Page 1
توليب أبيض
حين جاءوا به ليلاً، كان قد فقد البرودة اللازمة لنضارة الذكرى، وتحطمت في قلبه اغلب آماله في أن يعثر على نردين التي أتى من ساحل مدينة دين هيلدر الهولندية إلى شارع السعدون في بغداد، كي يهديها ثلاث زهرات من توليب ابيض·
عرفتُ، وأنا في غمرة خيبتي، أنه غير قادر على الوثوق بأحد، وانني لن أتمكن أبدا من بيعه قطعاً مزيفة من تمثال صدام حسين الذي اسقطه الامريكان في ساحة الفردوس، بل حتى أنني لن أنجح في عرض الإدّعاءات اللازمة كي يصدق أنني امتلكُ جمجمة الفنان التشكيلي الشهير فائق حسن· كان متشنج الوجه، وخامل الانفاس، وقد أنهكه التفاوت المناخي بين بحر الشمال، والغبار المريب الذي يكسو الحياة في الباب الشرقي·
اشترطوا، قبل أن يسلموني الهولندي ومبلغ الألف دولار، أنْ أتعهد بعدم استعمال أي وسيلة للتدفئة، وأن اتقيد بتعليماته بشأن تأمين إقامة مثالية لازهار التوليب، وأن أعثر على نردين في ظرف عشرة ايام· وحتى يشعروني بأنهم ايضا اولاد شوارع، لكن ببدلات من ماريو زينوتي، وسيارة جيب رباعية الدفع، قام أحدهم بنقل مسدسه الكلوك من يسار حزامه إلى يمينه·
لم أفهم منه شيئا· كان يعاني تداخلاً في الأزمنة، ويُجهد نفسَه في تنشيط انطباعاته القديمة عن النوم في الوطن، ملتقطاً الذكريات من على بعد عشرين سنة تفصله عن جنسيته الحقيقية· أعطيته الغرفة المطلة على ساحة النصر، حيث يمكنه التشبع بمنظر تمثال عبد المحسن السعدون في نسخته الجصية الكاذبة ريثما تعتدل عواطفه، ووضعتُ ازهار التوليب في غرفة اخرى جرداء· حرصت على أن أقرّبها من النافذة، كما أمرني، كي تبقى أوراقها مغلقة إلى أن يحل الربيع· ومن أجل أن يطمئن قلبه أكثر، أعطاني عدسة مكبرة كي أدقق كل ثلاث ساعات في التربة بحثاً عن حشائش ضارة·
كان في نهاية الأربعين· يميلُ إلى النحافة لكنه ملفوف باستقامة مثل عمود كهرباء، ولامع السمرة كأنه بورتريه لرامبرانت· جاءوا له بمستلزمات معيشة تجعله لأسابيع بمنأى عن ضيافتي· امتلأ المطبخ بالاغذية المعلبة، والفواكه الغريبة، والمياه المعدنية، وأمنوا له الحمام، ومكان نومه في بذخ أحرجني· توقعت أنهم افهموه بأنه حظي بخادم، إلاّ أنه سرعان ما تدارك اشتباهي، وأعلمني بلهجة بغدادية عتيقة أنه يعاني أمراضاً بحرية كثيرة، وأن عليّ أن أعد همجية حراسه واجباً يتطلبه الثراء، وأن أفسر الغرابة التي تشتته بأنها أعراض حب مزمن·
أخرجت له قنينة ويسكي نوع Black and white وتركته يتعمق وحده بالندم·
بدأت البحث عن نردين اعتماداً على ورقة معلومات فقيرة سلمني إياها، في اليوم التالي، حارس ضخم الجثة يخلو رأسه من الشعر· هو أسماها معلومات، لكنها في الحقيقة بلا قيمة، فهي لا تحتوي على اسم عائلة، أو على شكوك أولية· طلب مني إجراء مسح في الكرادة بشطريها، وزيّونة، والسعدون· وأخبرني أنه من غير المسموح لي البحث عن نردين في مناطق أبعد· كما حذرني من السعي إلى الحصول على معلوماتٍ من اجهزة الدولة، وأن عليّ عدم المطالبة بأي نفقات· وقال في النهاية إنه من غير المهم اطلاع الجهة التي اعطتني النقود على نتائج البحث· وإذا ما انتهت الفترة المحددة، أكونُ قد أنجزتُ مهمتي بشكل كامل، دون أن تكونَ للنتائج اهمية استثنائية·
ثلاثة أيام ونحن نفتتح صباحنا بشوربة مطعم راوندوز، ونختتم ليلنا ببار الموعد· كان يبدو على الهولندي أنه يستمتع كما يفترض بمهاجر عراقي عاد بشوق إلى أكل التمر· كنت أتغيبُ لساعتين في اليوم، وأرجع متلهفا لتفقد التوليب· لم يكن من اللائق تعطيل انهماكه اليومي في تذكّر نردين، لذا فضلت أن أشعره فقط بأنني كتبت الشعر يوما، ولكنني فشلت، والآن أعمل بمهنية لص يقدر على سرقة رمش العين·
الصديق الذي نصح حراس الهولندي بي، وكفلني امامهم، طلب مني، في صباح اليوم الرابع، ألاّ أبالغ في التعلق، وقال لي عبر الهاتف:
- اشعره أنك ستعثر عليها·· استعملْ خدعة عاطفية سهلة·· لا تندمج في المهمة، ولا تتعب نفسك·
كان الهولندي يدرك وهو يصعد إلى سماء ماضيه مع نردين أنني بدأت اتكيف معه، وأتدرج في حبه· أنا أيضاً انتبهتُ إلى اخلاصي، وإلى نوبة الطيبة التي كانت تجتاحني إلى درجة انني فقدت الكثير من حقارتي· معظم الذين يعودون إلى الوطن لا يظهر عليهم أنهم فارقوا ساحة الطيران دقيقة واحدة، أما هذا الهولندي فيبدو، من شدة تطوره الاخلاقي، أنه قرأ عنا في الانترنت·
Page 2
فهم بسرعة أنني اخجل من أفعالي القديمة المشينة، وأنني لو هاجرتُ مثله لصرت اليوم شخصا مختلفا· أحب الهولندي كثيرا طريقتي في تفسير بغداد، وأخذتُ أكتشف ساعة بعد ساعة أنني أصاحب شخصاً لا يستحق أنْ أخدعَهُ· أظنه راقبني، وأنا أقدم رعايتي المثالية لزهرات التوليب· أعتقد أنه كان بحاجة فقط لتقدير درجة انبهاري، وإذا ما كان جمالها الأبيض قد أصاب قلبي· حكيتُ له قصتي، واعترفتُ أمامه أنني ارتكبتُ حماقاتٍ مدمرة، ورجوته ألاّ يربط تقديري له بحاجتي إلى المال، لكنني كرهت فيه عادةَ أنْ يُمسكَ بمعصمي وهو يتكلم عن نردين· كان ذلك يجعله متورد الوجه، وتفوح منه رائحة ليست بالتأكيد من روعة بيرة Heineken·
