Page 1
مقدمة المحرر
يحتل كتاب "بين يهوه وأيوب" مكانة نادرة بين أعمال يونغ، فهو أكثر ما كتب يونغ عاطفية وجدلية في آنٍ معاً. ودونما ادعاءٍ بتصريحاتٍ علمية متزمتة، هو كتاب يتضمن التأملات الأكثر عمقاً، والناجمة عن شعورٍ مكثفٍ بالالتزام الداخلي. لقد كتب يونغ في واحدة من رسائله: "الحافز وراء كتابي هذا كان شعوراً ملحّاً ومتزايداً بالمسؤولية، وفي نهاية الأمر لم أتمكن من مقاومته"(1).
كان يونغ مدركاً تماماً للسمات الجدلية لأفكاره، وللعدائية التي ستوقظها حتماً، فقاوم كتابة المخطوط لأعوامٍ طويلة، إذ كان مدركاً لحجم العائق الذي قد يعنيه الكتاب للكثيرين، بمن فيهم من كان يحترم نظرياته غير التقليدية. لكن، عند كتابته لهذا المخطوط، شعر يونغ بأنه أداة لدى قوة تطغى عليه: "إن كانت الروح التي تقبض على الإنسان من عنقه موجودة حقاً، فهي الروح التي قبضت عليّ لكتابة هذا المخطوط"(2)
وفي الوقت ذاته، كان الكتاب عبارة عن جدل بالغ الذاتية والعاطفية بالنسبة ليونغ، إذ حاول من خلاله صياغة إجاباته عن أسئلة تتصل بالشر والغموض في الصورة الإلهية بوجهيها: المشرق والمظلم معاً، وهي مسائل شغلت تفكير يونغ طيلة حياته. بمعنىً ما، فإن هذا الكتاب هو محاولة لتجربة شخصية مكثّفة ينشد يونغ من خلالها التصالح مع هذا الإله المتناقض الذي سمح بأن يصبح خادمه المطيع أيوب مادة للرهان مع الشيطان، وسمح بالمعاناة غير المحكية لملايين البشر في زمان عاشه يونغ.
وفي رسالته إلى هـ. شار والمؤرخة بـ 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1951 كتب يونغ: "كان لزاماً عليّ تحرير ذاتي (...)، إذا أمكنني قول هذا، لأتمكن من إيجاد ذلك الانسجام في ذاتي والذي ينشده الله من خلال الإنسان. الأمر يشبه رؤيا سمعان، اللاهوتي، الذي بحث عن الله في كل مكان في العالم بلا جدوى، إلى أن أشرق الله مثل شمسٍ صغيرة داخل قلبه."
من هذا الجانب من المسؤولية العميقة، والبحث العاطفي عن الحقيقة، تتوجب مقاربة وفهم هذا الكتاب، فقراءته بهكذا وعي ستكشف عن قيمته الكاملة.
حزيران/يونيو 1972
غيرهارد أدلر
Page 2
تمهيد
نُشر كتاب بين أيوب ويهوه Antwort auf Hiob أول مرة في زيوريخ عام 1952، عندما كان يونغ في السابعة والسبعين. وأول ترجمة له نُشرت في لندن في عام 1954 لـ آر. إف. سي. هال R. F. C. Hull. وبعد انقضاء عامين، وفي الولايات المتحدة الأمريكية، قام نادي كتاب "باستورالسيكولوجي"Pastoral Psychology Book Club بإعادة نشر الكتاب. كتب يونغ في دورية نادي باستوراك سيكولوجي تعليقاً على الكتاب، ثم أضيف هذا التعليق كمقدمة عندما جُمعت أعمال يونغ الكاملة، وصدر الكتاب في الجزء الحادي عشر من أعمال يونغ الكاملة عام 1958(3). كما نشرت ميريديان بوكس Meridian Books في عام 1960 نسخة من الكتاب بغلاف ورقي.
يتقدم السيد هال بالشكر إلى الدكتور جايمس كيرش من لوس أنجلس لتزويده بترجمته الخاصة من كتاب بين أيوب ويهوه، ولتقديمه المساعدة من خلال النقد البنّاء أثناء نقاشاتهما الخاصة. لقد قرأ البروفيسور يونغ ترجمة هال للموافقة قبل النشر، و"كان بغاية اللطف لتوضيح بعض النقاط الجدلية بصبر غير محدود وحس دعابة جيد."
