في ذكرى:
عبير قاسم حمزة الجنابي (1991- 2006)
الفتاة العراقية صاحبة الأربعة عشر ربيعا التي اغتصبت وقتلت على يد جنود البحرية الأمريكية في 12 آذار (مارس) 2006.
وعلى أمل بمستقبل مليء بالحب والسلام لـ:
موشيه هولتزبيرغ
الطفل اليهودي ذو العامين والداه الحاخام غابرييل هولتزبيرغ و ريفكا هولتزبيرغ الذان قتلا على يد العصابات المسلمة في بومبي في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008.
لماذا أكتب هذا الكتاب؟ لم يطلب مني أحد كتابته. وخاصة أولئك الذين قصدتهم به.
فرانس فانون (1952)
حضارات المعلومات
أنا متأكد باننا سنستحق التحية كمحررين... لقد تحدثت إلى الكثير من العراقيين بنفسي بالأشهر الأخيرة, وهم بالبيت الأبيض. نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني لإذاعة إي بي سي (تيم راسرت 14 أيلول – سبتمبر- 2003.
سؤال: قال سيادة نائب الرئيس تشيني بأنه يتوقع أن القوات الأمريكية ستستقبل بالتحية وستستقبل كمحررة أرجو منكم إخبارنا إذا كنت توافقه الرأي وهل تظن أنهم سيستقبلون بالتحية؟
كنان مكية: أنا بالتأكيد أوافقه الرأي. كما أخبرت الرئيس في 10 كانون الثاني (يناير) سيستقبلونهم بالحلوى والورود في الاشهر الأولى ولا يوجد لدي شك بأن القضية ستكون كذلك. كنان مكية طالب عراقي يعيسش في المنفى في الولايات المتحدة وقال هذا في نادي الإعلام الوطني في واشنطن في 15 أيلول (سبتمبر) 2003.
في تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 تصدرت صفحات الصحف الأولى وعناوينها الرئيسية خبرا محزنا وصورا مخيفة عن أعمال عنف لعصابات في أماكن مكتظة بالسكان, محطة قطار, قهوة مشهورة, ومركز دار رعاية لليهود ومستشفى وفندقين فخمين في بومبي في الهند . قتل على الاقل 173 شخص وخلفوا اعداد كبيرة من الجرحى. وكالعادة الهند اتهمت باكستان, وباكستان نكرت اي علاقة لها بالأحداث.
الفوضى التي حصلت في الهند تزامنت مع عطلة عيد الشكر في الولايات المتحدة. وخلال ساعات من الاحداث كانت محطات بث الـ سي إن إن ومحطات أخبار امريكية وأوروبية أذاعت كل التفاصيل عن الضحايا وعن حياتهم وعن مماتهم. وعرضت صور كيا شير "أحد الضحايا" مع زوجها ألان وابنتهم, ونعومي التي أخبرت الـ سي إن إن لقد قتل كليهما في بومبي. وكانت هناك قصة الحاخام غابرييل نوح هولتزبيرغ 29 عاما وزوجته ريفيكا 28 عاما من الشاباد لوبافيتش الذي قتل داخل بيت الناريمان. طفلهم موشيه الذي نقلته مربيته ساندرا صموئيل إلى مكان آمن, هو الآن مع جديه في بروكلين. وقدمت صحيفة الواشنطن بوست تفاصيل عن غداء السوتشي للآنسة ليندا راغسديل رسامة كتب الاطفال من ناشفيل والتي تزور الهند حاليا مع بعثة تأمل من فيرجينيا, حيث كانت في القهوة في منطقة الاستقبال في فندق أوبيروي عند تعرضها والمجموعة للهجوم. إن المرء ليشعر بالرعب وبحجم المعاناة التي تعرضت لها الضحايا مع كل هذه التفاصيل الإنسانية والآنية.
