الحكايات القديمة تنطوي آيلة إلى النسيان ومن ثم إلى المقبرة مع العجائز. مات أبي بعد شهر من دخول التلفزيونات إلى قريتنا، وأمي تقول: "لقد قتلته الحسرة". ولا ندري ما الذي تقصده بنوع هذه الحسرة تحديداً! أهي الحسرة على مقتل أخي وأَسر ابن عمتي؟ أم لكونه صار يشاهد صور السيد الرئيس بعد أن كان لمجرد ذكر اسمه أو سماع صوته في المذياع يشتعل بالحنق والغضب والبصاق؟.. أم لأنه هو الآخر قد فقد بريقه وأهميته بعد أن صار كل الناس يستمعون إلى الأخبار بل ويشاهدونها مصورة في بيوتهم ولم يعد يسأله أحد عنها في مقهى الصباح؟ في كل الأحوال، أمي لم تكف أبداً عن اصطحاب الراديو معها في كل زيارة إلى قبر أبي. أذكر أيضاً أن جارنا أبو حسون وبعد أن شاهد برنامجاً عن (عالم البحار) ومخلوقاتها الكثيرة العجيبة ومن ثم في الأخبار مظاهرات ضد الحرب لملايين الناس في شوارع عواصم العالم، جحظت عيناه وفغر فمه وقال: أي مزاج لك يا الله.. فما أكثر الكائنات والبشر الذين خلقتهم!! فأنا لا أحتمل أولادي بل ولا حتى نفسي أحياناً.. فكيف تحتمل كل هؤلاء؟! ثم استغفر عما قال واعترف لله بأنه فعلاً كبير وعظيم ويستحق أن يكون الرب ما دام يحتمل كل هؤلاء الأوادم وهذه المخلوقات الصاخبة. وسارع إلى تغيير الموضوع بالسؤال: ما دام كل هؤلاء الناس ضد الحرب، فلماذا يتحاربون إذاً؟! وحين انتبه إلى أهمية سؤاله حمل عكازه وعباءته وذهب إلى إمام المسجد، فأجابه الإمام: إن الحروب ليست بين الناس يا أبا حسون، إنما هي بين رؤوسهم. وحين وجد أن أبا حسون لم يفهم قصده، راح الإمام يشرح له منذ ما بعد صلاة العصر وحتى صلاة المغرب قائلاً بأن الأمراض في الرؤوس وليست في الأبدان وأن الرؤساء رؤوس أيضاً وهم الذين يشعلون الحروب وما هؤلاء الناس إلا مجرد حطب لها.
Page 3
إن الذي لمع نجمه حقاً مع وصول التلفزيون هو إمام المسجد، الذي صار يناصب الجهاز العداء ويكرس كل خطب الجمعة ضده، بحيث أربكنا جميعاً في طروحاته حتى اليوم. فمرة يقول بأن هذا الصندوق هو النافذة التي تدخل منه سموم جهنم، ومرة يقول إنه الشيطان بعينه، وبأنه خراب للعقول وللعوائل وللبلاد، وأخرى يقنعنا بأنه (المسيح الدجال) والدليل أنه، كما تصفه الكتب القديمة، أعور وبعين واحدة، يغوي الناس بيسر نحو الفساد، وخاصة النساء، ومن هنا صار يسميه (المفسديون) فحتى اللغة العربية الأصيلة لغة القرآن الكريم تنزهت أن توجد له اسماً فظل يحمل اسمه الأجنبي (تلفزيون). البعض يدعي أنه (الرائي).. أي رائي هذا يا ناس! إنه المُعمِي الذي يعميكم عن رؤية بعضكم وأنفسكم والحقيقة والسراط المستقيم. كيف ترضون لأنفسكم أن يقودكم أعور وأنتم تبصرون؟! عندها صار الجميع يطلق اسماً خاصاً على تلفزيونه الخاص أي مثلما يُوجِد اسماً لأحد أبنائه أو لكلبه أو بقرته، وذلك من أجل تجنب تسميته باسمه الأجنبي الغريب على لغتنا. وبالمقابل صار التلفزيون أيضاً يسمي أطفال القرية الجدد بأسماء لم تكن شائعة من قبل، ومن ذلك أن جليل الحداد المعروف بقوة عضلاته وعنفه مع الناس كعنفه مع الحديد ولعناده نصفه بصاحب المخ الحديدي، حين أنجبت له امرأته توأماً ذكرين أسماهما: رامبو وطرزان لشدة إعجابه بقوة هؤلاء. ولكنه حين أخذهما إلى المدينة لتسجيلهما في دائرة الأحوال المدنية، اعترض الموظف قائلاً له بأن القانون يمنع الأسماء الأجنبية وخاصة أن هذه أسماء لشخصيات من العدو الأمريكي. فغضب جليل وأصر على الاسمين وأصر الموظف على الرفض، عندها قام الحداد بتمديد طفليه على الطاولة أمام الموظف وأخرج من جيبه سكيناً وضعه على رقبة طفل قائلاً: إما أن تسجلهما بالأسماء التي أريدها أو أذبحهما هنا وأترك جثتيهما لك، فأنا أبوهما وأنا حر بتسميتهما وبأن أفعل بهما ما أشاء. فرضخ الموظف لطلبه. وهكذا صار عندنا في القرية رامبو وطرزان اللذان كانا في صباهما من أشد الأولاد مشاكسة وأبرعهم في سرقة البيض والدجاج وتين البساتين. وجليل هو نفسه الذي قال لطرزان، بعد أن قلب ذات مساء كل قنوات التلفزيون فكانت كلها تبث أفلاماً وثائقية عن الحيوانات في غابات أفريقيا: اذهب يا بني وانظر فيما لو كان الهوائي قد سقط في زريبة الدواب!
