Page 1
حفلة لمشاهير الأدب
هل يمكن أن نتخيل حفلة كبيرة لمجموعة من مشاهير الأدب كما يحدث ذلك دوما لمشاهير السينما؟ نحن نشهد بطبيعة الأمر هذه الحفلات في السينما مرات عدة في العام الواحد·
هنالك حفلات كبيرة، ومهرجانات ضخمة، دعايات، إعلانات، سيارات ليموزين سوداء، بروشات ماسية، أقراط لماعة، أضواء تصوير، فلاشات كاميرا، حفلات الثراء تقام في مطاعم شهيرة، أو في صالات كبرى يتوافد عليها ممثلو السينما والمخرجون وكتاب السيناريو والمصورون والمنتجون من مختلف أنحاء العالم·
لا ينقص هذه الحفلات الـ show، الملابس الراقية، العطور، التسريحات، المجوهرات، البساط الأحمر المفروش، حيث يهبط الممثلون والممثلات من أفخم السيارات وأرقاها، ثم تنقل وقائع هذه الحفلات أكبر التلفزيونات في العالم، وأهم الصحف والإذاعات، وأحيانا تتحول إلى أقراص دي في دي، ليراها من لم يتمكن من دخولها، أو مشاهدتها في التلفزيون·
في الأدب لم يحدث هذا الأمر، وبهذه الفخامة والرقي والاستعراض كما يحدث ذلك في السينما، هنالك مهرجانات، وكولوغات، وندوات، ومؤتمرات، ولكنها كلها تقريبا ثقيلة الدم وتغلب عليها الصرامة والجدية التي نفرت المشاهدين، ولم تغامر التلفزيونات والصحف والإذاعات على نقلها كاملة، إنما تكتفي بتقرير صغير للإعلان عنها· ولكن كان يحدث ما هو مشابه ولكن بصورة مكتوبة، أي الكتب التي كانت تتحدث عن مشاهير الأدب·
Page 2
يحدث هذا في كتاب
كان يحدث هذا الأمر على هيئة كتاب نقرأ فيه مجموعة من المقالات عن مشاهير الأدب، كما حدث ذلك في كتب عديدة ومشهورة مثل كتب أي جي الأميركي، والتي قرأتها حينما كنت صبيا وأثرت في تأثيرا بالغا· وأعدت قراءتها وأنا جندي في الموضع، أثناء جبهة الحرب مع إيران، وعصفت بي الكلمات بعيدا عن الحياة التي كنت أحياها ذلك الوقت، كان للكلمات وقع أكبر من صوت المدافع والرصاص، كانت تغيبني لحظات عن وعيي كي أعيش حياة ثانية غير الحياة التي كنت أعيشها وأنا جندي منفي خلف الغبار والدخان·
Page 3
مشهد
أجلس في الموضع، أمدد قدمي على الأرض، وأخرج من جيبي كتاب أي جي·
لشدة تعلقي بالقراءة خاطت لي أمي جيبا داخليا في القمصلة العسكرية ليحوي على الأقل كتابا أو كتابين صغيرين أحملهما معي أينما ذهبت، وفي ساعات الاستراحة، أجلس منعزلا عن الجنود وأغرق في كتابي، أغرق في السطور كأني في زمان ومكان آخرين، كأني أعيش في عالم آخر غير العالم الذي أجبرت على الوجود فيه، ومختلف عنه تماما·
القراءة··· كانت امتيازا فادحا حقا، كانت هروبا من عالم إلى عالم آخر·· وهكذا في كل ساعة تقريبا، وحتى تحت القصف الشديد والهلع المروع لهجومات لا حدود لها، كنت أذهب بعيدا، أذهب بسرعة مع الأحداث من غير توقف، متسلحا بقوة الشغف التي تتملكني، كي لا أعود إلى الزمان والمكان اللذين أعيش فيهما·
كنت أتساءل على الدوام: هل كان بطل بروست الشاب، أكثر حكمة، حينما دخل إلى حجرته منعزلا، وغرق في كتبه كي يتفادى رؤية جدته وهي تتألم؟