Page 3
مقدمة
وضعني الاقتراح القائل بأن أتحدث إليكم كيف ظهر كتاب (بين أيوب ويهوه) إلى النور أمام مهمة بالغة الصعوبة، إذ لا يمكن الحديث عن تاريخ هذا الكتاب ببضع كلمات، فمشكلته الأساسية شغلتني لسنواتٍ مديدة، وغذّت مصادر عديدة فيض الأفكار فيه. إلى أن جاء ذاك اليوم، وذلك بعد تأمّل طويل، حيث نضجت فيه الأفكار، وجاء وقت سكبها بكلماتٍ مكتوبة.
يمكن إيجاد السبب الأكثر مباشرة لكتابتي هذا المؤلَّف متضمناً في مشكلات معيّنة تناولها كتابي Aion، بخاصة تلك المتصلة بالمسيح كشخصية رمزية وبالعداوة المسيحية ـ والمسيحية المضادة، والمتمثلة بالرمزية الفلكية التقليدية للسمكتين.
وفيما يتعلق بالنقاش حول هاتين القضيتين وعقيدة خلاص البشرية، فقد انتقدتُ فكرة "غياب الخير" كوني لا أتفق مع نتائج البحث السيكولوجية. فالتجربة السيكولوجية تُظهر أن ما نطلق عليه اسم "الخير" هو مساوٍ تماماً لـ "الشر" أو"الإثم". وإن لم يكن "الشر" قائماً فلا بد أن يكون الموجود هو "الخير". وبشكل دوغمائي، فلا "الخير" أو "الشر" يأتيان من الإنسان، نظراً لوجود "الشرير" بزمن طويل قبل وجود الإنسان على أنه أحد "أبناء الله".
بدأت فكرة "غياب الخير" بلعب دورها في الكنيسة فقط بعد ماني(4) Mani، وقبل هذه البدعة كان البابا "كليمنت الأول" يلقّن في تعاليمه أن الله يحكم العالم بيمناه ويسراه، ويمناه هي المسيح بذاته، أما يسراه فهي الشيطان. من الجليّ أن فكرة كليمنت توحيدية بما أنها توحد ما بين الأضاد بإله واحد.
في حين أن المسيحية في المراحل اللاحقة أصبحت ثنائية، كونها قسمت النصف الأول من النقيضين، وجسدته بالشيطان الأبديٌ بحالته الملعونة. يشكّل السؤال الأساسي عن ماهيّة مصدر الشر لحظةَ الانفصال في النظرية المسيحية حول خلاص البشرية، وهي بذلك ذات أهمية كبرى. فإذا كانت المسيحية تدعي بأنها توحيدية، فسوف يصبح من غير الممكن تفادي افتراض أن كينونة النقيضين تجتمع في الله. لكن في هذه الحالة سوف تواجهنا مشكلات دينية أساسية مثل مشكلة أيوب. يهدف كتابي هذا للإشارة إلى التطور التاريخي منذ زمن أيوب على مر القرون وصولاً إلى الظواهر الرمزية الأكثر حداثة، مثل انتقال العذراء، إلخ..
علاوة على ذلك، فإن دراسة الفلسفة الطبيعية في القرون الوسطى، وهي الأكثر أهمية بالنسبة للسيكولوجي، قد جعلتني أحاول إيجاد إجابة على السؤال: "كيف كانت الصورة التي رأى بها أولئك الفلاسفة الإله؟" أو بمعنى آخر: "كيف يجب أن تُفهم الرموز التي أُلحقت بصورة الإله؟" كل هذا دلّ على توليفة الأضداد، وبالتالي أعاد قصة أيوب إلى ذهني: كان أيوب يتوقع من الإله أن يساعده ضد الإله. هذه هي الحقيقة الأكثر غرابة والتي تفترض مسبقاً فكرة مشابهة عن التناقض لدى الإله.