حين نسير، بعد منتصف الليل، سائبين في الشوارع، هو، وأنا، والكلاب، يحكي الهولندي عن بهجة أن تكون في الحياة امرأةٌ تمسك بكل شيء كي لا تقعَ الفوضى· قال لي إنّها عاشتْ هنا، وكانت تملكُ لوناً لحمياً اذا ما وصلتْه الشمسُ يتوهج كما البرق الذي يتولد من اختراق ملاك البريد غلاف الألوهية متوجهاً إلى الجو الارضي· وإنّ ثمة شيء غير طبيعي في عرق كفها· وإنه لم يكتشف كل خوارقه بعد، لكنه يتوقع أنه اقوى من العسل المخلوط بالقرفة والزنجبيل· واخبرني كيف أّنه كان يعاني تقشراً موسمياً في جلد يديه، وقد شفي منه تماماً حين رتب له الله فرصة أنْ يمسكَ باطراف أصابعها· وأراد أنْ يضرب لي مثلاً فيما كانتْ تفعله به ضحكتُها المتميزة، إلا أنه تاه في الصمت ونسي الامر· وتوقع مني أن أصدّقَ أنه كان يعثر على الأرصفة، وهو يمشي، على الكثير من الدنانير كلما قالت له صباحك ورد، وابتسمت على طريقتها التي تشبه إمالة كأس مارتيني إلى درجة أنْ تسقطَ منه زيتونة خضراء محشوة بفلفل احمر·
انتهزتُ قوة إيمانه بها وسألتُه:
- أين تتوقع أن تكونَ نردين الآن؟·
توقفنا، هو، وأنا، والكلاب عن المشي، ونظر إليَّ مستغرباً، وقد استرد صلته بالواقع:
- إنها في كل مكان·
كنا احيانا نقع، أنا وهو، في أزمة أننا نبحث عن شيء غير موجود· كان مطلوباً مني أن أجنبه الاحباط، وقد أدركتُ مبكراً أنّ مهمتي تكمن في جعله ينشغلُ بأمرٍ مهم، وقضية مصيرية، وأن ما يجري ليس أكثر من ارادة عليا سخية تريد للهولندي أنْ يشعر بسعادة أنه عاشقٌ لا يهزمه المستحيل، وكان عليّ أن أهبه قدراً كبيراً من الامل·
حين أجده غير قادر على تمييز ضجيج سيارات الشرطة، والانتباه لهيمنة العربات العسكرية الأمريكية، أعرف أنه يريد ان يحكي عن نردين· أحب الهولندي مقهى الزيتون حيث يمكن الانفراد بالذكرى خلف سياج أخضر· قال لي إنه لم يرَ الكثير مما تملكه من ملابس، ومجوهرات، لكنه يحب بلوزتها التي باللون الأسود والكحلي، والمليئة بدوائر بيض أكبرها بحجم درهم ما قبل الحروب· كانت تلك البلوزة بلا أكمام، ومفتوحة طوليا بحيث تكشف عن خط تلاصق النهدين· يتورم وجهه من هول الصورة، ويغطس في الصمت على المقعد البلاستيكي الضيق لان بلوزتها التي بين الأسود والكحلي أهم ما في الدنيا، وتستحق منه التوقف عن قول أي شيء آخر·
جعلني أعيد التفكير بكل النساء اللواتي عرفتهن· قلت له - ونحن في بار الموعد - إنني ارشّح سوزان لان تكون نردينتي· اعترفت له بأنني كثيرا ما أقع بحب العاهرات· حين أشرب الويسكي أشعرُ بالحزن· قال لي إنه خرج بنظريات عدة بشأن وهم الحب· أردته أن يعلمني هذه النظريات، لكنه رفض، وقال لي:
- إن أخبرتك، فإنك لن تستطيع أن تسرق بعد أن أرحل، وستموت فوق غيمة·
اشتبهتُ مدة يوم بسيدةٍ تعمل في مكتب الخطوط الجوية التركية· ودلتني معلومة خاطئة أخرى جاءتني من صديقة بتاوية إلى صاحبة بوتيك في الكرادة· انتبهتُ إلى ضرورة أن أغيّر مصادري النسائية، وأنْ أوظف بنات، هاي كلاس، بعمر العشرين يعرفن الأماكن السرية المحصنة في بغداد· كلفت جولييت بأن تبحث لي في نادي العلوية، وفي الصالونات الثقافية الخاصة التي تدار من قبل السيدات، وألاّ تهمل الحفلات التي تقام في نادي الصيد رغم بعده عن الرقعة الجغرافية المخصصة لي· أما لارا، فقد طلبتُ منها التركيز على العائلات الارستقراطية في زيّونة، وبالأخص تلك التي لها جذور في شارع السعدون·
Page 3
لم يكن بالإمكان ثني الهولندي عن الاختلاطات العاطفية التي كان يعانيها· حاولت أن أسرق منه ذكرى مضيئة تعينني على اختصار التيه الذي أنا فيه إلاّ أن تحليلاتي المستخلصة من كلامه عن نردين كانت تشبه محاولة عد اطلاقات رشاش امريكي· أخذته إلى الشوارع الخلفية لعله يعطيني إشارة اهتمام ببيت، أو ببقعة اسفلت، أو بشجرة· كان يبدو غائبا عن العالم، وقد أتلفت نردين احساسه بالارض·
كانت عقلانيتنا لا تظهر إلا في الزيارات المفروضة التي نقوم بها يوميا لتفقد التوليب، فصحّة الزهرات تتطلب منا دقة ملاحظة، وقوة وعي للتأكد من سلامة النمو، وصلاحية البيئة· كان الهولندي يتأملها لوقت ثقيل مقرباً وجهَه منها إلى حد فقدان الحذر، فينسى نفسه، ويداعب بياضَها بظاهر سبابته في لمسة تنكمش لها يده خجلاً·
قلت له مرة، وأنا أركع بجواره كي يكون رأسي بمستوى وعاء التوليب الذي على حافة النافذة الواطئة:
- لا تقلق بشأن البرودة·· التوليب ينتظرُ نردين ايضاً، ولن تتفتح الزهرات إلا بين يديها·
نظر الي وكأنه يوشك على البكاء، ثم جمعني بين ذراعيه قائلا:
- كنت أعلم أنك ستعرف هذا·
أرجعته، وأنا امسك به من كتفيه، حتى استقام ظهره من جديد· أوحيت اليه أن لحظة هابطة من علياء الغيب تمر بنا الآن، وسألته:
- أين التقيت نردين أول مرة؟·
أجابني، وهو مشرّد الروح:
- لستُ الوحيد الذي لا يعرف· كل البشر لا يتذكرون اللحظة التي خرجوا بها من بطون أمهاتهم·
