eKtab
EN ع
بطعم الجمر
Read free sample

بطعم الجمر

by أسعد الأسعد

Page 1

الإهداء

إلـــــى ربــــــاب

التي سكنت زوايا ذاكرتي

وزيد الذي حمل بعض ملامحي

وما برحت تفاصيله تلاحقني أينما رحلت .

أســـــــــعد

Page 2

- 1 -

همَّ بمواصلة سيره، لكنه تراجع حين ظهر قارب صغير من أسفل كوبري قصر النيل، تبينت له ملامحه في انعكاس أضواء النيون، الممتدة على طول البنايات المحيطة بنهر النيل، اعتقد للوهلة الأولى أنَّ حوتاً ضلَّ طريقه ودخل من البحر المتوسط عبر نهر النيل، حتى وصل إلى القاهرة بحثاً عن الدفء والأمن، ابتسم وقد أدرك سذاجة الفكرة، وراح يحدّق في القارب الصغير، يشق طريقه عبر المراكب السياحية المتناثرة على سطح النيل، تحمل السائحين ببطء وتؤدّة، حتى يخيل للرائي أنها تقف هناك ساكنة، ومياه النيل تنساب مسرعة إلى الشمال مخلّفة وراءها مراكب مختلفة الأشكال والأحجام .

كانت المراكب مضاءة جميعها، عدا المركب الصغير، الذي شدّه وجعله يتسمر مكانه على ضفة النيل، قرب فندق شبرد .

كيف يخاطر هذا المركب الصغير بالإبحار دون أضواء، وسط زحام المراكب من حوله؟!.. راح يحدّث نفسه وقد شده المركب .

يشبهني هذا الصغير في مخاطرته، فبعد ساعات سأغادر إلى العريش في طريقي إلى غزة، ولست أدري إلى أين تأخذني الطريق .

ظلَّ نظره معلقاً في المركب حتى تحوَّل إلى نقطة سوداء على صفحة النيل، وغاب عن ناظريه، أحسَّ بيدٍ تلامس طرف يده، أفاق من شروده، وقبل أن يسحب يده، كان صوت صبيّ متسوّل يتوسل إليه أن يشتري علبة محارم جيب صغيرة،..تحسّس جيبه، نقد الصبي جنيهاً، قلبّه بيديه، كأنه يتأكد من ذلك.. التفت إلى زيد، شكره.. وانطلق فرحاً بالجنيه.. فيما تابع زيد سيره جنوباً بمحاذاة النهر، وهو لا يزال مشدوداً إلى القارب الذي غيّبه الأفق، فلم يعد يرى له أثراً..

حاول الابتعاد بفكره عن ذلك المشهد، لكن القارب ظل يشدّه إلى صفحة النيل، لعلّه يعود ثانية، حدَّق طويلاً، حتى كاد يراه ينزلق بين مجموعة من القوارب الكبيرة، انفرجت أساريره، لكنه ما لبث أن تبيّن له سراب ما يراه.. عاد ثانية إلى صوت سيارات الأجرة تنطلق مسرعة على مقربة منه، أبطأ بعضها، أملاً في راكب يصطادونه آخر الليل.. لكنه سرعان ما خاب ظنهم، حيث انطلقوا باحثين عن راكب آخر.

القاهرة لا تنام.. والليل ستر للهائمين على وجوههم بحثاً عن لذة شاردة، أو صفاء الذاكرة المتعبة .

هنا في القاهرة، من الصعب عليك أن تجد نفسك، تشدّك الزحمة، فتضيع وسطها، ولا يترك المارة لك متسعاً من الوقت لتشرد بذهنك، أو تسرّح ناظريك، أشياء كثيرة تقطع حبل أفكارك، وتحول بينك وبين حلم تجهد في الغوص عبر ثناياه، كأنما تشدّك تفاصيل المدينة بشوارعها وحواريها المتصلة بالنيل، كأنه السُّرَّة.. تلتقي عندها مصادر الحياة، هناك تشدك تفاصيل المدينة فلا تدري، أهي تسرع نحو صباح جديد، يشبه في شكله الصباحات التي سبقته، أم أنها تتشكل من جديد، مع صباح كل يوم، فتأخذ شكلاً مختلفاً عمّا سبقه، مدينة تلتف حول نيلها الذي لا يشبهه نهر، يتمطىّ صباح كل يوم، يتثاءب بحذر، كأنما يطرد النوم عن حافتيه، يضيق على حلم ناعم، يتهادى على وقع خطى السّاعين إلى رزقهم عبر شوارع تحيط به من كل جانب، وتزدحم بهم الجسور والكباري الواصلة بين ضفتيه، حتى يخيل إليك، أن الملايين من البشر، لا بد أن يمروّا من هنا في طريقهم إلى أشغالهم، وأماكن عملهم، من هنا تبدأ الحياة، ومن هنا يستمد أهل القاهرة عزيمتهم، يتباركون بنيلهم ويطلبون السعد لنهارهم، حدّق في صفحة النيل، كأنما ينتظر العروس التي كان المصريون القدماء يلقون بأجملهن إلى أعماقه، علّها تحمي مصر من غضب النيل وفيضانه.. ولعل آخرها كان بالأمس القريب،إذ إن هدوء مياهه توحي بذلك، حدّث نفسه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة اختلطت بذاكرة تبعثرت، فلم يعد يقدر على جمع شتاتها، أو تحديد معانيها..

أحس برغبة في الجلوس، عندما وقع نظره على مقعد خالٍ على الرصيف المحاذي لكورنيش النيل.. تقدم وقد أسرع الخطى، كأنما يخشى أن يسبقه أحد إليه.. ألقى بجسده المنهك على المقعد، فيما راح يدور بنظره كأنما يتعرّف على المكان.. قبل أن يقترب منه رجل في أواسط العمر.. يحمل في يده مكنسة طويلة وباليد الأخرى يجرّ عربة صغيرة، توقف الرجل قبالته محدقاً به.. همَّ بالوقوف ومغادرة مقعده، وقد أدرك أنَّ الرجل يستأذنه بإخلاء المكان، كي لا يعلق به شيء من قذارته، لكنه توقف حين بادره الرجل بالسؤال .

- يبدو لي أنك غريب ؟

ابتسم زيد قبل أن يجيبه .

- وكيف عرفت ؟!

- للغريب طباع تفضحه .

- وما الذي يفضحني ؟

- أهل البلد لا يأتون إلى هذا المكان في مثل هذه الساعة، وإن فعلوا فليس وحدهم.. ترى، ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت .. إلى هذا المكان البعيد ؟!

- لم أخطط للمجيء إلى هنا، أخذتني الطريق .

- بل أخذك شرودك، وما يدور في ذهنك..

- ربما .

- بلى.. هو ذاك.. أنت لست هنا.. لا أدري أين.. لكنك لست هنا..

- كلنا هكذا.. نمشي ولا ندري أين تأخذنا الطريق.. كأنما نبحث عن طريق غير التي نسلكها..

- الناس تمشي وكلما أوغلت في طريقها.. تبكي الذي مضى.. وتتحسر على زمن كانت تشتهي أن لا يكون.. تلك طبيعة البشر.. لا شيء يعجبهم، كانت جدتي تقول.. لا شيء يملأ عين الإنسان غير التراب..

- ومن ذا الذي يرضى ؟!..

- الحمد لله.. أنا راضٍ.. صحتي عال العال أكدح طوال النهار.. وأركن إلى أم العيال آخر يومي، تهش لي حين تراني حاملاً ما تيسر من الفاكهة أو الخضار.. والتي غالباً ما يتصدق عليّ بها أصحاب المحلات آخر النهار، ومن رضي بقليله عاش .

حدّق زيد بالرجل، فيما راح هذا يشرح وجهة نظره .

إنها حكمة الفقراء، وفلسفتهم، لو لم يفعلوا ذلك ماتوا كمداً وحسرة، إنهم يكذبون على أنفسهم، وغالباً ما يتحاشون الكذب على الآخرين، إنه عالم البسطاء، لا شيء يشغلهم سوى أكل عيشهم، يجهدون في إقناع أنفسهم بالرضا والسعادة، فإن لم ينجحوا في ذلك انحرفوا، وإلا فإنهم سعداء حقاً، وقانعون بما لديهم..

لولا استدراك الرجل، ما فكر بالرحيل ومغادرة مقعده .. لكنه قفز حين استأذنه الرجل بالانصراف، وقد أدرك أن الوقت قد حان للذهاب إلى موعده مع الحافلة التي ستقله مع آخرين إلى العريش..

ودّع الرجل وانطلق عائداً إلى فندق شبرد، كانت عقارب الساعة في يده، تقترب من الخامسة فجراً، بدا عليه الارتباك، وقد أدرك أنَّ عليه الإسراع حتى يلحق بالحافلة، وإلا ضاعت عليه فرصة العمر .

نظر إلى ساعته ثانية، أسرع الخطو حين أدرك أن الوقت يكاد ينقضي، بدا عليه القلق، فيما راحت عيناه تحدق في البعيد، لعله يرى الحافلة فيطمئن قلبه.. مرت دقائق طويلة، قبل أن تقع عيناه على جمهرة من الناس، حتى أنَّه بالكاد رأى طرف الحافلة العلوي .

هدأ قليلاً، وراح يغذ الخطى نحوها.. لحظات اقترب من المكان.. اطمأن حين أدرك أنَّ الآخرين لم يكونوا أسرع منه، ولم يكونوا أكثر التزاماً بالموعد، كان يكره كل من يتأخر عن موعده.. لكنه في هذه المرة، شكر لهم عدم التزامهم، وأثنى على تأخرهم.. اقترب من الحافلة.. وراح يبحث في وجوه الركاب علّه يتعّرف إلى بعضهم.. وجوه لم يرها من قبل.. كاد يمضي في سبيله وقد ظن بأنه أخطأ الحافلة.. لكنه سمع صوتاً يناديه.. التفت إلى مصدر الصوت.. وما أن وقعت عيناه على صاحبه، حتى صاح به..

- رمزي !! متى وصلت ؟!

- وصلت الليلة من تونس، وأنت ؟!

- وأنا أيضاً.. وصلت الليلة من بغداد، عبر الأردن.. في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر..

- لا بأس يا عزيزي.. المهم أنك وصلت.. رغم أن الأمر لا يبشر بالخير..

- ما زال أمامنا الكثير من المعاناة حتى نصل إلى غزة..

- يبدو ذلك واضحاً..

Page 3

ابتعدا عن الحافلة، وراحا يتجاذبان أطراف الحديث، ويتبادلان الأخبار.. فيما راح أحدهم ينادي عبر مكبر الصوت، أسماء الركاب.. الذين بدأوا يتدافعون للصعود إلى الحافلة .. كان الرجل يتوقف قليلاً بعد كل نداء، وإذا ما تأكد من صعود الراكب إلى الحافلة.. يواصل نداءه ليبدأ التدافع من جديد، إلى أن يصعد أحدهم إلى الحافلة.. فيما تشرئب أعناق الجميع، محدّقين بالمنادي، وتتعالى أصواتهم تطالب بالتزام الصمت حتى يتسنى لهم سماع الأسماء، علّه ينادي أحدهم .. بدأ صبر زيد ينفذ، وقد امتلأت الحافلة بالركاب، إلا القليل، استدار نحو رمزي، وقد بدا عليه التعب.. وقبل أن يجمع شتات كلماته.. استوقفه صوت ينادي اسمه.. مرّت لحظات قبل أن يستوعب أنه اسمه.. وأنهم ينادونه.. انطلق عبر الجمع المحتشد عند باب الحافلة.. شاقاً طريقه بصعوبة.. صعد إلى الحافلة.. وانطلق نحو المقاعد الخلفية القليلة، ألقى بجسده على أول مقعد خالٍ، اقترب من النافذة وراح يبحث عن رمزي وسط الزحام.. اطمأن حين رآه يُسرع نحو باب الحافلة.. جلس بانتظار وصوله.. وقد بدأ يستعيد هدوءه، أسند رأسه بباطن يده.. مطلقاً العنان لعينيه.. تحدّقان في البعيد، وتغرقان في بحر من الصور المتشابكة، اللامتناهية.. حاول أن يضبط حدودها، لكنها كانت تنزلق عبر حدقاته المنهكة، يغمض عينيه محاولاً الابتعاد عن ارتباك نظره..

قطع تحرك الحافلة حبل أفكاره.. وأعاده إلى حيث يجلس في المقعد الأخير.. بدأ السائق يتقدم بحافلته ببطء.. قبل أن ينساب في مساره عبر الشارع المزدحم بالمارة والسيارات.. فيما غرق الجميع في الدهشة وانتظار اللحظة القادمة..

كانت الحافلة تنطلق عبر شوارع القاهرة.. فيما عاد زيد إلى حاله.. ينظر عبر النافذة.. يحدق في البعيد ولا يرى شيئاً من تفاصيل ما يقع نظره عليه، بشوارع لا تزال ضيقة، تزدحم أرصفتها بالمارة، فتضيق بهم، ينطلق بعضهم عبر الشوارع، في فوضى تزيد من زحمة السير، فجأة توقفت الحافلة، اشرأبت الأعناق تستطلع الأمر، لحظات، عاد إلى شروده، وقد اطمأن إلى أن الأمر لا يعدو ازدحام الشوارع بالسيارات والمارة، عاد زيد إلى حاله، يحدق في الشارع المزدحم بالناس.. ترتسم على وجوههم علامات لم يلتفت إليها من قبل، ولم يلحظها، كانت وجوههم متجهمة، عيونهم شاخصة، ونظراتهم شاردة، يهرولون كأنما يهربون من شيء ما.. الناس في الزحمة يشبهون موج البحر.. موجة تسرع، كأنما تهرب من موجة أخرى تهرول مسرعة خلفها، ثم لا تلبث أن تتوحد معها، تصل إلى الشاطئ وقد أعياها السفر، تضعف فتستلقي على الشاطئ، أو تضرب نفسها بصخور تتشبث ببعضها، تنكسر، ترتد وتتناثر في المكان، ليبتلعها رمل الشاطئ، تذوب في مياه البحر من جديد، فيما تتناثر الصخور، وقد انغرست أطرافها في الرمل، تحاول الفكاك من قبضته، لكنه يطبق عليها، ويمنعها من الانسياب نحو البحر.. الناس مثل موج البحر.. بعضهم كالصخر، يدور حول ذاته، ويراوح في ذات المكان، يدغدغه الرمل حين يعجز عن ابتلاعه وتنزلق حبات الرمل، فتتشكل على طول الشاطئ نتوء تبدو من بعيد كأنها مخابئ القنفذ في مطلع الربيع..