بعيدا عن تعفن جثث القتلى القادمة مع الهواء الهاب من ساحة المعركة، أو بعيدا عن البارود الذي كان ينفذ إلى أعماقي حتى يجعلني أتقيأ، بل يفتك أحيانا بأحشائي، حتى يصبح التقيؤ أمرا تافها بالقياس لما كنت أشعر به، كنت أذهب إلى العزلة السرية للقراءة، أذهب هناك إلى الألفة المطمئنة، كي أشم من سطور كتابي عبير سوسنة بعيدة، أو رائحة خشب مكتبتي الممسوح بالاسبرتو، أو رائحة الحجر في منزل ما وقد نقعه الماء·
كانت القراءة بديلا حقيقيا عن الضراعة الذهنية التي تعصف بي، كانت نوعا من الافتتان بالانسحاب من حياة تعيسة مقدرة، وتلذذا غير محدود بتشوش الخيال، كنت موجودا بين القتلى، أو الموتى المؤجلين، وحتى أنا كنت مقتولا لا محالة، ولكني أشعر بنفسي جالسا مثل مشمشة برية نبتت خارج أحجار السور·
Page 4
الكتب وحفلات السينما
كنت أعد هذه الكتب مثل حفلة المشاهير التي تقيمها شركات السينما، والتي تنقلها وسائل الإعلام وتجعل الناس هم أيضا يحلمون·· وثمن الكتاب هو بالضبط ثمن بطاقة دخول إلى حفلة المشاهير فيا له من ثمن بخس·· حيث إني سأستمتع كثيرا مع هؤلاء الناس وسوف أعرف الكثير عن حياتهم·
الدخول إلى حفلة المشاهير لا يعني أننا سنقابلهم وجها لوجه على المسرح نفسه، إنما هم سيكونون على المسرح، نراهم ولا يروننا، نسمع أصواتهم ولا يسمعون أصواتنا، وهنالك كل تقنيات السينما، المودريتور، والمونتير، والأوفر فويس·
Page 5
حفلة المشاهير
هذه هي حفلة المشاهير، المدعوون كثر وهم يتوافدون إلى الحفلة واحدا بعد آخر، سيارات أو عربات متباينة حسب أزمانهم، مقاعد راقية أو عادية، سيارات حديثة وعربات قديمة ذات عجلات ومقاعد متقابلة، منها بمظلات، وأخرى مقفلة بستائر مصنوعة من الجلد الثمين· أما الجمهور فكانوا جالسين أو واقفين على أرض المسرح خارج المنصة، مصطفين أو مستندين بأيديهم إلى الجدران·
ربما تسمع صوت وقوف السيارات أو ;فرقعة لا يهم، ولكن من وقت لآخر هنالك باب تفتح، ويخرج كاتب ليدخل الصالة غير عابئ بصخب الجمهور، رءوسهم بالقبعات الصغيرة، مع نساء ارتدين أزياء جميلة، وقمصاناً تتقاطع أطرافها عند الخصر، أو بشيلان صغيرة ملونة تثبت أطرافها إلى الظهور بدبابيس· نساء يسرن صامتات، متوردات الخدود، بشعر معطر بالدهان، وقفازات بيض·الردنجكوتات ذات ذيول ضافية تداعبها الريح، أو ذات الياقة الإسطوانية والجيوب الواسعة كأنها الحقائب·
Page 6
حفلة فلوبير
لنتخيلها الحفلة التي دخلتها إيما بوفاري أول مرة في الريف، حيث يرتدي الكتاب ;بزات من الصوف السميك، وقلنسوات أحيطت حوافها بإطارات من نحاس·· ومعاطف قصيرة ثبت في خاصرتها من خلف زران متقاربان كأنهما عينان· وقد بدت ذيولها وكأنما سوتها بلطة نجار!··
هل هناك ما هو أكثر سخرية من ذلك؟
بل يبالغ فلوبير من سخريته ليقول:
كان الرجال الذي سيسجلون في ذيل المائدة يرتدون أقمصة المناسبات ذات الياقة المسدلة على الكتفين، والثنيات الرفيعة في الظهر، وقد شدت تحت الخصر بحزام مثبت في ثناياها·· كما شدت فوق الصدور ـ بفعل النشاء والكي ـ ;فبدت كأنها دروع!
