Page 1
مـقـدمـة:
يُعد أدب السجون أحد الألوان الأدبية المشوقة التي عرفها الإنسان وتفاعل معها, وهو أدب يمزج بين الوجدان والواقعية, ويسلط الضوء على عالم مظلم, وزاوية معتمة من زوايا النشاط الإنساني. كما إنه يكون أحياناً أحد ثمار الظروف الصعبة التي قد يتعرض لها السجين فتنطلق في نفسه بعض المشاعر والطاقات الكامنة لتعبر عن مكنون ما في الروح المنفعلة والنفس المعذبة من مشاعر وأفكار بشكل أدبٍ متميز ذي مادة غزيرة لا تقل أهميةً عن الآداب والفنون الأخرى ..
والكتاب الذي نقدّمه بين يدي القاريء الكريم والموسوم (صور العذاب في المعتقلات السرية أو برزخ العالَم الثالث) محاولةٌ واقعية لتسجيل مذكرات سجين, كُتبت في زنزانة من زنزانات أجهزة الأمن في إحدى دول الاستبداد والقمع في الشرق المقهور، حاول الكاتب أن يستعرض بعض الصور المؤلمة, وأنواع الظلم والعذاب الجسدي والنفسي الذي كان يرزح تحته السجناء في ذلك السجن الخاص, وأن يخاطب أخاه الإنسان خارجَ أسوار المعتقلات والسجون, ويحذره من أن تهوي به رياح الظلم إلى ذلك المكان السحيق, ويطالبه أن يمارس دوره ويضغط بقوة على مراكز القرار الإعلامية والسياسية للتأثير على ذلك السلوك المستهجن والتعامل اللا إنساني الذي يتمثل ابتداءً في مصادرة الحقوق الإنسانية للإنسان, ثم ظلمه وقهره لأتفه الأسباب, وفي الاستجابة لهذه الاستغاثة وذلك النداء نكون قد ساهمنا في إزالة المنكر الذي شاع بين الناس والظلم الذي يعاني منه معظم الناس دون أن يحاولوا إزالته , دفاعاً عن الإنسان وكرامته, باعتباره خليفة الله في أرضه, ودفاعاً عن الحق والمبادئ في حياة البشر, ومحاربة الظلم والباطل وأتباعه ممن أطاعوا النفس والشيطان, وتسلطوا على الرقاب في غفلةٍ من الزمن في شرقنا الحبيب وعالمنا العربي المنكوب بجهل أبنائه وظلم حكامه إلا ما شاء الله منهم.
وقد يسأل البعض عن مكان تلك الأحداث التي يسردها الكاتب, غير أن المؤلف لم يشأ الإشارة إلى المكان أو كشف الستار عنه, مبرراً رأيه أن تلك المظالم والانتهاكات التي تعرض لها هو ورفاقه قد أصبحت سمة مشتركة لمعظم معتقلات الشرق , فيما يسمى معتقلات أجهزة الأمن السرية. فيكون عدم التحديد أبلغ في إدراك الغاية المرجوة ومحاصرة هذا الداء الذي يعاني منه ويئن من ثقله مئات الألوف من الناس في دول الشرق والغرب, ومع ذلك فليس من الصعب تحديد المكان الذي شهِد تلك الأحداث والمآسي, من خلال قراءة ما بين السطور. إذاً فهو مرض مزمن وخطير أستحوذ على تفكير الكثير من الحكام, فأنتج الكثير من المحن والفتن والبطش ومصادرة الحريات مقابل الحفاظ على المصالح والكراسي, فانتشر الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي في الكثير من البلدان التي عانت وتعاني من آثار تلك الأنظمة المستبدة وإفرازاتها.
سيجد القارئ في ثنايا هذه المذكرات مخالفات كثيرة، وهي مخالفات صريحة تتعارض مع حقوق الإنسان الأساسية داخل تلك المعتقلات, تكفي الواحدة منها لإدانة تلك الأنظمة والوقوف بوجهها وفضحها, كما تصور هذه المذكرات حياة السجين اليومية وآلامه وآماله وأحلامه وصبره وجزعه.. لتحاول أن تأخذ بيد القارئ الكريم إلى داخل ذلك المعتقل ليعيش مع السجين في أدق تفاصيل حياته حتى لكأنه أحد السجناء!..
ولا يخفى إن في استعراض تلك الصور تحذيراً لتلك النظم الفاسدة المستبدة, لتعدل عن نهجها المنحرف وتعاملها المتعسف مع الإنسان, ذلك المخلوق الفريد الذي أكرمه الله سبحانه, ونفخ فيه من روحه, وأهداه جوهرة العقل والإرادة وجعله سيد الوجود ومركز الكون وسخر له كل شيء من حوله.. فكان عزيزاً كريماً على الله, كرامةً أكدتها اللوائح والقوانين الدولية فضلا عن الأديان السماوية والمذاهب الاجتماعية, ودافعت عنها الأحزاب والجمعيات والمنظمات والدول, حتى أرست قواعدها لائحة حقوق الإنسان المعروفة, وأصبح الاهتمام بتلك الحقوق مقياساً لرقي الأمم والشعوب وسمة أساسية من سمات الحضارة الإنسانية المعاصرة.