أفاق من شروده على اتساع الشارع وانسياب الحافلة، وقد اختفى المارة أو كادوا، حتى أنَّ أشكالهم تغيرت، فتبدلت ملابسهم، فيما اختفت البنايات العالية أو تقلصت طبقاتها، وتناثرت في مساحات خضراء راحت تتسع شيئاً فشيئاً، وقد بدأت تنتصب على حافة الطريق إشارات المرور، وإعلانات تجارية، استوقفته يافطة تشير إلى اتجاه الطريق نحو الإسماعيلية، فيما بدت من بعيد، جموع الفلاحين منكبّين على الأرض يعزقونها، وقد لفوّا جلاليبهم على خاصراتهم، تمهل السائق، حين فاجأه حمار هائم وسط الطريق السريع، يتبعه ثور هائج، فيما وقف فلاح يلّوح لهما بعصا من بعيد، توقفت الحافلة تماماً، خلف طابور من السيارات، وكأنما المشهد راق للثور والحمار، فتسمّرا وسط الطريق، ما دفع أحدهم إلى مخاطبة الفلاح لأخذهما بعيداً عن الطريق، لحظات، تعطلت حركة السير، وعلا صياح سائقي السيارات، كأنما أدركا عاقبة فعلتهما، تقدما ببطء شديد نحو طرف الشارع، فيما انطلقت السيارات وسط هرج ومرج الركاب، وتدافع عدد من الفلاحين من الحقول القريبة لتقديم العون، أو حباً في الاستطلاع والتفرج على ركاب الحافلات المتوقفة، يعرف زيد هذه النظرات ويقرأها جيداً، إنها مزيج من الحسرة، والإحساس بالغبن، بل إنَّ بعضها يرقى إلى الحقد والكراهية، إنه السفر، الذي يحلم به كل واحد منهم، إلى أين ؟! لا يهم، المهم أن يغادروا هذا المكان، يحبون وطنهم، لكنها لقمة العيش، التي تستعصي عليهم، وبالكاد يحصلون عليها، لم أر أحداً يحب أرضه مثل هؤلاء، يحبّون السفر والترحال، لكنهم يتعلقون بأرضهم، فيعودون إليها.. وقد غيرّوا جلاليبهم، وتبدّلت مظاهرهم .

- لكنهم أول من يهب للدفاع عن الوطن، إذا ما تعرض للخطر.. انتصب أمامه طيف صديقه سالم، الذي انقطعت أخباره منذ سنوات، منذ أبعدوه عن فلسطين إلى لبنان، قبل اثنتي عشرة سنة، خمسة عشر عاماً في السجن، لم تبدّله العذابات التي عاشها، ولم تفتّ من عزيمته..

- أه يا سالم، كم اشتقت إليك، أوغلت في السفر والرحيل، وكدت أضيع في مدن الشتات والغربة، لكنك لم تغب عن بالي، وطيفك ما فارقني.. ربما كان زادي في سفري القصري الطويل، سالم، يا صديقي العزيز، ها أنا عائد إليك ولا بد أن ألتقيك، فانتظرني.. أنت معلمي، الذي علمني محبة الوطن، أنت من وقف إلى جانبي، وجعلني أنهض من جديد، تعلمت منك الكثير، وعلى يديك أحببت الحياة وأقبلت عليها بشغف كبير وتعلّقت بأسبابها، سألت عنك، أقسم أني حاولت الاتصال بك، لكني لم أعثر على أحد يدلني على عنوانك، أو يطمئنني عليك، أنا قادم يا سالم، فلا تغضب عليَّ، أعرف أنك ما زلت هناك، لم تبرح مكانك، ما زال صوتك يرنّ في أذنيّ.. نحن الفقراء، أشد تعلّقاً بوطننا، كنت تغضب مني حين أقول لك.. وطنك حيث تجد سعادتك.. يومها سألتني وما هي سعادتك؟! قلت لك .. راحة البال يا سالم.. راحة البال..

- أنت ما زلت تكذب، حتى على نفسك، عند احتلال القدس ورام الله وأريحا.. ما الذي دفعك إلى العودة، والتسلل عبر نهر الأردن إلى العوجا ثم أريحا ورام الله..؟!.. كنت في بيروت ألم تتخلَّ عن زينب، حبك الأول، من أجل أريحا ورام الله والقدس..؟!

- أنا لم أكذب، تسللت إلى أريحا، سعياً وراء سعادتي، ولم أتخلَّ عن زينب، فقد رجوتها وتوسلت إليها أن ترافقني إلى أريحا، لكنها رفضت .

- ربما، لكن أريحا لم تكن تعني لزينب شيئاً، فما الذي سيدفعها إلى مرافقتك ؟! كان عليها أن تحرق كل شيء خلفها، وتصحبك إلى المجهول، وتاريخ لا علاقة لها به .

- إنه الماضي الذي يعشش في أعماقي، وتاريخي الذي لا أملك فكاكاً منه .

- أنت أناني..

- ربما..!! ولكني لا أكذب .

ألقى برأسه على كفّه، وأغمض عينيه، عساه يتواصل مع طيفه، كأنما راقه استحضار سالم، فيما انطلقت الحافلة نحو الإسماعيلية، لتعبر صحراء سيناء عبر قناة السويس .

كانت تلك المرة الأولى التي يشاهد فيها التغيرات التي أحدثتها سياسة الانفتاح، حين حدثه بعض الأصدقاء عن الصحراء الممتدة بين القاهرة ومدن قناة السويس والتحولات السريعة التي حدثت في المنطقة بعد اتفاق كامب ديفيد، المساحة الخضراء تمتد عبر الأفق، مزارع نموذجية، تتوسطها بيوت جميلة للأغنياء وطبقة من الناس ذوي جنسيات مختلفة، لم يصدّق يومها ما سمعه من أصدقائه..

أذهله المشهد، فأطلق العنان لعينيه تُقلّب تفاصيل المدى الأخضر، الممتد حتى الأفق، في انسجام لم يشهده من قبل، صرّ عينيه، حين وقع نظره على مجموعة من الفلاحين، بجلاليبهم المعهودة، وسراويلهم الطويلة، بعضهم يحمل في يده قفطاناً وآخرون معازق ومجارف في طريقهم إلى مزارع ليست لهم، وربما كانت لهم ذات يوم، تذكر صديقه سالم مرة أخرى..

سالم الذي أنقذه يوم تسلل من الكرامة إلى العوجا، وكاد يقع في قبضة الدورية الإسرائيلية، لولا تحذيره ودعوته له بالدخول والاختباء في مزرعة الموز التي كانت لوالده ذات يوم، وأهداها لمأمور الطابو في القدس، حيث استأجرها منه على سبيل المزارعة، كان يعتقد أنه بذلك يتقرّب منه...فلاح بسيط، ورث بعض المزارع والأراضي عن والده، مثل كثير من الفلاحين، لم يقدم له شيئاً، لكنه كان قانعاً باستقباله له في بيته الكبير في القدس، وقد أوهمه بصداقته له فكان يحمل له الفواكه والخضار، واللبن والجبن والعسل ويفاخر بذلك.. ويعود في كل مرة ليقضي الساعات يتحدث في مجالسه عن زيارته لصديقه ابن العائلة المقدسية الكبيرة، حين سألته ذات مساء ..

- وماذا قدَّم لك صديقك المقدسي ؟

أجابني غاضباً..

- استقبلني في بيته..

وأضاف..

- وجلس معي أكثر من ساعة..

Page 4

كان أبو عصمت المقدسي يدرك ما يكفي لإرضاء أبي سالم، يملؤه إحساس بالسعادة، حين يصطحبه إلى مقهى أبو عصب عند درجات باب خان الزيت، ويقدمه إلى أصدقائه .

- هذا صديقي أبو سالم، صاحب المزارع والبيارات في العوجا..

يطير أبو سالم فرحاً، وتدغدغه كلمات الرجل الخبيث، ينتقي كلماته جيداً، ويحسن معاملته، طالما أنَّ الأمر لا يمس كبرياءه، ولا ينتقص من مكانته ولا يحط من عليائه، فليأخذ الرجل من معسول الكلام ما يشتهي، وإن كان ذلك ما يرضيه، فتلك أقصر الطرق وأقلّها كلفة إلى قلب الفلاح الطيب أبو سالم..

وحتى يكتمل المشهد، رزق أبو عصمت بغلام فماذا سيقدم أبو سالم هدية لصديقه المقدسي، إنها مزرعة في طرف العوجا..

- ليس هناك من هو أحق منك بها.. إنها هديتي لك.. أرجو أن تقبلها..

أسرع أبو عصمت، مأمور الأراضي إلى مكتبه، وسجّل الأرض على اسمه..

- وها أنا كما ترى أزرع الأرض وأفلحها، الأرض التي كانت ستؤول لي، لو أن والدي رحمه الله...لم يكن بتلك السذاجة، ولو لم يتعلق بوهم علاقته بذلك المقدسي، ابن الذوات، صاحب الحسب والنسب .

كان سالم يقف أمامه، وقد استحضره، بشحمه ولحمه، رآه يخفي عينيه، ويعتصرهما ألماً وحسرة على الأرض التي ضاعت، وحزناً على والده، أخذ نفساً عميقاً، تنهّد وهو يقلب يديه..ترحّم على والده، مسح عينيه بباطن يديه، نظر إلى زيد، واختفى..

أفاق زيد من شروده، فيما كانت الحافلة تشق طريقها نحو الإسماعيلية.. جال ببصره يتفقد الركاب، الذين غط معظمهم في النوم، فيما راح البعض الآخر يطلق العنان لشروده عبر نوافذ الحافلة، لكن الصمت المطبق، كان قاسمهم المشترك، خيّل إليه أن لا أحد نائم، حتى أولئك الذين أغمضوا عيونهم، فالقلق والارتباك كان يرتسم على وجوههم، بل إن عضلات وجوههم، كانت تبدي بعض إشارات تنم على استغراقهم في التفكير وانشغال الفكر .

بطء الحافلة، كان مؤشراً على دخول المدينة، أطلق العنان لعينيه تتفقدان ما تيسر له رؤيته، كأنما يبحث عن شيء ما.. فقد اختفت شواهد الدمار الذي لحق بالمدينة سنوات حرب الاستنزاف يوم كان الإسرائيليون يحتلون الضفة الأخرى من القناة، يومها، تحولت المدينة إلى جبهة قتال، ما أدى إلى رحيل أهلها، ولم يبق فيها غير الفدائيين والمقاتلين.. فتحولت بقايا بيوتها إلى ثكنات عسكرية، طوال ست سنوات، يوم كان الإسرائيليون على بعد أمتار من المدينة، يمطرونها ليل نهار بمختلف الصواريخ وأسباب الدمار، فلم يبق في المدينة حجر على آخر.. يومها، حدثني بعض أهلها، بالعديد من القصص التي عاشتها مدن القناة، ما يشبه أيام حرب السويس، بل وأشد قساوة،.. أطلق العنان لخياله، يشكل صورة لما كان يجري، صورة مرّت عليها عشرون سنة، تكفي لإعادة تشكيلها من جديد، ومحو ما خلّفته، رغم الجرح الذي لم يندمل، وما زال ينزف من أطرافه التي لا تزال مفتوحة على ذاكرة عارية، لم تجد من يحمي عُريَها، رغم تشبثنا بخيوط ذاكرة متعبة، وكأن القصف طالها أيضاً فتهتّكت، وأصابها من الخراب ما يشبه شِباك الصيادين، على شاطئ مهجور، هاجمه القرش، فهجره الصيادون، وهربت الأسماك إلى شاطئ آخر، أكثر أمناً وأماناً .

توقفت الحافلة، ترجّل سائقها، وقبل أن يغادرها، التفت إلى الركاب، وطلب منهم عدم مغادرة الحافلة، إذ عليه إجراء بعض المعاملات قبل السماح للحافلة بعبور القناة إلى سيناء، فيما كان أحد الركاب يشير بيده إلى الضفة الأخرى .

- من هنا عبروا، وذاك خط بارليف..

راح يروي لصاحبه قصة العبور، وتحرير الضفة الأخرى للقناة.. لا يزال يذكر ما حدث، كانت الساعة تقترب من الثانية بعد الظهر، حين سمع الخبر، اعتقد للوهلة الأولى، أنَّ الأمر ليس إلا تمثيلية أو مسلسلاً إذاعياً، وظل كذلك حتى سمع المارشات العسكرية، والأغاني الوطنية، عاد إلى البيت غير مصدّق ما يسمع، فيما ساد الهرج والمرج شوارع رام الله، وراح بعض جنود الاحتلال يطلقون النار ويطلبون من الناس مغادرة الشوارع، معلنين عبر مكبرات الصوت حظر التجوال، لحظات، بدت الشوارع خالية، والمحلات التجارية مغلقة، فيما راحت دوريات حرس الحدود تجوب الشوارع، مطلقة بعض زخات من الرصاص، بين الحين والآخر، في تلك الليلة، لم يسلم أحد من الاعتقال، أخذوا أعداداً كبيرة من الشبان، اقتادوهم إلى المقاطعة، لم يتسع السجن فأقاموا معسكراً في الساحة، وقد اكتظت الخيام ولم تعد تكفي، كان زيد واحداً من نزلاء تلك الخيام، يحاول جاهداً التشبث بالبقعة التي وصل إليها، وسط تدافع السجناء وتراجعهم أمام عصي الجنود وتهديدهم باستعمال السلاح إن لم يتراجعوا، فجأة انطلقت رصاصة، تدافع الشباب، سقط بعضهم، فيما تعثر آخرون بمن سقطوا، نهضوا، وتدافعوا نحو الخيمة، لكن أحدهم ظل يتخبط بدمه، حاول البعض الوصول إليه لكن الجنود على منصات الحراسة المحيطة بالخيام، حالوا برصاصهم دون ذلك..

