Page 1
"بطن الحوت" وأحلام الخلاص العبثي
فراس حج محمد/ فلسطين
بحساسية النقد بدأت بقراءة رواية الكاتبة اللبنانية صونيا عامر "بطن الحوت"، ولكن جماليّة النص سرقتني من ذلك الإحساس إلى إحساس بالمتعة والتذوق الفني الخالص، وكلما حاولت السيطرة على القراءة بوعي النقد تفلت مني إلى الـسريان مع أعصاب الرواية والجريان في دهاليزها ومحاولة السير على الأسلاك الشائكة وفي حقل ملغم دون أن أفقد شيئاً من رؤيتي النقدية، حاولت ذلك مراراً وفي كل مرة يتهرب مني النقد لصالح المعمار الفني الجميل والطريف لهذه الرواية المكثفة.
صفحاتٌ قليلة ولكنها لا تؤخذ بسهولة الحكاية، فيها حيواتٌ كثيرة، وأفكارٌ متعددة سياسية واجتماعية وفلسفية ووجودية، وتركت الكاتبة في الرواية بؤر تثوير لغوي، لتشاركها أيها القارئ صنع روايتك أنت، فلعلك تجد نفسك متجسداً في إحدى شخصياتها، تلك الشخصيات التي أضنتها فكرة الوجود، وربما بحثت عن خلاصها بغير وسيلة، حتى وإن كانت بالموت نفسه، كأن الرواية تقول:
أعالج موتتي بالموت حباً لعلي قد أموت على مزاجي
رواية "بطن الحوت" رواية بنَفَس مختلف وطعم مختلف، فيها من المرارة ما يدعوك لمجابهة النفس، وفيها من الأفكار ما يجعلك تحاسب ذاتك وما صنعت يمينك في هذه الحياة، فإما أن تكون واحدا من هؤلاء الألف الموهومين الباحثين عن سعادة موهومة، وإما أن تصنع حياتك بفكرة صلبة متوهجة نحو النور والعلا، لتكون مصباح نفسك ودليل روحك لخلاص بـشري كامل بعيد عن الكارثة وموت كارثيّ إن بقيتَ تدور مع الدائر في دوائر الحياة المفرغة دون نتيجة، فلا نقول بأن الحياة عبث ومجون ولكنها قرار نصنعه أنا وأنت.
Page 2
مـقـدمة
كان يا ما كان في قديم الزمان خرافة في عمق المحيط تدعى "بطن الحوت" يتسع لـ 1000 شخص، نصفهم نساء والنصف الآخر رجال، وكل الموجودين في بطن الحوت يجب أن يكونوا متنكرين، وأن يكونوا متزوجين، بـشرط أن يكونوا مرتدين ثيابا جديدة لم يسبق للزوج أو الزوجة رؤيتها من قبل، ويجب أن يصل كل منهم منفرداً، بحيث لا يتمكن الزوج أو الزوجة من ملاحظة الثوب الجديد الذي يلبسه الزوج أو تلبسه الزوجة. تبدأ الحفلة، ويبدأ المدعوون بالانـشراح غير المـشروط فهم في بطن الحوت، لن يرى أحدهم الآخر لاحقاً ولن يعرف أي منهم الآخر حتى خلال الحفل. وكذلك لا يحق للحضور التكلم بنفس نبرة الصوت، حيث أن النبرة يمكن أن تؤدي إلى معرفة هوية الشخص، وذلك خطر حيث سيقوم الـشريك برميه في البحر، هذا هو شرط اللعبة. تحاول النسوة كما يحاول الرجال التنكر بشتى أنواعه، في الحركة في الضحكة وحتى في المـشروب المفضل أو أنواع الطعام، فالأمر خطير للغاية والنهاية معروفة ومحتومة ولا تحتمل الخطأ.
تسير الأمور على خير ما يرام، ويتمنى الجميع أن يمـضي بقية حياته في بطن الحوت، وألا يخرج منه أبداً. بعد مـضي عدة ساعات، تبدأ النساء بالتململ والرجال بالنعاس فهم جميعاً يرغبون بالعودة إلى البيت، يرغبون بالنوم، فقط النوم أو ربما بعض الحب. ولكنهم غير مخولين بالخروج، فالخلاص الوحيد هو أن يبقوا متخفّين إلى ما لا نهاية، فهناك لا زمن يمر ولا أناس تشيخ أو حتى تموت. ما الحل؟، تبدأ النساء بالتفكير كل على حدة، منهن من تقررن الاستمتاع بشكل عفوي طبيعي فتبدأن بالتعرف إلى الأشخاص الآخرين، غير مباليات بقوانين اللعبة، محاولات فقط تغيير نبرة الصوت والعادات الخاصة بهن، تنجح النسوة ومنهن من تنجحن بمهارة، ولم لا، ففي ذلك فرصة لتغيير حياتهن الرتيبة.