استمر الرعب في بومبي حوالي ثلاثة أيام. وذلك خلال ماسبق من سبعة سنوات لغزو أفغانستان والعراق وقيام اسرائيل باغتيالات لشخصيات فلسطينية مع عدد كبير من الضحايا أثناء التنفيذ في كل من لبنان وفلسطين وحصار أكثر من 1.5 مليون فلسطيني في غزة ذلك المكان الذي تصفه المنظمات الانسانية بأكبر سجن على وجه الأرض. كل هذا الذي تسبب بمقتل مئات الالوف, في العراق وحدها 655,000 قبل عام 2006. بناء على احصائيات متحفظة جدا اولية كما أوردها تقرير لانسيت إضافة الى ملايين اللاجئيين. المدنيين من الأفغان والعراقيين كانوا ضحايا حرب في حفلات زفاف أو في باحات المدارس في مستشفيات أو حتى في المنازل. الأفغان والعراقيين على السواء عذبوا في قاعدة باغرام الجوية, في أبو غريب وفي خليج غونتنامو. عبير قاسم حمزة الجنابي شابة عراقية اغتصبت على يد ثلة من جنود البحرية الأمريكية ثم قتلت مع والديها وإخوتها ثم أحرقوا جثثهم. ومن بين المجازر كانت مجزرة الحديثة شمال غرب بغداد حيث قام جنود البحرية الأمريكية بقتل عشرات العراقيين المدنيين بما فيهم أطفال ونساء والذين من المفروض أنهم تحت وصايتهم وبرعايتهم. رميت نسخ المصحف الشريف في دورات المياه ومنها ما استخدم في غرف التعذيب. أجيال من الفلسطينيين كانوا ضحايا ألة القتل الاسرائيلية. سرقت أراضيهم من تحت أقدامهم قتلوا رجالها ورملوا نسائها وأطفال من أمثال محمد الدرة قتل بأيد اسرائيلية. عانى الأباء من الجوع بسبب الحصار ثم تفضلت عليهم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالمساعدة. والعالم يشاهد بصمت وقبل أن يدفع ثمن المحرقة اليهودية نكبة الفلسطينيين.
أي شخص عاش في الولايات المتحدة الأمريكية في الـ 30 عاما الماضية وقرأ أهم صحفها ومجلاتها وتصفح أخبار الانترنت وشاهد الاخبار على المحطات الفضائية لن يستطيع ان يجد تغطية مماثلة تصور بشاعة ما جرى في بومبي بينما لم تحظى الجرائم المروعة للولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان والعراق وما يماثلها من جرائم إسرائيل في فلسطين ولبنان بأي تغطية إعلامية. ما شهدناه هو الغضب لأحداث بومبي بين 26-29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 وأحداث نيويورك في 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وأحداث مدريد في 11 أذار (مارس) 2004 وأحداث لندن في 7 تموز (يوليو)2005 غضب تحول إلى نقمة سياسية على المسلمين خصوصا وعلى الاسلام بشكل عام والسؤال هنا: لماذا؟
الرجاء ملاحظة التباين بين الأوروبيين والأمريكان في التقرير الذي حمل تفاصيل الرعب باحداث بومبي, لقد بذل المنتج ومعدي التقارير المستحيل لإيجاد شاب بريطاني من أصول جنوب أسيوية ومن نفس الانتماء الطائفي ومن نفس الفئة العمرية للمجرم الذي نفذ العملية والذي يتواجد إما في أحد مشافي الهند مثقلا بالجراح أو هابطا في مطار لندن ليروي الأحداث المروعة بلكنة معروفة من قبل المستمع البريطاني دون تعميم أو تسييس أو التلميح بأن هذا العمل سيستخدم كمبرر للتمييز العنصري ضد المهاجرين إلى أوروبا. بسناريو مشابه وبعد أحداث لندن في 7 تموز (يوليو)2005 برأ المحافظ كين ليفينستون مسلمي بريطانيا والجالية الأسيوية الجنوبية من أي صلة بالأحداث. ولم أر خلال تواجدي 30 عاما في الولايات المتحدة شيثا مماثلا في الأخبار, بل على العكس اتهم المحافظ رودولف جيولياني الاسلام بأحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 وبهذا كان قد وضع ملايين المسلمين الأمريكيين في خطر محدق.