في الحقيقة إن مادة هذا الكتاب عبارة عن مذكرات وخواطر وصور منوعة كتبت من داخل المعتقل وفي ظرف استثنائي وعصيب, لذا قد يجد القارئ فيها بعض الخصوصية وعدم وضوح التسلسل المنهجي للأحداث, كالجنوح في عالم النفس والروح والخيال في تصوير مشاعر وإرهاصات المعتقلين وسجانيهم, كما قد يلمس القارئ شيء من التكرار في وصف حالات الجوع والمرض والألم, لأنها كتبت هكذا وفي ذلك الجو وتحت ضغط وهاجس الخوف من اكتشاف أمرها وتعرض كاتب المذكرات وأصحابه للعقاب أو للإرهاب على الأقل, كما كاد أن يحصل مرات عديدة, ونأمل من القارئ الكريم أن يقدر ذلك الظرف وأن يتجاوز الهفوات التي قد يجدها عند قراءته لهذا الكتاب والعيش مع المؤلف في رحلته الطويلة, ومن الله التوفيق.
الناشر
مكتب المختار
5/ 11/ 1995م
Page 2
بداية المحنة:
إن محنة الاعتقال التي عشنا أيامها ولياليها، كانت رحلة عجيبة في عالمٍ مجهول، استمرت لأشهر طويلة، وكانت كالقدر القاهر والبرق الخاطف لم نستطع لها دفعاً ولا لعذابها وثقلها رفعاً.
يقول المثل العربي إن الحذر غلب القدر، ولكن أحياناً قد يحدث العكس، ويصبح قدر الله نافذاً فينا رغم الحذر واتخاذ التدابير لتلافي المحن، فالله تعالى يقول: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور)
وقال نبينا : (لا يغني حذر من قدر). ومع ذلك ففي ذلك العهد الذي عشنا فيه قصة الاعتقال وأحداثه، كان الرصد والمراقبة للأنشطة الدينية والسياسية أمراً مألوفاً ومفروغاً منه، فعين أجهزة الأمن لا تغفل ولا تنام، شأن كل الأنظمة الاستبدادية المركزية التي ابتلي بها شرقنا العربي المغلوب على أمره. وكان الأمر أكثر وضوحاً مع الاتجاهات الاسلامية المستقلة والمعتدلة، فتارة تكون المحاربة والمتابعات باسم الوطنية والقومية ومحاربة التوجه الديني السلفي أو الطائفي، وتارة تأخذ الشكل المعاكس بمحاربة الأحزاب والاتجاهات اليسارية والعلمانية المنافسة والمعارضة للحزب الحاكم. وهكذا كان رصد مكتبي جزءاً من هذه المتابعات والمراقبات الروتينية لأجهزة النظام في حينه، لاسيما واني كنت أملك مكتباً طباعياً واعلامياً، كان قد نشر العشرات من الكتب الاسلامية المعاصرة ذات الاتجاه الوحدوي والدعوي الأصيل. وهي من التوجهات التي لا تنسجم مع منهجية النظام، التي لا تسمح عادة الا برؤية الحزب الواحد والحاكم والقائد الأوحد، التي لا تؤمن باعطاء مساحة من الحرية للناس في الفكر والثقافة والممارسات السياسية، فهي من المحرمات والممنوعات التي لا يريدها النظام وأجهزته المتنفذة. فكان من المتوقع أن لا يستمر عمل مثل تلك النشاطات التي كان يمارسها مكتبنا في تلك الفترة. وكان لابد من ترتيب طريقة ما للتمهيد لغلقه وايقاف نشاطه النشري والطباعي والثقافي. وهذا ما حصل بالضبط، حيث لم يكمل المكتب عامه الرابع في سنة 1994م حتى تعرض مرتين للتفتيش والمهاجمة ومن ثم الاغلاق. كانت الاولى في بداية العام وفي شهر شباط منه. وبعد التفتيش الدقيق للمكتب والتحقيق مع العاملين فيه عن هوية المكتب والنشاط الاعلامي فيه، تم حجزي لمدة أسبوع في احدى مواقف أجهزة الأمن، لغرض التحقيق في نشاط المكتب، وتم استدعاء أحد موظفي المكتب للتحقيق معه أيضاً، دون أن يتعرض للاعتقال.