أما الرجال فهم في غاية السعادة فالوقت قد حان لتغيير الـشريكة، وهم بذلك يسدون خدمة للسيدات اللواتي تحاولن جاهدات التنكر لأصولهن. يقع العديد بالحب، ويشكر العديد الله على إرسالهم إلى بطن الحوت غير آبهين بمخلفاتهم على هذه الأرض، فالأولاد يكبرون والمال ينتهي والعمر ينقـضي ولا شيء يستأهل الأسف. تعارف الجميع إلى بعضهم البعض، وباتت الأسماء مرتبطة بالأقنعة أو التي أعلنت عنها أصحاب تلك الأقنعة.
Page 3
ومرت شهور وسنون وغزاة بطن الحوت فرحين مرحين، فهناك لن يولد أطفال يدخلون مدارس، ولن يعمل الكبار ليتمكنوا من الزواج، ولن يشيخ أحد ليموت، هناك الحياة عبارة عن حفل دائم لا يتوقف. حدث ذات مرة أن أحد الرجال عرف زوجته، كان يكن لها قدراً كبيراً من الحب، وبوحي من حبه تعرف عليها من رائحة ميزت جسدها فهو يصف تلك الرائحة بالعنبر، لم يـشر الزوج المسكين إلى ذلك خوفا منه على حياتها، فهي سوف ترمى في البحر لعدم حرصها وفشلها في التنكر، فكبت شوقه واكتفى بمشاهدتها تسرح وتمرح.
مرت سنينٌ وسنين ولم يشعر أحد منهم بالتعب أو المرض فهم تواقون للحرية والحب، ولم يرمى منهم أحد في البحر فالكل قام بالتخفي بالقدر الكافي للاستمرار ولكن، سرعان ما تبدل الحال فجأة، بدأ الملل بالتـسرب إلى الموجودين، قاوموا التعب وقاوموا المرض والنعاس وقاوموا شوقهم لحياتهم السابقة، ولكنهم لم يعلموا كيفية التخلص من مشكلة الملل، فلقد حب بعضهم بعضا وكره بعضهم بعضا وبدأت المشاكل في الظهور، كأنهم لم يدخلوا قط بطن الحوت، وحين ضاقوا ذرعاً بوهم الخلد قرروا جميعاً الانتحار، فقفز جميعهم إلى البحر، كما وصادف بعضهم بعضاً على اليابسة، حيث نجا بأعجوبة.
Page 4
الجزء الأول
حُلى متحمدة، أحمدك يا رب أخيراً انعتقت، لكم طال انتظاري لدرجة أني كدت أشك بالمعجزة، فأنا حين دخلت تلك الجمعية الـسرية العجيبة كانت لعبة للتسلية، ولم أكن لأتخيل بأن الربّ وضعها في طريقي سبيلاً للخلاص. كانت حُلى بالثلاثين من عمرها متزوجة رغما عنها مع أنها هي من أرغمت نفسها على الزواج بذلك الثري المعروف. حُلى حلوة كاسمها ممشوقة القوام شقراء اللون ذات عينين زرقاوين وشعر أشقر فاتح تحسبها فرنسية الأصل. أنجبت حُلى بنتا وولداً فـ (بريستيجها) لا يسمح لها بإنجاب المزيد من الأطفال فهي لن تخضع لعمليات التجميل مجرد شفط الدهون وشد جلدة البطن المترهلة، فهي مع كل الحمية التي تتبعها خلال حملها تكسب وزناً يكاد يكون خيالياً يزيد على ثلاثين كيلو، حيث تصاب بما يسمى سكري الحمل الذي يشعرها بالجوع طوال الوقت، مما يؤدي إلى تجمع السوائل في جسمها أو ما يدعى الزلال، ولكن - ولله الحمد- فهذا لا يؤثر على الطفل الذي يولد كما البدر حتى إن آدم ابنها ولد بوزن خمسة كيلوغرامات لدرجة أن الأطباء خافوا من أن يكون لديه مرض السكري. حُلى تـصرّ بأن جمالها طبيعي 100% فوجهها الملائكي لا يحتاج لأي تجميل. تزوجت حُلى بعمر الثاني والعـشرين من عمرها حال تخرجها من الجامعة المرموقة التي تعلمت فيها وتخرجت منها بمعدل جيد جداً من قسم علم النفس، فحُلى على الرغم من جمالها الخارق إلا أنها إنسانة حساسة للغاية وطموحة، كما وأنها تحب الشهرة والمال. فهي توجت ملكة جمال الشاطئ للعام 2008، كما وأنها ترشحت لمنصب ملكة جمال لبنان إلا إنها سحبت ترشيحها في اللحظة الأخيرة بناء على نصيحة خطيبها الرجل الثري ووالدتها التي ذكرتها بمقتل سوزان تميم (إحدى الفنانات الجميلات) ونهايتها المحزنة، فخافت مما ستواجهه فيما لو دخلت هذا المجال من قرصنة من قبل وكالات عروض الأزياء إلى الضغوطات المهولة من قبل بائعي الجميلات.
