eKtab
EN ع
بيكاسو كافيه
Read free sample

بيكاسو كافيه

by سامية العطعوط

Page 1


ولسوفَ تُروى الأساطيرُ
عنّي
عن نارٍ بدّدتْني
عن نارٍ
أيقظتُها من رماد ..
سامية
رغبة
أريد أن ألملم نفسي
من شتات الوحدة..!!!
أين أنت؟
أين أنت
تنهشني ذئاب البراري
ويعوي في داخلي
ذئب جريح..
أمنية
أمنيتي...
أن أرى البحر هائماً على وجهه
في المرافيء
بحثاً عن وجهي
الأسطوري ..
ليل
لكنّ الليل
يصفعُ وجهي..
يصفع أبوابنا المغلقة
يمرُّ عبر الهواء
ولا يلقي التحية..
يهيم على وجهه
أحمقَ
في المساءات البعيدة
يعرّي قرص الشمس من وهجه
يلقي به في الأفق
كأيّ شيءٍ
لا طعم له،
لا لون لا رائحة..
يمرّ بيَ الليلُ أسود
كما كان
يتكئ على الجدران
يثني ياقة الحزن
يطفئ لفافة الشوق
ينفضُ يديه من أحلامنا العرجاء
ويمضي وحيداً...
مبتسماً
وحافياً..
سعيداً بهذا الكون المستسلم له
مرتاحاً لنبض الصمت في الشوارع ..
سامية
 

Page 2


(1)
مُدُنٌ
مقاهٍ
* بيكاسو كافيه
* في المقهى ذاته
* المقهى الصيّاد
* المقهى الخشبي
* كافكا في المدينة
* أفاعي بيكاسو كافيه
كان يجبُ أن أرضى من الشُهرة بالاسم ومن الزواج بالمتعة، ومن الموت بالأسود..
 

Page 3

كان يجب أن أطلقَ سهامي السّامة، في وجه من يفتح فاهُ لانتقادي.. ولكنني كنت جبانة، تختبئ تحت معطفٍ جلديٍ أسود اللون وفاخر.

دخلتُ البار على عجل، وقد ألمّ بي مغصٌ حادّ لم أعرف سببه. ربما سأجهض.

قال بيكاسو إنه سيرسمني عارية بالألوان، كي أظلّ ذكرى في عيون محبّيه، لكنني رفضتُ بشدّة واستخفافٍ، أن أصبح لوحة تُباع وتُشترى بالملايين التي لن تفيدني في شيء، وشتمتُه بل وصرختُ في وجهه. وهكذا كان، فلم يعتبرني أحدٌ من النقاد من إحدى نسائه، وظللتُ مجهولةً أعيش في الظلّ، بينما تألقتِ الأخريات.

قررتُ أن ألقّنه درساً في الصعلكة، كي لا يقول عني أرستقراطية بدمٍ بارد. فتعرّيتُ في البار ورقصتُ فوق إحدى الموائد، وجمعت من حولي المعجبين وحتى المعجبات، وحين بدأتْ آخرُ خيوط الليل تغادرنا، صحوت. واكتشفتُ أنني أستلقي إلى جواره في بيتٍ متداعٍ، بينما كان يجلس على مقعده يحاول أولى خربشاته في الرسم. في المقهى ذاته

كان الرجل الطويل يجلس في المقهى ذاته، على المائدة نفسها والمقعد نفسه، يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، حتى مللتُ من وجوده. وكلّما ذهبت إلى هناك، أجده قد سبَقني. كان يختار أفضل مائدة وكرسي ليجلس عليهما، في المكان الاستراتيجي، المواجه لشاشة التلفاز المعلقة على الجدار المقابل. كان يشاهد كل شيء، بدءاً بالمسلسلات التركية والأخبار ومباريات كرة القدم وليس انتهاء بالدوري الإسباني. كان يتابع كل حركة في المقهى، بينما كنتُ أجلس إلى المائدة الجانبية من خلفه، وأشعر بالاستياء من ظهره الذي يتضخم يوماً بعد يوم ويحجب عني الرؤية، أو هكذا هُيء إليّ..