توقفت الحافلة، صعد أحد الجنود طالباً من الركاب تحضير أوراقهم وجوازات سفرهم.. أفاق من شروده وقد اعتقد للوهلة الأولى أنه ما زال في سجن رام الله، لكنه سرعان ما أدرك أنه في سيناء، وأن الحاجز للجيش المصري قبل الوصول إلى العريش .

Page 5

- 2 -

بدا المشهد مختلفاً، فالأرض المستصلحة على جانبي الطريق، تبعث على الإحساس بالدفء، وكأن المصريين أعادوا اكتشاف سيناء، لعلهم أدركوا أن لديهم أرضاً صحراء، يمكن أن يعاد تشكيلها، ورسم معالم جديدة لها، وها هم يعودون إليها، نعم يعودون إليها، فالأرض لا تعود، وإنما البشر هم الذين يعودون.. الأرض باقية لا ترحل.. الناس هم الذين يرحلون.. ازدحم الشاطئ بالشاليهات، تحيط بها غابات النخيل، وتخرج من الحدائق باتجاه البحر، تنغرس هناك، فتلامس نهايات الموج، وزبد البحر المتعب، المتهالك للوصول إلى أقدام النخيل المنتصبة على طول الشاطئ.. مدينة العريش، قرية كبيرة.. يزدحم شاطئها والشارع المحاذي له بالمصطافين، القادمين من مدن الصعيد، والأرياف البعيدة عن البحر، الذين اكتشفوا المدينة، وسحر شواطئها، ما دفع الكثيرين إلى الاستثمار في مجال السياحة والاصطياف..

كانت الحافلة تشق طريقها دونما عائق.. الشمس تتوسط السماء، فتسقط أشعتها عمودياً، لتدفع المارة إلى البحث عن ظل يقيهم حرارتها، لكن معظمهم آثر البقاء حيث يقيم .

امتدت رفح وتمددت لتجتاز الحدود بين فلسطين ومصر فتشكلت مدينتان متلاصقتان، رفح فلسطينية، ورفح مصرية، وإن كان معظم سكان المدينتين من الفلسطينيين، كان ذلك بعد انسحاب الإسرائيليين من سيناء، وترسيم الحدود بينهما، هنا، ترى العجب، الأسلاك الحدودية قطعّت شمل العائلات، وقسمّت البيوت، المطبخ في مصر، والحمام في فلسطين، الأخ هنا، والأخت هناك، ولا أحد يستطيع أن يرى الآخر، أو يزوره، اقتربت الحافلة من تل السلطان، حي فلسطيني، في رفح المصرية، المشهد يحمل تداعيات لا تراها في أي بلد آخر،.. ولا حتى في الأحلام.. هنا.. عالم يختلف عن أية بقعة في العالم، قد يكون هناك أسوأ منها، لكن الإسرائيليين أبدعوا في خلق أشكال وفنون لإذلال الناس، وتدمير نسيجهم الإنساني .

أما الفلسطينيون، فقد أبدعوا في خلق طرق للاتصال، لا تخطر على بال أحد.. حفروا انفاقاً على طول الشريط الحدودي، أنفاق يتسع بعضها لتهريب سيارات صغيرة.. ثم تقلصت لتهريب البضائع والأجهزة الكهربائية وأحياناً الممنوعات، إنها الحاجة، أم الاختراع..

اقتربت الحافلة من جمهرة من النَّاس، دقق النظر في وجوههم .

- إنهم من العائدين إلى غزة، إنها الحدود إذن .

حدّث نفسه، فيما توجهت أنظار جمهور العائدين نحو الحافلة، بعضهم رفع يده محيياً، والبعض الآخر كان يتمتم كلمات لم يسمعها، لكن معظمهم كان يبتسم ابتسامة لم يدرك معانيها.. أهي ابتسامة الفرح بوصول فوج جديد من العائدين ؟! أم هي ابتسامة تحمل معانٍ أخرى، قد يدركها لاحقاً؟!

توقفت الحافلة ليس بعيداً من المكان ذاته، لكنه بعيد عن المعبر.. أطل برأسه يستطلع أمر الهرج الذي ساد ركاب الحافلة، فيما ترجّل بعض الركاب محاولاً النزول، لكن السائق حال بينهم وبين ذلك، حيث أبقى الباب مقفلاً، وقد علا صوت مساعده، يطلب من الجميع، البقاء في أماكنهم، وعدم مغادرة الحافلة.. كان مئات الرجال والنساء والأطفال هائمين على وجوههم.. وقد بدا التعب والإرهاق عليهم.. مشهد أعاده إلى أيام توزيع المؤن في مخيم عقبة جبر قرب أريحا.. أواخر كل شهر.. حيث كان الطحين يختلط بالمرجرين، وغبار العدس والأرز، فيما تتعالى أصوات العجائز، تنادي على مشترٍ لعلب اللحمة والسردين، وحمّال يبحث عن رزقه، ويفاوض عجوزاً لحمل ما تيسر لها من صدقات هيئة الإغاثة الدولية، وآخر يحاور كهلاً على بطاقة الإعاشة التي لم يستطع صرفها من أمين المستودع، ذات المشهد.. يتكرر هنا بأشكال مختلفة، الكل يزحف نحو المعبر.. علّه يستطيع الدخول عبر البوابة المغلقة، أمهات يحملن أطفالهن، هذه تحاول طرد الذباب عن وجه طفلها، وتلك تحاول إلهاءه بشيء يشبه لعبة الأطفال، وأخرى ضاقت ذرعاً بصغيرها الذي تهدهده، عله يكف عن البكاء، تتمتم بكلمات وجمل غير مترابطة، كأنها تريد أن تشكو طفلها، لأنها تعتقد بأن بكاءه غير مبرر، حدّق زيد بعيني الطفل وقد علا صراخه، حدّق في عينيه مرة أخرى، ابتسم حين لاحظ أن الطفل يبكي ويصرخ، من غير دموع، اعتقد للوهلة الأولى أن أمه تفهمه، وتدرك أن لا مبرر لبكائه.. لكن الطفل عاد يصرخ بأعلى صوته.. وقد ابتعد بنظره عن زيد وعن أمه.. وراح يقلب نظره، تارة في الناس من حوله، وتارة أخرى في الجنود المدججين بالسلاح أمامه يشهرونه في وجوه المتدافعين أمام البوابة.. ويتضاحكون بشكل هستيري مريض، كأنما يتلذذون بعذابات الناس، وذلهّم.. حدّق في جنود الاحتلال.. لم يتغيروا منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً.. يوم رآهم أول مرة في ساحة أريحا.. وربما كانوا هم أنفسهم الذين رآهم هناك.. مثل رعاة البقر.. أو هكذا يتعاملون معنا.. قال محدّثاً نفسه.. قبل أن يستقر نظره على الطفل ذاته.. لكنه وقد تعب من البكاء.. أو ربما التظاهر بالبكاء.. ألقى برأسه على صدر أمّه.. كأنما أراد أن يبتعد عن مشهد لم يعد يطيقه، فيما أمّه لا تزال تهدهده، وقد بدا عليها الارتياح، لكن عينيها مجهدتان، غائرتان تستجديان إغفاءة، ولو للحظات، دارت حول نفسها تبحث عن مكان يحقق غايتها، نقّلت قدميها متجهة نحو عمود كهرباء، لم تجد أفضل منه، حثت الخطى نحوه، كأنها خشيت أن يسبقها أحد إليه، قرفصت، متهالكة أسندت ظهرها إلى عمود الكهرباء، أخذت طفلها بين ذراعيها، فيما تململ الطفل، وهو يشدّ أمه، ويلقي برأسه في حضنها، وراح الاثنان في نوم عميق..

استدار زيد، ومضى في سبيله، يبحث عن مكان يستظل به، وقد أحس بضيق شديد، ورغبة في استراحة، أو ربما إغفاءةٍ قصيرة، تعيد إليه ما استنفذه مشهد الطفل وأمّه، وتزاحم العائدين عند بوابة العبور دونما طائل..

كانت الشمس تبتعد عن كبد السماء، فيمتد ظل جدران البيوت المحيطة بالمكان، ما يسمح بسعي الباحثين عن مكان يستظلون به، باستراحة قصيرة هرباً من الشمس وحرارتها، والرطوبة الخانقة،تقدم نحو المسجد الصغير الذي يتوسط الساحة، وقد لفت نظره تهافت الناس على جدران المسجد التي أمتد ظلّها، حيث اختفت الشمس خلف شجرة الجميز الكبيرة المنتصبة وسط ساحة المسجد، حتى بدت أكثر ظلاً من شجرة الكينا وبعض شجيرات الزيتون المصفرّة أوراقها من العطش، رغم تعمد المصليّن الوضوء عندها، ما سمح لها بالانتعاش، ومواصلة الحياة والعيش بما تيسر من اخضرار ونماء، بفضل ما يتسرب إليها من ماء المتوضين حولها .

دخل زيد إلى ساحة المسجد يجرّ قدميه، وقد أحسّ بتعب شديد، وحاجة ماسة إلى قسط من الراحة بعد ساعات طويلة، دار فيها على رجليه.

Page 6

كانت الشمس تهرب مسرعة نحو الغرب، فيما ذيولها تتسلل عبر أوراق شجرة الجميّز التي تتوسط ساحة المسجد، جال ببصره أرجاء الساحة المكتظة بالناس تقدم نحو الجدار، وقد وقع نظره على مكان بالكاد يتسع له، ألقى بجسده المنهك على الأرض، أحسَّ برغبة في إغفاءةٍ لم يقوَ على مقاومتها، فيما أسند رأسه إلى الجدار، وأغمض عينيه المثقلتين بالنعاس، لكن المشهد لا يفارقه، سحب جسده، فيما راح يدفع حقيبته الصغيرة يسند بها رأسه المتعب، ضمَّ يديه إلى صدره واستلقى على جانبه محاولاً استعادة صفاء ذاكرته المبعثرة، كأنها بقايا أوراق تختلط حروفها، فلا يعود يفهم شيئاً منها، أطبق عينيه وقد غلبه النعاس، لا تزال أسراب النحل تطنُّ في أذنيه، وتضغط على دماغه.. لكن ابنه سالم الصغير، لفَّ ذراعه على رقبتهِ، ضمه إلى صدره، وهو يسأله عن أمّه رباب .

سالم الصغير لم يعد صغيراً يا زيد، ابنك أصبح شاباً، يدرس في جامعة بيرزيت، أعرف أنك لم تره منذ خمس سنوات، والصورة التي تحملها له في محفظتك، تعود للأيام الأولى من الانتفاضة، ابنك يا زيد أصبح رجلاً، وهو يشبهك كثيراً، حتى في طباعهِ، كبر سالم قبل أوانه، وقد كان رجل البيت أثناء غيابك يا زيد... أما شقيقتك ميسون فلم تنقطع زياراتها لنا بعد أن تزوجت ورحلت مع زوجها إلى الخليل حيث تقيم معه هناك .

- آه يا زيد.. خمس سنوات لم أرك فيها، منعوني وسالم من مغادرة الضفة الغربية، أتذكر، كان الهاتف وسيلتنا الوحيدة للتواصل، ولم يكن يشفي غليلنا، إذ لم نكن نتحدث طويلاً.. وليس لدينا ما يغطي تكاليف المكالمات الدولية.. فالدكّان بالكاد يكفي لعائلة أخيك زياد، رغم أنه لم يبخل علينا بشيء وكان سخياً معنا..

أفاق على أصوات وجلبة.. نهض مذعوراً.. لكنه ما لبث أن استعاد هدوءه بعد أن سمع المؤذن ينادي لصلاة الفجر، فيما تسابق العديد من الناس إلى المتوضأ، استعداداً للصلاة..

همَّ بالنهوض، لكن بعض جسده لم يساعده على ذلك، فتمطى قليلاً، محاولاً لمَّ جسده المتصدّع، وعظامه التي أحس بها وقد انتقلت من مكانها.. تحامل على نفسه، ووقف محاولاً إعادتها إلى حيث كانت، حاول التقدم نحو المتوضأ، لكنه تراجع حين وقع نظره على ازدحام المكان بالراغبين في التوضأ أو غسل وجوههم، بحث عن طريق يسلكها للابتعاد عن الازدحام، تسلل بصعوبة، وقد عرف غايته، حمد الله وهو يتحسس حقيبته الصغيرة ويتأكد من سلامتها، رغم أنه يدرك أن لا شيء فيها يستحق الخوف عليها من السرقة، ولا حتى من العبث في محتوياتها، إذ انها لم تكن تحوي غير ما يكفيه من ملابس خفيفة تكفيه لأسبوع ليس أكثر.. فهو على عادته، يكره حقائب السفر، كان يقول لزوجته رباب..

- أنا لست ذاهباً إلى صحراء.. سأشتري ما أحتاج إليه حيثما حللت .

تنفس الصعداء حين أدرك أنَّه أصبح خارج ساحة المسجد، وقف يتلمّس طريقه، تقدم من صبيّ يجر عربة صغيرة، يحمل فيها بعض زجاجات الماء، وأنواع مختلفة من المشروبات الخفيفة، مدّ يده إلى زجاجة ماء، نقد الصبي ما تيسر، فتح الزجاجة، شرب ما استطاع منها، وغسل وجهه بما تبقى.. كاد يواصل سيره.. لكنه وقد أحسَّ برغبة شديدة في فنجان قهوة، وإذا كان ذلك صعباً، فلا بأس بالشاي..

