eKtab
EN ع
بيع الأوطان بالمزاد العلني
Read free sample

بيع الأوطان بالمزاد العلني

by د. عبدالله الصالح العثيمين

Page 1

مُقدّمة

الحمد لله رَبِّ العالمين، والصلاة والسلام على سَيِّد الأولين والآخرين، نَبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

قُدِّر للجيل الذي ينتمي إليه كاتب هذه السطور أن يرى أُمَّته تَمرُّ بتقلُّبات مختلفة. لقد صُدِم؛ وهو في المرحلة الأخيرة من طفولته، بوقوع نكبة فلسطين، عام 1948م؛ مُتمثِّلة بقيام الكيان الصهيوني العنصري على أرض فلسطين، ونزوح كثير من الفلسطينيين من وطنهم ليصبحوا لاجئين يعيشون في مُخيَّمات هي البؤس بعينه. وبعد ست سنوات من تلك النكبة انطلقت الثورة الجزائرية المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي، الذي لم يَكتفِ باحتلال الجزائر واستلاب خيراتها الاقتصادية فحسب؛ بل كان يهدف، أيضاً، إلى طمس هُويَّتها؛ دينياً ولغة وتاريخاً. ومَرَّت ست سنوات بعد تلك الانطلاقة حدثت خلالها حوادث تبعث على التفاؤل. ومن تلك الحوادث انطلاق الفدائيين الفلسطينيين من قطاع غَزَّة، التي كانت تحت الإدارة المصرية، في عمليات جريئة ضد العدو الفلسطيني، وصمود مصر؛ قيادة وشعباً؛ مُؤيَّدةً من أُمَّتها العربية والمُحبِّين للحق في العالم، ضد العدوان الثلاثي التآمري. ومن تلك الحوادث، أيضاً، قيام الوحدة بين مصر وسورية، والإطاحة بالحكم في العراق المُتبنِّي لحلف بغداد.

على أن تلك السنوات الست انتهت حوادثها بحوادث ست سنوات أخرى كان منها ما كان مُبهجاً؛ وهو حصول الجزائر على استقلالها، لكن بدايتها شهدت ما كان محزناً؛ وهو انفصال الوحدة بين مصر وسورية. ولم تَنته إلا وقد حَلَّ بعدها عام أصِيبت فيه أُمَّتنا بهزيمة عسكرية فادحة كان من نتائجها احتلال الصهاينة لكامل أرض فلسطين؛ بما فيها القدس ومسجدها الأقصى؛ إضافة إلى مرتفعات الجولان السورية. ومع أن تلك الهزيمة العسكرية كانت فادحة، وأن نتائجها على الأرض كانت كارثية، فإن إرادة الزعامات العربية ذات الوزن الأكبر في المنطقة حينذاك بدت قوية. وتَجلَّت قوة تلك الإرادة في لاءات مؤتمر الخرطوم الثلاث المشهورة. والمتأمِّل في مجريات حرب الاستنزاف التي برهنت فيها مصر؛ قيادة وشعباً، على عظمة بطولتها؛ يدرك مدى ما تَحلَّت به الزعامة المصرية والشعب المصري من عظمة. لكن المؤسف والمؤلم أن الجبهة المصرية كانت هي الجبهة العربية الوحيدة التي انفردت بتلك العظمة. وكان من المحتمل جداً أن تتغيَّر إيجابياً أوضاع الأمة لو واكب تلك الحرب الاستنزافية تَحرُّك جبهات أخرى على حدود فلسطين، وتحرُّكٌ فلسطيني داخل تلك الحدود.

وبعد مرور تلك السنوات الست، التي كان فيها ما يَسرُّ، كما كان فيها ما يؤلم، وقعت حرب 1973م، التي أثبت في بدايتها المقاتل العربي عظمة كفاءته وبطولته، لكنها انتهت بما لا يَتَّفق مع تلك العظمة. ولم يكن مُستغرباً؛ وقد انتهت تلك الحرب بالنهاية التي انتهت بها، أن تُختتَم تلك السنوات الست التي تلتها باتِّفاقية كامب ديفيد، التي قال عنها عدد من زعماء الكيان الصهيوني إن انتصارهم بها لا يَقلُّ أَهمِّية عن انتصارهم بإقامتهم ذلك الكيان عام 1948م. وحُقَّ لهم أن يقولوا ذلك فإن تحييد مصر؛ بكل ما لها من ثِقَل سكاني وموقع جغرافي، عن مسرح المواجهة مع الصهاينة نجاح وأَيُّ نجاح لهم. وكل من قرأ التاريخ قراءة تَأمُّل صحيحة يدرك أن مصر كانت هي المنطلق لتحرير فلسطين من المُحتلِّين لأراضيها. ومجريات حوادث الحاضر - كما هو المُرجَّح في المستقبل - تَدلُّ على أن مدلول ما حدث في ماضي القرون ما زال هو الأمر المحوري في المنطقة.

بعد ذلك التحييد للجبهة المصرية في ميدان المواجهة مع الكيان الصهيوني توالت الكوارث النازلة بِأُمَّتنا. وكان من أسباب تلك الكوارث اتِّخاذ بعض الزعامات العربية سياسات هوجاء بعيدة عن الحكمة. ومن ذلك دخول الزعامة العراقية في حرب مُدمِّرة مع الزعامة الإيرانية التي قامت بثورة أطاحت بالشاهنشاه الذي كان يُمدُّ الكيان الصهيوني بالنفط، وأَحلَّت مَحلَّه حكومة قطعت العلاقات معه. ولما وصلت تلك الحرب إلى نهايتها، وفرح المخلصون من العرب بتلك النهاية، ارتكب زعيم العراق جريمته الرعناء المُتمثِّلة باحتلال الكويت. وكان من نتائج تلك الجريمة تحطيم قوة العراق الحربية بزعامة الولايات المتحدة الأميركية. وكان ذلك التحطيم - كما قال وزير خارجية أميركا حينذاك، جيمس بيكر - أكبر خدمة قَدَّمتها إدارة دولته للصهاينة. ذلك أن قوة العراق كانت هي الخطر الاستراتيجي الحقيقي على كيانهم. وكان من نتائج ذلك اجتماع السياسيين العرب مع زعماء الكيان الصهيوني في مؤتمر مدريد؛ وهو الاجتماع الذي ظَلَّ أولئك الزعماء الصهاينة يحلمون به أكثر من أربعين عاماً. ثم جاءت اتِّفاقية أوسلو بكل ما فيها من مواد حَتَّمت على السلطة الفلسطينية التي وَقَّعتها تغيير بعض الثوابت التي تَضمَّنها ميثاق منظمة تحرير فلسطين، وجعلت من تلك السلطة عوناً للصهاينة على الذين يَتبنَّون مقاومة الاحتلال. وتسارعت التنازلات عن المواقف التي كانت ثوابت حتى وصلت قَضيَّة فلسطين إلى ما وصلت إليه من وضع ينذر بتصفيتها.