Page 3
وتم الافراج عني بعد اجراءات الحجز والتحقيق التقليدية، وثبوت براءتي من التهم والتلفيقات التي الصقت بالمكتب وعمله. أما الثانية فكانت في أواخر سنة 1994م، حيث تكرر نفس الاسلوب السابق معنا ولكن بدرجة أشد، واعتقلت مع أحد العاملين معي لمدة سبعة أشهر تقريباً. وتم تدبير خدعة واتخاذها ذريعة لمهاجمة المكتب ومصادرة موجوداته ورأسماله، تمهيداً لغلقه نهائياً. فأرسلت الأجهزة الأمنية مجموعة من الوكلاء، بحجة شراء حاسبات، وبعد الاتفاق على موعد لاستلام الحاسبات وتسليم ثمنها في المكتب، تمت مهاجمتنا من قبل مجموعة مسلحة من رجال الأمن، وصادروا البضاعة والمال وبعض الكتب والاجهزة الاخرى، واقتادونا الى المعتقل في أمن بغداد.
لقد كانت هذه بداية المحنة، وظهر لنا فيما بعد أن هؤلاء الزبائن كانوا في الواقع وكلاء للأمن، وقد سرقوا جزءً من مال المكتب المصادر وسلموا الجزء الآخر مع البضاعة (لجهاز الأمن) لكي يصادر . وبعد اعتقالنا استلمتنا أيادي رجال الأمن!.. واقتادونا إلى الدائرة الأمنية في وسط بغداد، ليفتح لنا ملف ويبدأ التحقيق معنا ليلاً مكبلين، وكان الموقف غريباً علينا لأننا لم نواجه مثل هذه الظروف من قبل. ولم تكن هذه التجربة سهلة كسابقتها، كما كنا نحسب في أول وهلة. وقد مكثنا أسبوعاً كاملاً في ذلك المكان على ذمة التحقيق, ورغم هول الصدمة فقد كان الأمل يساورنا بالفرج القريب، وكنا نتوقع الخروج في أية لحظة، ونحسب أن الأمر لا يتجاوز الحجز والتحقيق البسيط كما في الاعتقال السابق، ولم يكن يخطر ببالنا هذا الدهليز والبرزخ الذي عشنا فيه أشهراً طويلة، كتلك التي مرت علينا وكأنها سنين عجاف..
بعد مضي أيام التحقيق الأولى، تم نقلنا إلى زنزانة التوقيف، حيث المرض والجوع والعذاب النفسي اليومي، وحيث الهياكل البشرية التي عصف بها الجوع، وكأنها أشجار خاوية في أيام الخريف.. وقد أصبحنا مثل أقراننا بعد مدة ليست طويلة. وصيرتنا الظروف والأحداث المتلاحقة جزءً من هذه المأساة.. مأساة الحرمان من كل ما هو ضروري لحياة الإنسان, فالهزال لا بد أن يصيب كل من يدخل هذا المكان بعد أشهر قليلة.. فقدر الهزال والمرض هنا كقدر الموت في كل مكان, فلابد أن يصيب الجميع دون استثناء!.
لم يكن التحقيق باديء الأمر صعباً أو متعباً، لأن ظاهر التحقيق كان حول نشاط المكتب الاعلامي والتجاري، والاستفسار والاستبيان حول الحاسبات وقيمتها والأجهزة الطباعية الأخرى والكتب الاسلامية التي ضبطت في المكتب، وصلتها بنشاط المكتب وعمله بشكل عام، ومع ذلك لم يكن يخلو التحقيق من الأذى والتعذيب بالضرب واستخدام الكهرباء في عملية التحقيق الروتينية، إذ أن هذا الأسلوب كان جزءً من مكملات الدوائر الأمنية في بلادنا وبلاد الشرق الاستبدادية، وبالنسبة لي فلم يضطر المحقق لاستخدام التعذيب الشديد معي، إلا بضع صفعات قوية! كادت أن تفقدني توازني، فأسقط أرضاً.. ثم شيء من الركل بالقدم.. مع الضرب بقضيب من الخشب (الهراوة) على الظهر, وأحياناً يستخدم التعليق على المروحة السقفية أو الجَلْد وغيرها من الوسائل المعتادة.
Page 4
لم يكن المحقق يحتاج إلى استخدام التعذيب بالكهرباء في التحقيق معي، لأنني كنت أشعر بأن الموضوع الذي يتم التحقيق حوله معي، كان في ظاهره عادي ولا يشكل خطراً علي وعلى موقفي القانوني, وأن اعترافاتي حول نشاط المكتب الطباعي والاعلامي والتجاري، لا تمثل جريمة قانونية تدينني.. وكنت أتوقع أننا سنخرج بعد مدة قصيرة من التحقيق!! ولكن الذي ظهر أن ذلك مستحيل، فهيهات لمن يدخل هنا أن يخرج بسهولة، فان دخول الحمام ليس مثل الخروج منه..!! أما بالنسبة للآخرين ممن كانوا معي في التحقيق، فقد كان قدرهم أن يواجهوا ضرباً وعذاباً أشد، ربما بسبب التردد والحذر وحسب ظروف القضية والتحقيق لكل فرد منهم.