ومن جهة أخرى، استدعت أسئلة لا حصر لها، ولم تتأتَ فقط من مرضاي بل من العالم بأسره، قضية إعطاء إجابة أكثر اكتمالاً ووضوحاً مما قمت بطرحه في كتابي Aion. لقد ترددتُ لسنواتٍ عديدة في القيام بهذا، لأني كنتُ مدركاً تماماً للتبعات المحتملة، وعرفتُ حجم العاصفة التي سأثيرها هنا. لكن ضرورة وصعوبة المشكلة كانت قد قبضت علي، ولم أكن قادراً على التخلص منها. وهكذا فقد وجدتُ نفسي مضطراً للتعامل مع المشكلة بأسرها، مدفوعاً بمشاعر ذاتية. وقد اخترت هذه الصيغة عن عمد، إذ كنتُ راغباً بتجنب إعطاء الانطباع بأن فكرتي هنا هي الإعلان عن "حقيقة أبدية". لا يدّعي هذا الكتاب أنه أي شيء آخر سوى صوت أو سؤال من فرد يأمل أو يتوقع أن يجد الاهتمام من العامة.
Page 4
القراء المحترمين
تطلّب مني هذا الكتاب، بمحتواه غير المعتاد، التمهيد له بمقدمة قصيرة، أدعوك قارئي العزيز لعدم إهمالها، لأنني سأتناول فيما يلي أموراً عظيمة الشأن، ذات صلة مباشرة بالمعتقد الديني. وبمعزل عن ماهيّة الشخص الذي يتناول مسائل الدين، فلا مفرّ أمامه من المخاطرة بمهاجمته من قبل فريقين يتصارعان بشدة حول هذه الموضوعات.
يعود هذا الصراع إلى الافتراض الغريب بأن الأشياء لا تصبح حقيقية إلاّ عندما تطرح ذواتها على أنها حقيقة فيزيائية. وهكذا فإن بعض الأشخاص مقتنعين بحقيقة فيزيائية تقول بأن المسيح هو ابن السيدة العذراء، بينما ينكر آخرون هذه الاستحالة الفيزيائية للولادة من عذراء. من الجلي أن ليس هناك حل منطقي لهذا الخلاف، ومن الخير عدم الخوض في جدالات بيزنطية كهذه.
كلا الفريقين على صواب، وكلاهما على خطأ، ومع ذلك فبإمكانهما الوصول بكل سهولة إلى اتفاق، لو أنهما يطرحان كلمة "فيزيائي" جانباً، فالمعيار "الفيزيائي" ليس هو المعيار الوحيد للحقيقة، فهنالك أيضاً من الحقائق الفيزيائية ما لا يمكن تفسيره أو إثباته أو نقضه فيزيائياً. فمثلاً، لو ساد اعتقاد بأن نهر الراين يجري بشكل معاكس من مصبّه إلى منبعه، لكان أصبح هذا الاعتقاد حقيقة بحد ذاته، وإن كان لا يُصدَّق بمعناه الفيزيائي. إن اعتقادات كهذه هي حقائق أو وقائع لا يمكن نقضها، ولا تحتاج إلى برهان.
الإبانات الدينية هي أيضاً من هذا النمط، فهي تشير دون استثناء إلى أشياء لا يمكن التأسيس لها كحقائق فيزيائية. ولو لم تقدر على فعل ذلك، لصارت ضمن نطاق العلوم الطبيعية. وإن نحن حاولنا ردها إلى أصول فيزيائية، فسوف تفقد معناها بالمطلق، وسيرفضها العلم كونها غير مثبتة بالتجربة. وستكون مجرد معجزات، معرّضة بصورة كبيرة للتشكيك بها، فضلاً عن عجزها عن إثبات حقيقة الروح أو المعنى الذي تنطوي عليه، فالمعنى هو أمر تكشّف بذاته، وتمت تجربته بما فيه من خصائص.
إن روح المسيح ومعناه ماثلان أمامنا، حتى دون عون المعجزات. فالمعجزات تروق فقط لفهم أولئك الذين ليس بإمكانهم القبض على المعنى، فهي مجرد بدائل لعدم فهم حقيقة الروح. وهذا لا ينفي القول بأن الحضور الحي للروح لا يترافق أحياناً مع وقائع فيزيائية مذهلة. أرغب فقط بالتوكيد على أنه لا يمكن استبدال هذه الوقائع، كما لا يمكن لها أن تمدنا بفهم لماهية المعنى، وهي الأمر الأساسي الوحيد.
