eKtab
EN ع
بياض الليل سواد النهار
Read free sample

بياض الليل سواد النهار

by غادة صديق رسول

Page 1
عام 1742م - 1155هـ

آسكي موصل/ بلد: بلد وربما قيل لها: بلط بالطاء وهي مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ وبينها وبين نصيبين ثلاثة وعشرون فرسخاً، قالوا إنما سميت بلط لأن الحوت ابتلعت يونس النبي عليه السلام في نينوى مقابل الموصل وبلطته هناك.

معجم البلدان

شهاب الدين أبي عبد الله ياقوت الحموي

[1]

لم يكن أحد ليتوقع قدومها، في ذلك اليوم الثلجي العاصف، فليس هناك عاقل يغامر بالسفر في هذا الجو القارس، لكنها كانت في البلدة التي بنيت كل منازلها من الجص والحجر، قبل الضحى بقليل.

حين أوقف الحوذي عربته قرب باب السوق القديم، تبين بنظرة واحدة ألقاها على الأزقة الخالية الحزينة، أن كل الدكاكين مغلقة، فاضطر حينئذ للتوجه إلى دار المختار. في الطريق إلى هناك، كان الثلج يضرب وجهه بضراوة، فأحكم لف عنقه والجزء الأسفل من وجهه بوشاحه الصوفي.

كان الماء متجمداً في حوض البركة الدائرية التي تقع وسط ساحة البلدة، ولم يرَ في الطريق إنساناً، أو طيراً يحلق في هذه السماء المكفهرة. أبواب الجامع القديم كانت موصدة. ومياه السواقي أينما سار كانت عبارة عن جليد شفاف، وهكذا بدت مياه النهر حين مرت العربة قريباً من الضفة.

ترجل من مركبته وجاهد ليسير باستقامة والريح تطوح بجسده يمنة ويسرة، فسار لصق حائط الزقاق الذي يضم دار المختار في نهايته، وهو يشد معطفه السميك إلى جسده. طرق الباب لعدة مرات، ومر بعض الوقت أحس به الحوذي طويلاً وهو قصير، ليفتح الباب أخيراً ابن المختار الأوسط. تفاجأ الشاب برؤية الرجل الذي ينقل بعربته البريد والمسافرين وبعض البضائع، من مدينة الموصل إلى البلدة. أفسح الطريق للرجل ليدخل إلى داخل المنزل واقتاده إلى غرفة الجلوس.

كانت الغرفة دافئة، وشبه مظلمة، فلم يتبين الحوذي وجه المختار، لكنه ألقى السلام وتلقى إجابة ودودة، ودعوة للجلوس والتماس الدفء. كان العرض مغرياً، فالجمر يتوهج في منقلة برونزية ضخمة، وضعت وسط الغرفة. جلس الرجل الذي كان يشعر أنه متجمد، في طرف المجلس. والتفت إلى الجهة التي انبعث منها صوت المختار، وهو يشرح كيف أنه لا يستطيع أن يمكث طويلاً لأنه ينقل مسافرة في عربته المتوقفة في بداية الزقاق، وسأل المختار:

– أين يقع دار زبيدة خاتون؟

– هل المسافرة التي خرجت في خضم عاصفة الثلج هذه، متوجهة إلى هناك؟
Page 2
– نعم يا مختار.

– هل فهمت منها لماذا خاطرت بالخروج في مثل هكذا طقس؟

– لم تخبرني شيئاً، تبدو مشوشة.

– لا بد أنها إحدى قريبات زبيدة خاتون.

– لم تكن تردد غير جملة واحدة، كأنها لا تحفظ سواها: ( يجب أن توصلني إلى منزل زبيدة خاتون، في بلدة آسكي موصل هذا اليوم).

– سأحضر معك، وأدلك على الطريق، سألبس عباءتي بلحظة واحدة، اسبقني.

نهض المختار فوراً، من دون أن يتيح للحوذي أي فرصة للرفض، أو الاعتراض. تمتم الرجل وهو يشعر بالحرج: (لا تكلف نفسك عناء الخروج في هذا البرد يا مختار، دلني فقط على العنوان). شرح له المختار قبل أن يخرج من الغرفة، كيف أنه يجب أن يكون هناك ليقدم العزاء. وقال له حين لحق به إلى قرب باب الدار وقد ارتدى عباءة سميكة مبطنة بفرو الحملان.

– دفنت زبيدة خاتون مساء الأمس، ولم يحضر دفنها أي شخص من عائلتها.

،،

حين حل صباح اليوم التالي، كان الثلج قد توقف عن التساقط منذ ساعات. وكانت المتاجر قد فتحت أبوابها. شوهد بعض الأفراد وهم يتنقلون بين المنازل، أو يقصدون السوق القديم. وقبل أن ينتصف النهار كان النشاط على أوجه، لتعويض اليومين الأخيرين اللذين كانا بمثابة حبس إجباري، سببهُ الثلج. في القهوة خانة الوحيدة للبلدة الصغيرة، كان الحديث عن وفاة زبيدة خاتون، وقدوم قريبتها من مدينة بعيدة، الحدث الأساسي الذي طغى على بقية الأحاديث. كان أغلب الجالسين في القهوة خانة ينتظرون قدوم المختار، لأنه الشخص الوحيد الذي شاهد القريبة التي حضرت في اليوم السابق. لم يشعر الرواد بالسأم حين طال انتظارهم لحضور المختار، فمصطفى الحلاق زودهم ببعض المستجدات التي أثارت فضولهم وأنستهم كل شيء عن المرأة الغريبة، وعن وفاة قريبتها.

– يقال إن النهر سيبقى متجمداً أربعين يوماً. ورمضان صاحب الكلك، أكثر المتضررين، فهو هناك عند الضفة منذ الفجر، يحاول زحزحة الكلك، لكنه يأبى أن يتحرك ولو شبراً واحداً، فالثلج التصق به، كأنه وإياه قالب واحد. والرجل منكوب، فأخشاب المركب فسدت، وعمله توقف، على خلاف الصيادين، إذ لا يزال بإمكانهم إعطاء الأسماك هدنة، والتوجه إلى الجبال لاصطياد الطيور.

علق حسون صاحب المقهى، وهو يراقب الجمر في المنقلة:

– ستذوب مياه النهر المتجمدة خلال أيام، فلسنا على قمة جبل ليحتفظ الماء ببرودته، طوال هذه الفترة. كلها مسألة بضعة أيام تشرق فيها شمس قوية. لكن والحق يقال، لم أصدق في البداية أني أستطيع السير من الضفة إلى الضفة، حتى قمت بهذا، وأنا أضرب بعصا ضخمة على سطح الماء المتجمد، قبل أن أتورط بالسير فوقه.