Page 4

حاولتُ جهدي أمس أن أصل قبله وقبل موعدي مع حبيبتي بساعات، كي أحجز تلك المائدة اللعينة. ولا أدري ما الذي دفعني إلى ذلك، ربما هو شيطان أحمق..!

وصلتُ مبكراً، فجلستُ على كرسيه المفضل، وفي أعماقي تضجّ ضحكةٌ شيطانيةٌ لعينة. ودون إصرارٍ مني، وجدتُ جسدي ينتفخُ ورقبتي تطول حتى أصبحتُ كطاووسٍ لا معنى له. بدأتُ أعدّ الدقائق والساعات، أنتظر دخوله من الباب بلهفة، كي أرى تعابير وجهه، وأضحكُ ملء (فيهي). أخيراً، جاء الرجلُ الطويل في موعده المعتاد حسبما أعتقد. تقدّم خطوتين وما كاد، حتى فوجئتُ به يصطدم بالموائد هنا وهناك ويتلمّس طريقه بكفّيه معتذراً، ثم اتّجهَ مباشرةً إلى المقعد الذي أجلس عليه، ولولا أنْ صرختُ ونهضتُ سريعاً ومعتذراً، لجلسَ الرجلُ بكامل ثقله في حضني..!!!! المقهى الصيّاد

هذا المقهى صيّادٌ ماهر

للعشاق..

يصطادهم أزواجاً

فيدخلون إليه مثنى ورباعَ وثمان

وحين يخرجون

يعلو وجوهَهم خجلٌ واحمرار

شبقٌ لا ينطفئ..

مقهىً يصطادُ العشاقَ الأيتام

يقدّم لهم الحبَّ وأكوابَ الشوق المسروقة

فناجين القهوة بالبندق

أحاديثَ خجولة بالمجان.

Page 5

وفي كل يوم، أقفُ بكامل أبهتي وثراء جسدي على بابه. أستقبلهم زوجاً زوجاً. أروي لهم الحكايات الطازجة بطعم الفانيلا.. ألتقط لهم عشرات الصور التذكارية بالكاميرات الديجيتال والموبايلات الملونة. أمحو من قلوبهم، أيَّ عتاب بينهم.

لكنني اليوم، اليوم بالذات، قررتُ أن يكون يومي الأخير لي ولهم. خلعتُ مئزري الأبيض المتّسخ قليلاً، بعنفٍ، وألقيته على الأرض كيفما اتفق. أغلقتُ المقهى، كما تفعل الحكومات، بالشمع الأحمر، وخرجت من فوري إلى الشارعِ العريض بحثاً عن أي رجل.. عن رجلٍ ما.. عاشقٍ ما، كهلٍ ما، أجلس وإياه سوياً في مكانٍ بعيد لا تطاله الأيدي أو النظرات المتلصصة. أمدّ ساقيّ في مقهىً باذخٍ يمدُّ أرجلَه الكبيرة هناك، في بحرٍ جميل...! المقهى الخشبي

أحبُّ هذا المقهى الخشبيّ كثيراً. بجدرانه الخشبية، وسقفه المصنوع من عوارض خشبية.. وأرضه الخشبية الخشنة جداً، ولونها الذي بلون الشجر حين نسحب منه بلاستيداته الخضراء. صدقوني، حتى الهواء في المقهى خشبيّ اللون والرائحة، ويكاد يكون خشبيّ الملمس..!!

حين دخلتُ إليه أول مرةٍ، دُهشت من درجة إتقان الصنعة، من استدارة حوافّ الموائد والمقاعد والبار. كانت الانحناءات ملساء جداً ودقيقة، وقطع الأثاث تبدو فاتنة وهي مطعّمة بعروق الشجر الميّت.. جثثُ الأشجار هنا في كل مكان...!