لم تكن مرحلة التحقيق - بضمنها التعذيب - بالمرحلة الخطرة على كل حال، وإن كانت جديدة لم نعهدها في حياتنا السابقة.. لقد خاب ظننا في انتظار الفرج حين مرّت الأيام الأولى، دون ظهور أمل بالخروج! وساد شعور جديد بعدها بدأ يستقر في حسنا، هو أن الدولة حين تمسك أحداً وتودعه دهاليز الأمن السرية بحاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر لتتعرف عليه! وتعرف من يكون فقط!! ثم بعد هذه الفترة تفكرّ باستمرار حبسه أو إخراجه، ثم بعد ثلاثة أشهر أخرى تفكر بمحاكمته وفق القضية المتهم بها، ثم بعدها بستة أشهر أخرى تحكمه، وقد يكون الحكم إفراجاً، رغم أنه قد يكون أمضى سنة أو أكثر، وينتظر ثلاثة أشهر أخرى للمصادقة.. وهكذا. وهذا التسلسل هو تسلسل واقعي، وقد حدث للكثير منا. فمنا من حكم بالإفراج، أو حكم بسنة أو خمس سنوات أو عشرة أو حكم بالمؤبد.. حتى أقسى حكم معروف وهو حكم الاعدام.. وكل ذلك كان يخضع لذلك الروتين الأمني القاتل. وليس هناك من يحاسب أو يفكر بحقوق الموقوفين القانونية والإنسانية, لأن ذلك كان يحدث بمعزل عن أي رقابة دولية أو دستورية, وإنما كان يحكمه مزاج ضباط الأمن وقضاة الأجهزة القمعية العديدة, وغالباً ما يكون التأخير أو هضم حقوق الإنسان الموقوف جزءً من البرنامج الأمني لإرهاب السجناء وأهليهم.
كانت الأيام والليالي القليلة التي بدأت معها رحلة العذاب في مركز الأمن الرئيسي تختلف عن أيام الزنزانة، في ذلك البئر المظلم الذي بدا كأنه مكان سحيق في جوف الظلام.. فقد كان الجو بارداً، ولم يكن هناك فراش للنوم، أي نوع من الفراش حتى البسيط منه، وكنا خمسة موقوفين في غرفة كبيرة نفترش الأرض ونلتحف السماء كما يقال, أي أننا كنا ننام في هذه الغرفة ومع شدة البرد بدون فراش. وبعد ثلاثة أيام وصلني بعض الأكل والفراش من البيت, وقد وصلنا بعد أن سرق نصفه تماماً، وقد فطنا إلى سجادة الغرفة (موكيت من النوع الخشن) فالتحفناها بعد يومين من البرد، كما كنا نستخدم الأحذية كوسائد، وكان الحمام خارج الغرفة المغلقة، وكنا نخرج مرتين للحمام وقضاء الحاجة، لمدة محددة لا تزيد عن خمسة دقائق، وفي الأيام الأولى كانت شهيتنا معدومة وأكلنا قليلاً من هول الصدمة والمفاجأة، التي لم نستوعبها إلا بعد أشهر عديدة، وهي ظاهرة عامة لكل موقوف في دوائر الأمن من شدة الخوف والرعب، مما ينتظرنا من مصير مجهول ثم بعد مدة يعتاد السجين على الظرف والعالم المظلم الذي دخله.. فيبدأ بالتكيف ويضطر للأكل لكي يبقى حياً ويواجه قدره بشيء من الحزم والمصابرة.
Page 5
وفي الأسبوع الثاني من حياة البرزخ وجدنا أنفسنا في موقف الزنزانة، وقد كان بعض الحرّاس والعاملين في المعتقل يتندر معنا ويقول: لو ذهبتم إلى الزنزانة لعلمتم أنكم الآن في فندق من فنادق الدرجة الأولى. وكنا لا نصدق هذه المقارنة لعدم وجود أية خدمات في موقف المركز الرئيسي، ولكن ظهر لنا فيما بعد أن هذا الكلام صحيح, ويكفي أننا هنا نتحرك بحرية وننام على الظهر، حيث حرمنا من ذلك في الزنزانة طيلة أشهر الضيافة المجانية، التي مرّت علينا بكل قسوتها ومرارتها ببطيء شديد.