لم يغيّر بنطلون الكتان البيج، والقميص الازرق الفاتح، ومع هذا فقد كان دائم التعبير عن نبله الثري بأن يدفع لي نفقاتي، ويوصيني بعدم لمس الالف دولار التي في جيبي· حتى أنه كان يفرّ بي من مراقبة حراسه الأمنيين مطبقا اساليب عصابة آل كابوني في التخلص من شرطة الخمور السريين كي تهون عليّ سفالتي· قلت له إنني استطيع ان افكك في الليل جسر الصرافية الحديدي قطعة قطعة من فوق دجلة، وأعيد تركيبه صباحا على نهر الكارون دون ان يشعر بي أحد، ولكنني أجد أن العثور على نردين، وإهداءها ثلاث زهرات من توليب أبيض هو أحلى من السطو على البنك المركزي·
بينما نحن في الليل، على الشرفة، نرتجف من البرد، وننظر باحترام إلى تمثال عبد المحسن السعدون الاخضر حكى لي بأن نردين تعتقد أن أنفها غير جميل· أرادني ان أتخيل هذا الجنون· كان متألماً لأنها تعتقد ذلك، وأخذ نفساً عميقاً، فتعبأ بالحزن حتى ظننته سيرتفعُ من على الشرفة، وتأخذه الريح معها· استغرب من أنها تدهن نفسَها بكل ما تطرحه لوريال، وايف روشيه من مستحضرات تجميل، وتأسّف لأنها لا تصدقه· شرح لي علاقة نردين بفكرة الإنسان الخارق، وقال بأنّ وجودها يعني السعي لارضائها، وهذا يتطلب منه ألاّ يكذب أبداً، وأن يكون قوياً، وشريفاً، ومفعماً بالقدرة على قهر المستحيل، وهكذا فإن العاشق قد لا يصل بحبه إلى السعادة، ولكنه حتماً ينال درجة النقاء الكبرى· وقال لي إنها حين تبللُ شعرها، وتبتسم بفمها الاحمر، مضيقة عينيها كقطة، فان لا سوء يبقى في العالم·
وعندما طلع الفجر علينا، وتوقّف عن الشرب، وصار يرى ساحة النصر على حقيقتها، قال بانزعاج:
- هذا ليس عبد المحسن السعدون الذي نحته الايطالي اوسكار ثانونينكا!·
Page 4
قلتُ له، وأنا اشعر بالعار:
- السعدون الاصلي سرقه اللصوص ليحصلوا على مادة البرونز·
نظر في وجهي وقد طعنته الخيبة:
- أنت لم تمنعهم، فكيف ستعثر لي على نردين؟·
في العاشرة من صباح يومه السادس معي استيقظ الهولندي ليجد سوزان تسير في الشقة ببلوزة نمرية ضيقة وبنطلون فيزون، وهي على أبهى إغراء يمكن ان يتمناه الخيال التناسلي الذكري·
كانت سوزان طيف سكريات بلورية تتحرك بالالهام· تملك جمالاً شفافاً لا يصلح معه سوى اللون الابيض· وردية الاعضاء والزوايا· ويوجد تلاصق في طرفي فمها للزوجة لعابها وهلامية شفتيها· واذا ما اطبقتْ جفنيها برمشة اعتيادية فإنها تأخذُ وقتاً حتى تفتح عينيها مجددا· أعطيتها الألف دولار، وأوصيتُها أن تمشي في الشقة، وكأن لا أحد على الأرض سواها·
قاومت سوزان البرد ليومين بشجاعة وكانت تتمهل كعارضة أزياء كلما أشدتُ، أمام الهولندي، بشيء فيها· وافقني على ان ثدييها بكمال قبة محطة قطار بغداد، وان مؤخرتها مثل طبل منفرد الشخصية في فرقة جسدها السيمفوني· اعطيتها العدسة المكبرة، ورحت أتغيب لساعات عن البيت، لكنني كلما عدت أجدهما في غرفة التوليب، وقد ركعا عند حافة النافذة الواطئة في منظر خاشع، وكأنهما في ابتهال·
كنا نقف متلاصقين، ونحن نأكل كبة سيمون الشهيرة حين قال لي الهولندي إنني أتعبتُ نفسي كثيرا، وإنه يقدر لي هذا· ترك صحنه على النصف، ووقف في الخارج يدخن ناظراً إلى ظهر تمثال السعدون المزيف· مشينا باتجاه مقهى الزيتون· كنت قد خالفتُ التعليمات وتسللت، عبر أصدقاء فاسدين، إلى كومبيوترات المديرية العامة للتموين، وأن ضابطاً كبيراً في الداخلية، يعمل في المركز الوطني للمعلومات، أبلغني بالأمس ان نردينتنا ليست من بين نردينات بغداد·
أمسكني الهولندي من معصمي وسألني:
- هل تؤمن أن نردين غير موجودة؟·
كان منهكا، ويتوقع ان يسوء الحظ:
- إنها موجودة، وسأعثرُ عليها، وسترى كيف أن التوليب سيتفتح بين يديها·
أعطتْنا سوزان قدراً مشجعاً من الاسترخاء· نظفتِ الجدران، والسقوف، وأزالتْ طبقات الغبار السود عن المراوح وديكورات الاضاءة، ومنحت الأرضية بريقاً مريحاً، واختارتْ لوحة لجواد سليم من بين تسع لوحاتٍ مسروقة من المتحف، احتفظُ بها في مخزن صغير، وعلقتها في غرفة الهولندي الذي سألني إن كانت اللوحة مزيفة مثل تمثال محسن السعدون، فأكدت له أنها أصلية، وأطلعته على المجموعة كلها، وأخبرته انه عُرض عليّ مبلغ نصف مليون دولار، ولكنني لم ابعها·
حوّلت سوزان الشرفة إلى مكان لائق، وعملت لنا مجموعة شهية من المقبلات، وأوصتنا ان نشرب الويسكي دون إضافة الصودا كي نعالج السعال الذي هدنا، ثم ذهبت إلى غرفة التوليب· كان الهولندي يشعر بالحزن، أما أنا فكنت أتخيل لحظة ان يغادرنا بانكسار، وهو يحمل زهرات التوليب معه·
بحتُ له بسرّ سوزان، بعد أن شربتُ كثيراً، وقلت للهولندي عنها إن جسدها حين ينطلقُ يفرز سخونة طافحة بالمتعة، وكأنها منبع مياه كبريتية حارة، وإنه إذا ما رغب في أن يكون معها في السرير، فسيشعر أنه يضاجع حورية من البحر الميت، دسمة المعادن والفوائد، وأن عليه أن يتمهل كي يستمتع بمعجزة تصاعد البخار من عضوه·
في نهار اليوم الثامن وصلتني إشارة حية من لارا تفيد بوجود امرأة في الأربعين تحمل اسم الأب نفسه، وهي ابنة مستثمر عراقي، ومتزوجة من إماراتي، وان عليّ أن أكون أنيقا، وواقفاً في الساعة السابعة مساء عند تمثال كهرمانة، ومعي هديةٌ غالية لطفل في الثامنة·