عاد إلى الصبي وسأله إن كان ذلك ممكناً.. هش للصبي وهو يشير بيده إلى مكان قريب يمكنه أن يجد فيه ما يسعى إليه.. شكره وهو يسرع نحو المكان عله يجد ضالته..

العريشة، المقهى، على بعد دقائق من عربة الصبي، اقترب زيد من جمهرة من الناس، بعضهم كان محظوظاً فوجد كرسياً من القش، مثل تلك التي لا يزال يذكرها، تمتد على الرصيف المحاذي لمستنبت أريحا، على الطريق إلى مدرسة هشام بن عبد الملك، ومدرسة بنات أريحا، حيث كان وأصدقاؤه يتسابقون لاحتلالها قبيل موعد مرور صديقاتهم طالبات مدرسة البنات، وبعضهم لم يجد ما يجلس عليه، افترش الأرض حين أدرك بأن ذلك هو المقهى الذي ينشده، حيث كان الجميع يحملون بأيديهم كاسات بلاستيكية، أشار بيده لصبي يدور بين الناس، يحمل بيده وعاء لحمل فناجين الشاي والقهوة، واصل الصبي دورانه دون أن يسأله عن طلبه..

- واحد شاي..

نادى بها، وكأنها مطلع أغنية طويلة..

تذكر النداء ذاته، في معظم المقاهي التي تردد عليها في أريحا، ورام الله والقدس..، إنها ثقافة المقاهي الشعبية وطقوسها، تتشابه معالمها وكذلك سلوك العاملين فيها..

لحظات، حضر الصبي ذاته، وراح يوزع الشاي على طالبيه..

- أريد فنجان قهوة .

- سيكلفك ذلك ضعف ثمن الشاي .

- سأدفع لك ما تطلبه.. أدفع ثلاثة أضعاف .

تحسس جيبه، نقد الصبي خمسة جنيهات .

- تلكأ الصبي وهو يتظاهر بالبحث عن فكّة يعيدها لزيد..

- لا أريد شيئاً.. احتفظ بالباقي فهو لك شرط أن تسرع في إحضار القهوة..

دسّ الصبي الجنيهات في جيبه وانطلق نحو العريشة.. لحظات.. عاد حاملاً فنجان القهوة.. راح زيد يرشفه بشغف شديد.. كاد يبصقه، لكنه أدرك أن عليه تعوّد ذلك، إذ ربما كان بانتظار ما هو أسوأ من ذلك.. مدَّ يده إلى جيبه، أخرج محارم الجيب التي كان اشتراها من الصبي على كورنيش النيل ليل البارحة، جمع حثالة القهوة في فمه وألقى بها في المحرمة، تفقد المكان قبل أن يغادره محاولاً الاقتراب من المعبر، واستشراف أحواله.. آلآف المنتظرين قرب بوابة العبور، وأعداد كبيرة لا تزال تتدفق دون جدوى، فالمعبر لا يزال مغلقاً أمام العابرين.. وجنود الاحتلال ما زالوا يلوّحون بأسلحتهم في وجوه المتدافعين.. ويسمع بين الحين والآخر.. طلقات طائشة، لكن أحداً لا يهتم.. توقف زيد، حين أدرك استحالة تقدمه وسط الفوضى العارمة، التي تعم المكان، وقف زيد مذهولاً، وقد أصابه إحباط شديد، وشعور باليأس والعجز عن فعل شيء، أي شيء يحمله عبر هذه البوابة المغلقة، ويلقي به بعيداً خلف هذا الحاجز الحقير الذي يحول بينه وبين الدخول إلى فلسطين.. حدّق في الناس يحيطون به من كل جانب.. وحالهم لا تقل بؤساً عن حاله.. لا شك في أن أحلامهم تتقاطع هنا، وتمنياتهم ليس أكثر من عبور هذه البوابة إلى الوطن..

حدَّق في الجموع المتدافعة أمام البوابة، أحسّ بمرارة شديدة، وانتصبت أمامه طوابير الإذلال أمام حواجز الاحتلال، قبل أن يبعدوه إلى لبنان.. هز رأسه.. وهو يحدث نفسه..

-آهٍ على وطن نعبر إليه مثلما يعبر الآخرون إلى أوطانهم.. آه أيها الوطن المحاصر.. لماذا جعلتنا نحبك! لهذا الحد، ونقبل بكل هذا الذل والعذاب من أجل أن نعبر إليك ؟!، أما كان بالإمكان أن نختار وطناً آخر.. أقل جمالاً لكنه أكثر أمناً وسلاماً ؟! وطناً ليس فيه معابر، والطريق إليه سالك وإن بصعوبة.. لم يسألك أحد، أعرف ذلك.. لكنك تشبثت بحلمك، قابضاً على جمره.. لم يأتِ إليك، لكنك سعيت إليه، وكنت ستعطيه حياتك من أجل أن تبقى فيه، بل كم مرة كدت أن تموت، وأنت تحاول التسلل إليه.. أي وطن هذا وأي حب؟!!..

قرر الابتعاد عن المكان، وقد أدرك أن لا فائدة من الوقوف أمام البوابة.. انتهز فرصة تراجع المتدافعين عند سماع زخّات من الرصاص أطلقها جنود الاحتلال، فيما وقف عدد من الجنود المصريين محاولين إقناع الجمهور بالابتعاد عن البوابة.. انسلَّ زيد خارج الحشد المطبق عليه من كل جانب.. تنفس الصعداء حين وجد نفسه بعيداً.. وراح يبحث عن مكان يستظل به.. وقد بدأت الشمس ترتفع وسط السماء..

كان عليه أن يبحث عن مكان جديد، إذ إن مكانه في المسجد، ربما سبقه إليه أحدهم حال مغادرته له..

هام على وجهه لا يدري وجهته، وكل ما كان يسعى إليه، الابتعاد عن المكان، والاختلاء بنفسه، لعله يجد ما يُبعد عنه هذا المشهد..

فكر بالعودة إلى القاهرة، ونسيان أمر العبور إلى غزة.. أو ربما العودة في وقت لاحق.. واصل ابتعاده عن المكان، لولا صوت ناداه باسمه.. التفت إلى المنادي.. كان رمزي يشير إليه بالتوقف، هرول نحوه، كطفل وجد ضالته..

- أين أنت يا رجل ؟!

- أين أنا؟! أين أنت، كلانا ضاع في الزحمة، لم يكن من السهل أن يلتقي أحدنا الآخر وسط هذا الزحام..

- يبدو أن عبورنا لن يكون سهلاً..

- بلغني أن علينا الانتظار، ربما أسبوعاً قبل أن يسمحو لنا بالعبور..

- أسبوع؟!. وأين سنقضي هذا الأسبوع ؟!

- ربما نعود إلى القاهرة..

- وماذا سنفعل في القاهرة ؟!

- ماذا سنفعل هنا ؟!

- على الأقل.. نحن هنا أقرب إلى غزة..

- قدّام عينيّ، وبعيد عليَّ.. رحم الله فريد الأطرش..

- ياه.. ألا تزال تحبه..

- كنت أحب الاستماع إلى أغانيه أيام الشباب..

- المهم.. ماذا سنفعل الآن ؟!

مهم جداً.. أن أجد مكاناً أستحم فيه.. وأبدّل ثيابي..

- اسمع.. تعال معي حيث أمضيت ليل البارحة في بيت قريب، حوّله صاحبه إلى نزل.. وفيه حمام مشترك.

- وبكم أجرة الغرفة ؟

- أجرة الغرفة ؟!.. قل أجرة السرير..

- أجرة السرير خمسون جنيهاً..

- مع القمل أم بدونه؟!..

ضحك الاثنان وواصلا سيرهما باتجاه النزل .

غير بعيد عن مقهى العريشة، وسط رمال تمتد جنوباً، وغرف متلاصقة، بدت من بعيد كأنها مدرسة، اقتربا من البيت، دخلا فناءه عبر بوابة من ألواح خشبية ثبتت بصفائح قديمة من زينكو وتنك يكاد يأكله الصدأ، ولعلَّ ذلك ما يفسّر بقاءها مشرعة خوف تهالكها وانهيارها إذا ما كثر استعمالها، التفَّ بعض النزلاء حول شجرة دوم كبيرة، يكاد ظلها يغطي ساحة البيت، طرحا السلام وواصل رمزي طريقه يتبعه زيد، نحو زاوية البيت، الذي بدا كأنه غرفة الإدارة، أو حارس النزل، بعد محادثة قصيرة، أخرج زيد من جيبه خمسين جنيهاً، نقدها للرجل.. الذي أشار بيده إلى الغرفة لكن رمزي طلب إليه أن يكون زيد معه في ذات الغرفة، التفت الرجل إلى رمزي، وقد همَّ بالتعليق، لكنه تراجع عن ذلك، ملتفتاً إلى زيد..

- لا تترك شيئاً ثميناً في الغرفة، نحن غير مسؤولين عن ضياع أو سرقة أي شيء..

ابتسم زيد، نظر إلى الرجل، كأنما يبوح له بسر .

- ليس لديَّ ما يستحق السرقة..

- ما علينا إلا البلاغ..

- شكراً لك.. سلام عليكم .

Page 7

حمل حقيبته بيده.. وتوجه مع رمزي إلى الغرفة.. لحظات.. وقف ببابها، جال ببصره أنحاءها.. حمله المشهد إلى معسكر الفدائيين في الدامور جنوب بيروت.. لا تزال الغرفة تحتفظ ببقية من طلائها أول مرة، وربما الأخيرة.. لكن الشيد الأبيض لم يعد كذلك، بفعل عوامل الجو.. وبفعل النزلاء أيضاً.. حدّق في أغطية الأسرة.. لم يستطع التعرف على ألوانها.. همَّ بالعدول عن فكرة قضاء ليلة هنا.. لكنه استسلم حين أدرك غياب أية خيارات أخرى.. تقدم نحو السرير الذي كان رمزي يشير إليه.. ألقى حقيبته على السرير وراح يبحث فيها عن منشفة وما لديه من صابون وأدوات الحلاقة وفرشاة أسنانه.. وتحضّر لأخذ حمام سريع.. استأذن من رمزي وأسرع إلى الحمام.. فيما جلس رمزي على حافة السرير يقلّب أوراقه كأنما يبحث عن شيء ما، أو ربما خطر بباله أن يتأكد من عدم ضياع أو سرقة أي منها.. عاد زيد إلى الغرفة، وقد بدا عليه النشاط وكأنه لم يأخذ حمّاماً منذ أشهر.

- هناك مكتب ارتباط في الجانب المصري، علينا مراجعته عّلنا نجد لديهم ما يفيدنا.. قال رمزي، وهو يلم أوراقه، دسَّ بعضها في جيبه، وأعاد بعضها الآخر إلى الحقيبة، نظر إلى زيد كأنما يطلب إليه أن يتبعه .

- إلى أين ؟!.. سأل زيد رمزي، فيما كان منهمكاً في جمع حاجياته القليلة، وإعادتها إلى حقيبته .

ألقى زيد نظرة سريعة على المكان، كأنما يحفظ تفاصيله، ليتعرف على سريره وغرفته حين يعود للنوم، وانطلق مسرعاً نحو رمزي، الذي سبقه إلى باب الحوش، توقف هناك، متبادلاً الحديث مع رجل، حاول زيد التعرف إليه لكنه أدرك أنه لم يلتقيه قبل ذلك..

رد التحية، وواصل سيره ببطء، قبل أن ينتبه إليه رمزي، ويدعوه للتعرف على مرافقه .

- هذا أبو العبد، يعمل في إدارة شؤون العائدين، وهذا زيد، صديقي منذ زمن طويل، ينتظر العبور إلى غزة.. واصل رمزي حديثه مع أبو العبد، دقائق سلَّم عليه، تبعه زيد وواصلا سيرهما..

- لا حاجة بنا للذهاب إلى الارتباط المصري، فقد أخبرني أبو العبد للتو، بأن دورنا للعبور إلى غزة، يحين بعد ثلاثة أيام، هناك ضغط شديد، والإسرائيليون كعادتهم يضّيقون على الناس.. قال رمزي وهو يطوي ورقة في جيبه..

- وهل لهذه الورقة علاقة بالأمر؟!

- نعم.. إنها تصريح العودة.. سوف يأتي أبو العبد بعد ثلاثة أيام، لاصطحابنا إلى المعبر .

- ثلاثة أيام ؟!..

- على الأقل، نحن نعرف الآن متى سيحين دورنا.. انتظرنا سنوات، لا بأس من الانتظار ثلاثة أيام أخرى.. لا ضير يا صديقي.. فلننتظر..

- وهل نملك غير ذلك؟!..

- تعال إذن نبحث عن شيء نفعله خلال هذه الأيام الثلاثة .

- وماذا سنفعل في رفح ؟!..

- اسمع.. قيل لي أن هناك بعض المقاهي المنتشرة على الشاطئ.. تعال نبحث عن سيارة تقلنا إلى هناك.. علَّ السائق يعرف بعضها فيدلنا على مقهى مناسب..

لم يستغرقهم البحث عن سيارة وقتاً طويلاً، فالمدينة صغيرة، والمنطقة قريبة من مركز العبور، وتعج بسيارات الأجرة في هذا الوقت.. استقلا سيارة الأجرة باتجاه البحر.. وانطلق السائق بهما، بعد أن عرف حاجتهما.. فيما زيد ينظر إليه، ويراقب حركاته.. دقائق قليلة، توقفت السيارة أمام مقهى تفوح منه رائحة السمك..

- يبدو أننا وصلنا، قال زيد .

- هذا مقهى ومطعم.. هنا تجدون أطيب الأسماك.. قال السائق معقبّاً .

- واضح.. ردَّ رمزي، وقد وصلت إليه رائحة السمك المشوي .

ترجّلّ زيد ورمزي من السيارة، فيما سبقهم السائق إلى صاحب المقهى..

- إنه يبيعنا.. قال زيد مخاطباً رمزي .

- إنها كذلك يا صديقي.. ردَّ رمزي وواصل حديثه معقباً..