هذا الافتراض بتجريم المسلمين هو بصمة شائعة في الإعلام الأمريكي. بوجود صحفيين مثل السيد توماس فريدمان الصحفي في مجلة نيويورك تايمز والذي أجاب من تعجب من عدم خروج المسلمين للشوارع (وليس فقط الباكستانيين) للاعتراض على القتل الجماعي في بومبي. أنا متعجب من خروج المسلمين الى الشوارع معترضين (كان هذا إبان السخرية من نبي المسلمين بالكاريكاتير في الصحف الدنيماركية) هذا ليس نقدا أو سخرية لقد كان الرجل جادا. لماذا تجمهر المسلمين في الشوارع معترضين على الجرائم في بومبي؟ وما علاقتهم بهذا؟ فقال فريدمان:
لأنها تسيء للعالم أجمع. إن أفضل دفاع ضد مثل هذه الأحداث العنيفة هو محاصرتها والحد من انتشارها وهذا لن يكون دون شجبها على العلن مرات ومرات ورفضها وعزلها وفضح مجرميها وتحجيمها لا بتضخيمها أو تجاهلها أو تبرير أسباب حدوثها وشرح نشاطها وتأثيرها.
حقا؟ هل نستطيع أن نقلب الصورة؟ كم من الأمريكان مستعد ليشجب علنا مرات ومرات الجرائم المنوطة بالرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن ونائبه ديك تشيني ووزيرهم دونالد رامسفيلد؟ كيف نستطيع عزل المسؤولين المنتخبين بالطريقة الديموقراطية؟ لا يوجد مسلم واحد انتخب هؤلاء القتلة منفذي أحداث بومبي. إنهم جزء من عصابة الجريمة التي أوجدتها السياسة الخارجية الأمريكية وبأموال سعودية وبمساعدة المخابرات الباكستانية. ولكن بوش وشركاؤه قد تم انتخابهم وهم مسؤولون عن جرائم العراق وأفغانستان. كم عدد اليهود الذين خرجوا الى الشوارع معترضين على الاغتصاب الصهيوني المسلح لأراضي الآخرين؟ أو معترضين على القاتل باروخ جولدشتاين حينما قتل المصلين في المسجد أو على المجاعة لـ 1.5 مليون إنسان في غزة أو سرقة المستوطنين لأراضي الفلسطينيين في وضح النهار وبقتل كل من يجرؤ أن يرفع صوته او للقتل العمد لأطفال الفلسطينيين على يد جنود الجيش الاسرائيلي. هل انتفض المسيحيون حول العالم عندما فجر تيموثي ماكفيه بناء حكوميا في أوكلاهوما عام 1995 وقتل 168 شخصا؟ هل خرجوا الى الشوارع عام 2007 عندما قتل سيونغ هوي شو 33 طالبا في مدرسة فرجينيا طالب لكل عام عاشه السيد المسيح؟ أو هل خرجوا إلى الشوارع معترضين بين عامي 1972 – 1976 عندما اغتصب وقتل المسيحي جون واين غاسي 33 صبي وشاب أيضا واحد عن كل عام عاشه السيد المسيح؟ هل خرج هندوس العالم الى الشوارع في ام 2002 عندما أغتصبت عصابة هندوسية نساء مسلمات في العلن ومزقوا بطون الحوامل وعقروا أجنتهم؟ إذا لماذا على المسلمين ان يكونواا مطالبين بخلاف غيرهم؟ آخر مرة خرج بها الملايين من مسلمين ويهود ومسيحيين وهندوس وملحدين في 15 شباط (فبراير) 2003 منددين بأعمال القتل والتخريب التي قامت بها الحكومة الأمريكية في أفغانستان والتي كانت على وشك أن تتكرر في العراق وبتغطية إعلامية من قبل فريق فريدمان في نيويورك تايمز.
كلمات فريدمان المثيرة للجدل وبعمود مقالة واحد أدانت أكثر من 1.5 مليار مسلم أي ربع سكان العالم. كيف السبيل لتقبل مثل هذه الحكمة من شخص او من أمة أو من إمبراطورية؟
ما نستطيع انتقاده في الولايات المتحدة بعد حادثة 9/11 هو الإعلام متمثلا بنيويورك تايمز التي كانت تدق طبول الحرب ضد أفغانستان وبعدها بقليل ضد العراق. وللتحديد نذكر الصحافية جودث ميللر من نيويورك تايمز والتي أخطأت بالصياغة فوضحت أن ماأخبرها به بعض العراقيين في المنفى وبعد مسؤولي الحكومة الأمريكية كونها صحفية مرافقة قبل تفاقم الحربين بان نيويورك تايمز هي الناطق بإسم إدارة الرئيس بوش.