كانت حفلة عيد ميلاد مقامة في بيت فخم لا يبعدُ كثيرا عن ملعب الشعب· قدمتني لارا على أنني خطيبها· انتظرتُ ساعة ونصف قبل أن أرى نردين، وأخذتُ نصف ساعة أخرى حتى تمكنت من فتح حديث معها مستعينا بالمعلومات التي زودتني بها لارا· كانت نردين سيدة بيضاء مدورة الوجه، وطويلة القامة في امتلاء· وجدت انفها أجمل ما فيها، وحين رأيتها تضحك لم اعثر على أي شبه بينها وبين القطة· سألتها عن ابيها ومشاريعه الجديدة، وقلت لها إنني التقيت به في البحرين، قبل عامين، وكان وقتها متحمساً لمشاريع يقيمها في العراق، فقالت إنها لا تعتقد أن الأمر ممكن الآن بسبب الظروف الأمنية، وإن الأموال العراقية في الخارج ضخمة، ومن الصعب استعادتها نظراً لنموها المتزايد·
لم أتمكن من وضع البلوزة التي بلا أكمام، ولونها بين الأسود والحكلي في حوارنا، ولكنني نظرتُ في عمق عينيها وقلت لها:
- لي صديقٌ كان مغتربا في هولندا، مدة عشرين سنة، وعاد إلى بغداد يحمل ثلاث زهرات توليب ابيض·
Page 5
ردت على الفور مع ابتسامة باردة:
- الزهور الطبيعية غالية جداً هنا· صديقك ذكي، وهذا مشروع حلو·
شربنا عدة فناجين من القهوة في مقهى الزيتون، وأنا أترقب أن يحكي الهولندي عن نردين، إلاّ أنه أمسكني من معصمي من اجل ان نقوم لنرجع إلى الشقة·
سألني ونحن نعبر الشارع:
- هل تنتظر أن تحصل على مبلغ أعلى من النصف مليون دولار؟·
قلت له ونحن نقفُ على الجزرة الوسطية بانتظار أن يمر الرتل العسكري الأمريكي:
- سأعيدُ اللوحات إلى المتحف بعد أن أتمتعَ بها قليلا··اعتقد أن نردين حين تعرف أنني فعلت هذا ستحترمني، وستفرح كثيرا·
شد على معصمي، وقال بصوت قوي:
- نعم ستفرح نردين·
كانت سيارة الجيب واقفة بباب العمارة· ترجل حارس اسمر، ونقر باصبعه على ساعة يده تذكيرا بأن الوقت قد حان لاسترداد الهولندي· تجاهلناه، وصعدنا إلى الشقة· رأينا كل الأركان مرتبة، وتفوح من الفضاءات رائحة جورية منعشة· وجدنا باب غرفة التوليب مفتوحا· تقدمنا إلى الداخل· هزنا منظر العشرات من أزهار التوليب موزعة على أنحاء الغرفة، وقد تجمع الكثير منها على حافة النافذة، حيث كانت سوزان ببلوزها النمري وبنطلون الفيزون راكعة، والضوء يسقط عليها من قطعة السماء الظاهرة من مربعات قضبان النافذة· اقتربنا بحذر، ونحن نتباعد حتى صار الهولندي على يمين سوزان، وأنا على يسارها· ركعنا بجوارها، ورحنا ننظر إلى ذلك البياض النائم بوداعة·
قالت سوزان:
- انها بصحة جيدة، ويعجبها بردنا·
سألها الهولندي بصوت ناعم عن هذه المعجزة، فقالت:
- اشتريتها بألف دولار·· جلبوها لي من اسطنبول·
وضعت يدي على كتفها، فالتفتتْ نحوي قائلة وهي تبذل مجهودا كي تباعد شفتيها اللزجتين:
- ستفرح نردين، وتشعر بالحب حين تتفتح أزهار التوليب بين يديها·
ردد الهولندي بصوت مخنوق:
- نعم ستفرح نردين·· ستفرح·
Page 6
بيجامة حمراء بدانتيلا بيضاء
حين هبط لوح زجاج نافذة سيارة الفورد، المضاد للرصاص، كاشفاً عن وجه الاب فيديريكو لومباردي الشاحب، تيقن أسّو بنوني أن التواضع الفاتيكاني الرحيم سيمده بعزيمة التمسك بيقين القلب، وأنهم مهما بالغوا في تأجيج إيمانه، فإنّ المعجزات يجب أن تقع في بغداد، وأن بيجامة ليلي الحمراء المشغولة بدانتيلا بيضاء عند الصدر يحقّ لها أن تنافس رداء الحبر الاعظم يوحنا بولس الثاني، مادامت القداسة، بكل الاحوال، ليست حكرا على البابوات·
كانت سيارة مبعوث الكرسي الرسولي قد وصلت إلى مقر بطريركية بابل الكلدانية في الساعة التاسعة صباحا برفقة عشرين جنديا أمريكيا تظهر عليهم الرغبة في الاعتراف· بقي أسّو مغروسا في عمق الكراج بجمود أيقوني، وهو لا يعرف إنْ كان عليه إظهار بهجة الترحيب، أم خجل الفعل الشنيع إلى أن قاده مترجم بزي عسكريّ إلى نافذة الفورد السوداء· لم تأذن السفارة الأمريكية بإجراء مراسيم استقبال خارجية، وآثرت أن يقتصر الحوار على طرفي الخلاف، مع السماح للقساوسة النظر من الشبابيك· قدّر الاب لومباردي انه لا يجوز النزول بسمعة كنيسة مار بطرس إلى إحراج التباحث بشأن حقوق القوى الخارقة مع رجل أحمق لا يستطيع أن يموت، يدعى أسّو بنوني، لكنه تغلب على آلام معدته، وقال باستعجال، إن البابا بنديكت السادس عشر يخصه بالبركة، وإنه يسعده أن يلتقيه في ستاتو ديلا تشيات ديل فاتيكانو بشهر حزيران·
احتاج أسّو إلى أن ينجو سبع مرات من موت مؤكد كي ينتبه إلى أعجوبة أن تنفجر السيارات المفخخة، والعبوات الناسفة بالقرب منه ويستثنى وحده من الهلاك· بقي مدة شهر ينتظر، بكآبة مفرطة، أن يصحح ملاك الموت ساعته، إلاّ أن صديق طفولته المعذبة القس زكّو حبش اخبره أن الملائكة دقيقون في مسألة الوقت ولا يمزحون أبدا، ونصحه ألاّ يكبّر الموضوع إلى حين التأكد من أن الخلل ليس في الـ T.N.T· وإذا ما اعتقد بخرافة أن الأمر تنبيه لإثمٍ يجبُ غسله، فان ذلك لا يعني ألاّ يخرج من الانفجارات ولو بجرحٍ بسيط على سبيل الذكرى·