الشيخ عثمان، مؤذن وإمام جامع آسكي موصل، كانت له رؤى مختلفة تماماً، فقد كان يرى في هذا الجو الصعب ترجمة لغضب الله. وكان يعلن هذا الرأي بصراحة للجميع، فينذر تارة، وينصح بلطف أحياناً أخرى. حوقل عثمان، وتنحنح لتنقية أوتار حنجرته قبل أن يقول:

– هذا عقاب من الله سبحانه وتعالى، الذنب تعاظم في هذا العام، ولم يعد أحد يقيم حدود الله، أو حتى يفكر بمساعدة الفقراء. كل يجري وكل همه الربح وتحصيله، ناسين طلب رضا رب السموات والأرض. قبل خمسة أعوام، أكل الجراد كل ما أنبتته الأرض. تلاها وبعد خمسة أخرى، نار من السماء أتت على الكثير من المحاصيل، وشهدنا جميعاً عام الغلاء الفاحش الذي مات فيه كثير من البؤساء. لا ندري بأي شيء سيعاقبنا الله مجدداً.

لم يستطع الشيخ عثمان الاسترسال بوصف أشكال العقاب الإلهية، فقد قاطعه سلطان أفندي:

– ربما يكون سبب عقاب الله صمتنا على الظلم وأهله. مثل الضرائب التي تقصم الظهر، والتفرقة والكيل بمكيالين! واسترقاق الذين ولدتهم أمهاتهم أحراراً! نحن الشياطين الخُرس.

لم يشأ الشيخ عثمان الدخول في نقاش مع الأفندي الشاب الذي ملأت رأسه الشعارات منذ سافر وتعلم، لأنه لمح المختار قادماً من بعيد، فصمت وهز رأسه، كمن يوافق، بالرغم من أن عينيه عكستا امتعاضه من كل ما قاله سلطان أفندي.
Page 3
أثار دخول المختار حماسة ثلة من رجال آسكي موصل، التي تكاد تشبه مدينة صغيرة، أو قرية نمت أكثر مما ينبغي. تمتزج عيوبها بمحاسنها ويتداخل أحدها مع الآخر إلى درجة يكون معها من الصعب جداً التفريق بينهما. الجميع يعرفون بعضهم بعضاً، وتربطهم علاقات جيرة قوية، عدا الأعداء منهم. لكن هذه الحسنة التي طالما مكنتهم من التآزر، تكاد تكون أهم أسباب الضجر الذي ينتاب الجميع لرتابة الحياة، وإيقاعها الممل الذي لا يتغير. فيجدّون في البحث عن أي خبر جديد، مرتجل أو مشتق من حدث بسيط، أو أي مصدر للإثارة يبعد التثاؤب ويجعل العينين لامعتين من جديد، والمخ مشغولاً بالبحث والاستنتاج.

حين دخل المختار أفسح حسون له مكاناً قريباً من المنقلة، فالرجل بالتأكيد كان يشعر بالبرد. صرخ بصبي المقهى بأن يصب له القهوة. وهذه المرة لم تطل مراسيم إلقاء التحيات والسؤال عن الصحة والأحوال كثيراً. اختصر الجميع في كلماتهم، وبدت الجمل القصيرة المتواترة، هزيلة بمعنى الكلمة. الجميع يبحثون الآن عن هنيهة من الصمت ليتسنى لهم بعدها توجيه الأسئلة والاستفسارات إلى المختار. ولا مانع لديهم بإخضاع الرجل لتحقيق دقيق، ما دام سيمكنهم من نيل مرادهم، وهو إلقاء بعض الضوء على الحدث الاستثنائي الذي حصل بعيداً عن رقابتهم في اليوم الفائت، بسبب الطقس اللعين. حتى سلطان أفندي، وهو عادة لا يهتم بالأحداث التي تثير أقصى درجات الحماسة والفضول لدى الجميع، كان متحفزاً هذه المرة، وله في ذلك أسباب مختلفة عن أسباب بقية رجال البلدة.

لم يكد المختار يلتقط أنفاسه حتى بدأ بالكلام عما حصل يوم أمس، ولم يتح الوقت للبقية ليهجموا عليه باستفساراتهم، لكن هذا بالطبع سيحصل بعد أن ينتهي الرجل من الكلام، الذي استهله بقوله:

– استغربت صباح الأمس حين دخل الحوذي إلى منزلي والثلج يغطي كل ملابسه. قلت لنفسي: (ما الذي جرى ليخاطر هذا الرجل بالسفر بمثل هكذا أنواء مميتة، ويتحمل عناء القدوم إلى داري؟ هل مات عمّي القاضي وأوصى وهو على فراش الموت بأن لا يدفن حتى أحضر دفنه؟). وجلست في تلك اللحظات القصار التي سبقت كلمات الحوذي، وأنا أضرب أخماساً لأسداس، حتى ذكر الحوذي أسباب قدومه، وتحدث عن المسافرة التي تنتظر داخل العربة، حينئذ أصررت على الذهاب معه إلى هناك. لم أجلس داخل العربة من باب التأدب في البداية، بل جثمت هناك بقرب الحوذي الذي كان يجد صعوبة كبيرة في السيطرة على حصانه، ولم أتمكن من رؤيتها، لغاية وصولنا مزرعة المرحومة.

احتسى المختار قهوته الساخنة، قبل أن يكمل:

– بالرغم من أني لم أعاصر زبيدة خاتون أيام شبابها، لكني متأكد أن هذه المرأة قريبتها، لأنها تشبهها كل الشبه. لكن والحق يقال إنها تبدو مسكينة منكسرة ضائعة. لا تملك جبروت قريبتها الراحلة، ولا التسلط الذي كان ينطلق من عيني المرحومة. فهمت منها أنها ابنة أخيها، وأن اسمها سارة... سارة خاتون.

بعد أن حبس الجميع أنفاسهم، طوال الفترة التي استغرقها المختار في الكلام، أتى دور الأسئلة التي تخمرت في أذهانهم النهمة لتنطلق، وبعض الحضور طرح على المختار ما لم يكن ليخطر له على بال، مثل: (هل فهمت منها كيف وصلها نبأ وفاة عمّتها؟). (هل أتت لتقيم، أم أنها ستصفي إرثها وترحل بعيداً عن هذه البلدة الصغيرة؟). والمختار الذي كان مزهواً بهالة الاهتمام التي وجد نفسه محاطاً بها، أجاب عن بعض الأسئلة لأنه يملك إجابة لها، وعن أخرى معتمداً على تحليله، أو حتى على سعة خياله. وحين انتهت الضجة التي أحدثها دخوله، وهدأت الأذهان التي كان يحفزها الفضول، كان لدى المختار شيء ما ليضيفه، حين سأله سلطان أفندي إن كان قد لاحظ شيئاً غريباً عليها، فكر بعمق قبل أن يقول:

– هي لم تشاهد عمّتها من قبل، يعني أن الحزن الذي يبدو عليها بوضوح، ليس سببه الوفاة التي حصلت قبل يومين. والمرأة تبدو حزينة للغاية، حزينة جداً وضائعة.