Page 2

وكنت قد بدأت أكتب مقالات أسبوعية كثير منها عن قضايا أُمَّتنا؛ وبخاصة قَضيَّة فلسطين. وكانت بداية نشر تلك المقالات في مستهل عام 2001م. وبدا لي - وأيَّدني بعض الإخوة الذين أَعتزُّ بِأخوَّتهم وآرائهم - أن أعيد نشرها بين دفتي كتاب لتشابه موضوعاتها. فأصدرتها بعنوان خَواطر حول القَضيَّة . والمراد - بطبيعة الحال - القَضيَّة الفلسطينية. وكان صدورها عام 2003م. ثم تابعت إعادة نشر المقالات التي تناولت قضايا أُمَّتنا، فأصدرت بعد ذلك الكتاب خمسة كتب آخرها بعنوان عام من الذُّل والانخداع ، الذي أصدرته؛ مشكورة، دار الفكر بدمشق عام 2010م. وهأنذا أُقدِّم مجموعة أخرى من المقالات بين دفتي كتاب لتقوم هذه الدار المُوقَّرة بطباعته ونشره؛ جاعلاً عنوانه ( بَيْعُ الأَوطان بِالمَزَاد العَلَني ). وهذا العنوان هو عنوان إحدى المقالات التي تضمَّنها. وقد استحسنت العنوان؛ لا سيما أن ما تبيَّن أخيراً للكثيرين من معلومات يؤكد ما كان يدور في أذهان بعض المهتمين بقضايا أُمَّتنا منذ عقود.

عديدة هي الكتب التي أشارت إلى بيع بعض الزعامات أوطان الأُمَّة إلى أعدائها. لكن ذلك البيع كان، في مجمله، سِرّاً، فأصبح - في الآونة الأخيرة - علناً. وكنت ممن أشاروا إلى بيع الزعامات العربية أوطانها إلى أولئك الأعداء في أبيات من قصائد كُتِبت في سنوات مختلفة. ومن تلك الأبيات ما ورد في قصيدة عنوانها: (دعاة الصمت) كُتِبت، عام 1962م، إثر انعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب في بغداد ذلك العام:

دار السلام وما تَغيَّر فوقها

 


إلا الأَساليبُ التي تَتشكَّلُ

بُغضُ التَّحرر مالك حُكَّامها

لن يتركوا طَبعاً ولن يَستبدلوا

باعوا المواطنَ في سبيلِ بَقائهم

ورَمَوا بمن فيها إلى من يَبذلُ

ومن تلك الأبيات أبيات وردت في قصيدة نُشِرت في صحيفة الجزيرة قبل أربع سنوات بعنوان (صدى العيد)، تقول:

السَّادرون من الحُكَّام دَيدنُهم

في كُلِّ نَازلةٍ شَجْبٌ وتَنديدُ

 

هاموا وَراءَ سَرابِ السِّلمِ زَادُهُمُ

من عَمِّهم سَام تَوجيهٌ وتَعِميدُ

وطَاعةُ السيِّد الجَبَّار وَاجِبةٌ

لها بِشـرعِ سُكارى الـذُّل تَأكيـدُ

ومُقتضَى الطَّاعةِ العَمْياء مَظهرُها

مـن الأَذلاَّء تَسبيـحٌ وتَحمـيدُ

بَاعوا المَوَاطنَ كي تَبقى مناصبُهم

يُحيطهـا من رِضـا الأَسيادِ تَأييـدُ

وفي ختام هذه المُقدَّمة يَسرُّ كاتبها أن يُقدِّم الشكر الجزيل لدار الفكر على طباعة الكتاب ونشره، وأن يلتمس العذر من قارئه الكريم لما يجده من جوانب النقص؛ سائلاً الله أن يُوفِّق أُمَّتنا؛ قياداتٍ وشعوباً، إلى انتهاج ما يعيد إليها كرامتها وحقوقها المسلوبة.

عبدالله الصالح العثيمين

Page 3

في فمي ماء كثير

[1]

عنوان هذه المقالة جزء من بيت ورد في قصيدة للشاعر المشهور نزار قباني. وهو شاعر أُلهم تطويع الكلمة بشكل يندر مثاله. ومع تلك الصفة التي وُهِب إياها فإن شعره لم يَخلُ من هفوات تبرهن على أن لكل جواد كبوة. ووجود هفوات عند شعراء عمالقة أمر يعرفه من هم أهل للحكم على الشعر جيده وضعيفه.

وقصيدة نزار المشار إليها ألقيت في مهرجان المربد يوم كان العراق عراقاً لم يَحلَّ به ما حَلَّ من كوارث ونكبات. وعنوان تلك القصيدة " إفادة في محكمة الشعر". وتُعدُّ من أروع ما كتبه ذلك الشاعر؛ بل تُعدُّ من عيون الشعر الحديث والمعاصر. ومطلعها:

مَرْحباً يا عراق...