شربتُ فيه قهوةً خشبية المذاق في كوب من خشب الصندل. ارتشفتُها على مهل، وأنا أدخن سجائري. وبعد فترة، لمحتُ أحدهم يهمّ بمغادرة المكان، وفجأة، صرخ بأنه لا يستطيع أن ينهض أو أن يقف على قدميه أو ساقيه. كان يتلوّى ألماً كلما حاول النهوض. جاءه النادل. سمعته يقول له، بأن يخلع أرجل المائدة التي يجلس عليها، وأن يستخدمها كعكازات .. !! جُن الرجل. ضرب رأسه بالمائدة غير مصدّق ما يسمع، لكنه استسلم في النهاية، خلع أرجلها وخرج وهو يشتم ويعوي..!

دُهشت من الموقف، ولم أعرف هل أضحك على الرجل أم أبكي إشفاقاً عليه. وحين طلبتُ الحساب، حرّكْتُ ساقيَّ خشيةَ أن تنتابني الحالة نفسها، لكني حمدتُ الله حين تحرّكتا بكل راحة. جاءني النادل بالفاتورة، فأنقَدْتُه بقشيشاً كبيراً، وأنا أبتسم. وعندما نهضتُ عن مقعدي، لم أستطعِ الحركة. تسمّرتْ قدماي في الأرض وشعرتُ بألمٍ كبيرٍ. لم يتحرك مني إلا جزئي العلوي. جُننت، بدأتُ أصرخ كالرجل الغريب الذي ضرب رأسه بالمائدة، وصرتُ أضرب الطاولة بيدي. جاءني النادل نفسه، بوجهٍ يخلو من التعبير. تناول أرجلَ مائدةٍ من زاوية ما في المقهى، وقال ببرود: تستطيع أن تستخدمها كعكازات لك..

Page 6

وذهبَ من دون أن يلتفت إلى دهشتي.. !

صفعتُ خدي .. لعلِّي أحلم، من المؤكد أنني أحلم، لكن الصفعة آلمتني كثيراً، فحملتُ الخشبتين/ العكازين وخرجتُ وأنا أتعوّذ وأبسمل وأحوقل، وأشتمُ الساعة التي دخلتُ فيها إلى هذا المقهى اللعين.. المقهى الخشبي المجنون..

في الخارج، كانت المدينة بأسرها تسير مسرعةً على عكاكيز خشبية، تطرق الأرض هنا وهناك، الناس يسيرون ويصرخون من شدة الألم. كان المنظر مدهشاً جداً، ولا أحد يحرّك ساكناً. وحين اقتربتُ من بيتي، سمعت هديراً صاخباً يتقدم نحوي.. التفتُّ، فرأيت النيران تشتعل في كل مكان، وألسنة اللهب تتقدم مسرعة على غفلة منا، غير عابئة بعكاكيزنا...!! كافكا في المدينة

هنا، في هذا المقهى بالذات، حيث الأثاثُ داكن اللون، ورطوبةُ الجوّ خانقة، لا تفيد معها مراوح معلقة في السقف أو في رأسي.. هنا، يدخلُ الكتّاب والشعراء تباعاً..

في هذا المقهى بالذات، يأتي الكتّاب في كل يوم، الكتّاب الأموات، الأموات الذين يعلّقون رؤوسهم على مشاجب ستراتهم، ويدخلون في صخبٍ لا معقول، الصخب الذي يفضح سكينة القهوة الناعمة ويؤرّق أكواب الشاي الحمقى، أكواب الشاي التي تتحطم داخل رأسي.. هذا المقهى الذي يأتيه الكتّاب الأموات ما كان يوماً هنا أو هناك.. ما كان في عمان أو بيروت أو دمشق أو القاهرة أو مرّاكش.. إنه المقهى الذي قصفتْه الطائراتُ وحطّمتهُ فوق رأسي قبل بضعة أعوام.. ومنذ ذلك الوقت وأنا أستقبل الكتّاب الأموات هنا، يجيئون إليّ، يجلسون تحتي يستفيئون بظلّي وأعضائي وأوراقي ولا يعرفون أنني كنتُ في يوم من الأيام واحداً منهم... أفاعي