أما العازف فكان يسبق الموكب بقيثارته التي حليت بالأشرطة، يتبعه العروسان، ثم الأهل، فالأصدقاء، دون ترتيب·· وفي المؤخرة، سار الأطفال يلهون بقطف زهور الشوفان، أو يلعبون فيما بينهم دون أن يفطن إليهم أحد·
ليس هنالك ما هو أجمل من كتاب سارتر عن فلوبير وهو معتوه العائلة، إذن لماذا لا نجعل سارتر أو الداخلين إلى حفلة المشاهير·
Page 7
دخول سارتر إلى الحفلة
دخل سارتر الصالة، كانت الأضواء شديدة السطوع والجمهور ضاجا وصاخبا، نساء رجال بشعور طويلة وملابس غريبة، وأصوات عديدة متداخلة، موسيقى وغناء قادمان من مكان بعيد، فماذا يعني دخول سارتر الصالة؟
حين نقول سارتر نعني الثقافة الحسية والشعبية في باريس، والتي امتدت من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى ثورة الستينيات، نعني نمط الحياة الجديدة وأسلوبها الذي صدره الحي اللاتيني والسان جرمان دوبريه، نعني تقليد المقاهي والملاهي ودور النشر والمكتبات علي إيقاع موسيقي الجاز والشانسون الفرنسي، الذي بلغ ذروة تجليه مع الصوت الساحر لإديث بياف، ولشارلز آزنافور الذي غنى أغنية La Bohème نشيد الفنانين والشعراء في المونمارتر·
Page 8
ماذا بعد
حين نقول سارتر نعني البوهيمية الروائية بعد أن أطلق الكتاب مشاعرهم وغرائزهم، غارقين في الملذات والأحاسيس والمتع بنهم كبير، نعني الفلسفة التي هبطت إلى الشارع، إلى الحياة، إلى المنزل، إلى المقهى كي تعتق الفرد من العوائق الاجتماعية والجنسية والسياسية، وتعيش معه متبطلة في المقاهي والشوارع والملاهي· نعني علاقة الحب المدوية - دون زواج - بين دفوار وسارتر، والتي أغرت مئات الآلاف من الشباب بتقليدها·
حين نقول سارتر نعني صورة نجم الثقافة الذي يحيط به عباده الأطلنطيون من المولعين بالفكر والإبداع والالتزام والحرية، نعني الإمبراطور الثقافي الذي جلس على عرش السان جرمان دوبريه، محاطا بجوقة من المعجبين والمعجبات من ممثلين وممثلات ومطربات وعارضات أزياء وكاتبات مبتدآت وطالبات·
نعني سارتر الساحر بمفاهيمه الشاملة وحركاته الإغوائية بالرغم من دمامته، سارتر الامتثالي بالرغم من مبادراته السياسية، وتعليقاته الملغمة، ونشاطاته الثقافية الكثيرة، سارتر الفنان الساحر بالرغم من العدمية المتشائمة والسوداوية التي طبعت كتاباته، سارتر المرح والساخر بالرغم من كفاحه السياسي الجاد، نعني سارتر الثري الذي يربح الكثير من كتبه، سارتر ساحر الجميلات، زير النساء الذي يغوي الفاتنات بفضل جاذبيته الفكرية·
من أين كان للثقافة العربية أن تدخل عالم سارتر؟
هذا هو سارتر وهو يدخل صالة الحفلة الصاخبة في باريس، وهناك يحوم حوله عباده الأطلنطيون·
ولكن كيف يدخل سارتر إلى مقهى من المقاهي العربية؟ وله هو أيضا أتباع من الكتاب والمثقفين العرب·
قنفتان خشبيتان في المقهى حول طاولة سطحها مصنوع من الفورميكا الحمراء، وهنالك مجموعة من الجالسين حول أكواب الشاي، ذقونهم غير محلوقة، ملابسهم عتيقة، ودخان سجائرهم الثقيل تسبحه مفرغة الهواء· الهواء الساخن وروائح الشاي العتيق في كل مكان، وهم يتناقشون بحماسة حول مفهوم الالتزام الذي طرحه سارتر في كتاب ما هو الأدب· يتناقشون بحماسة، أصواتهم تتداخل مع بعضها، صوت المذياع على أعلى صوته، والمذيع يصرخ ببياناته عن حروب موعودة مع إسرائيل، وأصوات المجموعة تطغى على صوته وهم يبحثون عن سارتر، عن مفهومه للحرية المطلقة، يتحدثون عن رجل الغليون وعلاقاته مع الفلاسفة والأدباء، عن الفيلسوف الذي يمشي على الأرض، يدخن ويكتب الأغاني ويزعج الكثيرين بشهرته وصداقاته مع النساء؟