لم يضف المختار شيئاً آخر، لأنه لمح ولده الصغير، وهو يسير متعجلاً برفقة مسعود. رفع رأسه إلى الأعلى، ومال به يميناً ليراقب إلى أين سيتوجه الطفلان، لكنهما دخلا زقاقاً يؤدي إلى منزل مسعود لحسن الحظ. كان المختار قد أوصى أبناءه بأن لا يقتربوا من النهر الآن، خوفاً عليهم، من تكسر قشرته الجليدية، وسقوطهم في المياه الباردة. لكنه لم يكن واثقاً أن الأبناء سيلتزمون بتطبيق وصاياه، فلا أحد يعلم على وجه الدقة، كيف يفكر الصغار، حين يدفعهم حب استكشافهم للعالم الذي يبدو جديداً في نظرهم.

كان الطفلان مستغرقين في الحديث، حين مرا مقابل المقهى، بحيث لم ينتبه ياسين أن أباه يجلس فيه، محاطاً بثلة من الرجال. وحديث الطفلين لا علاقة له بتاتاً، بالوافدة الجديدة إلى البلدة، لأن جل اهتمامهما انصب على الثلج وتجمد النهر. قررا أن يمضيا إلى هناك ما إن يغير مسعود ثيابه، فأسنانه كانت تصطك بعضها ببعض، كما أنه لم يعد يشعر بيديه بتاتاً. أوشك ياسين أن يؤنب مسعود لأنه خرج من دون أن يرتدي ملابس سميكة تقيه البرد، لكنه تذكر في اللحظة الأخيرة، أن صديقه فقير جداً. فكَّرَ أن يعود إلى دارهم ويطلب من أمه أن تهبه بعض الثياب الصوفية، لكنه خشي أن تستنتج الأم المكان الذي ينويان التوجه إليه فاحتفظ بفكرته لنفسه.
Page 4
حين أوشك الطفلان على بلوغ منزل مسعود اليتيم، كان الجمع قد انفض في المقهى. بعض الرجال توجهوا إلى متاجرهم ليفتحوها بعد أن بقيت مغلقة ليوم كامل. مثل مصطفى الحلاق، وعبد الله بائع السمن، وكذلك بزّاز البلدة، وحدادها، وأمين البقال. وقصد بعضهم الآخر سوق البلدة، لشراء ما تحتاجه عائلاتهم، وبالرغم من أنه ليس من عادتهم الشراء والإنفاق في الشتاء، فهو فصل بلا إنتاج، لأن أغلبهم يمتهنون الزراعة، لكن الحاجة باتت الآن ضرورية، لشراء بعض الصوف من أجل صنع لحاف إضافي، أو بساط صغير؛ فالبرد أخرجهم عن حرصهم، وحياتهم وصحتهم بالطبع أهم من المال بكثير.
،،
كانت الأرملة ترتدي ثيابها، وتلف شالاً من الصوف حول عنقها، لأنها نوت التوجه إلى دار شقيقها الأكبر لتساعدهم في بعض أعمال المنزل، حين سمعت صوت باب دارها وهو يفتح ثم يغلق. مدت رأسها من نافذة الغرفة فرأت أن القادم ابنها مسعود يرافقه ابن المختار الصغير. ألقت بالجوارب الصوفية التي كانت تنوي ارتداءها أرضاً، لتسأل الولد عن سبب عودته، فشرح لها بسرعة وهو يفتح الصندوق الخشبي الذي يضم الثياب وبعض الخرق:
– شعرت بالبرد، لم أكن أدري أن الجو بارد جداً في الخارج، هل لديك ثياب سميكة؟
تذكرت المرأة فوراً بعض ثياب أخيه الأكبر التي استغنى عنها لأنها لم تعد تتسع لجسده. مدت يدها إلى الصندوق وبحثت عنها في صرة أخرجتها من قعره، ناولتها للطفل الذي كان يفرك يديه. انتبهت أن لون يديه قد تغير من البرد، فلامت نفسها لأنها أسرعت في إطفاء النار توفيراً للحطب. ثم عادت للوم نفسها من جديد وهي تحدثها: (كان يجب أن أشتري حذاءً للولد، فالقديم رغم خرق الإسكافي العديدة، مثقوب من عدة أماكن وهو يسرب الماء دون ريب).
انشغل الولد بارتداء السروال الفضفاض القديم، والصدار الصوفي الذي تذكر الطفل فوراً أن أخاه الأكبر كان يخبئ في جيبه الداخلي بعض قطع النقد؛ مد يده إلى الجيب ونوى بأن يضع بعض الفلوس، وربما أسعفه الحظ ليوفر قرشاً، سيخبئه هنا بالتأكيد. كانت أمه تتحرك من ركن لآخر في الغرفة التي تعد بمثابة غرفة النوم والطعام، فهي دافئة واسعة، وسقفها قوي لم تتسلل إليه الشقوق مثل بقية غرف المنزل التي ينضح منها الماء كلما أمطرت. تضم الغرفة أيضاً حشايا الصوف والوسائد التي تفرشها الأم ليلاً، وتلمها نهاراً، فور استيقاظهم من النوم، لتطويها في أحد الأركان.
خرجت الأم ودخلت الغرفة عدة مرات، قبل أن تجد غايتها. فطلبت من الولد أن يجلس ويخلع جوربيه، لفت قدميه جيداً بوشاح قديم مصنوع من الصوف الناعم، لم تعد تستخدمه الآن لأن العثة التهمت بدون دعوة أجزاء عديدة منه.
حين خرج الطفلان كانت الأم تتفحص خوابي الحبوب؛ فهي لم تعد تملك إلا نصف كيس من الحنطة، وبضع حبات من التمر. منّت نفسها هذا الربيع بشراء شاة صغيرة، سيأخذها مسعود للرعي وستعتني بها وتسمنها جيداً. لن تبيعها حين يقبل الشتاء، ستدخلها إلى الغرفة ليلاً ليتدفأوا بأنفاسها، وستعطيهم الحليب وحملاً صغيراً بعد بضعة أشهر. حينها ستحصل الأم على بعض السمن والزبد، والحليب، ولن يعود الشتاء مرعباً هكذا.
سمعت صوت الباب يفتح ويغلق من جديد، لكن القادم لم يكن مسعود هذه المرة، بل كان أحد أحفاد الحاجة عدوية أم البزّاز، عرفت هذا من صوته حين خاطبها من خارج الغرفة:
– يا خالة سعادة، إن جدتي تريد أن تحضري إلى منزلنا اليوم لتساعديها في كبس اللفت والبنجر.
استبشرت المرأة التي كان قلبها مثقلاً بالهم بذهابها إلى منزل إبراهيم البزّاز، فهم أكثر سخاء من أهلها، بالذات شقيقها الأكبر الذي استولى على الدكاكين التي كانت تعود لأبيها منذ توفى الأخير قبل خمسة أعوام، تذوقت فيها وأسرتها الجوع وشظف العيش. أخبرت الولد وهي تتناول عباءة الرأس من على مسمار في الحائط:
– اسبقني يا ولدي وقل لجدتك إني قادمة، لن أتأخر أكثر من مسافة الطريق.
Page 5
قبل يومين استيقظت سارة خاتون في دار فخم، في قرة سراي الموصل. لم تكن تشكو من شيء سوى فقدان ذاكرة شبه كلي، فهي لم تعد تذكر شيئاً غير اسمها، وقريبة واحدة تربطها بها صلة الدم. وسارة إذا ما كانت تشك باسمها فهي واثقة من اسم عمّتها: (زبيدة خاتون). كذلك عنوان سكنها الذي يجب أن تقصده في القريب العاجل، والذي يقع في آسكي موصل.