Page 7

لم أُدهش عندما حدّثني صديقي ووصف المدينة قائلاً: بدأتِ الأفاعي تخرجُ من جحورها، والكلاب الضّالة تهمّ على البشر في شوارع المدينة، في أزقة القرى والمخيمات والبراري.

كنّا نجد لقيطةً في صفيحة قمامةٍ، كلّ يوم أو يومين. ندفنهم أحياء أو أمواتاً.

كانت المدينة غارقةً في الوحل، حتى صرخ أحدهم: ذاك كهفٌ نأوي إليه...!

التفَتْنا إليه جميعاً، كما لو كان الحلّ الأخير..

أحدُهُم، كان على عجلٍ،

وضعَ جمجمتَه بجانب بسطاره، تناول دفتر مواعيده المهترئ، وغادَرَنا مسرعاً.

وامرأةٌ، علّقَتْ وليدها على جذع شجرة، كي يُطعمه الطير، ورحلتْ.

كنّا على عجل، كي نغادر مسرعين..!

ومضَيْنا..!

Page 8

عمّان

* مواطن من الدرجة العاشرة

* قرية تنام بلا حكايات

* شريط نانسي عجرم (البطيخة)

* القيمة المضافة

* أحدب عمّان مواطن من الدرجة العاشرة

كانت فكرة المسابقة جديدة، (من يصل إلى القعر أولاً، أقصد إلى أسفل السلّم يَفُزْ)، على العكس من مسابقة برنامج (فكر واربح) الشهير للمرحوم رافع شاهين.

Page 9

وقفتُ أنا ومنافسي كلٌّ منا على سلّم، واحدُنا في مواجهة الآخر على مسافة لا تتجاوز المتر. كانت الإضاءة ساطعة، والاستديو مليئاً بالمتفرجين والمدعوين المتحمسين لافتتاح البرنامج وتسجيل أولى الحلقات، والمذيع (فهيم) يجلس على كرسيٍ مرتفع لامع ودوّار، خلف مائدة مستديرة صغيرة ولامعة، ترتفع عن الأرض مسافات. واحدُنا إلى يمينه والثاني إلى يساره. صخبتِ الموسيقى ثم بدأتْ تخفتُ شيئاً فشيئاً، كما بدأت الإنارة تخفت، حتى عمّ القاعة الهدوءُ وما من نَفَسٍ يُسمع عن قرب.

وجّه المذيع الشهير سؤاله الأول لي:

ـ هل أنتِ أنثى؟

ـ نعم.

ـ هل أنتَ ذكر؟

ـ نعم.

لنسأل الجمهور إذن، قال المذيع: من يحقّ له أن يهبط درجة على السلم؟

ـ الجمهور بصوت واحد: الأنثى.

Page 10

فنزلتُ درجة، وصفّق لي الجمهور، واحمرّ وجه منافسي خجَلاً من ذكورته وخسارته..!

المذيع (فهيم) مرة أخرى:

ـ كم عمركِ؟

ـ أربعون عاماً.

ـ وأنتَ كم عمرك؟

ـ أربعون.

صرخ فهيم متحمساً: ما هو قرار الجمهور، من ينزل درجة؟

صرخ الجمهور لي: إنزلي، ... إنزلي..

فهبطتُ درجة، وبقي منافسي في مكانه وقد اصفرّ وجهه.

سألنا فهيم: أين ولدتِ؟ في ....

وأين وُلدتَ؟ في...

صرخ فهيم بالجمهور: من ينزل الدرجة؟ من ينزل درجة؟ من؟ من؟؟