لم يفارقنا الدعاء ولا الصلاة في تلك الزنزانة المظلمة، ولم نفتر من العبادة حتى واجهنا معضلة المرض الشديد. لقد كان برنامج الحفظ والدروس الإسلامية والروحية من مميزات الحياة في الزنزانة، وهي نشاطات لم تكن موجودة بهذه السعة من قبل. وقد كان البكاء على فراق الأحبة لا ينفك عن البعض، في تلك الغرفة المظلمة وفي مراحل الاعتقال الأخرى كما سنرى في الفصول القادمة. ولقد كان البكاء أنيسي وزادي في المعتقل، تماماً مثل أثر الصبر والصلاة. وكنت أشعر بالراحة بعد كل مرة أبكي فيها وأعتبر ذلك عنواناً للرحمة والحنان ورقة القلب. وقد كان الفراق والبعد عن الأهل والأحبة أهم أسباب البكاء، فضلاً عن الشعور بمرارة الظلم الذي وقع علينا، وكان البعض ينتقد ظاهرة البكاء هذه، التي يشاركني فيها بعض السجناء، فكنت أرد عليهم بأن البكاء رحمة، وقد بكى النبي الكريم محمد على ابنه إبراهيم. وكذلك بكى النبي يعقوب لفراق ابنه يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن، ولكن بدون اعتراض على قدر الله وحكمه.
لقد كان لذلك الفراق ومرارة الظلم، أثر كبير في استشعار ثقل المحنة، غير أن ألطاف الله سبحانه وكرمه كانت تنفذ إلى نفوسنا نفاذ النور في الظلمة واختراق الضياء للظلام، فتتبدد الظلمة الحالكة ويحل النور والتفاؤل والإحساس بالأمن والاطمئنان محل اليأس والضجر والاحباط والتعاسة. وتفيض الروح بالسعادة وتشرق النفس بالسكينة ويمتلي القلب بالنفحات الربانية من الله العلي البصير، فتمتلئ أرواحنا راحة ورضاً، ونستشعر تأييد الله ونصره لنا بعد كل ضيق نمر به في ظلمات المعتقل، فيسود الأمل برحمة الله والشعور بأنه سبحانه معنا. هكذا كنا نستشعر اللطف والكرم الالهي رغم الظلمات التي تتقلب فيها قلوبنا، من هول صور العذاب التي نراها، وشرور البشر المحيطين بنا، فلا تكاد تجد فيها رقة ولا رحمة، الا من رحم الله من القلة القليلة من السجانين والمحققين وغيرهم.
Page 6
رحلة الى برزخ مجهول:
لقد كان اختيار كلمة (برزخ) كعنوان للكتاب وفصوله, قد تم في الأشهر الأولى من اعتقالنا, وقبل الشروع بالكتابة, وذلك للتقارب الشديد بين حياة البرزخ وحياة المعتقل هنا, فنحن منقطعون نهائياً عن عالمنا العلوي ولم نعرف عنه شيئاً خلال الأشهر الأولى, إلى أن ابتكرنا طريقة الرسائل السرية إلى الأهل بمساعدة الحرس مقابل شيء من المال. كما أن صور العذاب في المعتقل تقترب من صورة عذاب القبر, إضافة إلى حرمان السجين من أي نوع من أنواع الحرية والحقوق الإنسانية البسيطة.
إنها رحلة في ذلك البرزخ المجهول.. ويا لها من رحلة عجيبة وغريبة, أرادها الله لنا, وقدرٌ شاء الله أن نواجهه بكل جزئياته, وهو ابتلاء واختبار صعب ذلك الاعتقال المفاجئ الذي داهمنا وعشنا أيامه ولياليه بل ساعاته ولحظاته خلال أشهر المحنة, وكان رغم ما يحمل في طياته من صور الظلم والغدر والقهر، يجمع أيضاً بين المرارة والجمال وبين القسوة وظلال الرحمة وبين الصبر والثقة والأمل وبين الجزع واليأس والقنوط.
لقد ابتدأت هذه الرحلة في إحدى ليالي الشتاء وفي أواخر شهر كانون الأول, حين وقعنا في كمين أمني كما أسلفنا.. وتبين لنا فيما بعد ان ذلك كان فخاً مدبراً وضعوه لنا بالتنسيق مع الجهاز الأمني، للايقاع بي وبمكتبي الاعلامي ذي النشاط الاسلامي المعروف في فترة التسعينيات.. وتم بعدها إيداعنا في المعتقل .
ولقد برزت فكرة كتابة هذه المذكرات في الزنزانة بعد بضعة أشهر من التوقيف, لهول ما حدث لنا من ملابسات وأحداث ومعاناة يشيب لها الرأس وتدمع لها العين, حيث الذل والإهمال والحياة الضيقة الرتيبة المنسية.. فقد كانت الأيام والأشهر تمرّ علينا ولا أحد يسالُ عنا, بل كنا نعيش تحت كابوس المصير المجهول، في أحد دهاليز الأمن السرية, وما أكثرها في دول الشرق وفي العالم الثالث, وما أبخس الإنسان هنا حين يحيا وحين يموت.