- أرأيت كيف كان يقود السيارة ؟!

- هنا، نحن على مشارف الصحراء.. لا فرق بين السيارة والجمل..

- عملياً.. كلاهما ركوبة !!

دخلا المقهى، وهما يبتسمان.. فيما تقدم منهما صاحب المطعم.. رحب بهما ودعاهما إلى الدخول مشيراً بيده إلى طاولة قريبة من نافذة كبيرة تطل على البحر.. بين سمك وشاي ونرجيلة.. أمضيا سحابة ذلك اليوم، وقد أحسّا بحاجة إلى الاسترخاء.. حاول صاحب المطعم إقناعهما باستئجار شاليه يملكه على البحر.. حاول زيد إقناع رمزي بالأمر.. لكنه ما لبث أن تراجع حين تذكر موعدهما مع أبو العبد.. ما رأيك لو بحثنا عن أبو العبد، وطلبنا إليه أن يأتينا بعد ثلاثة أيام هنا ؟!.. سأل زيد رمزي..

- وأين سنجد أبا العبد ؟!

- نسأل عنه في مكتب الارتباط.. لا عليك.. اترك الأمر لي..

- لماذا لا نبيت ليلتنا في النزل.. فقد دفعنا أجرة ليلتنا.. ثم نعود في الغد لنقضي ليلتين هنا؟!.

توجه رمزي إلى الرجل وقد استحسن فكرة زيد.. دفع له خمسين جنيهاً عربوناً، على أن يعودا في اليوم التالي.. نظر إلى زيد، وخرج يتبعه زيد، استقل سيارة أجرة كانت تنتظر مع غيرها زبائن المقاهي و المطاعم المنتشرة على الشاطئ، وتوجها إلى النزل.. استراحا قليلاً.. وخرجا يبحثان عن أبي العبد.. توجها إلى مكتب الارتباط، كان أبو العبد وبعض زملائه يدخنون النرجيله، نهض أبو العبد حال رؤيته رمزي، حياهما، فيما بدأ رمزي يشرح له تفاصيل عنوانهم الجديد، راقت فكرة المقهى والشاليه لأبي العبد، تدخل زيد قائلاً..

- زورونا تجدوا ما يسّركم..

ضحك ثلاثتهم، تصافحوا وغادر زيد ورمزي مكتب الارتباط على وعد من أبي العبد بزيارتهم ليلاً في المقهى.. فيما كان رمزي وزيد يهمّان بالخروج للبحث عن سيارة أجرة.. استدرك أبو العبد، وطلب إليهما الانتظار قليلاً.. عاد برفقة رجل آخر.. تبين لهما بأنه سائق إحدى سيارات مكتب الارتباط.. حين طلب إليه أبو العبد أن يوصلهما إلى وجهتهما، شكراه من جديد واستقلا السيارة إلى المقهى.. كانت العتمة تنتشر في المكان.. الشوارع لم تر الإسفلت منذ أن شقتها السيارات العسكرية والدبابات أيام كانت تلك المنطقة معبراً لها، في طريقها إلى صحراء سيناء، بعضها لا يزال منتشراً في المكان، معطّلاً، أو بقايا هياكل من حديد ثقيل، لم يستطع لصوص الخردة فكّها وأخذها لبيعها، كانت سيارة الجيب العسكرية الروسية الصنع، تنطلق عبر الطرقات الترابية، فيما تشبث زيد ورمزي بمقعديهما، وقد اطمأنا قليلاً حين سمعا السائق يبلغهما بأنهما سيعبران إلى الطريق المعبّد بعد قليل.. تنفسّا الصعداء، عندما أحسّا بالسيارة تتوقف عن التأرجح والاهتزاز، وتنساب بسلاسةٍ افتقداها منذ انطلاق سيارة الجيب من مكتب الارتباط، لحظات.. توقفت السيارة أمام المقهى.. ترجلَّ زيد ورمزي، شكرا السائق وتبعا رجلاً هب لاستقبالهما ودعاهما مرحباً بهما، فيما كان آخر يتقدم منهما مرحباً، مشيراً بيده إلى الطاولة نفسها قرب النافذة .

- إنها محجوزة لكما..

اصطحبهما صاحب المقهى إلى الطاولة، مواصلاً ترحيبه بهما على الطريقة المصرية.. جال زيد ببصره أنحاء المقهى ورد على الرجل !

- يبدو أن المقهى كله محجوز لنا..

ضحك الجميع فيها راح صاحب المقهى يفسّر غياب الزبائن في مثل هذا الوقت، أسند زيد يده على حافة النافذة، وأطلق العنان لناظريه، تعانق البحر، كأنها تبحث عن مركب يحمله إلى حيث لا يدري، إلى وطن أمضى حياته يسعى إليه، حتى قبل طرده منه..

- لزج هذا الوطن.. كلما اقتربت منه.. انزلق من بين يديك .

- أنت لا ترى الأمور كما هي.. الوطن باقٍ هنا، لم يهرب، أنت الذي هربت..

- لكني لم أهرب.. أنت تعرف أنهم طردوني ولم أكن أملك البقاء، لقد أبعدوني إلى لبنان.. وأنت تعرف أيضاً كم مرة حاولت التسلل والعودة إلى رام الله.. كم مرة كدت أموت، بل إني رأيت الموت مرات ومرات.. كل ذلك من أجل أن أعود.. لكنه مازال يرفضني..

- وطنك لا يرفضك يا عزيزي... بل إن هناك من يحبه أكثر مني..؟!.. لا، لا.. لا أصدق أن أحداً يحبه أكثر مني..

- الحب يا عزيزي ليس كلاماً، وقصائد تطرزها كل يوم في حب الوطن.. الحب ليس انتحارك، وليس مظاهرات أمام عدسات المصورين.. حب الوطن يا عزيزي، ليس خطاباً في حشد من الناس تخدعهم بمعسول الكلام وحلوه.. حب الوطن.. ثقافة وتربية لم نتعلّمها بعد.. حب الوطن ليس شعارات وهتافات في الشوارع، ليس موتاً مجانياً .

- ومن قال إنه موت مجاني.. نموت من أجل أن يحيا..

- نعم.. نموت جميعاً ويحيا الوطن !! وما حاجتنا للوطن، بعد أن نموت جميعاً ؟!..

- ماذا تريد أن تشرب ؟.. زيد.. ماذا تريد أن تشرب ؟..

أفاق زيد من شروده على صوت رمزي..

Page 8

- أريد أن أشرب شيئاً يحملني إلى غزة.. ولا أصحو قبل أن أصل هناك .

- فهمت.. و لك ما تشتهي.. شرط أن تبقى معي، ولا تهرب كعادتك..

- ليتني أستطيع الهرب..

- إلى أين ؟!

- لا أدري، المهم أن أخرج من رفح..

- سنعبر إلى غزة.. هناك يا صديقي.. بعد يومين سنكون على بحر غزة.. وسنشبع من سمك أبو أحمد..

حملته تمنيات رمزي و تطميناته إلى مطعم غزة، تذكّر أبو أحمد.. طباخ السمك الذي لم تفارقه صورته.. بضخامته وكرشه المنتفخ أمامه.. ويداه السحريتان..

- أتعلم يا رمزي.. لم أذق مثل سمك أبو أحمد هذا، كنت في أفخم المطاعم في بيروت والقاهرة وحتى في أوروبا.. ولم أجد طعم السمك الذي كان يعدّه لنا أبو أحمد.. آه كم أشتهيه الآن..

- سنكون هناك بعد يومين.. لا عليك يا صديقي سنذهب إلى مطعم غزة، وسنشبع سمكاً..

- ترى ماذا حلَّ بصاحب المطعم، صديقنا محمد آل رضوان .

- سمعت من أحد الأصدقاء انه توفي منذ سنتين .

- هل تعرف أنَّه كان شاعراً وأديباً، كنا نجتمع في مطعمه، شلة من الأدباء والمثقفين.. نناقش كتاباً جديداً، أو نقرأ بعض ما كنا نكتبه في تلك الأيام..

- كنا نلتقي في مكتبة جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، مازلت أذكر ذلك..

- كانت أياماً حالكة السواد، لكنها غنية بالثقافة والفنون.. في تلك الأيام بدأنا نضع ثقافتنا ونشكّل هويتنا الوطنية.. هزَّ رمزي رأسه مؤيداً.. فيما كان يطلب من النادل نرجيلتين وبعض المقبلات..

مضى الوقت ثقيلاً، رغم أن زيداً يعشق البحر، ويحب التأمل في موجه، والغوص في أعماقه، وأبعاده المترامية، كان يتسلل وحيداً إلى شاطئ يافا، يجلس قريباً من العجمي، ويطلق العنان لأحلامه، يحتفظ بدفتر صغير في جيبه، يدّون فيه خاطرة أو فكرة كانت تنمو وتكبر أحياناً، فيكتب قصيدة، أو نثر يبث فيه ما يعتلج بداخله من خوالج متكسرّة، أو حلم غير مكتمل، يبحث في موج يلهث وراء موج، يلتحم ببعضه، ويستلقي على شاطئ يتعطش رمله لعناق البحر قبل أن يذوب فيه حاملاً معه ما تبقى من حلم حاول جاهداً أن يكمله.. لكن الموج كعادته.. كان أسرع في ابتلاع الحلم.. والحئول دون اكتماله.. في تلك الليلة.. جاء إليهم أبو العبد.. تناول بعض المشاوي وشرب ما تيسر من الشراب وغادر المقهى بعد أن وعد بلقائهما في اليوم التالي..

انضم صاحب المقهى إلى زيد ورمزي.. وهي حالة تنم عن إحساس بالرضى وتواصل روحي في السلوك، يتشابه فيه أصحاب المقاهي والمطاعم في كل الدنيا..

عندما همَّ زيد ورمزي بالمغادرة.. كانت الشمس تستعد ليوم جديد.. وقد بدت سعف النخيل تعانق الضياء القادم من الشرق.

- لماذا لا تبيتا هنا ؟!.. نظر زيد إلى رمزي معقبّاً .

- لاشيء لنا في النزل.. وحقائبنا معنا، فلماذا نعود إلى هناك؟!

استعان صاحب المقهى بأحد عماله لمرافقة ضيفيه إلى الشاليه، حيَّاهما متمنياً لهما نوماً هادئاً.. أمضى زيد ورمزي يومين هادئين، مستغرقين سحابة ذلك اليوم في نوم لم يسبق لهما أن استغرقاه منذ وقت طويل.. ولولا نباح كلب في الجوار، لاستغرقا في نومهما حتى آخر النهار، أفاق زيد ونهض مسرعاً متبيناً ما يجري، أطل من نافذة الشاليه، لكنه تراجع حين رأى أحد العمال يحاول إبعاد الكلب عن المنطقة، فيما يلحَّ الكلب في عوائه، وكأنه يؤكد وجود غرباء في الشاليه، زاد الكلب من شراسته، وتقدم نحو باب الشاليه، تقدم زيد بحذر نحو الباب، أطل برأسه من شق صغير، ما دفع الكلب إلى التقدم نحوه محاولاً الهجوم على زيد، فيما انطلق العامل يرشق الكلب بالحجارة، وينهره بعصا طويلة التقطها من الجوار، التقت عينا زيد بعيني الكلب.. حدّقا ببعضهما، لحظات، بدأ الكلب بالتزام الهدوء و الاسترخاء.. أشار إلى العامل بالابتعاد، والكف عن ملاحقة الكلب.. كان رمزي في الأثناء، يقف خلف زيد، طلب منه زيد أن يعطيه أي شيء للكلب.. ارتد رمزي يبحث عن شيء.. فيما زيد يتعجله.

في الأثناء وقع نظر زيد على طبق مغطى قرب الباب، مدَّ يده بحذر يستطلع الأمر، ليدرك أنَّ أحدهم أحضر فطوراً لهما ووضعه أمام الباب، سحب الطبق إليه، ألقى بما فيه من قطع اللحم باتجاه الكلب، الذي هجم على اللحم يلتهمه وقد هدأ.. أشار زيد إلى العامل بالابتعاد عن المكان.. لحظات لم يتبقَ شيء مما ألقاه زيد للكلب، فيما وقف الكلب مسترخياً، يطل برأسه نحو زيد، كأنما يستجديه المزيد.. بينما وقف زيد يشير إليه بحركات تؤكد للكلب بأنه ألقى إليه بكل ما لديه.. انسحب الكلب بعيداً، كأنما أدرك صدق زيد.. و بأنه قدَّم إليه فطوره، ولم يبق لديه شيء، لكنه لم يشبع.. فراح يبحث عن طعام في مكان آخر.. تنفس زيد ورمزي الصعداء.. واطمأنا إلى رحيل الكلب وابتعاده.. فخرجا من الشاليه.. يبحثان عن نادل يحضر لهما قهوة وطعاماً.. استعداداً ليوم جديد..

لم يغادر زيد ورمزي الشاليه إلا في ساعة متأخرة، تناولا العشاء في المطعم وعادا في ساعة متأخرة ليمضيا ليلتهما الثانية انتظاراً لليلة الثالثة، حيث موعدهما للعبور إلى غزة.. لم يكن لديهما الكثير ليفعلانه نهار اليوم الثالث سوى انتظار الساعات التي كانت تمر ببطء شديد وبثقل لم يعهدانه من قبل.. لكنَّ زيداً لم يحتمل خبر تأجيل عبورهما إلى موعد لم يحدد، حين جاءهما أبو العبد مساء تلك الليلة، وأخبرهما بذلك .

- الإسرائيليون يتذرعون باكتشاف نفق قاموا بتفجيره .

- وهل ضبطوا أحداً هناك ؟

- الأنفاق موجودة منذ انسحابهم من سيناء، وتقسيم رفح إلى شطرين، ولا يحتاج المتسللون عبر هذه الأنفاق لأكثر من حفر أمتار قليلة للتنقل بين شطري المدينة، وتهريب كل ما يريدون من الأسلحة إلى المخدرات، إلى البضائع، إلى البشر أنفسهم..