في اليوم الأول درنا نحن الصغار حول هذه الصناديق وتحتها باحثين عن أرجل المذيعين وبقية أجسادهم، فيما كان الأهل يهددون الأصغر منا ويخيفونهم بالفرق السمفونية بكونها عصابة متجهمة الوجوه تحد سيوفها وتحمل عصيها، تصدر ضجيجاً غريباً ينخفض ويتصاعد فجأة، وإذا ما رافقها مغني أوبرا فالأمر أشد إخافَة بهذا الصراخ القوي، فيرتعبون ويطيعون؛ يبولون وينامون.
Page 4
عمتي صارت تحدق بكل الوجوه التي تظهر على الشاشة ويخفق قلبها كلما رأت أحدها يشبه وجه ابنها الأسير. وكانت تعامل التلفزيون ببراءة معتبرة إياه كائناً حياً فتقدم له الطعام وتتحدث إليه، فما دام يتكلم ويتحرك فهو حتماً يسمع أيضاً. وكانت تدثره في البرد وتغسله بالماء ومسحوق الغسيل حتى تعطل.
أما زوجة الإمام المتدينة الخجولة المحتشمة فكانت إذا دخلت الصالون الذي فيه التلفزيون تغطي وجهها بالبرقع قائلة: من العيب أن أجلس مع رجال أغراب، وكل عائلة التلفزيون موجودون. تقصد المذيعين والممثلين، وكانت حتى لا تميز بين أناس التلفزيون أو الضيوف لأنها تتجنب النظر إليهم وتكتفي بالاستماع، لذا فهي ترد أحياناً على التلفزيون ظناً منها أن أحد الجالسين هو الذي خاطبها.
أما الشابات فقد كففن عن سؤال ليلى عن كيفية كسب قلوب الرجال وصرن يقلدن نساء التلفزيون في لبسهن وكلامهن ومشيتهن، وكانت الحوامل منهن يضعن كأساً من الماء فوق التلفزيون عندما يخرج مذيع أو ممثلة جميلة ثم يشربن الماء على أمل أن يكون المولود بجمال هذا الذي ظهر. بعضهن كن يقدمن باقات الزهور أمام الشاشة كلما غنى مطربهن المفضل، وأغلبهن قد خيطن من بقايا أوصال ثيابهن القديمة غطاءً جميلاً مطرزاً ليدثرن به التلفزيون بعد إطفائه. ويعتنين به أكثر من عنايتهن بشؤون بيوتهن وأزواجهن، والفتيات يتغنجن ويتحدثن عن الحب وليس عن الزواج وصار الناس يجدون بعض الشباب في الزوايا ليلاً أو في البساتين وهم يقبلون بعضهم في الفم وهذا أمر لم يكن الناس يعرفونه من قبل أبداً، أو على الأقل في الظاهر. وهكذا تصاعدت حملة إمام المسجد ضد عدوه (المفسديون) رمز الخراب والفساد، هذا (المسيح الدجال)، الذي يغوي أولادنا ويحرفهم عن الأخلاق الحميدة، لذا أخذ يحث الآباء على التعجيل بتزويج أبنائهم وبناتهم، وازداد عدد الرجال المؤيدين له في حملته، فذهبوا إليه طائعين وقالوا: إننا نستغفر الله ونتوب إليه يا شيخ، فماذا نفعل؟
طال التداول في الأمر وتعددت الاقتراحات على مدى أشهر حيث كان الجميع يعصر تفكيره لإيجاد سبل للتخلص من هذه المصيبة. البعض قال: نلقي بها إلى النهر. فأجابه البعض بأن ذلك سيفسد الماء الذي نشرب منه نحن وحيواناتنا، ويفسد أسماكه وضفادعه وحتى ثمار بساتين الشاطئ. قال آخر: نحرقها. فأجاب الإمام بأن العقوبة بالحرق هي من شأن واختصاص الله وحده وليس من حق أي كائن أو مخلوق أن يعاقب بالنار مخلوقاً أو كائناً آخر فالله وحده الذي يعاقب بالنار والجحيم، وفي هذا الصندوق كائنات تنطق وتتحرك وإن كنا لا نعرف ماهيتها ومن أية مادة مخلوقة، أي أنها أمم أخرى مثل الملائكة والجان والشياطين. قيل فلنكسرها إذاً بالعصي ونرجمها بالحجارة، لكن البعض حذر من ذلك لأن الحكومة لو علمت بالأمر فسوف تأخذنا جميعاً إلى السجن أو تعدمنا أو تقصفنا بالطائرات لأن هذه التلفزيونات مكتوب عليها اسم السيد الرئيس وفيها صورته. آخرون قالوا فلنبعها إذاً أو نهبها لأهل المدن. لكن الاعتراض كان هو أننا وفي عرفنا وأخلاقنا أن "الهدية لا تُهدى ولا تُباع"..