جئت أُغنِّيك

وشَيء من الغِنَاء بُكاء

تُرَى لو كان ذلك الشاعر الآن حياً، ورأى ما حَلَّ بعراق أُمَّته، هل سيقول:

وشَيءٌ من الغِنَاء بُكاءُ؟ أَبقي شَيء للغِنَاء لا للبُكاء؟

ومن تلك القصيدة:

في فَمي يا عِراقُ ماءٌ كَثيرٌ

كيف يشكو من كان في فيه ماء؟

أجل؛ ما أكثر الأفواه الممتلئة ماء في جموع أُمَّتنا المغلوبة على أمرها! لقد رأى الجميع كيف بدأ العام، الذي انتهى قبل أيام قليلة، وكيف انتهى. رأى الجميع كيف بدأ ذلك العام باستمرار عدوان صهيوني بشع على غَزَّة؛ وهو العدوان الذي باركه وأَيَّده تأييداً قوياً واضحاً متصهينون في الغرب عامة وفي أميركا خاصة. ورأى الجميع، أيضاً، كيف كانت مواقف بعض الزعماء من أُمَّتنا تجاه ذلك العدوان الهمجي البشع بين غير مكترث بما كان يُرتكَب من جرائم صهيونية فظيعة وفَرِح في سرِّه - وربما مُتواطئ من خلف الستار مع ذلك العدوان ومُحرِّض عليه - أملاً في أن تكون نتيجته إخماد أَيِّ حركة مقاومة للاحتلال الصهيوني ليبقى مرتاحاً في كرسي السلطة ومهيمناً عليه. ولَعلَّ مما يدل على ذلك أن هؤلاء المتواطئين، أو المُحرِّضين، لم تكن لديهم الشجاعة لِيردُّوا على أقوال قادة الصهاينة، الذين أشاروا إلى ذلك التواطؤ أو التحريض بوسائل متعددة.

Page 4

أما شعوب أُمَّتنا فقد اتَّضح جَليّاً أن أصوات الذين ما زالت تَدبُّ فيهم بقية من حياة وحياء، هنا أو هناك، لم تكن إلا أصواتاً غير مسموعة أو مُؤثِّرة. ذلك أنها كانت بمثابة أصوات في مقبرة أشرب من هم فيها كؤوس الذل والمهانة حتى الثمالة. ومَرَّت أيام العام الثقيلة وطأة ولسان حال كل رجل وامرأة من هذه الأُمَّة يقول:

كُـلُّ يـومٍ يَمـرُّ يَـزداد ذُلِّـي

في فـؤادي تَمكُّنـاً ورُسوخـاً

وإذا حَـرَّك الزَّعيـم عَصـاه

رَكـعَ الكل للزَّعيـم رُضوخـاً

رَحِـم الله مَوقِفـاً كنـت فيـه

رَافـعَ الرأس عِـزَّة وشُموخـاً

وقرب نهاية العام المنصرم، الثقيل وطأة، المليء ذُلًّا وإذلالاً، جاء رَدُّ الغرب على دعوات أصحاب النوايا الطيبة من المسلمين - كما تَوقَّع كاتب هذه السطور وأمثاله - صريحاً واضحاً؛ وهو رفض تلك الدعوات بطرق مختلفـة. ومن هذه الطرق ما حدث من تصويت في سويسرا - بلد البنوك المودع في خزائنها كثير من الأموال العربية السرِّية، التي يَعرف من يَعرف كيف جمعها أصحابها الأبطال الشرفاء ولا يعرف الكثيرون ذلك - ظهر فيه أن أغلبية شعب تلك البلاد تعارض بناء منائر للمساجد فيها. وأظهر، أيضاً، استفتاء للرأي العام الفرنسي أن الكثيرين من الفرنسيين يعارضون بناء مساجد في بلادهم. ومن المُرجَّح أنه لو حدث استفتاء في بلدان أوروبية غير سويسرا وفرنسا لكانت النتيجة مشابهة لما حدث في هذين البلدين. ذلك أن الأوروبيين يَظلُّون غير معترفين بنبي الإسلام وإن تظاهروا بأنهم مع حرية الأديان.

ولم يقف الأمر عند ما سبق ذكره، وحَيِّز هذه المقالة لا يسمح بالإشارة إلى أمثلة عديدة تبين تَجمُّع أعداء المسلمين ضد أُمَّتنا المسلمة. ويكفي دليلاً على ذلك ما هو حادث في أفغانستان من جنود أولئك الأعداء مرتكبين يوماً بعد آخر جرائم بشعة ضد الأبرياء. ولهذا تكفي الإشارة باختصار إلى ما حدث في العام الذي انتهى من ظهور عداء الزعامات الغربية؛ وبخاصة بريطانيا، تجاه قَضيَّة غَزَّة بالذات. فقد وقف زعماء تلك الدولة ضد محكمة بريطانية أصدرت أمراً، أو حكماً، باعتقال مجرمة الحرب الصهيونية، وزيرة خارجية الكيان الصهيوني السابقة، إن هي أتت إلى بريطانيا، وصَرَّحوا بأن تلك المجرمة مُرَحَّب بها دائماً في بلادهم. بل إن كبيرهم، خليفة بلير، الذي عرف العالم كله - بمن فيهم شعبه - كذبه الذي استُخدِم من بين الذرائع القذرة للعدوان على العراق واحتلاله، صَرَّح بأن الكيان الصهيوني لو أَعاد الهجوم على غَزَّة لأيَّده كلَّ التأييد. على أن هذا الموقف غير مستغرب من قادة دولة هي التي مَهَّدت الطريق بوسائل مُتعدِّدة لإنشاء ذلك الكيان العنصري على أرض فلسطين.

وأما ما حدث عند نهاية ذلك العام المنصرم، الحافل بالنكبات المتتالية لأُمَّتنا العربية، من توجيه بعض زعماء العرب أسلحتهم المختلفة التنوُّع؛ مادياً ومعنوياً وإعلامياً، في وجوه بني جلدتهم وبناتها فهو الأمر الأَشدُّ وطأة، الذي لا يدانيه سوءاً ورداءة أمر سواه. ومما يؤسف له أَشدَّ الأسف أن مُجرَّد الحديث عن هذا بصراحة قد أصبح غير مسموح به في بعض أقطار أُمَّتنا. وعدم السماح به يوحي بأن من لا يسمحـون به مُؤيِّـدون إلى حَدٍّ ما لما يحدث. وما للمرء - وهو يشاهد ما يحدث من أولئك الزعماء وما يتخذ من مواقف تجاه الحديث عنـه بصراحة - إلا أن يعيد قول بيت الشاعر نزار قباني المشار إليه سابقاً وإن بتغيير كلمة فيه قائلاً:

فِي فَمِـي يا صِحابُ مَـاءٌ كَثيـرٌ

كَيف يَشكـو من كان في فيه مَـاء؟

Page 5
بين يدي الخطاب المنتظر
 
[2]
 
كل أُمم العالم مَرَّت بمراحل ضعف في تاريخها. وربما كانت أسباب ضعفها مادية أو معنوية. وقد يُتغلَّب على الأسباب المادية بالإرادة القوية والجهد المخلص، لكن الصعوبة تكون أَشدَّ عندما تكون الأسباب معنوية. في عالمنا العربي لَخَّص الشاعر نزار قباني جانباً من جوانب وضع أُمَّتنا بعبـارة واضحة: " لقد لبسنا قشرة الحضارة". أُمَّتنا حَقَّقت الكثير من مظاهر الحضارة المادية؛ بناياتٍ وتكديسَ أسلحة وما جدَّ من صناعة رفاهٍ لم تسهم هي أَيِّ إسهام في إنتاجها. لكنها - في أكثر أقطارها - لم تستطـع خلق مواطنة ولم تزرع في نفـس الفرد ما يطمئنه على حاضره؛ ناهيك عن مستقبله ومستقبل أولاده.
 
في مقابل ما تَحقَّق من إنجازات مادية ضعفت - إن لم يُقَل تلاشت - الإرادة؛ سواء على مستوى القـيادات أو على مستوى أتبـاع هذه القـيادات. وإذا ضعفت الإرادة، أو تلاشت، لدى أُمة من الأمم فخسارتها فادحة. ومهما بدت مظاهر أشكال وضعها بَرَّاقة فإن هذه المظاهر ينبغي ألاَّ تَغرَّ من يراها؛ امتثالاً لنصيحة ذلك الشاعر الشعبي الذي قال:
 
لا يغـرِّك صَنْقَـل الساعـه
 
البَـلا جـا من بَراغيهـا
 
منذ ثلاثة عقود، على الأقل، وُجِد من زعماء أُمَّتنا من زَيَّن له رأيه غير المُوفَّق أن يَتفوَّه بالقول: إن حَلَّ قضايا هذه الأمة؛ وبخاصة قَضيَّة فلسطين، 99% منه في يد الولايات المتحدة الأميركية. ولم يكن مستغرباً أن يرى ذلك الزعيم، ويُصرِّح، بأن أُمته؛ قياداتٍ وشعوباً، أفلت من يديها 99% من حَلِّ قضاياها لتصبح في يدي دولةٍ مَنْ تَدبَّر مواقف إداراتها المتعاقبة؛ جمهورية أو ديمقراطية، من قَضيَّة فلسطين يدرك أنها لم تخرج عموماً عن مواقف زعامات الكيان الصهيوني المتتابعة، بغض النظر عن أسماء أحزاب حكامها. فانهزامية الإرادة إذا احتلَّت النفوس جاءت بكل ما هو غريب وعجيب بما في ذلك تجاهل قدرة الأُمة على الحركة.
 
أجل. من منطلق ذلك الزعيم وأمثاله - وما أسرع تكاثرهم في الآونة الأخيرة! - لا بد أن يوجد من يَتلهَّفون إلى اليوم الذي يلقي فيه الرئيس الأميركي خطابه من القاهرة إلى المسلمين تَلهُّف من يَتلهَّفون إلى مجيء المهدي المنتظر، الذي يملأ الأرض عدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً. ولَعلَّ نظرة سريعة إلى بعض البوادر التي لاحت في الأفق بعد مجيء هذا الرئيس إلى كرسي الرئاسة في أميركا - بكل ما يحمله من صفات الذكاء والألمعية - تساعد في تحديد المدى الذي يستحسن أن تدور التخمينات حوله. وقبل الإشارة المختصرة إلى تلك البوادر لابد من القول: إن هناك شبه إجماع لا عند أُمَّتنا فحسب؛ بل عند أكثر الأمم الأخرى أيضاً، بأن إدارة بوش الابن السابقة كانت أسوأ إدارة أميركية؛ عجرفة قُوَّة وارتكاب جرائم بَشعة؛ وبخاصة ضد العرب والمسلمين، وأن أركان مجرمي حربها من أمثال تشيني ورامسفيلد لم يجدوا من أَبدى تقديراً لهم إلا من جعل الله على أبصارهم غشاوة. ذلك أن أصوات حق من داخل أميركا نفسها أدانت تَصرُّفات أولئك المجرمين؛ بل وُجِد بين أصحاب تلك الأصوات من طالبوا بمحاكمتهم على أنهم قاموا بأعمال ضد الإنسانية. وما تدمير العراق، وارتكاب الجرائم البشعة في سجن أبو غريب وأمثاله، ومعتقل جوانتانامو، إلا أمثلة لتلك الأعمال لأنهم كانوا المسؤولين عنها بالدرجة الأولى.
Page 6

في الحملة الانتخابية التي أتت بأوباما إلى سُدَّة الحكم الأميركية كان من الوعود التي وعد بها إغلاق معتقل جوانتانامو.. رمز الغطرسة والهمجية وانتهاك حقوق الإنسان التي يتشدَّق بها الأميركيون في كل مكان، والوعد بأن ينال من ارتكبوا جرائم التعذيب ما يستحقونه من عقاب. أما الوعد بإغلاق ذلك المعتقل.. الخزي.. فقد يحدث، والله أعلم بمصير من عانوا - وما زالوا يعانون - فيه من ظلم وتعذيب طوال السنوات الماضية. كيف سيكون ذلك المصير؟ هل سيكفِّر من ظلموهم عن سيئاتهم بتعويضهم عما ارتُكِب ضدهم من جرائم؟ وأما الوعد بمعاقبة من ارتكبوا الجرائم البشعة بحق الآخرين المظلومين فوعد لا يختلف عن مواعيد عرقوب.