انكفأ زيد على نفسه، ولم يدرِ متى غلبه النعاس فجر ذلك اليوم، فلم يصحَ من نومه قبل عصر اليوم التالي.. نهض متثاقلاً، تعباً، وكأنه لم ينم.. كانت صورة أنفاق رفح و اجتراح المقاومة لها بادئ الأمر لتهريب الأسلحة إلى المقاومة في غزة، ماثلة أمام ناظريه، حتى نجاح بعض أصدقائه من المطلوبين والمطاردين في اجتيازها إلى سيناء ومن ثم إلى الدول العربية، مثلت أمامه وعادت إليه صورة ماهر، الذي تسلل من بيت لحم إلى غزة عبر صحراء النقب، ومن بعدها إلى رفح حيث نجح ورفيقاه في الوصول إلى سيناء عبر أحد تلك الأنفاق.. كانت قصص المتسللين تصلهم في بيروت وتونس.. بتفاصيلها التي غالباً ما كان يشوبها بعض المبالغة، التي تعتمد على خيال الراوي في كثير من الأحيان..

لم يكن أبو العبد بحاجة إلى انتظارهم طويلاً فجر ذلك اليوم، لاصطحابهم إلى الحافلة التي يستقلها ومجموعة من العائدين إلى غزة.. فقد جافاهم النوم، ولم يستطيعا التغلب على القلق والإحساس بالرهبة والتفكير بما ينتظرهما.. الطريق طويلة.. والمعبر لا يزال بعيداً.. رغم الكيلو مترات التي تفصلهما عنه.. وقد آثر زيد التزام الصمت وإطلاق العنان لأفكاره المبعثرة .. يحاول لمّها، لكنها لزجة تهرب من بين يديه.. تقفز تارة، وتارة أخرى يبحث عنها فلا يجدها.. بعد قليل سيواجه الإسرائيلين الذين أذاقوه الأمرين، وطاردوه حتى في لقمة عيشه.. عساكر الاحتلال، الذين حرموه حتى من حبه.. نعم الاحتلال طارد حبه، ومنعه من ممارسة حقه في الحب والحياة.. وهو ما دفعه إلى الانخراط في المقاومة حتى يتمكن من ممارسة حقه هذا، والدفاع عن حبه، وعن حبيبته رباب.. حتى حين قرر العودة والعبور إلى أريحا متسللاً، مخاطراً بحياته ومعرضاً نفسه للموت على أيدي قوات الاحتلال وحرس الحدود المتربصين على طول نهر الأردن.. يومها.. لم يفكر زيد بغير العودة إلى أريحا.. والعيش قريباً من ذكريات طفولته التي عاشها بين بيارات البرتقال والليمون.. وبساتين الموز الريحاوي.. يطل عليها جبل قرنطل الذي يحضن أريحا.. ينغرس دير قرنطل في ذاكرته منذ أن غادر أريحا، ولا يزال يعد خطواته التي اعتادت على تسلق الجبل عبر طرق جبلية وعرة، شقَّها الرهبان المعتصمون في أروقة الدير المعلّق وسط الجبل منذ قرر رهبان اليونان التصوّف والاختلاء في صومعات حفروها بأيديهم، وحبسوا أنفسهم فيها، تقرباً إلى الله.. وسعياً إلى محبته.. وهرباً من اضطهاد الكنيسة وملاحقتها لهم في القرون الوسطى..

توقفت سيارة الجيب قرب حافلة كانت تنتظر، وقد تبين لهما أنهم يجمعون العائدين في حافلات تنطلق إلى المعبر وفق سجلات وقوائم قام مكتب الارتباط بتنظيمها.. لحظات، تقدم أحدهم وطلب إليهما التوجه إلى الحافلة بعد أن سأل عن اسميها، صعدا إلى الحافلة، فيما كان الرجل يتلو أسماء الركاب، وما أن تأكد من حضورهم جميعاً، أشار إلى السائق بالانطلاق وقد راح يعطي تعليماته بعدم مغادرة الحافلة والتقيد بالتعليمات، طالباً إليهم التأكد من أوراقهم الثبوتية..

انطلقت الحافلة، وسط صمت و ذهول الجميع، وقد تعّلقت أنظارهم بالبوابة غير البعيدة، حيث يرابط جنود الاحتلال، أيديهم على الزناد، وعيونهم شاخصة نحو الطريق المؤدي إلى المعبر تحسباً لأي طارئ..

حدّقَ زيد في المشهد غير مصدّق لما يراه، ها هو يعبر إلى غزة، تسارعت دقات قلبه، وتداخلت كل الصور أمام عينيه، و اختلطت المشاهد في رأسه، فيما كانت الحافلة تقترب من البوابة، أشار أحد الجنود إلى السائق بالتوقف وإطفاء المحرك.. لحظات، صعد الجندي إلى الحافلة، سأل الركاب إن كان هناك من يحمل سلاحاً، وحين أجابوه بالنفي، طلب من السائق جمع الوثائق الشخصية لهم، والتقدم نحو ساحة قريبة من المدخل الرئيس للمعبر، أعاد المشهد لزيد ذكريات اعتقاله، وعمليات الدهم التي عاشها قبل إبعاده إلى لبنان.. تقدمت الحافلة ببطء نحو الساحة حيث كان بانتظارهم جنود الاحتلال متأهبون، انتشروا في المكان، وأحاطوا بالحافلة، طلب أحد الجنود من السائق وثائق الركاب التي جمعها، وراح ينادي عليهم واحداً تلو الآخر، ويطلب من كل واحد التقدم إلى القاعة عبر باب أشار إليه يُفضي إلى قاعة امتلأت بالعابرين رغم الوقت المبكّر، دخل زيد وتوجه نحو مقعد خالٍ حيث أشار أحد الجنود المنتشرين في القاعة.. وكذا فعل الآخرون، جلس زيد يحدّق في المشهد أمامه، جنود الاحتلال مدججين بأسلحتهم، وعدد غير قليل من رجال المخابرات، وحاجز طويل على امتداد القاعة، اتخذ الموظفون من الشرطة مواقعهم، لاستقبال العائدين واحداً تلو الآخر، بعد التدقيق في الأوراق الثبوتية، يتوجه العائد برفقة اثنين من رجال الاحتلال، أحدهما عسكري، والآخر رجل مخابرات بلباسه المدني، إلى باب في آخر القاعة، انتظر دوره طويلاً، عشرات من زملائه غيبهم الباب ساعات طويلة، قبل أن يتبين بأنهم يخرجون من باب آخر، بدأ زيد يضيق ذرعاً، لكنه بعد حين، أدرك أنَّ الأمر جزء من اللعب بأعصابهم و استنزاف تماسكهم ورباطة جأشهم يُمسك بما ضعف من خيوط أعصابه، يشدها ويعيد توازنه من جديد، لحظات سمع صوتاً ينادي أسمه، نهض متوجهاً نحو الصوت، أحاط به اثنان، تبعهما إلى الباب ذاته، في مشهد أعاده إلى أيام الاعتقال، حين كان يتوجه إلى الزنزانة، برفقة حراس السجن، بعد أن يسلم كل ما لديه إلى الأمانات، لا يختلف المشهد، عن ذلك الذي كان قبل سنوات، سوى ابتسامة مفتعلة، وكلمات ترحيب لم يستطع تصديقها من رجل المخابرات الذي رافقه إلى غرفة خلف الباب، تتوسط ممراً طويلاً، وتجاوز غرفاً أخرى على جانبي الممر... توقف الجندي أمام الغرفة، فيما أشار رجل المخابرات إلى زيد بالدخول...

- تفضّل..

سمع صوتاً يناديه من الداخل.. لا يزال يذكر ذلك الصوت، إنه هو، الكابتن روني.. وكيف له أن ينساه.. لقد لازمه ذلك الصوت سنوات طويلة، وانطبع في ذاكرته، إنه الكابتن روني إذن.. يصر على ملاحقته .

- أهلاً بك في إسرائيل.. ألم أقل لك، سوف تجدني أينما ذهبت ؟!

- بلا.. لقد كنت معي ولم تفارقني.. بل إنني كنت طوال الوقت أبحث عنك ثم إني لست في إسرائيل، هذه أرض فلسطين المحتلة .

- كما أنت، لم تتغير، هانحن نلتقي، لقاءً مختلفاً عن كل اللقاءات السابقة .

- كنت أتمنى لو التقيتك قبل ذلك...

- ماذا كنت ستفعل ؟

- لم أكره أحداً مثلما كرهتك .

- قدرنا أن نظل معاً .

- ليتكم تفهمون ذلك .

- أظن أننا سنفتح صفحة جديدة .

- لست واثقاً من ذلك..

- ألا تثق بذلك ؟!

- لا لست واثقاً بأنكم ستفعلون .

- لماذا عدت إذن ؟!

- أنا أعود إلى وطني.. وليس إليكم..

- لم تغيرك السنوات يا زيد .

- بلى، غيرتني.. أكلت من عمري اثنتي عشرة سنة، تعلمت منها الكثير..

- قلت لك ذلك قبل خمسة عشر عاماً.. ولم تأخذ بنصيحتي .

- ألم أقل لك ذلك.. أنا تعلمت الكثير، لكنك كما أنت لم تتغير، ولم تتعلّم.. أرأيت لماذا لا أثق بك ؟! أعطني أوراقي ودعني أذهب.. لا فائدة من الحديث معك...

- وماذا لو رفضت ؟!

- ستؤكد بذلك لون الصفحة الجديدة التي تحدثت عنها..

ابتسم الكابتن روني وهو يهز رأسه ويمد يده إلى زيد مصافحاً، فيما أخذ أوراقه باليد الأخرى، وخرج إلى الممر، حيث كان بانتظاره شرطي اصطحبه إلى خارج المعبر...

Page 9

- 3 -

وجد زيد نفسه وسط حشد خارج بوابة الخروج، أدرك أنَّه الآن على أرض غزة، اقترب منه شرطي بلباس عسكري، اعتقد للوهلة الأولى، أنه قادم لإعادته من حيث أتى، أو ربما لاعتقاله، مد الشرطي يده مصافحاً، معرفاً بنفسه، طالباً إليه مرافقته إلى ساحة قريبة، امتلأت بالحافلات وسيارات الأجرة، لحظات، انطلقت الحافلة بعيداً عن المعبر.. تذكّر رمزي، نهض من مقعده لكن رمزي لم يكن في الحافلة .

- ربما سبقني، وغادر إلى غزة !!

- كان عليَّ أن أسأل عنه قبل مغادرتي المعبر، قال ذلك لائماً نفسه، وقد أحس بذنب كبير,,,

انطلقت الحافلة عبر فوضى عارمة، حيث اختلط الركاب الباحثين عن سيارات تنقلهم إلى مدن قطاع غزة، أو نداء السائقين ومشاجراتهم فيما وقف رجال شرطة عاجزين عن فعل شيء، مستسلمين للفوضى، التي بدت أكبر من أن يسيطر عليها ثلة من رجال الشرطة المسلحين بهراوات ليس إلا .

لحظات.. انطلقت الحافلة مبتعدةً عن المعبر، عبر طريق كانت معبدة ذات يوم، ولم تر الإسفلت منذ عبرتها دبابات وآليات الاحتلال قبل سبعة وعشرين عاماً .

أحس بتباطؤ الحافلة، ثم توقفها، اشرأبت أعناق الركاب تستوضح الأمر.. أطل عبر شباك الحافلة، كان المشهد غريباً ولم يعتد عليه بعد، عدد من الجنود أحاطوا بالحافلة، فيما احتشد أناس كثيرون وسط الطريق، وعلى جانبيه، أدرك حينها أنه حاجز عسكري، اعتقد للوهلة الأولى أنه إسرائيلي، مد يده إلى حقيبته الصغيرة، التي حرص على حملها منذ أن صعد الحافلة التي أقلته من أمام فندق شبرد بالقاهرة قبل أربعة أيام، بحث عن جواز سفره وأوراقه الثبوتية الأخرى، لكنه سرعان ما توقف عن ذلك، حين أحس بعدد من الجنود يصعدون إلى الحافلة..

اعتقد أنه أمام مشهد سينمائي، عزز ذلك لديه وجود بعض المصوّرين في الموقع، يتراكضون لاقتناص مقابلات وأحاديث صحفية، وتصوير مشاهد العائدين وقصص العابرين إلى الوطن.. اقترب منه أحد الجنود، حيَّاه بلكنة عربية سليمة، سأله عن حال الطريق في الجانب الآخر، حدّق زيد بالشاب الواقف أمامه، اقترب من الجندي محدقاً في العلم المثبت على ياقته، ارتد إلى الخلف وقد تأكد أنه العلم الفلسطيني..

- أهذا حاجز فلسطيني حقيقي.. ؟!! سأل زيد الجندي .

ابتسم الجندي.. قبل أن يرد عليه .

- نعم إنه حقيقي.. أنت في أراضي السلطة الوطنية الفلسطينية، أهلاً بعودتكم ..

مسح زيد عينيه، كأنما يتأكد من أنَّ ما يراه ليس حلماً.. اعتدل في مقعده، وأطلق العنان لعينيه، تدور في المكان، فيما انطلقت الحافلة تشق طريقها وسط جموع من الناس المحتشدين على طول الطريق إلى غزة، كان صمت الناس غاية في التعبير عن دهشتهم التي لم تكن أقلَّ من دهشة زيد ورفاقه، ازدحمت الطرقات بالمارة وبالسيارات التي أطلقت صافراتها احتفالاً بالعائدين فيما كانت الحافلة تتوقف في الساحة القريبة من فندق فلسطين على شاطئ بحر غزة، تراكض الناس حتى غابت الحافلة وسط سيل من المحتشدين الذين غمروها، ولم يعد عشرات رجال الشرطة الذين انتشروا في الساحة قادرين على حفظ النظام..

وقف زيد يحدق في النّاس علّه يعثر على أحد يعرفه، اقترب أحدهم منه، مدَّ يده مصافحاً..