لم تكن المعجزة تظهر بسرعة لأن أسّو سرعان ما يُحمل برفقة الجثث المهروسة إلى أقرب مستشفى، وهو في غيبوبة النار والدمار، وشبيه بقطعة لحم مدخّن· بلا حس ولا نفس، ومصبوغا بخثرة الدم، وتفوح منه رائحة الـ C.4 و ما ان تلقى عليه بطانية الموتى حتى تمسّه الرجفة لينهض بعدها بصيحة الحياة، وهو بكامل جسده، ودون كدمات تذكر، فتتعالى في ردهة الطوارئ أصوات التكبيرات، والصلاة على محمد وآل محمد·
صدّق به القس زكّو حبش قبل أن يصدّق أسّو نفسه· تبعه عن بعد لأيام، وشاهد بعينيه احتشاد الانفجارات في طريقه، ورافق موته وعودته إلى الحياة· حبس نفسه مدة ثلاثة أيام في غرفة عارية حتى تورّمت مفاصله من كثرة الصلاة· وعلى الموبايل بكى القس إلى أن جفّت روحه ثم سأل أسّو:
- ماذا فعل قلبك حتى تنزل عليك شفقة السماء؟·
رد أسّو وهو يتوقف لملاقاة قدر أن تنفجر به عبوة ناسفة كانت ستستهدف دورية شرطة بعد أربعين ثانية:
- ربما لأن لا أحد يحبني·
تأثر صاحب الأرجوان الروماني الكاردينال عمانوئيل دلي أخيرا بتوسلات القس زكّو وأمر أن يعرض أسّو بنوني على مجلس الملافنة بتوصية ألا يستهان بمعجزات البسطاء لأن محنة الرب زادت عن حدها· استمع المجلس، مدة ستة أيام، إلى ذكريات، وأحلام، وأعمال خير قام بها أسّو قبل أن يصل عمره إلى الأربعين· واعترف، مرغما، بكل اشتهاءاته البصرية الآثمة، مركّزا على النمو التاريخي لشهواته التي لم يتوقع المجلس أن تكون بالمستوى الطبيعي لهفوات حبيس الصومعة· كان على الملافنة أن يواجهوا خيار التصديق بوجود رجل أعزب بلا خطيئة، أو إلقاء أسّو إلى محرقة للتأكد من انه لا يموت، لكن الأب لويس قاشا أنقذ الموقف بأن طلب تفتيش جسد أسّو وتفريغ جيوبه بحثا عن علامات اوخارستية· وشاءت الراحة أن تظهر على وجوه الملافنة حين عثر في محفظة نقود أسّو على صورة بحجم الطابع للبطريرك الكاردينال مار اغناطيوس جبرائيل الأول تبوني التقطت له في كنيسة الفاتيكان في يوم 19 من كانون الثاني عام 1935 بعد مرور دقائق على قيام قداسة البابا بيوس الحادي عشر بوضع القبعة الكاردينالية الحمراء على رأسه· فرح الجميع بنتيجة أن تكون بركة القديس تبوني هي سبب الخلاص من الموت، لكن أسّو، وهو يجمع محتويات محفظته، اكتشف قطعة صغيرة منسيّة من بيجامة ليلي الحمراء كان قد قصها قبل سنة كي يشتري ما يماثل قماشها يعمله كيس وسادة حتى يكثّر أحلام الحب·
Page 7
كان القس زكّو يرى أسّو كائنا يعيش دنيويته بالنيابة عنه· لم يتخيل يوما لنفسه أكثر مما يبدو عليه صديقه، لذلك كانت معجزة عدم القدرة على الموت هي من أهون ما على القس زكّو أن يصدقه، فأسّو، منذ أن ولد، كان يبرهن، بعصمة ملائكية، انه ينمو باتجاه أن يكون معقوفا عن العالم· عاشا نصف عمريهما جارين في قرية بالسهل الشرقي من مدينة الموصل، وحين هاجر أسّو إلى بغداد لكي يدير أربعة مطاعم للشاورمة ورثها عن أبيه تيقّن زكّو، الذي صار قسا وقتها، أنه لن يعاني أبدا من حسرة القلب· كان أسّو حينها يتصرف كقانون صارم وبأرجوانية إمبراطورية· يبدو رثّاً أكثر منه محسناً، وشديد التقيد بالذل حتى انه من كثرة عقابه لنفسه كان الجميع يظنونه خادما في مقر بطريركية بابل الكلدانية، بينما هو بتطوعه الاخلاقي يواسي الفقراء وينشط بهجة الإيمان· وحين كان أسّو يعود من الشوارع مذهولا بنجاته من الانفجار، يعزّيه القس زكّو ببشارة أن تعرف ليلي يوما قيمة هذا الحب، ويكرر له:
- اصمد في الألم، فالعالم بحاجة إلى معجزة قلبك·
انطوى أسّو بنوني على نفسه مداريا انكساره، وهو يقع يومياً لدقائق مغشيا عليه في انفجار عارض ليقوم بعدها بحياته دون إصابة تذكر· وصل الذلّ به إلى أن توقظه مياه الإطفاء بينما قلبه يضخ الحزن لأنه يثير حنق الشرطة، ويوتّر أعصاب الدفاع المدني· وحده القس زكّو الذي تفهم خيبة أن تكون المعجزة مهينة وفاضحة، ورجاه ألاّ يبالي مادام الأمر يتعلق بذكرى حب جميلة لها قوى عجيبة·
رفض مجلس الملافنة طلبات تصحيح نتائج التحقيق ومنح بيجامة ليلي رتبة خارقة، الأمر الذي اضطر القس زكّو إلى تسجيل فيديو مدته ساعة كاملة لتفاصيل النجاة من الموت· أفزعته الحقيقة، وجعلته يشك بنفسه من شدة القسوة التي طبقها على صديق طفولته بغل متقيح، وبتعطش أصيل للتعذيب، ولكنه أثبت بمرئية قاطعة أن أسّو غير قابل للاشتعال، والتكهرب، والغرق، ولا تقدر السكاكين، والمسامير، والمشارط، والشظايا على جرحه، أو إحداث أي ثقب فيه مادام يحمل في جيبه قطعة من بيجامة ليلي·
قال له القس زكّو وهو مخذول العقل أمام أول معجزة تصادف ورعه:
- لقد أعفاك الرب يا أسّو·· لم تعد مشمولا بامتحانات الخير والشر·
ونصحه أن ينسى إثم انه كذب على مجلس الملافنة حين لم يخبرهم بقصته مع ليلي· وعاد ليقول له بكل إكبار، وهو ينهي استراحة أخذها بعد الساعة التي قضاها في انتهاك إنسانيته:
- أنت الآن خلاصنا الجديد·
لم يكف مكتب الطقوس الدينية عن توجيه الانتقادات إلى بطريركية بابل لفتورها تجاه الخوارق، وكان الكاردينال عمانوئيل دلي يعيد في كل مرة إرسال نسخة من طرد التحقيقات إلى الفاتيكان على أمل أن تتفهم روما مأزق أن تكون رحمة الرب أوسع من تعاسة الشعب·