Page 5
استمرت الحيرة والجدل إلى أن تم التوصل إلى الاتفاق بتفويض الأمر إلى الإمام كي يناجي ربه ويصلي صلاة استخارة عل الله يهديه إلى الحل الصحيح.
وتأخر الإمام أيضاً في إبلاغنا بالحل وهو يجيب سائليه على أنه ما زال يدعو الله، يُكثِر من الاعتكاف والصلاة وقراءة كتب الدين ويطيل النوم أيضاً فالحلول التي يلهمها الله لمستخيريه إما أن تأتي في المنام أو تحل فجأة في العقل والرأي بوضوح تام.
ثم جاء يوم الفتوى حيث جمع الإمام الناس في المسجد وقال لهم: لقد جاءني الإلهام ليلة أمس والحمد لله، فكما سبق وأن أخبرتكم إن هذا هو (المسيح الدجال) الذي سيجعل الفساد يعم في الأرض كلها، ومن بعد عهده سيبعث الله (المُخَلِّص) الذي سيحاربه وينتصر عليه ويجعل الخير يعم في الدنيا كلها وإلى يوم قيام الساعة. إنها إرادة الله إذاً ومن علاماته، لذا فليس لنا إرادة أو خيار أمام الإرادة الإلهية وخيارها إلا أن نستسلم لها، لذا ابقوا على (مفسديوناتكم) كي يعجل الله بقرب مجيء المخلص وتتحقق إرادة الرب. المؤمن مُبتَلى وهذا امتحان للمؤمنين، ولو شاء الله لما مَكَّن عقل الإنسان من اختراع هذا الشيء. له في ذلك حكمة. ثم ختم خطبته بإحدى عبارات السجع التي عودنا عليها: "لكَ بها إرادة يا خالق الجرادة".
وهكذا دخل صخب الدنيا إلى عزلة بيوتنا وصار التلفزيون رفيقنا الدائم إلى اليوم، نحدق فيه ليل نهار، بل إنَّ البعض قد وضع أكثر من جهاز؛ في كل غرفة وفي المطبخ والحمام كي لا ينقطع البث أو لا تفوته لقطة، وكي يُعَجِل بظهور (المُخَلِّص). وبفعل كثرة المشاهدة والاستماع وقلة الحديث تغيرت علاقاتنا ببعضنا وبأنفسنا وبحيواناتنا وأشجارنا ونهرنا، وصارت عيون الناس جاحظة بنظرات بلهاء وخارجة من محاجرها مثل مصابيح التراكتورات، وآذانهم تطول كآذان الحمير وألسنتهم تقصر كألسنة العصافير ومؤخراتهم تتربع لكثرة الجلوس. وإن كانت زوجة الإمام الأولى، والتي كانت تخجل من التلفزيون في البداية، قد سربت ـ فيما بعد ـ سراً بين النساء تسرب بدوره إلى الرجال في أسرة النوم، وبالطبع أداروا رؤوسهم وناموا قائلين إنها تفتري على الإمام، هذه مجرد غيرة نساء. وهي تقسم على صدق قولها وإن كانت لا تنكر دافعها للانتقام من زوجها الذي تزوج عليها بثانية منذ دخول التلفزيون فسامحته، وتزوج بثالثة فسامحته لأنهما أقل منها عقلاً وجمالاً، كما تقول، ولكنها الآن وبعد أن تزوج برابعة صارت الأولى مهمشة كون الأخيرة هي الأصغر والأجمل وتشبه نساء التلفزيون وتستأثر به وبلياليه بينما هي لا تجد لها أنيساً سوى التلفزيون في لياليها. قالت لجارتها: اسمعي يا أختي هو لم يحلم بشيء ولا بطيخ، ففي الليلة التي ادعى بأنه قد حلم بالإلهام لم ننم فيها أصلاً، لأننا بقينا أنا وهو ساهرين أمام المفسديون وشاهدنا أشياء أخجل من وصفها، أنت تعرفينها، وإثر الذي شاهدناه عشنا ليلة مجنونة. ليلة لم نذق مثل حلاوة عشقها ولا حتى في أيام شهر العسل، ولا أظن بأننا سنتذوق مثلها ما بقي لنا من حياة.. وبعدها أصابه هوس الزيجات. لقد أخذه التلفزيون مني فأخذت التلفزيون منه.