Page 7
حياتنا في البرزخ:
لقد مرت أيام الشتاء قاسية علينا, ونحن نعيش في مكان عفن ورطب ومظلم وبارد, دون أن تتوفر فيه أبسط الخدمات, كالملابس والأغطية والفراش، وذلك لتعذر الاتصال بالأهل ولعدم تعهد الدولة بتجهيز تلك المستلزمات التي يحتاجها السجين. أما قائمة الممنوعات التي تم ابلاغنا بها فليس لها نهاية. فكل شيء يمكن أن تعمله خارج المعتقل مسبوق هنا بكلمة (لا) والمسموح منه مشروط بشروط خاصة وقاسية.. فلا نأكل ولا نشرب ولا ننام ولا نتحرك إلا وفق سياقٍ فضٍّ وغليظٍ وبرنامج أمني متعب. أما الإهانات والضرب فيمكن أن نتعرض لها لأتفه الأسباب والأخطاء داخل القاعة المظلمة. أما الكثافة العددية للسجناء فهي أمر يقرب من الخيال – وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً - . أما الجوع – وما أدراك ما الجوع - فليس أبرز منه ولا أخطر إلا المرض (أمراض المعتقلات المعروفة), فالجوع والمرض من أبرز معالم الحياة هنا في المعتقل. يأتي بعدها الكثرة العددية والكثافة الخانقة, ثم العفونة والقذارة والبرد الشديد (شتاءً) والرطوبة والحر الشديد (صيفاً) .. وأخيراً وليس آخراً.. الظلام الذي يحيط بعالمنا السفلي هذا.
ربما يشعر القارئ بشيء من المبالغة في هذا الوصف, ولكنه لا يمثل غير الواقع الصادق الذي رأيناه وعشناه منذ أشهر طويلة, أنه عالم مظلم صنعه البشر ليعيش فيه مجموعة من البشر لنوع من الحياة هي أقرب إلى عالم الأموات في قبورهم، لولا إنهم يتنفسون ويتناولون ما يسد رمقهم ويجعلهم قادرين على الاستمرار في هذه الحياة, وربما يسقط بعضهم فريسة مرض ما, وقد يؤدي به إلى الهلاك – كما حدث لبعضنا - إنها قصة غريبة يعيشها إنسان القرن العشرين في سنيه الأخيرة, وليس (إنسان نياندرتال) في العصور الغابرة، فيما يسمى بعصور ما قبل التاريخ.
أما الصيف الذي نستقبل أيامه وأسابيعه الأولى حالياً , فله طعم آخر ونكهة خاصة به, فالحر والعرق يصبغنا هنا كما تصبغ البهارات الحارة الطعام الهندي, فلا يتجرعه إلا من اعتاد عليه, فكيف ونحن لم نعتد على ذلك الحر وتلك الظروف القاسية.. فيضاعف ذلك الحر حرارة المحنة في الصيف, كما يضاعف المرض محنة السجن في الشتاء, وهكذا تمر الأيام ونحن نعدها عداً يوماً بعد يوم, بل كنا نحجز لأنفسنا فترة محددة كأن تكون شهراً (مثلاً) ونقوم بوضع إشارة على الحائط عن كل يوم يمر, وإذا انتهت المدة حجزنا لأنفسنا فترة أخرى وهكذا.. وكان البعض يستهويهم أسلوب الحجز هذا، لأنه يحمل في طياته الأمل والبشرى في نهاية مدة الحجز كنوع من الحدس أو الرجاء, وكنا نعيش على أمل الخروج لكننا كنا دوماً مستعدون لتجديد المدة, وكانت هذه الطريقة تساعد على سرعة مرور الأيام والليالي الطويلة، وكأنها حبات الرمل في الصحراء.