وماذا عن أفغانستان وإدارة الرئيس الأميركي المنتظر خطابه؟ لندع قَضيَّة ارتكاب جريمة احتلال ذلك البلد بزعامة أميركا ومن اتَّبعها من الغاوين في الغرب والشرق أجمعين. ففي زمان العجائب لم يعد احتلال غير المسلمين لبلاد المسلمين ممقوتاً؛ بل كاد يصبح تنافس الزعامات المسلمة على إنشاء قواعد عسكرية للمحتل الأجنبي أمراً يثير الإعجاب لا العجب. لكن ماذا عن الجرائم المرتكبة من قِبَل القوات المحتلة لأفغانستان ضد المدنيين؟ هل تَوقَّفت في عهد الرئاسة الأميركية الجديدة؟ حتى الرئيس الأفغاني، الذي لولا وجود المحتل لما بقي في الرئاسة ساعة من نهار، كان ممن اشتكى من قصف المحتلين بزعامة الأميركيين لأولئك المدنيين.

وماذا عن باكستان؟ وما أدراك ما باكستان؟ لقد آن الأوان لدى السادة الأميركان أن تتحطَّم تلك الدولة كما حُطِّمت العراق وإن اختلفت طريقة التحطيم. زعامة ذلك البلد - أرشدها الله إلى العمل لمصلحة بلدها - احتجَّت على ما ترتكبه القوات الجوية الأميركية من قصف للمدنيين من أهلها منتهكة سيادتها. وكان أن توصلت إلى صلح مع الفئة المُسمَّاة بطالبان باكستان من بين بنوده وقف المواجهة، والسماح بتطبيق الشريعة في الجهات التي تسيطر عليها تلك الجهة. وبغض النظر عن تحديد من هم على صواب ومن هم على خطأ فإن سادة أميركا لا يمكن أن يقبلوا شيئاً اسمه الشريعة الإسلامية؛ وبخاصة في تلك المنطقة من العالم، حيث يعني ذلك - فيما يعني - رفض المهادنة مع أعداء المسلمين. فكان أن أجبرت الزعامة الباكستانية على الإقـدام على ما أقـدمت عليه، وظهر من نتائـج ذلك ما ظهر من العواقب والنذر. والتحطيم جار، وإن سالت من الدماء أنهار.

وبالعودة إلى قَضيَّة فلسطين، التي ما زالت قَضيَّة أُمَّتنا الأساسية - وإن لم تَعُد عند بعض زعماء هذه الأُمة كما كانت - هل تَغيَّر موقف الرئاسة الأميركية الجديدة حتى الآن من هذه القَضيَّة؟ الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية دعوة كان آخر من دعا إليها من رؤساء أميركا السابقين الرئيس بوش الابن رغم أن إدارته كانت أسوأ إدارة بالنسبة لأُمَّتنا؛ عربيـة وإسلامية. بل كانت تلك الإدارة أُمَّ البلاوي. والدولة المبهمة المُنادَى بقيامها لا يمكن أن تُفسَّر إلا وفق ما ورد في اتِّفاقية أوسلو، ونُفِّذ على أرض الواقع؛ مُجرَّد كانتونات مَهمتها الأَساسية أن تكون حارسة للكيان الصهيوني المحتل ضد أَيِّ مقاومـة للاحتلال. أما المطالبة بإيقاف بناء المستوطنات، أو البؤر الاستعمارية، فمطالبة سبق أن أبداها رؤساء أميركيون سابقون. لكن هل تَوقَّف البناء؟ أما المطالبة بإزالة ما بُنيَ من بؤر استعمارية في الأرض المحتلة عام 1967م فأمر لم يف به من سبق أولئك الرؤساء. ومن شبه المؤكد أن الرئيس الجديد لا يريد، أو لا يستطيع، أن يكون بدعاً بينهم. وماذا عن تهويد القدس؟ الجميع صُمٌّ بُكْمٌ عُمْي. والصَّمم والبُكْم والعَمَى أعراض انتقلت عدواها - مع الأسف الشديد - إلى أكثر زعماء أُمَّتنا. أما حق عودة الفلسطينيين إلى وطنهم المحتل فَتحوَّل بقدرة صهيونية مدعومة بالتصهين إلى حق لكل من قال: إنه يهودي أن يأتي للمشاركة باحتلال أرض فلسطين وقهر أهلها لتكون صافية العرقية.

لا أظن الخطاب المنتظر المتلهَّف إلى يومه المنتظر سَيتضمَّن المطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة لا بالنسبة لإنهاء احتلال الصهيوني للأراضي المحتلة عام 1967م؛ بما فيها القدس، ولا بإزالة المستعمرات، أو المستوطنات، منهـا، ولا بالنسبة لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم عما فقدوه. على أن أُمَّتنا، الفاقدة الإرادة؛ زعاماتٍ وشعوباً، سَيتَّضح أنها سترضى بكلام مسموع لا يُسمن ولا يُغني من جوع. لقد أصبحت مثل أُم الحُلَيْس التي عَبَّر عن قناعتها بالشيء القليل ذلك الناظم الذي قال عنها:

أُم الحُـلَيْس لَعجـوزٌ شَهْـرَبَـه

تَرضى من اللَّحمِ بِعظْم الرَّقَـبَه

Page 7

قراءة في كتاب بنو إسرائيل في القرآن والسنة

[3]

أرادت الإدارة الأميركية السابقة.. إدارة بوش المُتصهينة.. أن تخلق في منطقتنا ما سَمَّته الفوضى الخَلاَّقة. وهذا جزء مما أطلقت عليه مشروع الشرق الأوسط الكبير. وهو في حقيقة الأمر أَمركة منطقتنا بمختلف الوجوه. وهذا المشروع الخبيث الأهداف من جوانبه ما لم ير النور، ومنها ما يَتحقَّق. يدرك ذلك من يدركه ويخفى عن آخرين يَقلُّون أو يكثرون.

في التزامن مع ذلك كثر المفتون في القضايا الشرعية كما كثر المفتون في القضايا السياسية. ومن المعلوم أن الإفتاء في القضايا الشرعية له شأن خطير. وكثرة المفتين؛ لا سيما غير المؤهلين للفتوى، تجعل الناس في حيرة من أمورهم. وكنت قد أشرت إلى ذلك في بيت من قصيدة عامية قائلاً:

كلّْ من كَوَّرْ على راسِه عمامـه

قال: أَنا المفتي وانا قاضي الشريعه

وفي بعض الأحيان - وإن تكن قليلة - تأتي الفتاوى الشرعية مُسيَّسة، فتكون مخالفة للحقيقة وبَلاءً على الأمة. ومن فتاوى مؤسسة دينية عريقة ما نَسَبت حاكماً إلى البيت النبوي، والمفتون قبل غيرهـم يعلمون أن تلك الفتوى افتراء. ومن الفتاوى فتاوى مُضلَّة زَيَّنت لشباب الأُمَّة ما أوقعهم في مهالك لأنفسهم وأوطانهم وأُمَّتهم.