حاولت الاستعانة بخدم المنزل للحصول على أي ذكرى ولو واهية، لكن المرأة المكلفة إعداد الطعام ورعاية المنزل، أخبرتها أنها وفدت حديثاً من مدينة كركوك، وأن القائم على أعمال زبيدة خاتون في الموصل قد أجزل لها العطاء لتعتني بها جيداً، ريثما تغادر إلى منزل عمّتها.

قابلت فيما بعد الرجل الذي يعمل لمصلحة عمّتها، لكنه لم يقدم إليها أي معلومة تفيدها في إلقاء الضوء على ماضيها. شرح لها أنه كان مكلفاً بانتظارها، لكنه لم يستلم منها أي رسالة في السابق لكي يستقبلها. وأنها قدمت وحيدة من دون أي رفقة، أو حتى أمتعة، طرقت الباب قبل يوم واحد ليلاً، لتقول إنها سارة خاتون.

قررت سارة البحث عن طبيب ليشفيها، أو ليساعدها على فهم ما يحصل معها، فليس بأمر سهل أن يضيع الإنسان تاريخه، لكن الوقت لم يسعفها، فقد أصر الوكيل على سفرها العاجل إلى آسكي موصل، وهو يبلغها نبأ وفاة العمّة. كان الرجل محتاراً فعلاً، هل يترفق بهذه الشابة التي لم يسمع عنها شيئاً إلا قبيل أيام، هل يشفق عليها من الحزن؟ لكن الأنباء السيئة يجب أن تبلغ بأمانة حالها حال تلك السعيدة، ولا بد لهذه المرأة من السفر السريع رغم الضياع الذي يبدو جلياً عليها. كان الرجل حريصاً على الأمانة الموكلة إليه، فشرح لها بوضوح أنها يجب أن تصل البلدة بأسرع وقت، لأنها الوريثة الوحيدة لعمّة موسرة.

امتثلت سارة لنصائحه وأعلنت موافقتها على السفر بأسرع وقت. لم يقلقها الجو العاصف في الطريق ما بين الموصل وآسكي موصل. لم تشعر بالبرد لأنها كانت مشغولة في التفكير، ولأن المرأة التي تعمل في سراي الموصل كانت قد دثرتها جيداً، بملابس سميكة صوفية أخرجتها من دولاب ضخم، واستغربت كلتاهما أن الثياب كانت على مقاس المرأة الضائعة بالضبط، كأنها فصلت عليها.

حاولت سارة أن تتذكر إن كانت قد اشترت أياً من الثياب التي ارتدتها وفشلت في ذلك. حاولت أيضاً أن تعصر ذهنها جيداً، وأن تنتبه لكل مكان تمر بالقرب منه، وهي تطرح على نفسها سؤالاً وحيداً: (هل مررت من هنا قبلاً؟). لم يبدُ أي شيء مألوفاً بالنسبة إليها، لكنها حين دخلت البلدة التي يغطيها الثلج بمعطف أبيض، كانت شبه متأكدة، أنها عاشت هنا سنيناً طوالاً.

منزل المزرعة التي تقع عند أطراف آسكي موصل، بدا مألوفا أيضاً. مزرعة الكروم، وحديقة المنزل بدت لها مثل مكان أمضت فيه وقتاً ليس بقصير. لاحقاً حين ستتجول المرأة التي نسيت كل شيء، في البلدة وما يحيطها من جبال ومزارع، ستتذكر أنها قد رأت كل هذا في الماضي البعيد، لكنها لن تستعيد أحداث تلك الأيام، ولا حتى تفاصيلها، ونكهتها.

يعمل في مزرعة العمّّة المتوفاة سائس يعتني بالخيول، وهو يعيش داخل غرفة صغيرة ملحقة بإسطبل الخيل، وامرأتان مسؤولتان عن العناية بالمنزل الضخم الذي شيد من الحجر، وهما تعيشان داخل غرفة صغيرة ملحقة بالمطبخ، إضافة إلى عائلة تسكن داراً طينية يعتني رب الأسرة بمزرعة الكروم الشاسعة التي تعود ملكيتها للخاتون الموسرة، التي صادف أنها عمّة سارة.

* *
Page 6
[2]

حين نظر سلطان أفندي من نافذة غرفته التي تشرف على البلدة بأكملها، لأن منزله مشيد على رَبوة من الأرض، تبين له أن الثلج قد اختفى من كل الأماكن، وذاب متسللاً إلى باطن الأرض. ألقى نظرة على المنضدة التي وضع عليها مخطوط الكتاب الذي كان يقوم بنسخه، لا أحد ينافسه في البلدة بأكملها بأناقة خط يده، إضافة إلى الزخرفة التي كان يضيفها إلى حواشي بعض الأوراق والرقاق، في أوقات فراغه.

قلب صفحات الكتاب الذي يعمل على نسخه منذ شهر ونيف، كان قد أنهى نصف العمل، لن يعوزه الوقت لأنه ثابر على العمل يوماً بيوم، وسينجزه في المهلة المحددة. قرر أن يتفرغ لجمع القصائد من أجل الكتاب الذي ينوي تأليفه في القريب العاجل، وسيسافر إلى الموصل وربما بغداد من أجل جمع المصادر، وتحقيق المعلومات التي سيوردها عن الشعراء. فهو يريد أن يكتب شيئاً مختلفاً، لا يحتوي كلمات مثل: (حدثني فلان الفلاني، نقلاً عن أحد الثقاة). كان يريد الاستشهاد بكتب لا تراوغ ولا تنسى، ولم تعرف الخيانة يوماً ما.