Page 6
برتقـالات وشفـرات حلاقـة في بغـداد
لا أحد يجلس في المقعد الأخير ومع ذلك يستطيع شم رائحة إبطَي سائق الحافلة إلا في ظهر صيف بغدادي، حيث يلتهب الهواء وتغلي الأدمغة، ويقول الجالس في المقعد المجاور: إنها جهنم. يسيل إسفلت الشوارع فيمخره الأولاد بأصابعهم على شكل كرات بحجم بيضة العصفور، يلوكونها كأنها علوك مجانية بعد أن يبصقوا أول الأمر ثلاث مرات كي يخلصوها من طعم إطارات السيارات ودخان عوادمها وعطن بول الكلاب السائبة. ثم يبتعدون في السراب الذي يحيط بكل كائن هنا على مسافة ثلاثين متراً، ويتحولون إلى أشباح ملونة كضربات فرشاة رسام يظن بأن كل ترهاته حداثة أو ما بعدها. بعد ذلك يغيب الأولاد في الأزقة أو بين المربعات الخشبية لعربات بائعي الحمص والشوندر في ساحة وقوف الحافلات التي تخلو جميعها من مكيفات الهواء لأن الحكومة تشترط على الشركات المصدرة أن تخلع المكيفات كي لا يعتاد الشعب على الترف ونحن في حرب.
وحدها هنا أشجار اليوكالبتوس خضراء مثل رايات قبور الصالحين، ودرجات الحرارة لا تربو على الـ 49 في المذياع أبداً، وما ذلك إلا بسبب فقرة منسية من دستور الملكية منذ أيام الإنكليز تلك التي تمنح للناس حرية التوقف عن الحركة إذا ما وصل المحرار إلى 50 . فيما محرار غرفة نومي، الذي جلبته من سوق الأحد في مدريد أيام سفرة طلابية، لم ينزل زئبقه في آب عن الـ67 درجة، فقال الأصدقاء بأنه عاطل، ألا تسمع المذياع؟ فضلت تصديقهم واكتفينا باعتباره مجرد ذكرى نعلقها على الجدار، حيث مصارع الثيران على يمين الزئبق وراقصة الفلامنكو البدينة تنفض ثوبها على يساره.
دماغي يغلي في آخر مقاعد الحافلة وكل ما أتمناه الآن هو أن أصل إلى دائرة الجنسية قبل أن يخرج الموظف الذي وعدني بالأمس، بعد أن راجعته على مدى شهر كامل، أن ينهي معاملتي لاستخراج هوية بدل الضائعة. ثم أقفل صوب غرفتي وألقي بنفسي على سريري دون نظرة إلى محراري الإسباني، بعد أن أقف عشر دقائق صمت بملابسي تحت دش الحمّام. يؤلمني جوف رأسي كلما اهتزت الحافلة فوق حفر الإسفلت التي خلفتها أصابع الأولاد، فأمسكه بين كفيّ كي لا يهتز زيت دماغي في الجمجمة. أحاول التفكير بشيء غير حلم الوصول الذي يؤخره هذا الزحام، فأعاود البحث عن خيط حكائي أربط به صور قصة أنوي كتابتها منذ عام بعنوان (شفرات). أستعيدُ ما حضَّرته لها ابتداءً بذكراي الأولى عن أول شفرة حلاقة عرفتها، فحين كنا صبية نسبح على شاطئ النهر ولا ندري كيف كانت تمر ظهيرات آب، ننسى الشمس والوقت وصفعات المعلمين بالتزحلق على منزلق طيني ناعم نعده بمؤخراتنا وزخات الماء على الجرف ليكون شبيهاً بزلاقات مدينة الألعاب. كنا نصعد إلى أعلى الجرف ونجلس على طرف المنزلق الأعلى فننزلق على طينه حتى يقذفنا في النهر ضاحكين.. نضحك كلَّ صيف، كل آب، كلَّ يوم إلى أن تخاصم جميل مع جمال فألغم منزلقنا خفية بنصف شفرة حلاقة، غرسها في الطين، لا تظهر منها إلا الحافة وقال: لأثبت لكم بأنني قد تصالحت مع جمال أعطيه هذا اليوم دوري الأول في التزحلق.