Page 8
-
في الحقيقة إن الاختلاف بسيط بين معاناة الصيف ومعاناة الشتاء, عدا أزمة الجو وارتفاع درجة الحرارة، بسبب الكثرة البشرية. لقد كان حر الصيف في المعتقل لا يطاق، حتى وكأننا في حمام التعرق بالبخار (ساونا).. فيمكنك تصور معاناتنا حين تعلم أننا نقاسي من الحر في الشتاء-أحياناً- بسبب الكثافة البشرية.. فكيف يكون الأمر في الصيف؟!. من حسن الحظ أن توجد مبردة هواء في المعتقل ولكنها للأسف! لم تزود بمضخة الماء, فتعمل وكأنها مروحة, وتبعد عن قاعتنا مسافة تزيد عن (30) ثلاثين متراً، علماً بأن القاعة التي نعيش فيها لا تزيد مساحتها على (20) عشرين متراً مربعاً. ولا تقع المبردة أمام القاعة مباشرةً, ولكن على جانبها, فالهواء يمر بمسار على شكل حرف (U) ليصل إلى القاعة .لقد كانت القاعة الأولى بدون إضاءة, فهي مظلمة حتى في النهار, لأن أشعة الشمس لا تدخلها طوال النهار، وهي مقسمة إلى قسمين: المحجر, وفيه الحمام وهو بمساحة(ثلاثة) أمتار مربعة, وفناء القاعة (الغرفة) في الخلف.لقد كان لضيق المكان والكثافة العددية العالية, الأثر الواضح على ارتفاع درجة الحرارة, وصعوبة المحافظة على النظافة, وبالتالي انتشار الأمراض وتردي المقاومة في مواجهة الظروف الصعبة.أما النوم فله طريقته وأسلوبه في توفير المكان, وتفادي الإشكالات التي تولدها الكثرة, فهو يتم عادة بواسطة التنضيد المتراص, والنوم على الجنب, ويقوم مراقب القاعة- وهو أحد السجناء المخول بإدارة أمور القاعة - يومياً بتحديد أماكن النوم وطريقته مع إبقاء نسبة من السجناء واقفين للتناوب مع النائمين بما يسمى بنظام واجبات النوم, في حالة عدم اتساع المكان للعدد الكلي.. وتسمى طريقة النوم هذه (طريقة السك أو التراص), وفيها يمنع النوم على الظهر, ويكون على الجنب فقط وعلى جهة واحدة, وكأننا سمك في علبة السردين, ولا حول ولا قوة إلا بالله..ولما كان عرض القاعة لا يزيد على ثلاثة أمتار فإن التداخل بالأرجل حالة متوقعة ومعتادة, فالأرجل المتقابلة قد تصل إلى الحوض وأحياناً إلى الكتف, حسب طول قامة المتقابلين عند النوم. ومن الطبيعي أن ينتج عن هذا الوضع نوم متقطع, لا يخلو غالباً من شجار وعراك لأتفه الأسباب, بين بعض السجناء, مما يضطرنا إلى التدخل لتهدئة الموقف, أو قد يتدخل المراقب أو الحرس لحل النزاعات.. وفي حالة زيادة العدد وأتباع أسلوب الواجبات, تقسم الغرفة إلى حظائر ومجاميع, فكل خمسة أو ستة تمثل مجموعة, يكون أحد أفرادها واقفاً بالتناوب. ولعدم توفر ساعة لتنظيم الخفارات يتم اعتماد العد, كأسلوب عملي لتحديد الوقت, وهذا الأسلوب أيضاً يكون سبباً في بعض المشاكل والاختلافات, لاسيما مع البعض الذين لم يتعظوا من هذه المحنة, وتكون رغبة النوم عندهم أهم من مصلحة الآخرين, فترى شخصاً يعد سريعاً، وآخر لا يعد ويقدّر الوقت تقديراً، وآخر يكلّف آخر بالعد وهكذا. وكان الخفر الأول يعد إلى 1000 أو أكثر حسب عدد مجموعة الخفارة, ثم يليه الثاني وهكذا .
Page 9
أما الماء فلم يكن في الغالب متوافراً أثناء النهار, وجزءً من الليل سواء في أيام الشتاء الباردة أو الصيف الملتهب, لكنه في الصيف أكثر شحة, حيث يتوفر ما بين الساعة الثانية ليلاً والتاسعة صباحاً, وبشكل متقطع. أما في الشتاء فيتوفر من الساعة (9) التاسعة ليلاً إلى الساعة التاسعة صباحاً وبشكل متقطع أيضاً. ان لقلة الماء أثر واضح على النظافة والغسل وقضاء الحاجة وغسل الملابس والوضوء والمحافظة على الوضع الصحي, فتنعكس تلك الحياة سلباً على الصحة بشكل عام. إن ترتيب عملية قضاء الحاجة والوضوء (أو الحمام الصباحي والمسائي كما يسمى في المنزل) ليس بالأمر الهين بسبب شحة الماء, فلكل سجين تسلسله ورقمه في كل دورة, سواء في صلاة الفجر أو الضحى بعد الاستيقاظ من النوم, أو المغرب, أو في الليل قبل النوم, حيث تمنع الحركة والتنقل بعد فترة النوم, أي بعد الساعة (12) ليلاً, كما أن لكل موقوف حصة محددة من الماء لعدم توفر حاويات كبيرة لخزنه أثناء النهار بعد انقطاعه.