- هل تنتظر أحداً ؟

- لا، ولا أظن أحداً ينتظرني .

- نحن هنا بانتظاركم جميعاً..

قال مجاملاً، وهو يربّت على كتف زيد ويدعوه لمرافقته .

- إلى أين ؟! سأل زيد الرجل وقد اطمأن إليه..

إلى ضيافة قريبة، في منطقة الرمال، تقيم فيها إلى أن تأتيك أوامر أخرى .

توجه زيد برفقة الرجل، استقل سيارة كانت تنتظره في طرف الساحة، وقد سبقه إليها ثلاثة رجال، بدا عليهم أنهم من العائدين كذلك، انطلقت السيارة عبر شوارع غزة، وتوقفت غير بعيد عن شاطئ البحر، لم ير في طريقه ما لفت نظره، غير لافتة تشير إلى جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وبعد ذلك لافتة أخرى مثبتة على جدار إحدى البنايات، كتب عليها شارع الثلاثين، الأسوار في غزة، تعلو المنازل وتحجب الرؤية، كان يكره شكل هذه البيوت التي تذكره بالسجن، وأسواره العالية، وقد تنفس الصعداء حين توقفت السيارة أمام بناية من طوابق عديدة، كان يفضل أن يكون في منزل مستقل، لكن الأسوار المحيطة بالمنازل، جعلته يفضل شقة يطل من نافذتها فيرى ما يحيط به، حدق بالبناية يعد طبقاتها، لكن أحد زملائه سبقه قائلاً..

- تبدو البناية جديدة..

- هي واحدة من بنايات عالية، بنيت حديثاً.. رد السائق مواصلاً حديثه عن التغيرات التي طرأت على مجتمع غزة في السنوات الأخيرة..

تبع زيد وزملاؤه مرافقهم إلى شقة في الطابق الثالث، سارع إلى غرفة تطل نافذتها على البحر من بعيد، ألقى بحقيبته إلى السرير كأنما يحجزه قبل أن يسبقه أحد إليه.. وراح يتفقد غرفة النوم والحمام، أكثر ما يهمه، بعد أن اطمأن إلى السرير والفراش، اندفع إلى الحمام مطلقاً العنان للماء يندفع نحو جسده المتعرّق، بحث عن شركائه في الشقة فلم يجد أحداً..

-يبدو أنهم غادروا.. قال محدّثاً نفسه..

Page 10

توجه نحو النافذة.. كأنما أراد أن يتفقد المكان.. ويتعرف على موقعه.. كان الهدوء يخيم على الحي.. فالبناية في نهاية شارع فرعي.. لا يقصدها في أغلب الأحيان إلا ساكنوها.. وزوارهم القلائل.. وقد شغلت الشقق عائلات العائدين حديثاً إلى غزة..

لم تتغير غزة كثيراً، شوارعها لا تزال ترابية، والشوارع الرئيسة المعبدة، لا تزال كما رآها آخر مرة، قبل خمسة عشر عاماً، قرر مغادرة الشقة، لكنه تردد حين أدرك أنه لا يملك مفتاحاً لها، جلس قرب النافذة، مد بصره نحو الغرب حيث يمكنه رؤية البحر يطل بزرقته من بين أبراج وبنايات بدأت تحجب البحر عن أهل غزة، أحس بارتياح شديد حين دخل أحدهم، كان الشاب الذي رافقه وزملاؤه إلى الشقة، يدخل حاملاً في يديه بعض الأكياس البلاستيكية، تبين له أنها ساندويشات..

- أهلاً وسهلاً..

- أنا اسمي خليل،

- وأنا اسمي زيد.. قال معرّفاً بنفسه، وواصل حديثه..

- أشكرك على ذلك.. لكني لا أريد سوى المفتاح، أريد أن أذهب إلى الشاطئ..

- أتريدني أن أرافقك ؟..

- ..إذا رغبت بذلك ,,, لكني أعرف المكان.. وأستطيع التجول راجلاً.. والعودة إلى الشقة..

- كما تريد.. هاك مفتاح الشقة..

أخذ المفتاح ودلف مغادراً، رغم البنايات العالية لا تزال الشوارع مثلما كانت قبل خمس عشرة سنة، كأن الزمن توقف عند شاطئ غزة ولم يدخل إلى حواريها، الشوارع ترابية شقتها عربات تجرها البغال، والكثير منها لا تزال تجرها الحمير الهرمة، تعترض طريقها سيارات فرنسية من نوع بيجو مضى على صنعها أكثر من ربع قرن.. وأظن أن المصنع توقف عن إنتاجها منذ زمن بعيد، وربما لا يوجد مثلها في أي بلد في العالم.. وصل إلى شارع الثلاثين، أنه ذات الشارع الذي مر به قبل سنوات طويلة، الدكاكين ذاتها، ومحلات البقالة لا تزال تمتد على جانبيه، لم تتبدّل، ولم يطرأ عليها أي تغيير، حتى أن كثيراً من أشجار الزينة التي كانت تتوسطه، ذبلت، فأضفت عليه بعداً آخر ينسجم وواقع الحال..

مثل سائح كان ذات يوم هنا.. واصل زيد طريقه التي يعرفها منذ كان هنا قبل خمس عشرة سنة، يتوقف قبل أن يواصل سيره، كأنما يتأكد من المشهد الذي لا يزال مرسوماً في ذاكرته...هنا الجامعة الإسلامية، ثم جامعة الأزهر.. تبدو زرقة البحر من بعيد، وهناك على يمينه دار الحاكم المصري، قبل احتلال القطاع وتحويل الدار إلى معسكر للجيش الإسرائيلي، وبعد ذلك إلى معسكر اعتقال انتشرت في أرجائه الخيام التي امتلأت ذات يوم بالآلاف من شباب غزة، حتى أطلق عليه أنصار2، أما أنصار1 فقد أقامه الإسرائيليون وسط صحراء النقب، وكان من أسوأ المعتقلات خلال الانتفاضة الكبرى..

واصل سيره نحو الغرب، يتوقف بين الحين والآخر يدور بنظره، يتفقد المكان، كأنما يستعيد ذاكرته، وحين يدرك أن كل ما كان هنا ذات يوم، لا يزال مثلما غادره قبل سنوات، بدأت رائحة البحر تداهمه، تسلل الأزرق من بعيد عبر بنايات لم يتعرف إليها بعد، ها هو يعبر شارع البحر، توقف قبالة مطعم أبو حصيرة، كادت إحدى السيارات تدهمه وهو يحاول الانتقال إلى الرصيف الغربي، اقترب من فندق ومطعم أبو هويدي فعرف أنه يقترب من مطعم غزة... لكنه توقف وقد اختلط الأمر عليه... شيء ما تغير هنا.. اقترب من رجل كان يقف بالجوار وسأله!.

- أليس مطعم غزة في هذا المكان ؟!

ابتسم الرجل، وأجابه..

- بلى.. كان هنا، لكنه لم يعد قائماً..

نظر إليه زيد.. كأنما يطلب إليه المزيد.. واصل الرجل حديثه.. وقد أدرك الأمر..

- توفي أبو زكي صاحب المطعم قبل سنوات، فلم يعد هناك من يعتني بالمطعم وكما ترى فإن أصحاب الأرض يمهدونها لبناء مطعم جديد،

واصل زيد سيره، شارد الذهن، فقد سمع عن وفاة أبو زكي، لكنه لم يعرف بأمر المطعم، أفاق على يد تهزه..

- كنت أعرف أنني سألقاك هنا، قرب مطعم غزة، تعال، تعال قبل أن تضيع مني ثانية .

- انتظرتك في المعبر، وحين أدركت أنني أضعتك هناك، كنت واثقاً من أنني سأجدك هنا.. كم آلمني إغلاق مطعم غزة.. فقد كان جزءاً من ذاكرة لا أريد لها أن تنمحي..

- تعال نشرب قهوتنا في فندق آدم حيث أقيم مع عدد كبير من العائدين ثم نبحث عن مكان نأكل فيه السمك..

دخلا إلى الفندق الذي أُقيم حديثاً، وكأن صاحبه كان يعلم بتغير الحال، فقد انتهى من تجهيزه قبل التوقيع على اتفاق أوسلو بقليل.. تبادلا الحديث مع بعض الحاضرين قبل أن يغادرا، وقد ضاق المكان بالحاضرين، تطوع أحدهم لمرافقتهم إلى مكان يعرفه، ليس بعيداً عن فندق آدم.. استوقف ثلاث سيارات وطلب من السائقين أن يقلوهم إلى مكان قريب من مخيم الشاطئ.. حيث أقام أبو علي عريشة متواضعة، وقد امتلك قارباً صغيراً.. يبحر فيه إلى عرض البحر.. يصطاد ما تيسر من السمك، يساعده ابنه علي في انجاز الأمر.. مطعم غاية في البساطة، لكنه غاية في الجمال.. وليس هناك من يقدم أشهى من أسماكه.. مشوياً ومقلياً .

اقترب زيد من رمزي وقد تذكرّ أن عليه الاتصال برباب في رام الله، فقد مضى يومان على دخوله غزة ولم يبلغهما بوصوله .

- اشتقت لسالم الصغير .

- سالم وللا أُم سالم ؟!

- أتعرف يا رمزي، لا أدري ماذا أقول، لكن أشياء كثيرة تغيرّت، ولا أدري إن كنت زيداً الذي كان هنا ذات يوم، السجن، الإبعاد، المنفى، تبدّل الأصدقاء ألم تسمع فيروز تغني.. كبرت في الخارج.. كونت أهلاً آخرين ثم أخيراً العودة على هذا النحو.. كل ذلك وما تخلله، يدفعني إلى الجنون أحياناً، هل تعتقد أن من السهل الاحتفاظ بتوازنك في ظل ما مر بنا.. العمر قصير، بل قصير جداً، ولكني أحس بأن ما مررنا به خلال عقدين يكفي لأجيال .

- دعنا من كوابيسك، وتعال نغادر إلى مطعم أبو علي..

أشار رمزي إلى مرافقهم بالانطلاق .

انطلقت السيارات عبر طرق وعرة، ما دفع السائقين إلى الحذر وتجنب الوقوع في الحفر المنتشرة على طول الطريق فيما راح مرافقهم يعرّفهم بالأماكن التي يمرون بها، هذا مخيم الشاطئ كما كان منذ عشرين عاماً، لا شيء تغيّر، حتى الحفرة التي تصب فيها مجاري المخيم، لا تزال على حالها والحجارة والطوب المنتشر على أسطح البيوت لتثبيت ألواح الصفيح التي تغطي الأسطح، فيما انتشرت هوائيات التلفزيون على مد النظر، اتخذت سيارات الأجرة طريقاً جانبياً، فيما خرج بعض الصبية يراقبون المشهد، وكأنهم عرفوا بأن غرباء يدخلون مخيمهم، بينما السيارات تقترب من تلة ليست بعيدة عن المخيم، تشرف على البحر.. كان الرجل بانتظارهم.. وقد تعرّف على مرافقهم الذي ترجّل من السيارة التي وصلت أولاً.. صافحهم أبو علي مرحباً.. ودعاهم إلى العريشة .

كان زيد لا يزال مشدوداً إلى مشهد البحر، وكأنه غير مصدق بأنه على شاطئ غزة .

- سننتظر قليلاً إلى أن يبتعد الدبّور عن المنطقة !.. قال أبو علي مخاطباً ضيوفه.. فيما راح مرافقهم يشرح لهم ما يعنيه أبو علي :

- الدبور.. قارب خفر السواحل الإسرائيلي الذي يجوب مياه غزة.. ويمنع الصيادين من النزول إلى البحر.. فينتهز الصيادون فرصة ابتعاده جنوباً، يستغرق غيابه ساعة واحدة، ويطلق عليه الصيادون هنا الدبور..

لقد ابتعد، وعليَّ النزول إلى البحر لعليّ أصطاد لكم ما يكفي من السمك..

هرول أبو علي نحو قاربه الصغير، دفعه إلى الماء وقفز إليه محاولاً بمجذافه المحافظة على توازنه، وقف زيد مستنداً إلى العريشة، محدقاً في القارب الصغير تتقاذفه الأمواج.. توقف غير بعيد عن الشاطئ، لم يأبه زيد بدعوة الأصدقاء للانضمام إليهم.. فقد شده المنظر.. وربما انتابته مشاعر القلق والخوف.. فربما يفقد أبو علي حياته.. من أجل بعض السمك.. ينقّل بصره بين القارب الدبور الذي غيبّه البحر، فلم يعد يراه..

كان الشاطئ ممتداً إلى الجنوب.. وقد بدت بعض البنايات العالية ترتفع على جانبه.. فتفسد براءته التي كان يحبها.. يبدو شاطئ الشيخ عجلين من بعيد.. يندفع ماء البحر نحو "المواصي" التي امتدت بساتينها حتى لامست أطراف دير البلح.. لا يزال طعم عنب الشيخ عجلين في فمه، وقد ظل يتغنى به أينما حل وحيثما جلس... إذ لم يذق عنباً أطيب من ذاك الذي كان يأتيه مع كل قادم من غزة إلى رام الله..

أفاق من شروده على صوت علي ينادي والده ويحثه على العودة والإسراع في الخروج من البحر... نظر زيد إلى الجنوب... كان الدبور في طريقه إلى الشمال... أحس بالقلق على الرجل... أشار بيده وقد عجز عن فعل أي شيء آخر... بدا عليه القلق... انطلقت رصاصات من بعيد.. انضم الجميع إلى زيد وعلي يصرخون طالبين من الرجل العودة إلى الشاطئ... فيما القارب لا يتحرك...

- هناك شيء ما حدث لوالدي.. ليس من عادته أن يفعل ذلك..

قال علي والخوف بادٍ عليه.. انطلق نحو الشاطئ.. غير مبالٍ بنداءات انطلقت ترجوه أن يعود خوف أن يعرض نفسه للخطر..