Page 7
صفقنا لهما ضاحكين، لكن جمال قد صرخ بعد أن انزلق إلى الماء مصبوغا بالدم حيث شاهدناه يخرج من الشاطئ ناظراً إلى قفاه فرأينا معه الجرح الممتد رفيعاً من كعب قدمه اليسرى صاعدا مع طول ساقه حتى آخر مؤخرته. كنت ألعب مع بنات الجيران صغيراً حين رأيت سعاد تقنع أختها سعدية كي تقص لها شعر جبهتها مستقيماً كصور الممثلات. وافقت سعدية بعد أن طردت من رأسها فكرة احتمال غضب أمها، وغابت سعاد لتعود بمسطرة الدرس ومشط وشفرة حلاقة. أجلست سعدية على صفيحة زيت فارغة، مشطت لها شعر الجبهة ثم وضعت المسطرة في المنتصف وخطت بالشفرة ضاغطة فصرخت سعدية ورأينا الخط الأحمر الرفيع قبل أن تغطيه بكفيها وتركض باكية نحو الأم في الطبخ.
نظرتُ إلى طفلة بين ذراعَيْ أمها الجالسة في مقاعد الحافلة الأولى، كانت تحدق بدهشة إلى رجل أسود يجلس في المنتصف. دماغي يغلي في آخر مقاعد الحافلة فكيف أجمع صور الشفرات؟ كتلك التي روتها زوجة عمي عن ثاني أيام عرسها، حيث امتد إليهما، في منتصف الليل، إصبعٌ من نافذة عند رأس السرير. كانت غرفة العرس مضاءة بشمعة في الزاوية وهما لا ينامان بسهولة بفعل رائحة البخور الهندية واكتشافات أحدهما للذة ملمس جسد الآخر. توقفا عن اللمس وراحا يراقبان الإصبع المتلصص وهو يحاول إزاحة ستارة النافذة فانسحبت كف عمي عن نهديها وامتدت إلى درج السرير لتلتقط شفرة حلاقة.. وبحركة خاطفة قبض بالكف الأخرى على الإصبع بقوة ثم حزه بالشفرة وقال: لكي نعرف غداً من هو.
أتمنى أن ألحق بالموظف الذي راجعته على مدى شهر وهو يردد كل يوم غداً ستنتهي معاملتك وتأخذ هويتك، ولكن تنقصك ورقة. وتنقصني الحبكة كي أجمع كل صور القصة. بما في ذلك ذكرى الأشقياء الذين رأيتهم في (حي الفضل) يستخرجون من تحت ألسنتهم ومن بين الشفاه السفلى والأسنان أنصاف شفرات حلاقة، يجرحون بعضهم البعض بعد التخاصم على لعبة الدومينو.. وأن أجد فيها مكاناً لعبارة أمي: "سأسكت مثل بلاّع الموس" التي تكررها كلما منعها أبي من قول رأيها حول زواج البنات. ما زالت الطفلة تحدق بالرجل الأسود، وقال الجالس إلى جواري في آخر الحافلة وهو يمسح العرق المتصبب على وجهه بكميه: إنها جهنم.. جهنم الحمراء. فأجبته: نعم، إنها جهنم حقيقية. ثم أكملت في سري: والحرب كانت كذلك. ما زلت أشاغل نفسي، عن ظهيرة بغداد التي تُغلي دماغي، بالبحث عن خيط حكائي يربط كل ذكرياتي عن شفرات الحلاقة في قصة واحدة، بما في ذلك ذكرياتي عنها أيام الحرب، كالتي رأيت فيها هشام الراعي يقطع الذكر الأحمر لأحد كلاب الراعي الآخر. ولم أكن وحدي من شهد ذلك وإنما كل الجنود الذين كانوا معي في طاقم الدبابة على الخطوط الخلفية من الجبهة، وما كان أحد منا ليتوقع أن هشاماً سيفعل شيئا كهذا لأننا نعرفه جيداً، وديعاً بسيطاً يقترب بأغنامه مساء كل يوم كي ترعى في عشب سفح التل الذي خبأنا في أعلاه الدبابة باستثناء مدفعها بعد أن لطخناها بالطين كي لا تراها الطائرات المغيرة. كان هشام يمضي معنا ساعات طويلة يحتسي الشاي ويملأ لنا سطلاً بالحليب من أغنامه ويحدثنا عن عشقه لابنة خاله وعن أعراس قريته التي نراها من هذا التل صغيرة لكننا حين ننظر إليها عبر منظار الدبابة نرى فيها كل شيء بوضوح؛ النوافذ والتنانير ومرابط الحمير وحتى الدجاج الباحث عن الدود وبقايا حبوب الشعير تحت قوائمها. نتمكن من الرؤية في الظلمة أيضاً عبر المنظار الليلي للدبابة، فنعرف بأعراس قريته التي يفصلها لنا في اليوم التالي. عرّست الكلاب أثناء حديثه ذات مساء. اجتمعت كلابه وكلاب راع آخر يقضي وقته عند جنود الدبابة الأخرى، على التل القريب، كانت جميعها تتشمم مؤخرة كلبته وتتنابح فيما بينها، كل يحاول امتطاءَها إلى أن فاز بها الأسود أقوى كلاب الراعي الآخر. فهب هشام من جلسته وراح ينحدر على السفح راكضاً صوب الكلاب، ضرب الأسود بالعصا، وركله بأقدامه حتى تمكن من إنزاله عن ظهر كلبته لكنه بقي مشدوداً بها عبر المؤخرة يمتد عضوه الأحمر من بين قائمتيه الخلفيتين إلى فتحة الكلبة وكل منهما ينظر باتجاه معاكس ويعوي تحت ضربات هشام التي لم تفلح بفكهما عن بعضهما البعض. فمن طبيعة الكلبة أن تقبض بقوة على عضو ذكرها في لحظات الحب كما أكد لنا هشام ذلك فيما بعد حين صعد إلينا وهو يحمل العضو الأحمر للكلب الأسود دامياً، ما زال يلبط، في قبضته وفي أصابع يده الأخرى شفرة حلاقة.