تعرفت حُلى على زوجها في حفل جامعي، كان ذلك بداية العام حين قامت بتمثيل دور إيزيس في مـسرحية سميت آلهة الحب. فالسيد المرموق ذات الشهرة الكبيرة المحلية والعالمية وذات المال والجاه هو عضو مجلس إدارة في الجامعة وله فيها 60 % من الأسهم كونه الممول الأكبر للجامعة لما تحمل في طياتها من انتماء سياسي يخدم توجهه، فمن يعلم ربما اقتضت حاجة العمل دخوله خضم السياسة يوماً ما، كل شيء وارد.
Page 5
حُلى ابنة عائلة متواضعة ولم يكن دخولها هذه الجامعة المرموقة محض صدفة أو وفرة من حظ، لا بل كان ثمناً لتضحية كبرى قدمتها منى والدة حُلى حين باعت قطعة الأرض التي ورثتها عن أمها فهي لا أخوة لديها تتقاسم معهم الميراث، وقطعة الأرض هذه أنقذت العائلة لثمنها الباهظ كونها في منطقة جغرافية غالية الثمن وجميلة. لحُلى أخوات ثلاث يصغرنها سناً فهي الكبرى، والمحاولات الثلاث جئن نتيجة الولد المرتقب ولكن دون جدوى فمحاولات والديها باءت بالفشل الذريع الذي نتج عنه هذه العائلة المكونة من أربع بنات، الأم مُدّرسة مُحالة على التقاعد والوالد موظف يشقى الشهر بكامله ليؤمن مـصروف البيت والبنات، فوزارة الاتصالات لم تنصف يوماً سُعاة البريد.
الجامعات الجيدة لم تعد وهما بعيد المنال لأخوات حُلى؛ فالصهر المقتدر كان سندة الظهر وهو يستميت في سبيل أم آدم وأهلها (بيت حماه). ولكن عبثاً حُلى حاولت تعبئة وقتها الفارغ، فهي لا تعمل وليست بحاجة للعمل وارتباطاتها الاجتماعية وحفلاتها ورعايتها لدور الأيتام والمسنين وتوزيع الصدقات على المعوزين لا تسمح لها بتفريغ ثماني ساعات يومياً للعمل حتى ولو في شركة من شركات زوجها المصون. ولكن، لطالما أحست بأن شيئاً ما ينقصها، فزادت ساعات الرياضة القاتلة، فبرنامجها الرياضي الأسبوعي يحتوى الأيروبيكس، المـشي، الجري والسباحة، كما أدخلت على البرنامج اليوغا وساعات التأمل والتواصل الروحي إلى أن وصلت إلى مرتبة متقدمة جداً في هذا المجال حيث كانت تجد نفسها مما أوصلها إلى تلك المجموعة الرائعة التي أدخلتها بطن الحوت، جنة الخلد كما يسمونها. كما ولطالما كانت الرغبة بالاتصال بذاك الشاب الوسيم تراودها . تعود حُلى بالذاكرة إلى اليوم الذي تعرفت فيه على ذاك الشاب الوسيم، كان هو يومها رئيساً لفرقة كشفية تابعة لحزب داعم للجامعة يزور الجامعة باستمرار لإقامة المهرجانات والمشاركة بمـسرحيات لطالما كانت حُلى تلعب دور البطولة فيها فهي بارعة في أداء الأدوار الرقيقة ذات المغزى مما سبب لها الكثير من المشاكل مع البنات زميلاتها الأقل جمالاً وخفة دم، الغيرة وما غير الغيرة، تبتسم حُلى كفرس لطالما ربح صاحبها الرهان على فوزها، وتعود بالذكريات لكلمات لن تنساها أبداً، كانت قد سمعتها من أقرب صديقة لها، "لو لم تكوني بهذا الجمال لكانت حياتي أفضل حُلى!" . ذاك الشاب لم يكن ليقل جمالاً عن حُلى كما وينتمي لنفس الطبقة الاجتماعية الكادحة، مع الفارق البسيط بينهما أنها تطمح دوماً بالسير إلى الأمام بينما هو متشبث بمبادئه. إلى أن جاء سعيد الحظ، السيد/ ماهر الذي أصبح رئيس مجلس إدارة بفضل آخر تبرع قام به للجامعة والذي فاق النصف مليون دولار، ماهر خريج السوربون، فـرنسي الثقافة ومدير لبنك مرموق.