ومع النقد الصحفي أصبح الشعب الأمريكي يهاجم المسلمين بتلك الصبغة التي أضفتها الصحافة على الاسلام وهناك أسماء شهيرة وهناك باحثين مثل دانييل بايب وديفد هورووتز. وكان الخبير القانوني في جامعة هارفرد ألان ديرشوفتز قد ناقش إدراج قانونية تعذيب المعتقلين باسم الإرهاب تماما قبل الكشف عن الحقائق بتعذيب السجناء في سجن ابو غريب وغيرها. إن أمثال ديرشوفتز استقوا الفكرة من روح القوانين الغربية كما استقى خبير حقوق الانسان مايكل إيغناتيف أفكارة من روح حقوق الانسان الغربية. وبعدها سادت فكرة العداء للاسلام وتم انتاج فيلم وثائقي على يد الحاخام الاسرائيلي الكندي رافائيل شور والذي كان يهدف للتأثير على الناخب الامريكي ضد باراك أوباما ولصالح جون ماكين. خلال فترة جورج بوش مرورا بفترة انتخابات 2008 كانت حقبة مفتوحة ضد الاسلام.
ما يجدر النظر اليه للمفارقة هو الجرائم التي ترتكب على يد من نفذها من مسلمي الديانة والنظر إلى الجرائم الأبشع والأفظع التي ترتكب بحق المسلمين! كيف للمرء أن يتفهم هذه اللاإنسانية الممنهجة ضد العرب والمسلمين والتي تصورهم على أنهم لايقدرون إلا على فعل الجريمة بينما من ارتكب الجرم هم قلة قليلة مع إغفال كامل لحقيقة أن الملايين من المسلمين هم ضحايا؟ أتذكر بأنني رأيت الكتاب التعليمي عن شيكسبير /خلق الانسان/ أو / اختراع الانسان/ لهارولد بلووم في مكتبة نيويورك عام 1999 حيث يستغرب من لم يقرؤا أو لا يستطيعوا قراءة شيكسبير, هل هم من البشر؟ إذا وخذتهم ألا ينزفون؟ يوجد لدي نفس ردة الفعل فبفيلم ميونخ لـ ستيفن شبيلبرغ عام 2005. بكل مرة نشاهد به اسرائيليين يخططون لقتل فلسطينيا انتقاما لعملية اولمبياد ميونخ عام 1972 نراهم ياكلون ويشربون ولا نرى الفلسطيني الضحية يرشف حتى رشفة ماء لماذا؟ ألا يأكل الفلسطينيون؟ إذا وخزتهم ألا يصرخون؟ لماذا يضفون اللمسة الإنسانية على القاتل الاسرائيلي ولا يضفونها على الضحايا من الفلسطينيين؟ ما تبين هو أن ما يعرض لا علاقة له بعملية ميونخ.
يجب التمحيص في إنهاء وجود البعد الإنساني ذاك, ومن أين أتى وما هي أهدافه؟ لا نجد بالصحافة الأمريكية والاوروبية إلا القليل جدا عن ضحايا الغطرسة الامبريالية من أفغان وعراقيين وفلسطينيين والقليل عن النفاق والكيل بمكيالين. وهذا يوضح ضحالة إنسانيتنا وفداحة أخطائها. ويبقى السؤال المهم لماذا تظهر كل هذه الكراهية والغضب عندما تكون الأحداث في بومبي أو لندن أو تل أبيب أو نيويورك وتتلاشى عندما تكون أضعافا مضاعفة من القتل والدمار في بغداد أو قندهار أو بيروت أو غزة؟ لن نحصل على الجواب في الاروقة التي تتقصد الإيذاء. يجب أن نبحث عن الأجوبة بحذر من خلال الحالة الاقتصادية المتعثرة والحالة السياسية المتخبطة والتي تصبو الى السيطرة من خلال شعار فرق تسد حيث يرى البعض بأن أحدهم بشرا أكثر من أخيه من بني البشر.