Page 8
الصورة الأخرى من أيام الحرب حين تقدمنا إلى الخطوط الأمامية للجبهة بعد هجوم غطى الأرض بالجثث التي انتفخت حتى فتقت بذلاتها العسكرية، وعند الفجر قبل مجيء الضابط للتفتيش بحث داود عن مكان مناسب يركن فيه مرآته التي ما هي إلا كسرة على شكل مثلث من حطام مرآة أكبر. وضعها على درع الدبابة وبجانبها صحن الماء وقطعة الصابون لكنه لم يشعر بالراحة في أن يحلق ذقنه واقفاً، أراد الجلوس. دار في المكان مرتين يحمل أدوات حلاقته بيديه وعلى كتفه منشفته المتسخة، لم يجد مكاناً مناسبا لجلوسه ولجلوس مرآته المثلثة كما يريد، فاتجه إلى جثة قريبة، أزاح لحية الميت، فتح فكه ثم ثبت طرف مرآته بين الأسنان وجلس على صدر الجثة واضعاً صحن الماء وقطعة الصابون أمامه وموزعاً ساقيه على الجانبين.
كرر الجالس إلى جواري: إنها جهنم حمراء.. فيما انفلتت الطفلة من بين ذراعي والدتها الجالسة في أول الحافلة من حيث تأتي رائحة إبطَي السائق، جاءت ماشية باتجاهنا وقامتها بارتفاع الكراسي حاملة بين يديها برتقالة، فقلت لنفسي: لماذا لا أتخلى عن فكرة كتابة قصة بعنوان (شفرات) وأكتب أخرى بعنوان (برتقالات) إنه عنوان جميل، كلمة جميلة، رحت أرددها باستمتاع: برتقالات، برتقالات، فيما دنت الطفلة من الرجل الأسود وراحت تلمس ذراعه وتنظر إلى كفها، تمسح وجهه وتنظر إلى كفّها هل اصطبغت؟ ثم قالت له وسط صمت الجميع: عمو.. لماذا لا تأكل لبناً؟ فضحكنا بما فينا الرجل الأسود والبدين جواري والسائق. نادت الأم طفلتها: تعالي لقد وصلنا. نزلنا واتجهت أنا إلى دائرة الجنسية في أطراف المدينة، صعدت السُلّم إلى الطابق الخامس لأن المصعد كان معطلا ووصلت إلى الموظف أتصبب عرقاً وألهث، أعطيته الورقة التي قال أنها ناقصة في الأمس، راجع ملف أوراق معاملتي ثم قال: ما زالت تنقصك ورقة أخرى. فقلت له غاضباً: يا أخي.. لماذا لم تقل لي منذ البداية ما هي كل الأوراق المطلوبة بدل أن تبهدلني طوال هذه الأيام؟ فنهض من وراء مكتبه بهدوء، عدل من وضع نظاراته وقال لي: تعال. ثم قادني إلى النافذة وأضاف: أترى هذا؟ فنظرت وقلت: ما هذا؟ إنها مقبرة! إنهم أموات! فقال: كل هؤلاء لم ينهوا معاملاتهم.. ماتوا ولم يكملوا أوراقهم الناقصة.. فلماذا أنت منزعج يا أخي؟
Page 9
أنـا وبقـيّـة ابن بَقـي
لم نُلقهم في البحر بنياشيننا العسكرية وزغاريد المحصنات فألقونا في البحر بأربطة أعناقهم وسيقان الشقراوات. هم في فلسطين/ الفلسطينيون في البحر. الفرنسيون في الجزائر/ الجزائريون في البحر. الأمريكان في العراق/ العراقيون في البحر. الأسبان في المغرب/ المغاربة في البحر. البحر أسود متوسط الاهتياج تتوسطه صخرة ابن زياد على مقربة من قاربنا يعتليها الإنكليز.. فهل ألقوا بأبناء طارق إلى البحر؟ قال الملثم: نعم، ها أنا يحيى أحيا معكم. ليلي طويل ولا معين، يا قلب هذا الوجود أما تلين.. فمن قدر أن يقول هكذا؛ فليعرب وإلا فليغرب. غرّب قليلاً بقاربك يا عم سرحان، لا تقترب من شرطة البحرية البريطانية. أضواء الأسبان خلفنا في مليلة. أضواء الإنكليز غربنا على الصخرة، وما عداها فعلى شرقنا الظلام.. الظلام على أهلنا، وعلينا الليل.. علينا الليل.. علينا اللعنة؛ تركناهم قائلين: إننا نهاجر من أجلكم، سنأتيكم بالنور من هناك، وها نحن نتيه في السواد المثقوب بالقمر. دفعنا ما جمعناه من كدحنا في طنجة إلى العم سرحان كي يهربنا بقاربه الصغير. كنا ستة في (قارب الموت) وسابعنا الضياع. أحمد الفلسطيني يغفو محتضناً مفتاح بيتهم الذي هدموه، أحمد الجزائري يحلم بباريس، أحمد المغربي لا يريد أكثر من أن يجلب مهر فطومة.. فيما أبحث أنا عن أرض تلفيني ولم أجدها منذ أن غادرتك يا بغداد. أحلم بأندلس محتشد بدور العلم وسهرات زريابية.. فهتف الملثم جواري: ماذا؟ أأنت عراقي من أرض الأجداد؟ فسألته: وأنت؟ قال: أنا أندلسي أحلم بالذهاب إلى العراق. فهتفت: ماذا؟ أأنت أندلسي من أرض الأجداد؟ وهل يترك عاقلٌ بلاد الأندلس..؟!