قبل وصول الأب فيديريكو لومباردي إلى بغداد بشهرين قال مدير مكتب الطقوس الدينية في الفاتيكان القس ماركو فريسينا لمجلة توتس توس إن موقع رداء البابا على الانترنت تعرض إلى الركود، وإن أكثر من مئة ألف شخص سحبوا طلباتهم بشأن الحصول على قطع من رداء أبيض يعود إلى البابا الراحل يوحنا بولس الثاني يعتقد أنها ربما تساعد على شفاء المرضى، وأن طلبات الإلغاء مستمرة في الوصول إلى البريد الإلكتروني دون توقف، والسبب قيام شخص عراقي يدعى أسّو بنوني بطرح ألف قطعة من بيجامة حمراء عبر الانترنت تعود لامرأة تدعى ليلي، وأن ثمانين شخصا من الذين تسلموا قطعاً من البيجامة بحجم 4 ملم مربع للواحدة أكدوا في شهادات مدعومة بالادلة قدمت إلى مكتب الطقوس أنهم نجوا من الموت في انفجارات وقعت في جميع محافظات العراق، وأن كنيسة روما بصدد التحقق من هذا، وأنها تدعو المؤمنين في العالم إلى التريث ومساندة البابا الراحل في محنة معجزته·
كانت تلك هي فكرة القس زكّو الذي فضّل أن يعطي المزيد من البراهين لمجلس الملافنة كي يضطروا إلى تحديث قناعاتهم والكفّ عن احتقار العصر الحديث· كان أسّو يلمّ أجنحة حزنه مثل نسر أسير· يعصره الذهول من تعاسة مصيره، وكلّما حدّثه القس زكّو عن موت الناس الذين لا يملكون حبّا كحبّه يشيح بوجهه المبلل نحو جهة هامدة· وحين كان يعود ناجياً بروحه ينهمك القس زكّو بنزع الخوف عنه ودفعه إلى الحمام قائلا:
- من الإثم ان تعود أنت فقط إلى بيتك·
وفي يوم كثير الانفجارات جرّه القس زكّو إلى شاشة التلفزيون ممسكا أسّو من رقبته، وقال بانفعال:
- أترى الدماء؟·اجعل ليلي سيدة نجاة الناس· هذا عزاء مفيد للقلب·
كانا يتفرجان على مسلسل تركي مدبلج حين نهض أسّو وغاب لدقائق ليعود بعدها حاملا بيجامة ليلي على صليب من أنابيب· كانت غير مكوية وبدانتيلا بيضاء عند الصدر· ركع القس زكّو وتمتم بصلاة من أجل راحة الذين ماتوا قبل الحبّ إلاّ ان أسو الذي صار يتكلم بلسان الربانيين، ويقلّد استهانتهم بالدنيا قال له الجملة الأخيرة، وسكت بعدها إلى الأبد:
- معجزة ليلي إنني أحبها·
Page 8
طيّب القس زكّو خاطر أسّو:
- إن كتب عليك أن تتعذب بحب محرّم، فالأجدى لك أن تكون قدّيسا شرعيا·
استدعى تصميم الموقع على شبكة الانترنت الحصول على تطوع شباب آمنوا توّا بالمستقبل، وحين لبّى أسّو طلبات المصدقين بحبه ووزع مئة قطعة من بيجامة ليلي كان مجلس الملافنة قد اكتفى بعد مشاهدة الفيديو بالقول أن أسّو بنوني رجل مؤمن، وذلك قبل أسبوع من قرار الفاتيكان التبرّك برداء البابا الراحل·
لم يتقبل مجلس الملافنة فكرة استغلال وجود الاب فيديريكو لومباردي ببغداد لتمرير قرار الاعتراف بقداسة بيجامة ليلي· وقال الأب لويس قاشا لمجلة توتس توس انه لا يفكر بزج لجنة الخوارق الفاتيكانية بهذا المأزق العاطفي لان من الطبيعي ان يصنع الحب المعجزات، لكن ليس إلى القدر الذي يهدد مهابة البابا· واضاف موضحاً:
- إن كان علينا أن نصدّق أسّو ونؤمن بما جاءت به البيجامة، فالامر برمته عائد إلى روح الشرق الساحرة، فهنا كل شيء ممكن حتى وان تعارض مع قوانين الطبيعة·
صرامة الملافنة كانت مدعومة بالثقة، فما أن علمت بطريركية بابل الكلدانية بقدوم الاب فيديريكو لومباردي حتى استنفرت قواها، وبأقصى ما يمكن من سرعة في تفتيش دفاتر نفوس الكنيسة بحثا عن ليلي· وقامت لجنة مؤلفة من عشرين قسا بتمشيط قرى الموصل والتدقيق في سجلات الولادة، والعماد، والموت، والهجرة، وتم إخضاع النساء للقسم بالصليب بحثا عن دلائل حب تخص المدعو أسّو بنوني· وتلطيفا للخيبة تم شحن 615 بيجامة نسائية حمراء مشغولة بدانتيلا بيضاء عند الصدر إلى مقر البطريركية حيث بقيت تنفث روائح الإغواء مدة أسبوع في الكراج إلى أن تمّ حرقها من قبل نساء أخوية أحباب العذراء·
كان أسّو وقتها قد دخل في شهره الصامت الثاني، وزهد في البحث عن سبب عدم الموت في الشوارع· أطلق لحيته، ولفّ نفسه بقماش أبيض خشن، وصار لا يفارق مشغل قص البيجامة إلا لانفجارات طقسية يتعرض لها كل أحد شكراً وعرفاناً لليلي· يتطلع إلى السقف مانحا ذكرياته طوافا سهلا في مدار رأسه· لم يكن ذلك الصمت كامل العدم فيد أسّو، ومنذ زمن بعيد، كانت لا تفارق جهاز موبايل من النوع المراهق، فضلا عن همهمات معدومة الصوت كانت تخرج من بين شفتيه، ومن منخريه، وهي مناجاة طقسية يراها القس زكّو جلية التأثير حتى إنه كان يقاوم بشدة رغبة الركوع التي كانت تثقل ركبتيه وكأن عظامه من حديد بينما عاطفة لثم ثوب أسّو تجلد روحه· كان ذلك يجري بأوجاع عدة· لم تكن نظرات أسّو الدامعة أكثر من مرارة تبث الكآبة، بينما القس زكّو يكثر من ذكر اسم ليلي بوقار، ويزيد يوميا من ابتكارات التبجيل أملا في أن يتشجع أسّو على المضي عميقا في خرافته الوثنية· كانا يغرقان بالدموع، ويرتفع نحيبهما المتوجع كلما واجهت يقظة أسّو أثم أن يعمم معجزة ليلي· كان ينهار على طاولة القص المغلّفة بقماش صوفي تركوازي اللون، ويستوي في نحيبه بسمك مميت كمن قفز إلى مسبح بلا ماء· لم يكن لأحد أن ينجده، لذلك كان القس زكّو ينهار معه، وتتجلى له خيبات وجدانية لا يمكن تصديق قدرتها على مقاومة المسح· كانت تلك اللحظات أهم استغلال يمكن ارتكابه بحق الصداقة، فقد كان القس زكّو يؤجّج الأوجاع ببكاء مشاكس مستذكرا كل نكبات القديسين، والذود المستميت عن الحق والنور، ويتوسل بأسّو أن يمنحه اليقين بوجود الأمل:
- قل كلمتك· اطلق تعاليم حبك· هذبنا باحساسك· قل كيف نقدر ألا نموت حقا·
لكن أسّو كان قد وصل إلى قدرة ألاّ يكون مكترثا· كان بين وقت وآخر يخرج بمسوحه العاطفية كي يحقق نجاة طقسية من الموت انفجارا· لقد صار وجوده بين الضحايا بشارة خلاص، فلم يعد هو الوحيد الذي يقوم من الموت، وليس له وحده تطلق التكبيرات في ردهات الطوارىء بالمستشفيات· انه يرى الان الشعب كله ينهض من الموت ببركة ليلي·
أرسل القس زكّو نسخة من فيديو التعذيب إلى السفير البابوي في العراق والأردن الأب جورجيو لينكوا مع رسالة قال له فيها ان إنكار الحب ليس في مصلحة القداسة البابوية، وطالبه بان يقول شيئا يخفف الحرج عن مجلس الملافنة، لأن عدم الاعتراف ببيجامة ليلي معناه الترفع وازدراء مشاعر شعب وثق برحمة الرب· وقال في تصريح خص به مجلة توتس توس أن على المؤمنين في كنيسة مار بطرس أن يتذكروا مريم المجدلية وكيف أن المسيح خصّها بالظهور· وقال أيضا انه يصلي من اجل ان ينال رداء البابا الراحل المكانة المباركة التي يستحق لكن ليس على حساب رجل يحمل أعظم قلب في العالم·وتساءل:
- إذا كانت بيجامتها تفعل كل هذا وتنقذنا من الموت، فماذا يمكن أن تفعله بلوزتها، أو أقلام كحلها، وحمرة شفاهها؟ وأي معجزات كونية يمكن أن تقوم بها بخّة واحدة من عطرها؟!
بعدها بثلاثة أيام شارك السفير البابوي في العراق والأردن الأب جورجيو لينكوا في مؤتمر بعينكاوة في أربيل عن الأدب السرياني، وصرّح لمجلة توتس توس أن العراقيين يبالغون في الحب والموت، وانه شخصيا يتفهم انفعالات الورع لدى القس زكّو، لكن الأمر في النهاية ليس منافسة بين رداء البابا وبيجامة السيدة ليلي، لأن المعجزات لا تقع بإرادة بشرية، وإذا ما آمن العراقيون بأن بيجامة ليلي تنقذهم من الموت فهناك في أوربا من يعتقد أن رداء البابا يشفي من الأمراض المستعصية، وهذا الذي يجري في بغداد وروما هو بالتأكيد بسبب الحب·
وأضاف:
- أنا والأب فيديريكو لومباردي في العراق من أجل التحضير للقاء قداسة البابا بنديكت السادس عشر بالمؤمن أسّو بنوني في الفاتيكان، وأعتقد أن هذا واضح جدا، ولا يستحق كل هذه الممارسات العنيفة التي جاءت في فيلم تعذيبي قصير·
كانت بيجامة ليلي تقصر شيئا فشيئا من الأسفل وهي منشورة على الصليب الأنبوبي بجوار طاولة القص· لم يكن القس زكّو يملك تصورا عما سيكون عليه حال أسّو حين يفقد البيجامة كلها ويقص الذكرى الوحيدة التي يملكها من ليلي المقدسة، ويعطيها للناس·
Page 9
سأله:
- لن تبقى بلا موت·· أليس كذلك؟·
تطلع أسّو إلى السقف طويلا ثم أمسك بالمقص وغرسه عميقا في قلبه· انحنى بعدها ولثم طرف البيجامة وجلس بجوار القس زكّو الذي فهم أن أسّو بحاجة إلى فنجان قهوة·
كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا حين عادت سيارة الفورد السوداء إلى مقر بطريركية بابل الكلدانية· هبط لوح زجاج النافذة عن وجه الأب فيديريكو لومباردي الشاحب فقابله القس زكّو بابتسامة عريضة· تفرق الجنود الأمريكان مبتعدين عن السيارة، فهبت على الكراج نسائم منعشة:
قال المبعوث البابوي:
- بلّغ المؤمن أسّو تحياتي· سيصل جواز سفره إلى مقر البطريركية مساء اليوم·
حاول القس زكّو أن يظهر ارتخاء المهابة إلاّ ان صوته خرج خشنا:
- لكم الشكر بالنيابة عن المعذّب بالحب أسّو بنوني·
تردد الأب لومباردي قليلا ثم قال:
- لقد قرر قداسة البابا بنديكت السادس عشر منح المؤمن أسّو لقب مونسنيور، وأن ينعم عليه بدرجة الصليب والخاتم·
- هذه مكافأة عظيمة من قداسة الجالس على كرسي مار بطرس·
- إنها كذلك·
فصلهما الصمت، فقال القس زكّو:
- لقد أردت أن أواسي أسّو المعذّب بالحب، وافهمه أن معجزة كهذه تعني أن ليلي لم تتخل عنه·
- افهم موقفك· إنها إنسانية منك فلا تقلق·
تساءل القس:
- أتعاني شيئا أيها الأب؟·
تظاهر بانه لم يسمع السؤال، فكرر القس كلماته· ابتسم الأب لومباردي قائلا:
- لا تقل لي أن بيجامة ليلي تفيد في علاج آلام المعدة·
اظهر القس زكّو جدية واثقة وقال:
- هذا صحيح· هي مفيدة جدا·· يمكنك أن تجرب·
اخرج من محفظة نقوده قطعة مربعة من نايلون سميك في وسطها نسيج أحمر وقدمها للأب لومباردي قائلا:
- ضعها في جيبك·· ستشعر بالراحة فورا·
ارتبك المبعوث البابوي وهو يخفيها في ثنايا ثوبه، واخذ يكلمه عن ضرورة ان يثمن المؤمن اسّو رحمة قداسة البابا· أخذ نفسا عميقا واعتدل مركّزا على آلامه:
- يبدو انها اختفت ·· لم أعد أشعر بالوجع·
قال القس زكّو بفرح:
- إنه الحب·· إنه الحب·
عادت الدماء إلى وجه المبعوث البابوي وهو يلتفت إلى القس باهتمام قائلا:
- هل يمكن لي الحصول على قطعة إضافية من بيجامة ليلي·
واستدرك:
- قد تصادفنا في رحلة العودة مشكلات غير محسوبة، فانا لا اثق بحنكة الامريكان·