أما بعد:

فهذه القراءة فيها إشارات مختصرة جداً إلى مسائل في كتاب يستحق أن يقرأ قراءة تَأمُّل للمقارنة بين جَوِّ الزمن الذي كُتِب فيه وجَوِّ الزمن الذي يعيشه كاتبه - ونعيشه معه - الآن. وعنوان هذا الكتاب - كما ذُكِر في عنوان القراءة: بنو إسرائيل في القرآن والسنة ، من تأليف الشيخ محمد سيد طنطاوي. وكان رسالة قَدَّمها كاتبهـا لنيل درجة الدكتوراه من جامعـة الأزهر عام 1386هـ/1966م. ثم طُبِعت، ونُشِرت كتاباً، بعد ذلك بعامين. وهو من جزأين: بدأ الجزء الأول منه بإيراد تحذير الرئيس الأميركي فرانكلين من اليهود، فَمقدَّمـة بَيَّن فيها باختصار ما يشتمل عليه كل فصل من فصول الرسالة الثمانية، وجُعِلت الخاتمة للحديث عن الغزو الصهيوني لفلسطين وقيام كيان الصهاينة فيها.

وفي الفصل الثالث من الكتاب تَحدَّث الشيخ طنطاوي عن مسالك اليهود لكيد الإسلام والمسلمين؛ مثل محاولتهم الدس والوقيعة بينهم، ومحاولاتهم صَدَّهم عن دينهم، وتحالفهم مع المنافقين والمشركين ضدهم، وإيذائهم للنبيِّ، r، ومحاولاتهم قتله.

أما الفصل السادس من الكتاب فَتحدَّث فيه كاتبه عن رذائل اليهود كما يُصوِّرها القرآن الكريم؛ مثل نقضهم العهود والمواثيق، وكراهيتهم الخير لغيرهم بدافع الأنانية والحسد، وتحريفهم الكلم عن مواضعه. وأما الفصل السابع فعن دعاوى اليهود الباطلة وكيفية رَدِّ القرآن الكريم عليها؛ مثل دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: إن ذنوبهم مغفورة لهم، وقولهم: " يد الله مغلولة". ومما ذكر في هذا الفصل نماذج من إفسادهم في الأرض. ومن هذه النماذج القتل والاغتيال، والتجسس، وإثارة الفتن والحروب والثورات؛ ومن ذلك أنهم أوقدوا الحربين العالميتين وهم وحدهم الذين استفادوا من ورائهما المال الوفير، وأن العدوان الثلاثي على مصر كان من تدبيرهم، وهم الذين أعدُّوا للثورة الشيوعية، سنة 1917م عُدَّتها، وتَولَّوا زمام الحكم بعد نجاحها؛ إذ كان المكتب الشيوعي مُكوَّناً من سبعة عشر عضواً منهم أربعة عشر يهودياً وثلاثة من أصول يهودية زوجاتهم يهوديات. وهم الذين وراء إنشاء الحركة الماسونية، كما أنهم مُشيعو الرذائل والفواحش. ومما أورده الشيخ، هنا، قول أحد زعماء اليهود، أوسكار ليفي: " نحن اليهود لسنا إلا سادة العالم ومفسديه ومُحرِّكي الفتن فيه وجَلاَّديه".

Page 8

على أن من أَهـمِّ ما اشتمل عليه كتاب الشيخ طنطـاوي هو خاتمتـه، التي تَحدَّث فيها حديثـاً مفصلاً عـن " فلسطين ومراحل الغزو الصهيوني لها". ومما تَحدَّث عنه كلمة الصهيونية، التي قال: إن من أهدافها إعادة بناء معبدهم المُسمَّى هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى المبارك. ومما تَحـدَّث عنه، أيضاً، في الخاتمة تَطوُّر الحركة الصهيونية؛ نشأة فكرية وتطبيقاً عملياً. ومما أشار إليه قيام مجلس ينتخبه اليهود المقيمون في خمسة عشر بلداً من بلدان مختلفة أغلبها من أوروبا، تكون قراراته مقبولة من الجميع، ويُؤدِّي إلى اتفاق مع فرنسا ليكون هناك وطن لليهود يمتد من "إقليم الوجه البحري من مصر مع حفظ منطقة واسعة المدى يَمتدُّ خطها من مدينة عكا إلى البحر الميت ومن جنوب هذا البحر إلى البحر الأحمر." ومما تَحدَّث عنه الشيخ جهود هرتزل، وموقف السلطان عبد الحميد النبيل من تلك الجهود، ودفعه ثمن ذلك الموقف بعزله عن الحكم، وكون واحد من بين الثلاثة الذين سَلَّموه قرار العزل يهودياً اسمه قره صو أفندي.

ثم تَتبَّع الشيخ طنطاوي ما قامت به بريطانيا، رَبَّة المكر والخداع، من جهود جبارة خبيثة لتمكين الصهاينة من السيطرة على فلسطين، وما قام به المجاهدون أمثال الشيخ عز الدين القسام من أعمال بطولية واكبها أشبه ما يكون بخذلان من بعض زعماء العرب. ثم ذكر ما قام به المسؤولون البريطانيون من تسليم بلدان وأمكنة فلسطينية؛ واحدة بعد أخرى، مع ما كان فيها من عتاد وأسلحة للصهاينة مَكَّنتهم من الاستيلاء على كثير من أراضي فلسطين؛ مرحلة مرحلة.

وفي ختام الخاتمة أشار الشيخ طنطاوي إلى أسباب كارثة فلسطين؛ ومنها:

1- ضعف الوازع الديني في نفوس الكثيرين من المسلمين.

2- الغفلة الشديدة عن تَعرُّف مواطن الخطر المحيط بالأُمة، واغترار بعض المسؤولين العرب بخداع البريطانيين، الذين أوهموهم أن اليهود لن ينالوا من فلسطين سوى منطقة صغيرة، وحملوهم على إبعاد العناصر المؤمنة المخلصة عن الاشتراك في الدفاع عن فلسطين بحجة أنهم مغالون وبعيدون عن الحكمة والكياسة.