الأيديولوجية في المجتمع (المجتمع الممنهج)
إن الفكرة الأساسية في هذا الكتاب هي أنه في هذه الأيام أمريكا وأوروبا – وبالطبع أذيالهم ممن يسيطرون عليهم – جعلوا أصحاب البشرة السمراء هم السود الجدد والمسلمين هم اليهود. وذلك بتغيير رموز التفرقة العنصرية التي تعمل طاقتها بمناهج معينة لتغيير الظروف من خلال سيطرة رأس المال الذي ينتج باستمرار ثقافاته المضللة. وبالنتيجة ما أريده هو الآلية التي من خلالها تتم صياغة المنهجية (الإيديولوجية) في قلب الموقع المؤلف من الامبراطورية الأمريكية وحلفائها. وهدفي هو توضيح الفارق بين الحقيقة والوهم الذي يشوه أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في الولايات المتحدة وأحداث لندن في 7 تموز (يوليو)2005 وأحداث مدريد في 11 أذار (مارس) 2004 وبومبي بين 26-29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 ويحولها إلى أحداث سياسية مع مضمون عنصري واضح يستهدف الاسلام بشكل عام والمسلمين بشكل خاص, بينما يغفل المغامرات الامبريالية للولايات المتحدة وآخرها كان في أفغانستان والعراق والسطو المسلح على وطن الفلسطينيين من قبل عصابة اوروبية استعمارية تدعو نفسها اسرائيل من خلال خطوات تظهر القوى الامبريالية الغربية شرعية أوحتى بريئة وتصل الى حد إظهارها ضحية لهجمات عالمية بربرية تستهدف حضارتها. قلب الحقائق هذه واختلاق وهم عن طريق السياسة هو محور أهمية هذا النقاش. والقصد من ذلك هو توضيح صورة مهمة لما سأدعوه (ناقل المعلومة المحلي) ودوره العملي في المجتمع وهي تسمية ودور غير مسبوق في التاريخ.
الاعتقاد بما قدمه وليام كورنهاوزر في 1959 ومفهوم المجتمعات الضخمة حيث أن الفرد فيها يعتبر مجرد قطرة في وحدة غير قادرة على الدفاع عن نفسها خارج أي دعم دستوري ضد الفاشية أو الدكتاتورية الشمولية وبالإمكان اضافة النزعات الفردية كما عبر غاي ديبور في 1967 في مجتمع المشهد حيث أن خبرة الفرد القطرة استبدلت بتمثيلهم والمجتمع الممنهج وكّل أمريكا وحلفائها بفكرة سائدة لبناء قدرة عسكرية حول العالم على عتبة القرن الحادي والعشرين. خليط من الأحداث التاريخية وتطور اجتماعي وإيمان وجودي وتمثيل مرئي أدى إلى نضوج الشروط الملائمة بالتكرار والإلحاح لإنتاج مجتمع سطحي يؤمن بتلك القدرة بالرغم من عدم وجود عوامل مشتركة سواء كانت دينية أو فكرية أو حتى طبقية بورجوازية. إيمان آسر بفردية تاريخية تجمع المجتمع الممنهج.
كورنهاوزر و ديبور رسموا أفكار إيريك فروم (الخوف من الحرية 1942) وأفكار ديفيد ريزمان (الجمهور الوحيد 1950) وهم بشكل رئيسي أصحاب نظرية نهوض الفاشية بالإضافة لفكرة ماركس بالتغرب أو اللاانتماء ومفهوم دوركهايم بلا أخلاقية المجتمع. وبالتالي فإن المجتمع الممنهج مؤمن بما سمّاه روبرت بيللا (الدين المدني) اصطلاح يقع دائما تحت رحمة تعثر رأس المال. للتأكد من الترجمة ثانية ص 8
في وقت سابق كتب ألكسي دو توكفيل (1805-1859) (الديمقراطية في أمريكا) واصفا قوى الحذف الفاشية المختبأة في حلة الديمقراطية الأمريكية المفضوحة:
لا أعرف أي بلد يوجد فيه حرية أقل للفكر وللنقاش الحر من أمريكا. في أمريكا حدد للجميع سور عام للفكر واي كاتب له الحرية ضمن هذا السور والويل لمن يتخطاه.