Page 6
لم تأخذ مهمة الإعداد للزواج وقتاً ففي غضون ثلاثة أشهر كانت كل الترتيبات جاهزة، شقة في منطقة فخمة ومميزة جداً، عفش خشبي من إيطاليا وسجاد من إيران، الستائر الإيطالية واللوحات العالمية، فستان الفرح الفرنـسي، فهي لم تكن لترضى بأقل من إيف سان لوران. السيارة أودي فهي لطالما أحبت الأودي دون سواها كونها ماركة جديدة تشبه طبعها المتجدد دائماً. أما الحفل فكان في الفينيسيا مع أنه خطر على بالها حينها إقامة حفل فرحها على شواطئ ميامي كما هو معمول به مؤخراً، لكنها فضلت تقليص بعض المصاريف للاحتفاظ بها كمساعدة لأخواتها اللواتي يحتجن دخول الجامعة المرموقة. فحُلى لطالما شاركت فرحتها مع الآخرين، لم تكن يوماً أنانية. حتى قائمة المعازيم وبطاقات الدعوة فلقد أعدت من ورق البردي التي تذكرها بطبعها الفرعوني وعشقها لتلك الحضارة، كما ولفت بطاقات الدعوة بالمخمل والحرير الصيني، تدلت منها ليرة ذهبية حفر عليها اسمي العروسين لتكون ذكرى ونوعاً من رد الهدية لمن سوف يتكلف بتقديم هدية الفرح لهما.
لا تنكر حُلى أنها أمضت أياماً سعيدة، سعيدة جداً، فلقد لفت العالم، روما، باريس، نيويورك، وغيرها ولم يبقَ غير أستراليا التي كانت تعدّ العدة للتمتع بشمسها الدافئة شتاءً لولا رحلة الحوت المفاجئة التي قلبت الأمور رأساً على عقب.
ولكنها كانت وفي كل مرة تزور فيها بلداً ترى نفسها إنساناً آخر، شخصاً جديداً تكاد لا تعرفه، لم تكن حُلى لتستطيع اصطحاب ولديهما في كل رحلة تسافرها فآدم وتمارا لهما طقوسهما وهما ما زالا صغيرين على فهم هذه الحياة الغريبة العديمة الاستقرار.
ولذلك فهما يقضيان معظم وقتهما مع الجدة الشغوفة بهما والتي تفرغت تماماً لهما بعد استقالتها المبكرة من وظيفة التدريس بسبب آلام الديسك التي باتت تؤرقها، فهي من خدمت أسرتها، ولم تكن الخادمات يومها متوفرة بسهولة كما اليوم. أما اليوم فبوجود آدم وتمارا فالجدة منى كادت تقيم إقامة شبه دائمة في شقة الابنة لولا التزاماتها الزوجية التي باتت شبه معدومة لتقدم السن، أو لربما لكمٍّ مهول من إحباطات تجمعت لتتحجر في عمق ذاك الرجل الحنون، رياض، أبو حُلى.
أحمد الله أن أمي وافقت على الإقامة الدائمة في شقتي، تقول حُلى حيث أنني سأخوض تجربة بطن الحوت ذات طبيعة اللاعودة التي تحتويها والتي أصرّ عليها أكثر من أي وقت مـضى، لكم دهشت حين فاجأت منوش والدتي بقراري الميمون، توقعت دهشةً، عويلاً وتهديداً، لكن ما حصل كان مفاجئاً بشكل غير اعتيادي، فمنى لم تبدِ أي تخوف، أي رفض ولا أي انزعاج، لا بل كانت راضية مرضية كمن خصه الربّ بمصيبة وأثلج صدره، لا بل تعجبت حُلى من كلماتها حين أجابت أنه كان من الممكن أن تلـبسي حزاماً ناسفاً وتفجري نفسك حبيبتي طمعاً في ذاك الخلد، وأنا أحمد الله أنك ذاهبة على رجليك، سعيدة قانعة، فهذا قدرك وأنت لم تختاري إنما الرب اختارك لغاية لا نعرفها، فأنت قطعتي أشواطاً في مجال التأمل والتواصل الروحاني مع من هم أعلى رتبةً منا، اذهبي يا حبيبتي وما فيه خيرك سوف يكون.