كان الدّبور يقترب أكثر فأكثر.. فيما أبو علي لا يزال عالقاً في عرض البحر..

كان صوت الرصاص يقترب .

- من الأفضل أن نختبئ خلف العريشة..

قال مرافقهم وهو يشير إليهم بيده..

ألقى عليّ بنفسه في مياه البحر.. وراح يسبح باتجاه والده..

- ها هو قادم.. انظروا ها هو علي يصعد إلى القارب ويأخذ المجذاف من والده..

قال مرافقهم..

- يبدو أنه أصيب..

قال زيد وقد رأى الرجل يلقي بنفسه في قاع القارب فيما كان عليّ يجدّف مسرعاً نحو الشاطئ..

- هرول بعضهم نحو علي ووالده..

سحبوا القارب إلى الشاطئ، وساعدوا الرجل في الوصول إلى العريشة، فيما كان كتفه ينزف دماً..

- استدعوا سيارة الإسعاف .

- الإصابة طفيفة، فلنأخذه في سيارة عادية إذ لا داعي للانتظار .

تدافع الناس، فيما كان أحدهم يفتح باب السيارة، ويشير إلى أحدهم لمساعدته في دفع أبو علي إلى المقعد الخلفي، جلس علي إلى جوار والده، فيما جلس زيد في المقعد الأمامي طالباً إلى السائق الانطلاق نحو المشفى .

- لنذهب إلى أقرب مشفى..

- ليس لنا سوى مشفى الشفاء..

- حسن، أسرع من فضلك..

نظر زيد إلى علي وهو يشد والده إليه، ويضمه إلى صدره.. فيما لم يرفع أبو علي نظره عن وجه ابنه.. يحاول أن يقول شيئاً.. لكنَّ علي يشير إليه أن يصمت .

- لا شيء يدعو للخوف، الجرح طفيف... سوف تنجو... بانتظارك الكثير، لا بد أن تراه... ثم إنك ستتركني أُعيل طابور خلفتك لوحدي...؟!

ابتسم أبو علي وهو يصغي لولده.. ولم يستطع حبس بعض حبات من الدمع تساقطت، مسحها علي بظاهر يده، وضم رأس والده إلى صدره، وهو يقول..

- ..لا بأس عليك.. ها نحن وصلنا..

كان زيد ينظر إلى علي، يحدق به، بيديه اللتين تهدهدان والده، بعينيه المعلقتين بوجهه وقد أدهشه سلوك الصبي، وردة فعله إزاء ما حدث لوالده، لهدوئه الذي لم يتوقعه من صبي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، تعامل مع الأمر كأنما تعود على ذلك.. ما أن وصلت السيارة إلى باب المستشفى، حتى أسرع نحو غرفة الطوارئ، أحضر نقالة، طالباً من زيد والسائق مساعدته على رفع والده إلى النقالة، وانطلق مسرعاً نحو غرفة الطوارئ، تبعه زيد لكن أحد الأطباء طلب إليه الانتظار خارج الغرفة، تقدم علي من الطبيب وقد رآه يطلب من زيد الانتظار خارج الغرفة.. تحدث إليه قليلاً.. عاد الطبيب إلى زيد مشيراً إليه بالدخول.. تقدم زيد فيما كان أحد الأطباء منهمكاً في تشخيص حاله والكشف عليه، نظر إلى علي كأنما يسأله عن سر تغيير الطبيب لرأيه..

- أبداً.. قلت له إنك عمّي..

ابتسم زيد.. وحرص على ألا يراه الطبيب فيشك في الأمر..

يبدو أن "الدبور" أصاب عدداً من الصيادين، فقد كانت غرفة الطوارئ على اتساعها تعج بالمصابين، والفوضى تعم المكان،

لم ير زيد ذلك المشهد من قبل، جرحى ومرضى، أطباء وممرضون يتراكضون، وجلبة أحدثها ذوو الجرحى، كلّ يسعى إلى الاطمئنان على أحد المصابين، ربما كان أخاه أو قريبه أو ربما أحد جيرانه أو أحد أصدقائه .

- كان المستشفى أكثر ازدحاماً قبل أسابيع.. قال علي، وقد لاحظ انبهار زيد بالمشهد..

اقترب علي من زيد، حين لم يجبه، فقد بدا زيد شارد الفكر زائغ النظر.. وقد أخذه المشهد بعيداً..

...أظن أنَّ أحد المصابين توفي.. إني أعرفه، إنه ياسر، ابن مخيمنا.. مخيم الشاطئ.. يأتي كل يوم إلى البحر.. محاولاً اصطياد بعض السمك ما أمكنه ذلك.. لكنهم يطلقون النار عليه ويمنعونه من نزول البحر.. يبدو أنَّ أولاد الحرام أصابوه هذه المرة.. يحاصروننا حتى من البحر.. إياك أن تصدقهّم، إنهم كذابون مخادعون.. لا يريدون السلام.. يريدوننا أن نموت.. أنا أكرههم.. أكرههم..

- هوّن عليك وتعال نسأل عن والدك..

كان الممر مزدحماً، ولا تزال جموع الزائرين يتقاطرون على الممر، ويتجمهرون أمام غرف الطوارئ، لكن علياً شق طريقه، فيما وقف زيد ينظر إليه، وقد غاب وسط الزحمة فلم يعد يراه.. انتحى جانباً، وقد آثر عدم اللحاق به، أو حتى التفكير في المجازفة بذلك، لكن غياب علي لم يطل.. فقد رآه من بعيد، يتقدم والده، مندفعاً نحو باب الطوارئ، طالباً طريقاً لوالده الذي لحق به متكئاً عليه.. لحظات كان أبو علي يخرج من الزحمة.. تقدم زيد من الرجل مهنئاً بسلامته، طالباً إليه الاتكاء عليه، فيما أشار إلى علي الإسراع في إحضار السيارة ونقله إلى البيت..

كان أبو علي محظوظاً، فالرصاصة أصابت كتفه، دون أن تخترقه،،

- أنا آسف يا أستاذ، لكني أعدك بأن أُعوّضها قريباً .

- لا بأس عليك، سنعود ثانية، ولن تفلت منا ثانية..

ضحك الجميع، فيما حاول أبو علي إقناع زيد بأن يذهب معهم إلى مطعم آخر..

- يا رجل، لا تخف علينا، سنتدبر أمرنا.. المهم أنك بخير، لعن الله السمك..

- لعن الله الاحتلال..

- آمين .

ذهب أبو علي بصحبة ابنه علي إلى البيت، فيما عاد زيد إلى أصحابه، الذين انتظروا عودته.. طمأنهم وراحوا يبحثون عن مطعم آخر..

أحس زيد برغبة شديدة بالعودة إلى الشقة حيث يقيم، لم يكن تعباً، لكنه أحس بحاجة إلى الاختلاء بنفسه، استأذن صاحب المطعم باستخدام الهاتف للاتصال برباب وطمأنتها على حاله.. وما أن انتهى حتى استأذنهم على وعد بلقائهم في وقت لاحق..

كاد يخطو نحو الرصيف المقابل عائداً إلى شقته، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة حين خطرت له فكرة السير جنوباً بمحاذاة الشاطئ وقد رأى الشمس تتأهب للمغيب، كلما أوغل في طريقه جنوباً، كانت الطريق أكثر هدوءاً، وان كان الأمر لا يخلو من بعض المتنزهين، وبعض الشبان والصبايا، الهاربين من المتطفلين الذين لا يروقهم صفو العشاق والأحبة، أو حتى الباحثين عن متعة بريئة، الحقول هنا.. لا تزال تنعم بخضرتها، رغم أنَّ المباني بدأت تزحف جنوباً، فتحيل اخضرار الحقول إلى اسمنت ينتشر في الحقول بشكل عشوائي لا علاقة له بالمكان، أحس بحزن عميق، وهو يحدق بأشتال العنب، وقد بدأ العطش يأكلها ويدمرها، بعد أن ضعف أصحابها أمام ارتفاع أسعار الأراضي، فراحوا يقسمونها قطعاً صغيرة، استعداداً لإقامة أبنية عليها..

اقترب من الشاطئ، فيما كان الشفق ينتشر في الأفق يحيط بالشمس وهي تغيب في كومة من اللهب، فينعكس احمرارها على صفحة البحر.. انه بحر غزة، عند شاطئ الشيخ عجلين.. لا يزال المشهد جميلاً رغم التشوهات التي أحدثتها يد الإنسان، يد الاحتلال من جهة، ويد الناس العابرين إلى مدينة يجهلون استحقاقاتها، وما ينتظرهم من جنونها..

جلس على صخرة على مرتفع يطل على البحر، شده مشهد البحر يمتد ويتمطى على امتداد النظر كأنما يستسلم لمداعبة الشمس في آخر خيوطها وهي تنسحب خلف الأفق، لا شيء هنا غير صمت يترنح على رتابة صوت الموج، يضرب بعضه بعضاً، كل موجة تسرع خلف سابقتها، تلتحم بها قبل أن تستلقي على الشاطئ، يحمله المشهد إلى شواطئ ربما ليست بعيدة، في رحيله من شاطئ إلى آخر، ربما كان يبحث عن شاطئه، فلا يجده، شاطئ غزة، ذات الشاطئ في بيروت و الإسكندرية، والعريش، وتونس وغيرها من مدن المتوسط، البحر هنا، ليس ذاته هناك، والشاطئ مختلف أيضاً، لا أحد يصدق ذلك، سينعته أصدقاؤه بالرومانسية، والتعصب لفلسطين، فكل شيء هنا يختلف عن مثيله في أي بلد آخر، هكذا كان يقول وهكذا كان يراه، مختلفاً فعلاً، كل شيء هنا مختلف، وللأشياء طعم آخر، للبحر رائحة لا مثيل لها، وهو الذي حين عيل صبره، وضاقت به السبل، حاول إقناع نفسه بأن وطنه حيثما حل وحيثما وجد أصدقاء، ..وربما أهلاً آخرين.. ليس من السهل أن تفهم هذا التعلّق بالوطن.. لماذا نتعلق بأوطاننا.. أهم الأهل والأصدقاء، أم الأرض التي مشينا عليها وكبرنا في أحضانها، أم البيت الذي ضمنا.. أهو المكان أم الزمان أم هي الذكريات التي نحملها في أعماقنا.. أم كل ذلك.. لا أظن أن أحداً يملك جواباً شافياً ومقنعاً.. لكنه يعود في كل مرة، يغلبه الحنين، معلناً.. لا شيء يعدل الوطن.. كأنما يقطع الطريق على أي إحساس بالاستسلام.. نعم، لا شيء يعدل الوطن..

نهض مغادراً.. وقد أدرك أن الوقت أخذه ساعات عدة .

كانت الطريق إلى المدينة، لا تزال تعجّ بالعديد من المتنزهين أو الباحثين عن شيء ما في داخلهم، أو الراغبين بالاختلاء إلى ذاتهم.. أو لأغراض أخرى كثيرة.. أحس بفرح طفولي وهو ينظر إلى الشاطئ مزدحماً بالزائرين.. أحس براحة وهو يواصل طريقه نحو شقته.. ها هي غزة لا يختلف ليلها عن ليل كثير من المدن.. وإن كان الليل هنا أقل عهراً، من عهر ليل المدن الأخرى.. غزة لا تزال بريئة عذراء لم يمسسها بشر.. أو هكذا رآها في الليلة الأولى .

كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل.. أحس بتعب شديد.. لكنه لا يشعر بالنعاس، دخل إلى المطبخ وقد قرر أن يشرب القهوة..

أخذ فنجان القهوة، واختار زاوية في الشرفة حيث يبدو بحر غزة من بعيد، جلس محدقاً في المشهد الممتد أمامه، زرقة البحر غرقت في ظلمة الليل التي أحالته إلى عتمة مطبقة، لا يكسرها غير أضواء خافتة، ربما كانت منبعثة من "دبور" إسرائيلي، يجوب البحر شمالاً وجنوباً، يحاصر شواطئ غزة، وربما كان ذات الدبور، الذي أطلق النار على قوارب الصيد ظهر ذلك اليوم.. فقتل أحد الصيادين، وجرح آخرين، كان أبو علي واحداً منهم .

الشوارع المحيطة تكاد تخلو من المارة.. والصمت مطبق، لولا صوت الموج يصل إلى مسامعه، كلما ارتطم بالشاطئ.. أو تلاطمت أمواجه.. تبدو مدينة غزة غارقة في نومها، أخذ فنجان القهوة بيده، نهض من مكانه يحدق في المدينة، شوارعها، أضواء بيوتها الخافتة، لا أحد هنا، كلهم غارقون في نومهم، زمَّ شفتيه تعبيراً عن استغرابه من أهل غزة، لديهم هذا البحر الرائع.. ولا يقدرونه ولا يستمتعون به.. بل يؤثرون النوم باكراً، طالما أحب المدن الساحلية، بل وتمنى العيش في إحداها على بحر.. أي بحر.. كان يرى رام الله وقد أصبحت على شاطئ المتوسط، بعد أن تسللت مياهه عبر السهل الساحلي لتغرق المدن والقرى في طريقها نحو رام الله.. وتتوقف هناك عند منحدرات عين مصباح.. الحي الذي أحبه منذ طفولته، ومنذ ذلك اليوم، لا يزال يحلم ببيت صغير.. على شاطئ رام الله.. ولم ينس أبداً أن يحلم بامرأة جميلة.. تعيش معه في ذات المكان.. امرأة أحبها وحملها معه أينما ارتحل .

لازمه الحلم.. ذات الحلم في رحلته الطويلة، لكن رام الله لا تزال تنتشر على جبالها.. يغمرها بحر الظلمات الذي لا يزال يحتلها ويغمرها منذ عشرات السنين، حاملاً إليها الموت والدمار والحقد الذي يحمله جنود الاحتلال، إنهم يغارون منها.. تماماً مثلما تغار تل أبيب من يافا.. رغم الدمار الذي أحدثه المحتلون في أحيائها.. نعم.. المدن تغار من بعضها.. مثلما البشر .