مر أكثر من قرن على فوكولت (وجه ثم عاقب) كتب توكفيل 1975: في السابق كان المستبد يستخدم أسلحة ووسائل مثل االسلاسل والمشانق واليوم نستخدم القمع يبدو أنه لا يوجد شيء نتعلمه بالرغم من أننا نسير نحو الكمال بحضارتنا. الأمراء استخدموا العنف والتصفية الجسدية أما جمهورياتنا الديمقراطية فقد تحولت إلى شيء ذكي يتناسب مع إنسانيتنا ألا وهو القهر. وتحت سلطة رجل واحد التصفية كانت تضرب الجسد واليوم ارتقينا إلى ما هو أرقى فالمستبد يضرب الروح مباشرة.
وكانت النتيجة التي وصل إليها:
في أكثر الامم افتخارا في العالم القديم تنشر الأعمال التي تصور بصدق التشتت المعاصر, لكن القوة المسيطرة في الولايات المتحدة لا تفهم انها مماثلة لهم إن أي تشبيه بهم يؤذيها وأقل تلميح عن هذه الحقيقة يحولها الى مفترس فعلى الجميع مدح كل شيء فيها من أصغر جملة تحكيها وصولا الى فضائلها العظيمة. لا يستطيع أي كاتب مهما كان شهيرا أن يحيد عن واجبه في الإشادة بمواطنيه لأن الجميع يعيشون بحالة مستمرة من الاعجاب بالذات. ولا مجال للفت النظر أو معرفة أمريكا الحقيقة إلا من خلال تجربة ما أو عن طريق الأجانب.
القوة التي تسيطر في الولايات المتحدة مازالت تعمل بنفس الطريقة ولا تقبل أي اقتراح لتحمل أي مسؤولية عن الجرائم التي ارتكبتها حول العالم. وفي صميم المجتمع الممنهج تكمن قضية المهمة الأخلاقية والمقدسة التي تخولها السيطرة على العالم.
يوجود في هذا التصور مسيحية عميقة تدفع امريكا للعمل بجد للتدخل والسيطرة على العالم بل وإنقاذه من نفسه. ولا تتفهم أمريكا العالم غير الممتن لهذا التدخل. والنتيجة ما هو أبعد من الرغبة بالسيطرة أو فرض فكرة تفوق الثقافة الامبريالية على الثقافات المتنوعة الاخرى للأمم الاصيلة سواء كان من سكان امريكا الاصليين وصولا للعراقيين. بل يوجد هناك حزن تراجيدي في الامبريالية الأمريكية كما قدمه أيثان إدوارد في شخصية جون وين في فلم الباحثون لجون فورد عام 1956 حيث عرض في آخر لقطة بالفلم: إيرهان يحرر ابنة أخيه دبيي (ناتالي وود) من الأسر من يد سكان أمريكا الاصليين وتدخل مع بقية الأسرة الى الداخل ويبقى إيرهان واقفا بمفرده. وبعد برهة يعود سائرا باتجاه الصحراء الخالية.
هناك شيء ما داخل الامبريالية الأمريكية يريد إنقاذ العالم من أيدي سكانه الأصليين البرابرة لتجعل العالم آمنا بإنسانيته الفانية وخلود فكرة أمريكا. كل ابطال أمريكا الخارقين من الرجل العنكبوت والرجل الخفاش هم مخلوقات وحيدة مؤمنة بأن القوة الخارقة مترافقة مع المسؤولية الكبيرة التي تمنعهم من الزواج وبناء عائلة. الإمبريالية الامريكية لا تنكر تاريخ وثقافة السكان الأصليين من أصحاب الحضارات ولكن من الأفضل لهم (وهذا ليس من شأنه قلة الاحترام) أن ينظروا الى ضوء النهار ويفعلوا كما يفعل الأمريكان. إلا أن الأمريكان أنفسهم وصلوا الى شبه اجماع عن ما هو الذي هم يفعلوه؟ لقد جعلت تسريبات وول ستريت الجميع يتراكضون للعمل بمبدأ البقاء للأفضل. وأخشى ماأخشاه ان في عمق الامبريالية الامريكية تكمن العنصرية (بالرغم من انتهاء التفرقة العنصرية في امريكا) إلا انه ليسوا القوقازيين أو المسيحيين من يريدون إنقاذ العالم. إنه مفهوم لاشكل له بعقول الأمريكان بأنك إذا كنت امريكيا فعليك إنقاذ العامل حتى ولو اقتضى ذلك تدميره.