Page 7
أين المشكلة؟ ولِمَ وصلنا إلى هذا الحد؟ وكيف توصلنا إلى هذا الاتفاق المجنون؟ كيف ارتضينا المشاركة بهذه المجازفة؟ لِمَ اختلفنا ما هي أسباب اتفاقنا الضمني على هروبنا من بعضنا لبعضنا بهذا الشكل الشنيع؟ أنا بغاية الحماس لبطن الحوت، فهو شيء لم تره عين ولم تسمع به أذن، لم يجربه أحد من قبل!. الجنة، هو الجنة، وهل يرفض أحد دخول الجنة؟ الجنة على الأرض هذا ما وصف به بطن الحوت، هذا ما أكده لنا الأستاذ بالجمعية.
أرجوك، حُلى منبهة مصففة الشعر، أرغب بتغيير لون شعري، تغيير القَصّة ورفعة الشعر، فهي حفلة تنكرية كما تعلمين لكنها غير كل الحفلات، أريد ألا يعرفني أحد، فهمت ماذا أقصد ألا يعرفني أحد؟ حتى ماهر.
لا تقلقي سيدتي، ودعيني أساعدك، فهمت قصدك تريدين مفاجأته كالعادة، ليكون أكثر وأكثر فخراً بك من أي وقت مـضى، مالي أراكِ متوترة على غير العادة، فهي ليست المرة الأولى التي تقيمين فيها حفلاً وإن كانت تنكرية؟ ثقي بي سيدتي. هل ترغبين بفنجان قهوة؟
كانت ساندرا ليست مجرد كوافيرة حلاقة، كانت صديقة حُلى التي تفضفض لها بعـشرة بالمئة من أسرارها، وهذه نسبةٌ كبيرة نظراً لطبيعة حُلى الحذرة، فهي على رغم بساطتها الشديدة إلا أنها لطالما عانت الوحدة وشعوراً بالعزلة منقطع النظير يصاحبها في أقـصى حالات الانخراط الاجتماعي الذي لطالما أحست بأنه قيد يخنقها ولم يجلب لها يوماً إلا اختناقاً أكبر.
ساندرا حنونة وصاحبة تجربة بالحياة، تجربة تختلف كلياً عن تجربة حُلى وهذا أكثر ما شدها لهذه الصداقة المقنعة، فساندرا ابنة مهنة وتعرف حدودها، وهي لم تكن لتتخطى حدودها يوماً، فهي تسمع ترى ولا تتكلم. السيدة الخمسينية، قصيرة القامة والممتلئة بعض الشـيء، ذات قَصّة الشعر الصبياني – الغارسون، وذات العيون العسلية، تكمل لحُلى قِصتها، أجل سيدتي فهي ذات احتياجات خاصةّ، ماذا؟ تصيح حُلى فأنت لم تخبريني وضع ابنتك سابقاً، ولكن كيف استطعت؟ قمت بتزويجها؟ وها قد أنجبت طفلين، ولكني رأيتهما وهما يبدوان بحال جيدة، كيف ذلك؟ أجل سيدتي فهؤلاء ذوات الاحتياجات الخاصة يحملن غريزة الأمومة مثلنا تماماً، كما وأن ابنتي لم تخلق هكذا إنما أصبحت كذلك بفعل العنف الذي كانت تتعرض إليه على يدي زوجة والدها! ماذا؟ ألست متزوجة؟ أوَ لم تقولي لي ذلك؟ بلى بلى سيدتي لكني هربت منذ زمن بعيد من منزل زوجي الأول وأخذني دهراً كي استعيد طفلتي بعد أن أصبحت على هذه الحال. إذاً فابنتاك الأخريين من زوجك الثاني؟ أجل صديقتي فأنا تزوجت بثانٍ وكان ثرياً، ولكنني وكما ترين أعيل العائلة بعد أن بدد ثروته على النساء ولعب القمار، الحمد لله.