نادت عليه أمه من الطابق الأرضي للدار، تحثه على النزول لتناول وجبة الإفطار. فلف جسده بعباءته السميكة المصنوعة من وبر الإبل، ونزل إلى الطابق الأسفل المزدحم بأصوات شقيقاته غير المتزوجات، وأبناء إخوته. في غرفة الجلوس الواسعة كانت أمه قد انتهت من صنع القهوة، فصبت له فنجاناً وناولته إياه، وهي تلومه لأنه تأخر في النوم، ولم يفطر مع بقية إخوته الذين ذهبوا لتفقد أحوال البستان. أجاب الأم:

– سهرت أعمل على الكتاب حتى ما بعد منتصف الليل.

– ليمنحك الله القوة يا بني، فالعمل عبادة.

صمتت الأم قليلاً، انشغلت بإخراج أرغفة خبز طازجة من قدر الخبز الموضوع بجانبها، ثم نظرت إلى النافذة وواصلت حديثها مع ابنها:

– ذاب الثلج لحسن الحظ، كنت أخاف التحرك في باحة المنزل خوفاً من انزلاقي، الله أعلم ماذا سيحل بعظام امرأة عجوز مثلي إذا ما سقطت أرضاً.

– لم يخب ظن حسون أبو فهد، قال إنه لن يتأخر في المكوث على أرضنا أكثر من يومين. عكس الشيخ عثمان الذي أصر أنه عقاب، سيستمر طويلاً! لا أدري لِمَ يتمنى هذا الرجل الأسوأ للجميع دائماً.

– الرجل تقي ورع يا ولدي، لا تتكلم عنه بالسوء ولا تناصبه العداء، فهو يغلظ القول ليحث الجميع على التمسك بما أمرنا الله سبحانه وتعالى به.

صمت الرجل ولم يكمل ما كان ينوي قوله، لأن النقاش مع أمه لن يكون مجدياً بأية حال. لم يشأ الخروج من المنزل أيضاً، وقرر أن يكمل نسخ مخطوطه، فانسحب إلى غرفته، وغرق في العمل فوراً.

شهد المنزل فورات من النشاط، إثر قدوم بعض الضيوف من الموصل، قطعت على سلطان أفندي خلوته. فأقيمت الاستعدادات في المطبخ وتمّت الاستعانة بالأرملة سعادة، التي شمرت عن ذراعيها فوراً وانهمكت في ذبح الدجاج ونتفه بعد تغطيسه بالماء المغلي. أحضر حاجي السقّا الماء للدار، توقف هنيهة ليلقي السلام على الضيوف، فوجد الفرصة سانحة لإراحة جسده والتماس بعض الدفء، وبينما كان يحتسي فنجان قهوة الضيافة أعرب حاجي عن فرحه لذوبان الثلج فقال:

– كنت أقدح زناد فكري مفكراً في حل، هل أترك المدينة عطشى؟ هل أترك أهلها يشربون ماء الآبار المج المر؟ هذا لا يرضي وجداني، وأنا أسقيهم منذ أربعين عاماً. فكرت بأن أكسر الثلج وأن أذيبه على النار، وحين خرجت على هذه النية صباحاً، وجدت أن قشرة النهر قد ذابت من كذا مكان، فغرفت ونقلت. لكن الماء بارد وليتلطف بنا الرحمن، فهذا البرد سيفسد عظامنا. وكيف هي الموصل؟

تكفل عمّ سلطان أفندي بالإجابة، وهو يعمل في السراي خزنة دار والي الموصل الحالي، الذي لم يكن قد تسلم الولاية إلا منذ بضعة أشهر. والرجل خمسيني، صارم، أمين، مخلص. وإلا ما تمكن من أن يشغل المنصب الصعب المناط إليه. قال أحمد أفندي وصوته يشي بزهوه ورضاه:

– وفد إليها الوزير عبد الله باشا الكوبرلي، في طريقه لغزو العجم، والوالي حسين الجليلي مشغول بإمداده بكل ما يحتاجه من مؤن، ومعدات، رفعت الأسعار، ودفعت التجار إلى تكديس البضائع في المخازن.

قبل أن ينتهي حاجي السقّا من شرب فنجانه، سأله سلطان أفندي بعد أن تردد بعض الشيء وفكر ملياً فيما يجب أن يقوله:

– هل أوصلت الماء إلى دار زبيدة خاتون؟
Page 7
– تقصد دار سارة خاتون، فقد فهمت أن ابنة الأخ قد قدمت لتتولى أملاك العمّّة الراحلة!

هز سلطان أفندي رأسه كعلامة موافقة على تعقيب السقّا، الدقيق في كلامه دقته في عمله، فهو لا يسهو عن دار، فيتركها عطشى. لم ينتظر سلطان كلام حاجي لوقت طويل، فالسقّا أجابه فوراً قائلاً:

– بالطبع دفعني الفضول لأن أجر قدميَّ إلى هناك منذ بداية الصبح، بعد أن سقيت منزل الحاج عثمان لأن زوجته قد رزقت بغلام قبل يوم، فهي أحوج الناس إلى الماء العذب. أما المرأة التي قدمت من مكان بعيد لا يعرف أحد اسمه، أقصد الخاتون الجديدة، فإنها نسخة من تلك التي ماتت واسترحنا منها! ولن أتوقع أن تكون الغريبة أفضل من سابقتها. مثلما أخبرتني نرجس التي تعمل في منزلها منذ وقت طويل، هؤلاء يرضعون صغارهم خمراً، لا حليباً، ليتحولوا إلى وحوش لها وجوه البشر.

صمت حاجي بعض الشيء، ونظر في وجوه المستمعين إليه، كان التشويق واضحاً على ملامحهم. لم يرغب الرجل بأن يكون متجنياً، لكنه شعر بالحاجة إلى الإفصاح عن مكنونات قلبه، فلا أحد بفهم وعقل سلطان أفندي وعمّه في البلدة كلها، فواصل:

– لا تتصوروا أني رجل محدود العقل، وأن عملي كسقّا، هو عمل بدني بلا عقل ولا روح. فالناس يختارون من يسقيهم الماء الذي هو أصل كل شيء حي، مثلما ورد في القرآن الكريم، والاختيار يقع على الأرواح الطيبة فقط. إن عملي كما تعلمون أساسه النهر، أحياناً أنصت لصوت جريانه، وأشعر أنه يحدثني، وأنه يعرفني جيداً ويقدر ما أقوم به كل يوم منذ أكثر من أربعين عاماً. والماء الطاهر الجاري، أخبرني بطريقته من تكون تلك الخاتون التي ماتت والتي لا تجوز على روحها غير الرحمة! قبل عشرين عاماً كنت على الضفة أغرف الماء، فوجدته قد تعكر وفار ما إن مرت بقربه. هدأ الهواء كأنها سحبته كله بنفسها المخيف... هل ستضحكون مني؟ أنا أخاف هذه المرأة، وكنت أتجنب رؤيتها ما وسعني ذلك!