" يا أهل أندلس لله دركم/ ماء وظل وأنهار وأشجار/ ما جنة الخلد إلا في دياركم/ ولو تخيرت هذي كنت أختار/ لا تخشوا بعدها أن تدخلوا سقراً/ فليس تدخل بعد الجنة النار". نفض يده قائلاً: هذا إعلان سياحي قديم من مؤسسة ابن خفاجة للدعاية. ثم أنزل طرف لثامه عن فمه وردد: "قالوا تغربت عن أقطار أندلسٍ/ ومن يقيم على هونٍ وإقلالِ/ ما لي وإيطانها داراً وقد سئمت/ في المقام بها خليلي وإجمالي/ نفضت فيها من العيش الهني يدي/ وهل يعيش كريم بين بخال؟"
لقد وفرت لنا خبرة العم سرحان بالبحر فرصة الابتعاد عن مدارات دوريات الشرطة البحرية، كما أصاب في اختيار ليلة يكون فيها البحر هادئاً، مما أتاح للآخرين النوم إلاي والملثم الذي يطالبني بالحديث عن العراق وأطالبه بالحديث عن الأندلس، فوجدته ساخطاً منها وعليها، مكثر الشكوى من قومه: "وضيعني قومي لأني لسانهم/ إذ أُفحم الأقوام عند التكلم/ وطالبني دهري لأني زنته/ وإني فيه.. غرة أدهم". فأدركت بأنه قد ضفا عليه حرمان، وما صفا له زمان.. كما يقول ابن خاقان في قلائده، ولهذا صار قعيد صهوات وقاطع خلوات. رحنا نتبادل السجائر والأحاديث. كان طيب القلب، عذب الحديث ظريفه على الرغم من كثرة شكواه. مسكون بالقلق الأبدي. وقد لاحظت تحاشيه الحديث عن أسرته لولا تطوع العم سرحان الذي أراد المشاركة بعد أن اطمأن على سير قاربه، فأبدى معرفة حميمة بيحيى حيث قال: لقد ضاع أهله مع الكثير من العوائل والخلق حين سقطت طليطلة بيد النصارى سنة 478 هجرية. كم كان عمرك آنذاك يا ابن بقي؟.. كان عمره خمسة
Page 10
عشر عاماً.. وبعد؟ فتنهد يحيى وقال: أمضيتها بالتنقل بين أشبيلية وقرطبة، بين الأصدقاء والمريدين الذين كان فيهم الأعمى والبصير وأعمى البصيرة. وأحياناً أخرى أجالس الأعيان والأمراء والقضاة. كنت أرائي بعضهم كي لا يطبقوا على حريتي. لقد انضممت إلى الموحدين لكنهم فرقونا. فقلت له: تماماً كما فعله القوميون بنا. ففاجأني بالسؤال: كيف حال المتنبي الآن؟ قلت له: ألم تعلم باغتياله على أيدي الأمن الخاص؟ فتفتق بالبكاء كأرملة حتى اهتز القارب تحت اهتزازات كتفيه. صحا أحمد الفلسطيني متحسساً المفتاح في رقبته: ماذا حدث؟ هل وصلنا؟ أجاب العم سرحان: لم يحدث شيء، نحن في منتصف المسافة سنصل قبل الفجر. فعاود نومه فيما راح العم سرحان يربت على كتف يحيى مردداً: "لا والذي أمات وأحيا/ ما راق ناظري غير يحيى/ بشيمة.. ومحيا". فقلت: يبدو أنكم أصدقاء؟ قال العم سرحان: إنه زبون دائم، لقد ورثته عن جدي مع القارب. وضحك فتبسم يحيى محدقاً بالقمر: أتذكر حين كنت أعمل مدلكاً في حمّام قرطبة العمومي أنا وصديقي أبو جعفر بن هريرة التطيلي الذي كان معروفاً بالأعمى. كنا نتدارس أشعار العرب ونقول أن المتنبي أبوهم جميعاً. وحين نتعب من الشعر الجاد نشرع بنسج الأشعار عن الحمّام. لكن الأحوال تدهورت. دبت الفتن ناخرة في البلاد فأنهكت الناس والأمراء على حد سواء. أوهنتهم. غزو قشتالي من الشمال، غزو بربري من الجنوب، وكم كان بنفسي أن أشرق