قال القس زكّو باسترخاء:
- بكل سرور·
- شكرا لك·
- تحياتي إلى قداسة البابا·
Page 10
بياتريس الوحيدة
أوشكت بياتريس أن تكمل يومها الاول الثقيل متعالية على حزن أن تكون زوجة رجل مهاجر، حين طرق أرشاك بابها، في العاشرة مساء، وتلعثم في الاصرار على جعل ابنتها ميري تتذوق قرصا من بيتزا ماركَريتا، مع تشكيلة مقبلات لشخصين· فعل ذلك ببرود جباة مديرية الماء، وانسحب دون أن يرد على دهشتها، أو أن يتمنى لها الخير في الصباح القادم·
قبل أن يهاجر زوجها إلى السويد، لم يكن أرشاك آرتين سوى جار أرمني هزيل في الخامسة والأربعين، فاقد الأهمية، وغير قادر على الفات العواطف· ويوم وصل زوجها إلى أستوكهولم، نال أرشاك مكانة أن يكون المسؤول الأول عن كافتريا استحدثت في الطابق السابع، من بناية الشيراتون في بغداد، حيث مكاتب وكالة أنباء يبدو على إسرافها الطموح· لم يطلب منه أحدٌ فعل ذلك، لكنه اندفع لتحقيق التماسك الارمني العميق دون أي اشتباه بإعجابه الغامض بها، فكان يأتيها بالخبز الحار صباحاً، ويرشدها إلى ما يمكن أن يكون اختياراً صائبا لوجبة الغداء·
تمنت بياتريس، بشفقة متأخرة، ألا يقع جارها الأعزب أرشاك آرتين، صريع اختلاقات مهلكة· لم يكن من المجدي العمل على ارجاعه إلى وضعه كنزيل مشارك بالسكن في عمارة قصر البنفسج، فقد قال لها وهو يحمل بيديه سلال الطماطم، والبصل، والبطاطا:
- سيدة بياتريس·· لم يبق في بغداد من الأرمن سوى انا وانت وابنتك ميري· علينا ان نأكل جيدا كي لا ننقرض·
كانت واثقة من أنه يكذب الا أن كلماته أرعبتها وجعلتها تتغلب على حرج أن تتلقى اطعمة، وخدمات بلا حسابات تضبطها بنفسها· كانت تبقيه عند الباب، وهو مزين باغلفة ورقية حمر لخدمة الأكلات السريعة إلى أن تسيح رائحة المايونيز والكجب لتدخل قبله إلى الشقة، بينما وعيه لا يلتقط حيرة بياتريس مما يحدث· لم يردعه الصليب الذي يتأرجح على سفحي ثدييها وهي تعتذر - بعدها بيومين - عن قبول عشائه· كانت قد عانت رعب أنها امرأة وحيدة، وأن سكان العمارة قد لا يعرفون أن بغداد بعد مذبحة كنيسة النجاة لم يبق فيها سوى ثلاثة من الارمن· استمر في وقوفه الإنساني كرجل يؤدي واجباً مصيرياً، وقال بلا أدنى استعداد للهزيمة:
- معي موساكا يونانية، وسيزر سلاد دايت·
حين اقتنعت بياتريس، تماما، بأنه رجلٌ يريد أن يبقى أدنى من توقعاتها، كان أرشاك قد قضى على كل ما يزعجها· أفنى صباحات أسبوع حار في إبادة صراصير مطبخها، وجعل دخان القلي يغير مساره، ولا يتسلل إلى صالة الاستقبال، وأعاد إليها تفاؤلها بإمكانية جعل كل شيء في طاعة أصابعها· أدهشها كثيرا في انتقاءاته الطازجة، وحكمة مشترياته، وتفصيلاته الدقيقة بشأن الانفاق الانسب للنقود· تمكّن من أن يكون مثلها تماما في سلوكه مع معلمات ميري مواصلا إدهاشها بمبادراته التي تنظف قلبها من الهموم· كان لا يحكي عن شيء فعله، ولا يعلمها بما سيهبها إياه غدا· تجده في اليوم التالي قد حقق ما فكرت به في المساء· سريع مثل أحداث القدر، وخفيف مثل الملائكة· وجهه الطافح بصفرة عليلة لا تفارقه تعابير النادل الملتزم ببذخ الرقي، وكانت تستدرجه بشأن جذور هجرة عائلته لتطمئن إلى أن ما يفعله معها يعود إلى القلب الارمني الكبير الواحد، ولكنه يشتتها، وهو يرد دون أن ينظر في عينيها انه قدم من مطعم سيربريانيز الواقع في الشارع الخامس في مانهاتن غرب برودواي·
ضبط ارشاك حسابات مصروفها البيتي الا إنها بقيت متوترة امام عدم استطاعتها منحه اي شيء· اظهر لها حرصه على ان يعيد إليها نقودا غير مرممة باللواصق، وكان يسجل لها كل صغيرة وكبيرة في دفتر ملاحظات، ويستخرج مقارنات الاسعار نهائية كل اسبوع، وتراه يفحص حبات البامياء، والفاصولياء، ويجري اختبارات على الباذنجان، ويعطيها تقديرات مضبوطة بشأن ظروف التخزين وتوقيتاته·
لم يكن يتصرف بعينيه كما يفعل الرجال، وماعدا اصطدامات عفوية عابرة فان ارشاك لم تكن لديه اشعاعات مؤثرة، ولم يظهر عليه اي تبدل· كل ما في الامر أنه يزداد اصراراً، وهي تتفاعل في الخضوع بشأن الطعام، وبعض التعليقات غير المهمة· كان دائماً ما يواجهها بانطباعات قديمة، فيذكرها بانها قليلة الاختلاط، ومتمسكة بصديقة تعيش في السليمانية، وأن هذا يضعف القلب الارمني، ويؤدي الى التهاب الحنجرة· ولكي يتمكن من النظر الى وجهها اطول مدة ممكنة، يقول لها إن عيب الارمن في عيونهم لأن بصرهم يضعف سريعا، لذلك هم يحبون فن الفوتوغراف·
مر شهر دون أن ينتابها الندم على شيء ما، كما أنه لم يغير عاداته، فقد كان يظهر ميلا إلى التوسل بغياب تام للجرأة، او الشجاعة، وكل ما كان يفعله لابد من إذنها اولا· كان عليها في البداية أن تكون كتومة، ولكن ارشاك كان يحتاط اكثر منها لمسألة الا يظهر امام باب شقتها في التوقيت الخطأ· ميري التي تبلغ التاسعة من العمر احبته سريعا، وكانت تنتظر لمسته الخاطفة لزر الجرس· يكون وقتها قد بدا متعباً، وشعره القنفذي قد مشطه الغبار، ولون وجهه ازداد صفرة· يقول لهما باعياء:
- معي كباب تركي بالباذنجان·