قاطعه سلطان أفندي وهو يناديه (بالعمّ حاجي)، وأكد له أنه إذا ما سخر من كل البشر فلن يفعل هذا معه أبداً. تمتم الرجل الذي هو بنظر السقّا البسيط أكثر رجال البلدة ثقافةً وعلماً واطلاعاً، بكلمات غير مفهومة، مثل (الحدس)، (فطرة الأرواح النقية وقدرتها). وقال وهو يوجه الكلام إلى حاجي مجدداً:

– لم تخبرنا لغاية الآن، هل رأيت الخاتون الجديدة، سارة؟

– رأيت المرأة الجديدة نعم، عمرها بحدود السبعة عشر عاماً، تشبه عمّتها لدرجة غريبة. لم أسمع صوتها، ولم تتحدث بشيء معي. كانت تسير في الحديقة تتأمل أشجارها ومزروعاتها، وهي تتلفت في كل مكان. ربما تحصي أملاكها جيداً! حين مرت بالقرب مني، نظرت إلي نظرة من تريد أن تتذكر أين رأتني في السابق، ومتى!

غيّر حاجي الموضوع بسرعة، لأنه يريد أن يهرب منه ومن ذكرياته، حين سأل الخزنة دار إن كان يتوقع نجاح الوزير عبد الله في حملته العسكرية. فأجابه الآخر إن الغيب لا يعلمه إلا الله وحده، لكن التجهيزات العسكرية ضخمة، والجيش جرار، إضافة إلى أن ورش محلة البارودجية في الموصل تعمل منذ أشهر لإمداد الوزير بمتفجرات تكفي لنسف مدن بأكملها. دعم الخزنة دار حديثه بذكر أرقام ضخمة لم يحفظها حاجي بل مرت إلى سمعه من أذن لتخرج من الأخرى. وبعد شربه لفنجان القهوة الثاني همَّ حاجي بالرحيل فرجاه سلطان وعمّه للبقاء معهما ومشاركتهما وجبة الغداء، لكنه اعتذر لأنه لم ينهِ عمله بعد، وحين تناول قربة الماء، بدا على وجهه الانشراح لأنه متوجه إلى عمله الذي يؤديه بحب، وهرع إلى الضفة.

كان لدى سلطان كلام كثير ليرويه لعمّه، ونقاشات يجب أن يخوضها معه، فدعاه للذهاب إلى غرفته بحجة أنه يريد أن يريه الكتاب القيِّم الذي يقوم بنسخه. فهو يدري أنه لن يتمكن من الحديث بحرية وخصوصية في غرفة الجلوس. فالرجال الذين توجهوا إلى البساتين منذ ساعة قد يعودون في أية لحظة، وأمه تدخل الغرفة بين وقت وآخر لتقديم شراب الأعشاب الساخن، أو طبق فاكهة مجففة. وحين انفرد الرجلان أخيراً، تنفس سلطان أفندي الصعداء، وقال لعمّه:

– هل تذكر يا عمّي حديثنا الذي أجريناه قبل أكثر من عام، بخصوص زبيدة خاتون؟ كانت قد مرضت توّاً حينئذ.

– أتذكر، وأنا أعيده مع نفسي منذ سمعتك تتحدث مع حاجي عن موتها. أيعقل أن قريبة لها قد وصلت مرة أخرى؟ هناك أمر غريب يجري هنا.... أقصد هناك سر لهذا الموضوع الذي ما فتئ يتكرر!
Page 8
– سبق أن أخبرتني، نقلاً عن أحد الأقرباء المعمّرين أنها وصلت بعد وفاة إحدى قريباتها إلى هذه البلدة.

– لا أزال أذكر تفاصيل الليلة التي عزمت فيها على تقصي أخبار الخاتون؛ كنا قد سهرنا يومها في خان الشط برفقة أحد الرحالة الذي وفد إلى الموصل من بلاد الشام. وكان الحديث عن الأحداث الغريبة التي يفسرها كل إنسان حسب هواه. فتذكرتها فوراً... امرأة ثرية جميلة، ترفض الزواج، تسكن لوحدها في مزرعة ضخمة، ليس لديها أصدقاء أو أقرباء يطرقون بابها. وتعيش من أجل الربا الذي تمارسه إضافة إلى أشياء أخرى مثل تجارتها المشبوهة، ومنازلها المنتشرة في العراق وبقية البلدان، والتي تزعم أنها تؤجرها. أذكر حين كنت طفلاً صغيراً أنها سافرت مرة سفراً استغرق منها خمسة أعوام، وعادت بعربات محملة بصناديق لم يعلم حتى العاملين في دارها ماذا تضم. أذكر أني جريت بجانب العربة التي حملتها حين عادت، ورأيت وجهها، كان عمرها في حدود الخمسين عاماً، لم تكن شابة، لكنها كانت شديدة الجمال، صافية البشرة.

– هل هذا هو السبب الذي دفعك للتحري عنها؟

– لم أسرد قصتها تلك الليلة، قلت لنفسي يا رجل تأكد في البداية، فللحديث أمانة، وهذا هو نصف السبب الذي دفعني فيما بعد للتوجه إلى ابنة عمّ أبي التي جاوز عمرها المائة، لكنها مع ذلك لا تزال تتمتع بذاكرة يحسدها عليها الشباب، وبوعيها كما هو. قالت الحاجة سعاد إنها شهدت وفاة قريبة بعيدة لزبيدة خاتون عاشت أكثر من تسعين عاماً هنا، وكان أبناء البلدة يتساءلون إلى أين سيذهب هذا الإرث الضخم من الأراضي والمزارع وليرات الذهب العثمانية. لكن قريبة لها حضرت فوراً لتضع حداً لحيرتهم، وتسلمت أمر المزرعة. هذه القريبة تكون عمّة زبيدة. كانت الحجية سعاد مراهقة خطبت توّاً حينما قدمت هذه العمّّة إلى البلدة، وحين ماتت (قالت الحجية سعاد إنها قتلت نفسها لأنها وقعت في حبّ أحد التفنكجية الذي عاش في البلدة بضعة أشهر إثر إصابته بجرح في معركة). قالت أيضاً إن زبيدة خاتون وفدت البلدة لأول مرة بعد وفاة تلك القريبة، وإنها كانت شابة جميلة، تشبه الميتة! أسبابي الأخرى للتقصي عن زبيدة خاتون قد تبدو لك واهية.

– لكني أرغب في معرفة حتى تلك الأسباب الواهية، أتشبه أسباب حاجي؟

– أصبت كبد الحقيقة، ولا بد أن هذا قد حصل معك أنت أيضاً... بحضورها يشعر المرء أنه يختنق، وتغلي في وجدانه كل الأحزان التي عصرت فؤاده، حتى تلك البعيدة.

– متى كان هذا اللقاء؟ الحجية سعاد ماتت منذ خمسة أعوام.

– قبل أكثر من خمسة عشر عاماً... كنت حينئذ شاباً ولم تكن صلعتي قد ولدت بعد.