3- قِلَّة الجهود المادية والمالية المبذولة في سبيل بقاء فلسطين عربية إسلامية.

4- تَفرُّق قيادات العرب وسياساتهم المتخاذلة المُتردِّدة.

5- توقيع الهدنتين الأولى والثانية بين العرب واليهود نتيجة ضغط بريطانيا وأميركا على بعض الدول العربية.

ولكي تستعاد الحقوق يرى الشيخ طنطاوي أنه يجب:

1- الإيمان بأن حرباً فاصلة ستقع بين المسلمين واليهود وسيكون النصر فيها للمسلمين.

2- الإيمان بأن الأيام دول، وأن تدارك ما فاتنا ممكن إذا تَحلَّينا بالعزم واتِّخاذ الوسائل الكفيلة بالانتصار.

3- توحيد قيادة المعركة وتسليمها لأيد أَمينة مخلصة.

4- بذل قصارى الجهد في التذكير بقَضيَّة فلسطين، وتدريسها في المدارس والجامعات.

5- الوقوف من الدول التي ناصرت الصهيونية موقفاً قوياً حاسماً، واستعمال الأسلحة المتنوعة في صرفها عن مناصرتها الباطلة لليهود.

6- العمل على تقوية الفدائيين الفلسطينيين من كل النواحي، واختيارهم من العناصر المأمونة والمؤمنة بِربِّها ودينها ووطنها، وإمدادهم بما يجعلهم يستطيعون أن يزلزلوا كيان الصهيونيين عن طريق حرب العصابات.

7- خوض معركة فلسطين المقبلة على أساس من الجهاد الديني لأن فلسطين بلد إسلامي مُقدَّس؛ وهي ملك لجميع المسلمين، وواجب الذود عنها فرض على كل مسلم على وجه الأرض.

أما بعد كل ذلك:

فإن الكتاب، الذي أُشِير باختصار إلى مسائل منه كان من كتابة الشيخ محمد سيد طنطاوي قبل خمس وأربعين سنة هجرية. وحين كتبه كان سعياً منه للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة الأزهر، الذي شاء الله أن يكون المُتربِّع على كرسي مشيخته الآن[4]. ومن أراد أن يَتأمَّل كما فعلت فقراءته للكتاب نفسه ستكون أكثر نفعاً. اللهم ثَبِّت قلوبنا على الحق.

Page 9

أَهُوَ عَامٌ فيه تُصفَّى القَضيَّة؟

[5]

المراد بكلمة " القَضيَّة" في هذه المقالة قَضيَّة فلسطين. وكل الزعماء العرب؛ صادقهم وكاذبهم، يقولون: إنها قضيتهم.. قَضيَّة أمتهم الأولى. ولقد ظهر من الأدلة العملية ما يميز الصدق من الكذب، وإن كانت هناك خفايا قد تظهر في يوم من الأيام وقد تبقى إلى الأبد خفية. وكما يقول أولئك الزعماء ذلك القول بالنسبة لقَضيَّة قومية الطابع طرحاً إعلامياً يقول زعماء مثل ذلك بالنسبة لقضايا وطنية قطرية. وكنت قد أشرت إلى هذا في أبيات من قصيدة حول الحرب الأهلية في لبنان. وما حدث - وما زال يحدث - في أقطار عربية غير لبنان ليس ببعيد في بعض جوانبه عما حدث في لبنان. وهذه الأبيات كما يأتي:

كلُّنـا فـي الهـمِّ أَشـلاء مـآسٍ يَعربيَّـه

أَيّ قـلبٍ لـم تُمزِّقـه مـن الحُـزْن شَظيَّـه؟

قَهقهـات المـوت فـي بيـروت روحٌ هَمجيَّـه

حَـرّك الشيطـان فـي أَرجائهـا أَلف سَريَّـه

وسـيوف العُـرْب تَجـتزُّ رِقابـاً عَربيَّـه

لـم يَـدَعْ بَتَّارهـا شيخـاً ولـم يتـرك صَبيَّـه

أَيُّهـم لبنـان فـي وجدانـه أَسمـى قَضيَّـه؟

كلُّهـم يقتل باسـم الشعـب والشعـب الضحيَّـه

وقبل ثلاثة شهور كتبت مقالة عنوانها: " لاءات السلطة الثلاث". وبدأتها بالإشارة إلى أن هناك ثلاث لاءات مشهورة حول قَضيَّة فلسطين ظَلَّت مُقدَّرة كل التقدير في ضمائر المخلصين من أُمَّتنا العربية، الذين لا يقبلون الواقع المبني على ظلم. وكان عدم قبول الواقع الظالم هو ما بَيَّنه الملك فيصل، رحمه الله، للرئيس ديجول عندما قال له هذا: إن إسرائيل قد أصبحت أمراً واقعاً فلا بد من الاعتراف بشرعية وجودها؛ إذ أجابه الملك بقوله: يا فخامة الرئيس لو قبلتم بالأمر الواقع لمجرد أنه أمر واقع لَظلَّت فرنسا تحت الحكم النازي الألماني. والواقعية - وإن كانت ظالمة - هي ما قبله عدد من زعماء العرب المستسلمون، وينادي به من ينادون من الكتاب المنخدعين أو المتجاهلين للحق ومنطق التاريخ.

Page 10

كانت تلك اللاءات الثلاث المُقدَّرة هي ما تَقـرَّر في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم عام 1967م؛ وهي: لا مفاوضـات مع دولـة الصهاينة المغتصبة، ولا اعتراف بشرعية وجودها على الأرض العربية، ولا سلام معها. وأشرت في تلك المقالة إلى أن تلك اللاءات الثلاث المُقدَّرة أُصِيبت؛ واحدة بعد أخرى، بهشاشة العظام إلى أن وافاها الأجل المحتوم. وكانت بداية تلك الهشاشة قد حدثت عند نهاية حرب 1973م، التي برهن فيها المقاتل العربي على الجبهتين المصرية والسورية على عظمته؛ بسالة وعزماً، لكنها انتهت النهاية التي يعرفها الكثيرون مع الأسف الشديد.