يبرهن التعارض بين الإبانات الدينية والظواهر الفيزيائية المرئية، على أن الروح، وخلافاً للمفهوم الفيزيائي، هي عنصر مستقل بذاته، وعلى أن التجربة السيكولوجية مستقلة إلى حد ما عن البيانات الفيزيائية. فالنفس عامل مستقل بحد ذاته، والإبانات الدينية اعترافات سيكولوجية، وهي كملجأ أخير، مبنية على اللاوعي، أي على الماورائيات والمنهجيات. هذه المنهجيات لا يطالها الإدراك، لكنها توضّح وجودها من خلال الاعترافات بالنفس. وتتم فلترة الإبانات الناتجة من خلال وسيط هو الوعي الإنساني، وهذا ما يعني أنها تُعطى أشكالاً مرئية، والتي تكون بدورها عرضة إلى تأثيرات متنوعة من الداخل ومن الخارج. وهذا ما يفسّر تحوّلنا إلى عالم من صور تشير إلى شيء ما مقدس، حالما نتحدث عن المحتوى الديني. ونحن لا نعلم مدى وضوح أو غموض تلك الصور والاستعارات والمفهومات قياساً إلى موضوعها الماورائي. فمثلاً، إذا لفظنا كلمة "الله" فإننا نعبر عن صورة أو فكرة لفظية تعرّضت إلى الكثير من التغييرات عبر الأزمان. ومع ذلك فنحن غير قادرين على القول، وبدرجة ما من اليقين ـ ما لم يكن ذلك إيماناً ـ إن كانت هذه التغييرات قد أثرت على الصور والمفهومات فقط، أم أنها أصابت "القدسي" أيضاً. ومع ذلك بإمكاننا تصور الله على أنه طاقة أبدية حيوية متدفقة، يتغير شكلها إلى ما لانهاية، بذات السهولة التي تمكّننا من تصوّره جوهراً أبدياً ساكناً لا يتغير. إننا واثقون بأمر واحد فحسب: هو، أن عقلنا قادر على التلاعب بالصور والأفكار التي تعتمد على المخيلة البشرية وأحوالها المؤقتة والموضعية، والتي تغيرت، بناء على ذلك، مرات لا نهائية على مدى تاريخها الطويل.
وما من شك في أن هنالك أمراً ما وراء هذه الصور، يفوق اللاوعي، ويشتغل بتلك الطريقة التي لا تتفاوت فيها العبارات بشكل غير محدود، أو عشوائي، لكنها ترتبط جميعها بشكل واضح ببضعة مبادئ أساسية، أو نماذج بدْئية. هذه النماذج البدئية، مثل النفس أو المادة، لا يمكن معرفتها كما هي. وكل ما نستطيعه فعله حيالها هو صياغة نماذج عنها، نعلم أنها غير ملائمة، وهي حقيقة تؤكدها الإبانات الدينية مرة إثر مرة.
Page 5
وإن كنتُ، تبعاً لذلك، أشغل نفسي بهذه الموضوعات المتيافيزيقية، فإنني أدرك تماماً أني أتحرك في عالم من الصور، وأن أياً من أفكاري لن تتمكن من لمس جوهر "المجهول": كما أنني مدركٌ تماماً لمحدودية قدراتنا الذهنية، ناهيك عن هزال وفقر اللغة، على تخيل معنى أبعد لملاحظاتي هذه، مما يعنيه إنسان بدائي عندما يتصور إلهه كأرنب أو أفعى.
لكن، على الرغم من أن عالم أفكارنا الدينية بأكمله يتألف من صور مجسمة غير قادرة على الثبات أمام النقد العقلاني، يجب علينا التذكّر باستمرار أن هذه الأفكار تستند إلى نماذج بدئية مقدسة، أي إنها مستندة على أساس عاطفي لا يمكن للعقل معاداته. نحن نتعامل مع وقائع سيكولوجية قد يغفل عنها العقل، لكنه لا يستطيع استبعادها. وبهذا المعنى، فإن ترتوليان(5) كان محقاً في استجابته لشهادة الروح حين قال:
"شهادات الروح هذه بسيطة بقدر ما هي حقيقية، واضحة بقدر ما هي بسيطة، شائعة بقدر ما هي واضحة، طبيعية بقدر ما هي شائعة، إلهية بقدر ما هي طبيعية. أعتقد أنها لا يمكن أن تبدو تافهة أو سخيفة لمن يتفكر بجلال الطبيعة التي تستمد منها الروح سلطتها. وما تسمح به للمعلّمة، سوف تعزوه إلى التلميذة. الطبيعة هي المعلّمة، والروح هي التلميذة. وما علّمته إحداهما، أو تعلّمته الأخرى، جاء من عند الله، وهو بالحقيقة المعلم حتى للمعلمة ذاتها. وكل فكرة تكوّنها الروح عن معلمها الأول، لك أن تطلق عليها حكماً ينبع من الروح التي بداخلك. فاشعر بذاك الذي جعلك تشعر، وتفكّر بنبيّك في الشدائد، وبشيرك في النعم، وناظركَ عندما تلمّ بك الملمات. ويا للغرابة إذا ما عرفتْ كيف تلعب دور العرافة لدى البشر، وهذا ما منحها الله إياه. ومن الغرابة أيضاً أن تعرفه على أنه مانحها!"