جلس أحمد أفندي إلى جوار النافذة ساهماً ينظر إلى الأفق، أما ابن الأخ فقد تناول دفتراً صغيراً أخرجه من درج الدولاب الضخم، وجلس يخربش على إحدى صفحاته بعض الكلمات. مرت بضع دقائق قبل أن يسأله سلطان مستفسراً:

– ما هو اسم القريبة الأولى التي تذكر الحجية سعاد مقدمها؟

– لم أعد أذكره، لكن اسم عمّة زبيدة خاتون هو صفية.

– وتسلسل سارة من النساء غريبات الأطوار هو...؟

فكر العمّ واستخدم أصابع يده اليمنى، وهو يشير إلى سبابته قال والتفكير جلي عليه لدرجة مضحكة: (بلا اسم). وواصل إلى الإصبع الوسطى: (صفية). وأطلق على البنصر اسم: (زبيدة). وتبقى للخنصر الاسم الأخير: (سارة). صرخ العمّ صرخة المنتصر:

– سارة تحمل الرقم أربعة.

– هي رابع امرأة غريبة تأتي إلى البلدة إذاً.

سجل سلطان أفندي هذا في دفتره بحرص، ثم نهض عن منضدة الكتابة ووضع الدفتر الصغير قرب سريره. عاد للجلوس قرب عمّه وهو يفكر من جديد، مرت بضع دقائق قبل أن يتحدث:

– كانت عربية زبيدة خاتون سليمة، وهي تجيد التحدث بالكردية والتركمانية. تغير لهجتها إذا ما تحدثت مع أحد المواصلة إلى الموصلية القحية التي لا يجيدها الغرباء، ولهجتها متقنة. سمعتها مرة تتحدث البغدادية مع سباهي حضر إلى هنا مع وفد لخطبة إحدى نساء البلدة، ولهجتها البغدادية كانت رائعة أيضاً. لكن...

– لكنك متأكد أنها ليست عربية، ولا كردية، ولا حتى تركمانية. أليس كذلك.

– بالضبط... بالضبط. هناك زلة ما تشي بأنها ليست عربية، وسألت حاجي قبل أعوام عن سلامة لهجتها الكردية فأكد لي أن المرأة بالتأكيد ليست كردية. ما أريد قوله إن هذه المرأة حين كانت طفلة لم تكن إحدى هذه اللغات لغتها التي تعلمت النطق بها!
Page 9
قاطع جلسة الحوار هذه صوت أم حمادي التي طرقت الباب قبل أن تدخل، وتطلب من ابنها وعمّه النزول إلى أسفل، وهي ترجوهما:

– الجو بارد، والطعام سيبرد قبل لمح البصر إن لم تستعجلا بالنزول.

،،

تكونت الوليمة من الأرز العقراوي، الذي يزرع في جبال الشمال، في عقرة تحديداً، فلا ينافسه في المذاق غير رز الجنوب البعيد. والبرغل الذي أعدته الحاجة بنفسها لأنه وجبة أحمد أفندي المفضلة، ولأنه طالما أشاد بطريقتها في إعداده. والدجاج المشوي بالتنور، والآخر المحشو بالرز مع المكسرات والزبيب، والعديد من الأطباق الحمراء اللون التي تطفو فوق سطحها قطع من لحم الضأن، والخضراوات التي يندر أن تخلو منها الموائد لتثير شهية الآكلين، بالرغم من عدم حاجتهم لما يثير شهيتهم، إضافة لخبز التنور، ورقائق خبز الصاج المرشوش بالماء، والملفوف بقطعة قماش سميكة.

كانت أم حمادي تشعر بسعادة كبيرة وضيوفها منهمكون في المضغ، فهي امرأة مضيافة كريمة النفس. اعتادت أن لا تخلو دارها من الضيوف منذ تزوجت المرحوم طلعت بيك، الرجل الذي مات منذ وقت طويل، لكنها مع ذلك لا تشعر أبداً أنه رحل، فأولادها الذين يحملون ملامحه يذكرونها به دائماً، الكبير بالذات (حمادي) الذي تشعر أحياناً أنه ينظر إليها بعيون أبيه؛ فالشبه يتعدى الملامح إلى طريقته في التحدث، وطريقته في النظر إليها، وحركات شفتيه وذقنه، الذي قد يميل إلى اليمين أو اليسار، إذا لم يرق له ما يحصل أو ما يروى. حكمت الأوسط يضحك مثلما كان الراحل يفعل تماماً، له تلك القهقهات العميقة نفسها التي يميل رأسه إلى الخلف أثناءها.

وسلطان أصغر أبنائها الذكور ورث عنه أنبل صفاته، كرمه، وقلبه الذي يملك القدرة على العطف على كل المخلوقات. فقد اعتاد منذ طفولته أن يعود إلى المنزل من تجواله اليومي، بقطة مريضة، أو عصفور جريح، فيعكف على العناية به حتى يشفى ويطلقه في البرية. كان سلطان يعود أثناء الشتاء بلا بعض قطع ثيابه لأنه منحها عن طيب خاطر لفقير أوشك أن يتجمد من البرد، فيصل إلى المنزل وهو يرتجف، لكنه يشعر مع ذلك بقمة الرضا. (قلبه من ذهب)، قالت الأم هذه الكلمات في نفسها، حين اقترب سلطان منها قبل أن يجلس إلى سفرة الغداء، وقال لها بصوت منخفض: (لا تتركي الخالة سعادة تعود إلى المنزل خالية اليدين، تذكري أنهم أربعة أفواه في دار بلا معيل). هزت الأم رأسها وطمأنت ابنها بثلاث كلمات: (لن يفوتني هذا).

حين انتهى الرجال من تناول غدائهم، وجلسوا يلتقطون أنفاسهم، ويشربون الماء، كان سلطان وعمّه لا يزالان مستغرقين في التفكير بأمر سلسلة الخاتونات الثريات، اللواتي اخترن هذه البلدة لأسباب خفية عن الجميع. قال سلطان لعمّه بصوت منخفض:

– لو لم يكن كمال الدين آغا في كركوك لذهبنا إلى داره بحجة زيارته وحاولنا معرفة أي معلومة إضافية يملكها عن زبيدة خاتون.

– كنت أفكر بهذا للتو، خصوصاً وأنَّ الرجل كانت له تعاملات مالية معها. سرت إشاعات قوية مفادها أنه استخدم وساطة أحد معارفها في اسطنبول للحصول على لقب الباشاوية قبل عشرة أعوام، فسافرت برفقته وغابا بضعة أشهر، لكنه عاد بخفي حنين. ولم ينبس ولو بحرف واحد، عن طبيعة هذه السفرة أو وجهتها.

– سنراه فيما بعد بالتأكيد، حينما تحضر إلى البلدة في المرة المقبلة إن شاء الله. لكن هل ستتصور أنه سيتحدث إلينا الآن وقد رفض الإفصاح في السابق.