إلى الشرق لأجد ما أريد وأستقر. بحت للأعمى بذلك حينها قائلاً: "ولي هممٌ ستقذف بي بلاداً/ نأت إما العراق أو الشآما/ وألحق بالأعاريب اعتلاءً/ بهم وأجيد مدحهم اهتماما/ لكيما تحمل الركبان شعري/ بوادي الطلح أو وادي الخزاما/ وكيما يعلم الفصحاء أني/ خطيبٌ علَّم السجع الحماما". لكن المشرق لم يكن أيامها بأفضل حالاً من المغرب والأندلس، حيث لاحت تواجذ الحروب في الشرق الإسلامي خاصة. برزت الماورائية تنزح وتتدفق بقوة مشكلة دويلات صغيرة تجتاح كل شيء، فاضطررت إلى الرحيل إلى المغرب عند قضاة سلا. عند عشيرة بني عشرة التي كانت لها مكانة دينية فيلجأ إليها المضطهدون من الشرق والغرب، نزلت عند يحيى بن علي بن القاسم قاضي سلا، فهدأ بالي قليلاً وأكرمني. لكن الحساد والمنافقين سرعان ما ظهروا فلم أستطع الاصطلاح معهم رغم كل المساعي:" أمصطبر أنت إن قوضوا/ وأموا المصيف من المربع/ ستجزع إن صرت في ركبهم/ وإن لا تسرْ فيهم تجزَّعِ/ تخير لنفسك في حالتين/ فامضِ بإحداهما.. واصدع". خاب أملي ببلاد المغرب.. فوجدت نفسي مرة أخرى ممتطياً الليل في رحلة لا يبين لها أفق ولا يعرف لها قصد.. آه.. إذا الليل جن/ أكاد لحزني أجن. تمر علي الدهور مقيماً في قارب العم سرحان، ينقلني في البحر بين الساحلين.. ممعناً في الضياع القاسي.. في هذا التجوال اللامجدي.. كأن جالينوس ملكٌ يحضر لي الموت. الكل يعلم، وأنا لا أعرف شيئاً.. بالله ماذا أفعل؟.. ماذا أفعل؟ تدخل العم سرحان في محاولة لإيقاف تدفق أحزان يحيى: ماذا دهاك الليلة يا أبا بكر؟ لقد كنت تمتعنا في الرحلات السابقة بطرائفك وأشعار الغزل. قال: لقد فجّر حضور هذا العراقي حلمي بالشرق. فقلت: لم يعد العراق كما كان وإلا لما غادرته. لقد أحرقت حرب الخليج الأولى نخيله. فقال: لو علمت بذلك نخلة عبد الرحمن الداخل لنتفت سعفها حزناً على أهلها. فاستطردت: وأحرقت الثانية ضفاف الرافدين. فقال: لو علم نهر الوادي الكبير بذلك لجفت عيونه.. حدثني عن الشعراء هناك، الجواهري والسياب وسعدي يوسف ومظفر النواب و.. قاطعته قائلاً: منهم من قضى نحبه ومنهم من تشرد. قال: آه.. توقعت ذلك منذ أن أخبرتنا بمقتل أبيهم المتنبي، أصبحوا كأفراخ الدجاجة بعد ذبح أمهم. ولكن لا يهم لن أكف عن حلمي بالذهاب إلى هناك لأن هذا الحلم وحده هو الذي أبقاني حياً. ولتذهب حرفة الأدب إلى الجحيم، ما دام لم يعد غير الرمح لسان ولا غير القوة منطق يصغي لصواريخه الجهال. لا بد أن أرى العراق قلعة أجدادي.."أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلس/ جئت العراق فقامت لي على قدم/ ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفت/ وحرفة وكلت بالقعدد البرم/ لا يكسر الله متن الرمح إن به/ نيل العلا، وأتاح الكسر للقلم/ ولا أراق دماً من باسل بطل/ ومات كل أديب غبطة بدم". فقلت: كلانا هارب من بلاده، حالماً ببلد الآخر. قال: لن تجد في الأندلس حلمك.. لن تجد سوى قاعدة مورون العسكرية، تلك التي كانوا يقصفون منها بغداد أيام العاصفة.