ثم جاء انكسار العمود الفقري من جسد أُمَّتنا نتيجة تلك الهشاشة بالعظام بخروج مصر العظيمة - بكل ما لها من ثقل مادي ومعنوي - من ميدان المواجهة مع دولة الصهاينة باتِّفاقية كامب ديفيد عام 1979م؛ وهي الاتِّفاقية، التي عَدَّها عدد من زعمائهم - وقد صدقوا وهم كاذبون - أكبر انتصار لهم بعد قيام دولتهم، عام 1948م، على أرض فلسطين. ومن المعروف والثابت أن عدداً من رجال السياسة في مصر - بينهم وزير خارجيتها الذي كان مع الوفد المفاوض في الكامب - كانوا ضد بعض بنود تلك الاتِّفاقية، وأن الرئيس الأميركي، جيمي كارتر الراعي للمفاوضات، قد حاول أن يبدي الرئيس المصري موقفاً أقوى من الموقف الذي أبداه؛ محاولة منه أن يقتنع زعماء العرب الآخرون بما يتوصل إليه، لكن تأثير أناس مثل التهامي كان الأقوى، فحدث ما حدث.

ولم يتأخر ظهور النتائج المُضرَّة بالأُمة لانكسار ذلك العمود الفقري من جسدها طويلاً. فكان من تلك النتائج أن تَجرَّأ الصهاينة، بعد ثلاث سنوات فقط، على اجتياح لبنان والوصول إلى عاصمته بيروت حيث ارتكبت مجزرة صبرا وشاتيلا دون أن يَتحرَّك أَيُّ عضو من ذلك الجسد المنكسر عموده الفقـري. وانجرَّ من انجرَّ إلى مستنقع حرب كان طرفاها المباشران العراق وإيران، وأهلكت من أهلكت من نفوس كثيرة، كما استنفدت ما استنفـدت من أموال طائلة، وخَلَّفت ما خَلَّفت من أحقاد وضغائن ما تزال آثارها ماثلة للعيان. ثم جاءت فعلة صدام التي فعلها وهو من الضالين المجرمين؛ وذلك بعدوانه على الكويت واحتلالها. وكان من نتائج تلك الفعلة الضالة الإجرامية أن حطَّمت أميركا قوة العراق التي كانت - كما قال جيمس بيكر، وزير خارجية تلك الدولة حينذاك - الخطر الاستراتيجي الحقيقي على الكيان الصهيوني، وجُرَّ قادة العرب إلى مؤتمر مدريد. وبينما كان الوفد الفلسطيني في ذلك المؤتمر يُحقِّق نصراً إعلامياً ضربته القيادة الفلسطينية من الخلف بإجراء مفاوضات أوسلو، التي عجب رئيس وزراء ذلك الكيان، رابين، من ضعف الموقف الذي أبداه الفلسطينيون فيها. وبذلك وَقَّعوا على بنود اتِّفاقية اتَّضح - فيما بعد - أنها أوجبت عليهم أن يقفوا مع الصهاينة ضد أَيِّ مقاومة فلسطينية. والمتأمل فيما جرى منذ توقيع تلك الاتِّفاقية يرى ذلك رأي العين.

وما وصل إليه من وَقَّعوا على بنود اتِّفاقية أوسلو من مواقف تدمي قلوب المخلصين من أُمَّتنا لقَضيَّة فلسطين، وتشمت أعداءها بها، أمر مشاهد معروف. وقبل ثلاثة شهور أعلن أحد أقطاب السلطة الفلسطينية ثلاث لاءات جميلة في ظاهرها؛ وهي: لا تنازل عن وجوب انسحاب إسرائيل - دون ذكر أنها عدو بطبيعة الحال - من الأراضي المحتلة عام 1967م بما فيها القدس، ولا تنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين؛ وهو حق أَقرَّته الأمم المتحدة، ولا اعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية. وهذه اللاءات الثلاث هي أَقلُّ ما يمكن أن يطالب به أركان السلطة الفلسطينيـة؛ وبخاصة بعد أن حُذِف من ميثاق منظمـة التحريـر ما حُذِف، وبعد أن آلت أمور المنطقة بعامة وأمور الفلسطينيين بخاصة إلى ما آلت إليه.

وفي كتابتي عن لاءات السلطة الفلسطينية الثلاث أشرت فيها إلى أن لاءات مؤتمر الخرطوم الثلاث المشهورة قد أصبحت أثراً من آثار أُمَّتنا عندما كان لديها كرامة ينظر إليها الكثيرون باحترام وتقدير، وسألت: هل يثبت أركان السلطة الفلسطينية أنهم لن يتنازلوا عما يُصرِّحون به الآن من اللاءات الثلاث الجديدة؟ وكانت محاولتي الإجابة عن ذلك السؤال باختصار ما يأتي:

بالنسبة للاء الأولى؛ وهي لا تنازل عن وجوب الانسحاب الصهيوني من الأراضي المحتلة عام 1967م، للمرء أن يسأل: هل بقي في الضفة الغربية إلا أوصال مقطَّعة يزداد فيها يومياً انتشار أورام المستعمرات الاستيطانية؟ وهل هناك من يجهل أن الصهاينة، الذي ضَمُّوا القدس رسمياً إلى دولتهم، ماضون في إكمال تهويدها؟. إن زعماء الصهاينة؛ ابتداء من هرتزل، ومروراً ببن جوريون، وانتهاء بالمتربِّعين الآن على كرسي الحكم الصهيوني، قد أعلنوا أن ذلك التهويد هدف لا تنازل عنه، وأن معاول الهدم لا بد أن تقضي على أساسات المسجد الأقصى.

أما بالنسبة للاء الثانية؛ وهي لا تنازل عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، فالمعروف أن زعماء الصهاينة - وهم الجانب الأقوى المتفرعن المتغطرس - يرفضون ذلك الحق رفضاً تاماً، وأن قادة أميركا يدعمونهم دعماً غير محدود في هذا الأمر. ومن المشكوك فيه جداً - وفق ما هو جار مشاهد - عدم استسلام الأضعف لما يريده ذلك الأقوى المتغطرس المدعوم أميركياً.