– سأجد مدخلاً لأحصل على ما أريده من الآغا، لن تعييني الحيلة.

رحل الضيوف قبل العصر، لأنهم يجب أن يصلوا الموصل قبل غروب الشمس. مضوا على أمل لقاء قريب وهم محملون ببعض خيرات البلدة الوفيرة، من سمن الغنم، والزبد، والزبيب الأسود والأحمر. فلا سخاء يعادل سخاء الذين يعملون في الحقول والمزارع، فالأرض بحرهم الذي يغرفون منه بعرق الجبين، وانكباب الظهور والانحناء على التراب السخي.

وحينما ابتعد أحمد أفندي مسيرة نصف ساعة قطعها مبتعداً عن البلدة، التفت إلى الخلف لأنه ارتقى إلى قمة تل يحتضن حدود البلدة التي ولد فيها. فلاحت أمامه المدينة الصغيرة، أو القرية الكبيرة مصغرة، كأنها رسمت على قطعة ورق، كانت السماء فوقها صافية لحسن حظ الأشجار والمزروعات. لكنه شاهد غيمة سوداء تجثم فوق مزرعة الخاتون، انقبض قلبه لمنظرها الغاضب المزمجر، فاستدار إلى الوجهة التي يقصدها وهو يستعيذ من الشيطان الرجيم.

* *
Page 10
[3]

كان مسعود يستعد لشن حرب ضد أخويه الأكبر والأوسط، لأنه لم يجد في صينية الطعام حين عاد إلى المنزل شيئاً غير عظام دجاج خالية حتى من قطعة صغيرة من اللحم. أوشك على البكاء فالجوع كافر، لكنه شحذ قواه وحقده وانقض عليهما بالشتائم وهو يزمجر: (يا لكما من حيوانين قذرين، ألست إنساناً، ألست بأخيكما، لماذا لم تقضما العظام بعد أن لحستما الأطباق؟). تلبد الجو فجأة لأن عبد الله كان عليه أن يجيب عن الإهانة فوراً ، فرد بغضب: (لم أشبع بعد أيها القرد الصغير، وسآكل لسانك الذي طال فجأة).

بحث مسعود في خوان الخبز عن بقايا طعام فلم يجد شيئاً، لم يتبق أمامه إلا حل من اثنين، إما أن ينخرط بالبكاء، وإما أن يتقاتل مع أخويه اللذين استأثرا بهذه الوجبة التي لا تحظى بها معدة أهل هذه الدار المعدمة دائماً. كان يشعر بالظلم، فبحث عن أمه في الغرفة والإيوان لينفس عن غضبه ويعاتبها، وحين لم يجدها، عاد إلى الغرفة ليجد أخاه الأوسط يتحدث ويضحك مع عبد الله وهو يلتف بغطاء صوفي سميك. استفزه هذا المنظر فهجم فوراً على عنقه يريد خنقه، وقد أنساه الغضب الفرق بين حجم جسده الطفل، وحجم أخيه المراهق ذي الخمسة عشر عاماً.

لم يكن صعباً على خصمه الموقت أن يقلبه فوراً على ظهره، ويضغط ساعديه النحيلين ليثبته وهو بلا حول ولا قوة إلى الأرض، وهو يكيل له الصفعات ناعتاً إياه بشتائم بسيطة تلائم درجة غضب أعصابه التي لم تكن قد باشرت بالغليان بعد. جذبت أصوات العراك الأم التي كانت منهمكة في تهيئة وجبة من الحنطة لتطحنها من أجل إعداد الخبز.

– ما الذي حدث، ألا تخجلان من نفسيكما؟

صرخ مسعود الطفل وهو يغالب نفسه وينهاها عن البكاء:

– الله لا يرضى بالظلم.

تدخلت سعادة غير السعيدة في أغلب الأحيان، بين الطرفين المتعاركين؛ في الواقع لم يكن مسعود يملك أي عضلة يتعارك بها ويصد جبروت قوة الأخ الذي استفزه، لكنه كان يقاوم ويرفس بقدميه فقط. حين فكت كفي ابنها الأوسط عن عنق ابنها الأصغر، نهض الأول وهو يقول:

– القرد يتحدث عن الظلم، لقد نسي كل شيئ عن احترام إخوته الكبار، سأعلمك الأدب يا من كنت تبلل فراشك وتنهض وثيابك تفوح برائحة نتنة. رحم الله أياماً كان لفراشك فيها رائحة زريبة مكتظة بالحمير.

– إخرس يا لص الطعام، يا من كنت تلوك الخبز تحت الغطاء ونحن نيام، كي لا نجد شيئاً نفك به ريقنا حين نستيقظ.

أنهضت الأم ولدها الصغير من على الأرض، ووقفت بين الاثنين من باب الاحتياط، قبل أن تقول لمسعود وهي ترتب خصلات شعره المتشابكة:

– العجلة من الشيطان يا بني، نصيبك من الطعام مخبأ في أحد القدور في غرفة المئونة، إغسل وجهك لنأكل معاً، لم أقدر على الأكل وأنت خارج المنزل.

ثم التفتت إلى الأوسط وقالت له بحزم:

– يكفي هذا يا عبد الحق، طوال النهار أعمل من دار لأخرى وأعود مهدودة القوى إلى منزلي ممنية نفسي ببعض الراحة، لأجدكما تتعمدان إحراق أعصابي، الصغير عَجول متهور، والكبار بلا رحمة ولا عقل.

صمت المراهق وتناول صديرية الصوف ليرتديها استعداداً للخروج من الدار، ليلحق به عبد الله فوراً . وحين سمع صوت اصطفاق باب الدار، خرج مسعود من الغرفة ليغسل وجهه، لم يبقَ في الغرفة غير الأم التي تنفست الصعداء وقالت لنفسها بصوت مسموع: (لم أربهم على هذا! لم أقسُ على واحد منهم يوماً، وهذه دروس الأزقة وساحات التسكع، رحمتك يا أرحم الراحمين). ثم حملت الصينية النحاسية وخرجت هي الأخرى لتغسلها.

في الباحة صادفت مسعود الذي كان يغسل وجهه. توقفت عنده وسألته: (ماذا يؤلمك؟). (وجهي) أخبرها الطفل وهو يحاول جسَّ وجهه تحديد البقعة التي تؤلمه. رفعت وجهه إلى أعلى لتستعين بضوء الشمس المتبقي الشاحب وأمسكت بذقن الطفل بسبابتها وإبهامها، رأت بعض الخدوش الفاتحة اللون وكدمة بالقرب من أسفل عينه اليمنى. قبلت جبين الولد فطمأنته (لا شيء خطير يا عيني). في حين قالت لنفسها: (هذه الكدمات والخدوش الفاتحة ستصبح قاتمة بحلول صباح يوم الغد).