سأتقدم هنا خطوة إلى الأمام، وأقول إن الإبانات التي اشتملت عليها الأسفار المقدسة، هي أيضاً ما نطقت به الروح، وذلك على الرغم مما ينطوي عليه هذا القول من المخاطرة بأن يشتبه بإخضاع الدين لعلم النفس. يمكن لتعابير العقل الواعي بسهولة أن تكون أفخاخاً أو أوهاماً أو أكاذيب، أو آراء اعتباطية، ولكن الأمر يختلف تماماً عندما يتعلق بتعابير الروح، فهي تعبُر دوماً فوق رؤوسنا لأنها تشير إلى حقائق تعلو فوق الوعي. إن هذه الكيانات هي نماذج بدئية في اللاوعي الجمعي، وتحفّز مركّبات من الأفكار على شكل أفكار أسطورية. والأفكار التي من هذا النوع لا نخترعها أبداً، بل هي تدخل إلى ميدان الإدراك الباطني على أنها منتجات مكتملة، كما يحدث في الأحلام، مثلاً. وهي ظواهر تلقائية غير خاضعة لإرادتنا؛ ونحن بذلك نمتلك الحق بأن ننسب إليها بعض الاستقلالية، فلا نعتبرها مجرد أشياء، بل هي ذوات أيضاً، ولها قوانينها الخاصة بها. ومن منطلق الوعي، فبمقدورنا، بالطبع، أن نوصّفها كـ "موضوعات"، بل بإمكاننا تفسيرها إلى الدرجة ذاتها التي نوصّف أو نشرح بها عن البشر. لكن عندئذٍ، يجب أن نتجاهل استقلاليتها. وإذا ما تم ذلك، فسنضطر للتعامل معها على أنها ذوات. وبعبارة أخرى، سنضطر إلى التسليم بأن لها تلقائية وقصدية، أو نوعاً من الوعي والإرادة الحرة، فنراقب سلوكها ونأخذ تعابيرها بعين الاعتبار. هذا الموقف المزدوج الذي نحن مضطرون إلى تبنيه حيال كل كائن مستقل نسبياً، لابد أن تكون له نتيجة مزدوجة أيضاً: فهو، من جهة، يُعلمنا بما نفعله بالموضوع، ومن جهة أخرى يُعلمنا بما قد يفعله هو بنا. ومن الواضح أن هذه الازدواجية المحتومة تخلق قدراً من الارتباك في عقول قرّائي، خصوصاً أننا سنتناول فيما يلي نماذج بدئية للألوهة.
إذا شعر أي من قرّائي بالغواية لإضافة "استثناءً" اعتذارياً إلى صور الإله بحسب فهمنا لها، فهو بذلك سوف يرتكب خطأ بالتجربة التي تبرهن بما لا يقبل الشك ألوهية هذه الصور. ليست الفعالية الهائلة أو (المانا) لهذه الصور هي فقط ما تمنحنا إياه من إحساس بإشارتها إلى "النفس العليا"، بل هي تجعلنا مقتنعين بأنها تعبّر عنه حقاً، وتبعاً لذلك نسلّم بأنها حقيقة. وهذا ما يجعل الحديث صعباً على نحو غير اعتيادي، إن لم يجعله مستحيلاً، فمن المتعذر علينا الاستدلال على حقيقة الله بعيداً عن هذه الصور التي أُنتجت بصورة عفوية، أو قدستها التقاليد. وهي صور لم يستطع عقل الإنسان الساذج أن يفصل صيغتها وآثارها النفسية، عن أساسها الميتافيزيقي المجهول. فهو، في التو، يساوي ما بين الصورة الفعّالة، والمجهول الإلهي الذي تشير إليه. ويبدو المبرر الظاهر لهذا الإجراء بيّناً بحد ذاته، ولا يُعتبر إشكالياً طالما أن الإبانات الدينية لم تُطرح للنقاش بشكل جاد. لكن إذا ما حانت الفرصة للنقد، فلا بد حينها من أن نتذكر أن الصورة والإبانة هما إجراءان نفسيان يختلفان عن موضوعهما الإلهي. فهما تختلفان عنه، ولا تزيدان عن كونهما إشاراتٍ إليه، أما في مجال السياقات النفسية فإن النقد والنقاش ليسا مشروعين فحسب، بل لا مفر منهما.