سارتر تارة هو البوهيمي الذي يشكل خطرا على القيم الأخلاقية، وتارة هو المناضل السياسي المؤمن بالاشتراكية، والمتعاطف مع الشيوعيين، تارة هو معادي الستالينية وقاهر الشيوعيين· وتارة هو سارتر المفكر الأوربي الصاخب، سارتر العالم ثالثي في مقدمة (معذبو الأرض) لفرانز فانون؟ سارتر الدوغمائي في نقاشه مع عبد الكبير الخطيبي حول المسألة اليهودية، وسارتر المتمرد في تطبيع أفكار ألبير ميمي عن تحول الثقافات واكتساب الشفرات؟
Page 9
من أين نعرف سارتر
من سارتر المتشائم في مناقشه مع المسيو نافيل عن الوجودية أم من سارتر المتعدد، والمتغير في أفكاره وحياته؟
من سارتر النص الحر غير الخاضع إلى قيود أم من سارتر الملتزم؟
من سارتر المقيد بالنص أم من قديس النظرة الليبرالية الذي رأى في وجود الفرد غاية بذاتها، والذي جعل من حد الحرية المطلقة شرطا للالتزام· من الطفل البرجوازي الذي عاش لحظة اللافعل بشكل أبدي أم من سارتر الأزمنة الحديثة· المختبر الفكري والأدبي في الخمسينيات، من سارتر المدافع عن الجزائر مع كاتب ياسين ومحمد ديب· المناضل في دعم جبهة التحرير الوطني الجزائرية واستعداده لإيواء المناضلين الجزائريين الذين تطاردهم الشرطة الفرنسية· أم من سارتر المنخرط المحموم مع الصهيونية· من سارتر المنظر السياسي في عمله النظري الضخم (نقد العقل الجدلي) أم من سارتر المتضامن البسيط والشعبي مع فيتنام في الحرب الأميركية· من سارتر الرافض لجائزة نوبل أم من سارتر المطبع للوجودية كتيار متقدم في الحياة الثقافية· من سارتر (الغثيان) الذي فضح الحياة البرجوازية الزائفة والمصطنعة أم من سارتر الباحث عن الجمال وهو ينزع عن الجسد قدسيته؟
Page 10
في الحفلة
كيف بدا سارتر في الحفلة·
بالنسبة للمشاهد الغربي سارتر هو غيره بالنسبة للمشاهد العربي·
كمشاهد عربي لسارتر لا نتذكر منه إلا سارتر المعادي لسارتر·
فثقافتنا العربية كانت ثقافة استلابية، لنعترف بذلك، عبرت طوال الخمسينات والستينات عن عجز ونكوص كاملين في فهم سارتر أو تقديمه·
هل يمكننا أن نرقب سارتر المضاد لسارتر في جزء من الثقافة المعاصرة التي تخلت عن شفرتها مع أول إطلالة لهذه الشخصية الساحرة، دون تمييز شديد بين الفكرة وبين إمكانيات تحققها، أو على الأقل بين الفكرة وبين ظلالها، ولدى مثقفين مهمين لا يتعلق الأمر لديهم بمهزلة عالمثالثية، أو بخداع ماكر، إنما بمواقف وقناعات وصراعات فكرية وسياسية واجتماعية·
فسارتر في نسخته العربية لم يكن في حقيقته نهاية لعرض خطير من الأفكار المشوهة، والمواقف المختلقة، والقناعات دون تمثيل حقيقي أو استيعاب صريح فقط، إنما كان نوعا من عدم الكفاءة الأخلاقية والاجتماعية والفكرية لدى بعض المثقفين، حيث دخل سارتر إلى الثقافة العربية بقدر كبير من الاختلاق، والكذب والتزييف··· والأمر لم يكن عرضا على الإطلاق، فهناك صراع رمزي على سارتر ذاته وعلى أفكاره بين أعتى تيارين ثقافيين في الخمسينيات والستينيات بين جماعة الآداب وجماعة شعر·