أما بالنسبة للوضع الصحي للسجناء, فإنه يختلف في الصيف عنه في الشتاء, فالأمراض في الشتاء, أكثر تنوعاً وخطراً, بسبب الجوع الشديد والوسخ والرطوبة, والهواء الفاسد الناتج عن الكثرة وعدم التعرض للشمس, مما يؤدي إلى انتشار الأمراض الجلدية والجرب, وأمراض اللثة والضعف العام والبواسير, لقلة الحركة داخل الزنزانة, وكذا الحساسية والمضاعفات الأخرى كالالتهابات البكتيرية التي تظهر على الجلد على شكل دمامل (حبوب) تنـزف قيحاً ودماً. كما كان للجوع الشديد أثر في إضعاف مقاومة الجسم للأمراض, حيث أن الطعام يخلو من كثير من المواد الأساسية والفيتامينات التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية فضلاً عن قلته. لقد كانت وجبة الطعام اليومية الوحيدة لا تعدو أن تكون كوباً من حساء الرز (الشوربة) وكوب من المرق مع صمونتين فقط لا يزيد قياس الواحدة منها على 10× 3سم, أما حصة الرز فكانت كوباً واحداً كل يومين, وأحياناً تقل الحصة عن ذلك، بسبب السرقة والتلاعب من قبل الحرس والمسؤولين عن الطعام، وكذلك المتعهد (المقاول) الذي يعدُّ وينقل الطعام الى المعتقل.
إن هذه الحصة اليومية لا تكفي طفلاً صغيراً لوجبة واحدة فكيف يمكن أن تكفينا طوال اليوم. لقد استمر هذا النظام التجويعي أكثر من خمسة أشهر حتى أُذن لنا بمواجهة أهلينا, فتوفر الطعام بصورة محدودة, بعد أن سبب ذلك الوضع كثيراً من الأمراض والوفيات, وأصبحنا جميعاً نشكو من هزال غير مألوف بحيث أصبح وزن أحدنا نصف وزنه قبل أن يبتلى بتلك المحنة إن لم نقل أكثر من ذلك.
Page 10
وقد كان تناقص الوزن أمراً رهيباً ومذهلاً لنا جميعاً. كما سجل شتاء هذه المحنة أربع وفيات! بسبب سوء التغذية, وكان كل فرد منا يخشى أن تكون نهايته قريبة بالموت جوعاً, حيث فقد بعضنا (60) ستين كيلو غراماً من وزن جسمه, وفقد بعضهم أقل من ذلك, وقد كان معدل انخفاض الوزن لدى السجناء (20) كيلو غرام شهرياً، أو (40) كيلو غراماً خلال أشهر قليلة.وقد فقدت أنا شخصياً (40) كيلو غرام خلال شهرين، حيث انخفض وزني من (90) كيلو إلى (50) كيلو في مطلع حزيران، ثم استعاد جسمي جزءً من وزني بعد توفر الطعام والسماح بمواجهة الأهل بمعدل عشر دقائق شهرياً.
أما أمراض الصيف فإنها تختلف وتتغير بتغير الظروف, وتتحسن بتحسنها, وبانتهاء حالة الجوع الشديد التي كانت تسود فترة الشتاء, وكذلك عدم الحاجة إلى الشمس صيفاً، مما يرفع مقاومة الجسم ويجعله في وضع صحي أفضل, تغير حالنا نحو الأفضل, إلا أن المعاناة اليومية التي تلاشت وهدأت من الناحية الصحية، ظهرت بصورة أعمق أثراً من ناحية الظروف الطبيعية والحر المهلك.. كما سادت بيننا بعض الأمراض التقليدية، كأمراض المعدة والتسمم والإسهال والمغص, وغيرها من أمراض الجهاز الهضمي, لاسيما في بداية مرحلة توفر الطعام, حيث لم تكن المعدة مستعدة لاستقبال الطعام الكثير والدسم, كما أن سوء الخزن كان من الأسباب الأساسية للتسمم والإسهال. أما معاناة الحر الشديد فسنرى أنها كانت أشد فتكاً من المرض نفسه.
في الحقيقة أن أمراض الصيف كانت تبدو أسرع حدوثاً, وأكثر إيلاماً من أمراض الجوع والشتاء, ويمكن الاستنتاج من هذه المقارنة البسيطة، أن أمراض الأغنياء أشد إيلاماً من أمراض الفقراء, وتلك حكمة طريفة من حكم السجن ومشاهداته, رغم أن أمراض الشتاء كانت أكثر رعباً وأشد أثراً, لأنها كانت تهدد المصير والوجود.. والمرض بكل أشكاله وصوره هو جزء من ابتلاء الله سبحانه لنا, حينما يريد الله سبحانه أن يبتلي عباده المؤمنين، بنقص من الأموال والأنفس والثمرات وشيء من الخوف والجوع, وربما هنا الجوع كله، بكل ما فيه من معان ومعاناة. لقد كانت الصدقة في واقع الحال تحل على الكثير منا, فقد كنا بحاجة إلى تمرة أو ربما إلى شق تمرة, وكان البعض يأكل الطعام الفاسد ثم يشرب بعده ماءً مالحاً , أو يأكل قشور الفواكه , وكنا نمنعهم من تلك الممارسات ولكن دون جدوى, وكان ذلك يحدث عندما يتوفر البرتقال أو التمر وهو لا يتوفر إلا خطأً وبمعدل مرة واحدة في الشهر أو الشهرين.