سوف أحاول فيما يلي أن أقدم فقط بحثاً، كما لو أنه "وصولٌ إلى تفاهم" فيما يرتبط بأفكار وتقاليد دينية بعينها. وبما أنني سوف أعالج عوامل إلهية، فإن كلاً من مشاعري وأفكاري قد واجهت التحديات. ولذلك لم أتمكن من الكتابة بطريقة موضوعية باردة، بل توجب علي إفساح المجال أمام ذاتي العاطفية لتتكلم إن كنت أريد أن أصف ما أشعر به، حين أقرأ بعضاً من أسفار الكتاب المقدس، أو حين أتذكر الانطباعات التي تلقيتها عن عقيدتنا بالإيمان. شخصياً، أنا لا أكتب كما يفعل لاهوتي عن الكتاب المقدس (فأنا لستُ كذلك)، بل أكتب بصفتي طبيباً وعلمانياً حصل على فرصته بالرؤية العميقة في الحياة السيكولوجية لعدد كبير من الناس. وما أعبر عنه هو، قبل كل شيء، وجهة نظر خاصة بي، رغم معرفتي أيضاً بأني أتكلم باسم كثيرين ممن تعرضوا لتجارب مشابهة.
Page 6
سفر أيوب
إن سفر أيوب هو من العلامات الفارقة في التطور التاريخي للدراما الإلهية. ففي وقت كانت تتم فيه كتابة هذا السفر، كان ثمة الكثير من الشهادات التي تدل على تناقضات صورة "يهوه"؛ وهي صورة إله لم يكن يعرف الاعتدال في انفعالاته، ولطالما عانى تحديداً من افتقاره لهذا الاعتدال. هذا الإله ذاته هو من اعترف بأن الحنق والغيرة كانا يأكلانه أكلاً، وكان إدراكه لهذه الحقيقة يؤلمه للغاية. لقد جمع هذا الإله ما بين نفاذ البصيرة والغباء، وما بين الرحمة والقسوة، وما بين القوى الخلاقة والقوى المدمرة. كان كل شيء موجوداً فيه، وما كانت واحدة من تلك الصفات عقبة في وجه الصفة الأخرى. ولا يمكن استيعاب مثل هذه الحالة، إلا عندما لا يوجد لدى متلقيها وعياً متفكّراً بالمطلق، أوعندما تكون قدرته على التفكّر واهية، أو أنها ظاهرة طارئة. وهذه حال لا يسعنا إلا أن نصفها بأنها غير أخلاقية.
لقد عرفنا كيف كان شعور أقوام "العهد القديم" حيال إلهها من خلال شهادة "الكتاب المقدس"، وهو ما لستُ بصدده هنا، بل بصدد الطريقة التي يمكن بها لإنسانٍ معاصر، ذي ثقافة مسيحية، أن يتآلف مع الظلمة الإلهية التي يتكشّف عنها سفر أيوب، وتأثيرها عليه. سوف لن أقدم هنا تفسيراً ملطفاً وحذراً ومنصفاً لكل تفصيل، إنما سأقدم فقط رد فعل ذاتي عفوي. وبأسلوبي هذا، أتمنى أن أكون قد عبّرت عن حال الكثيرين ممن تنتابهم ذات المشاعر التي تنتابني، وأن أكون قد عبّرت عن المشاعر الممزقة التي ينتجها لدينا المشهد الصريح للقساوة والوحشية الإلهيتين. وحتى إذا عرفنا، بمحض المصادفة، معاناة وتناقضات الإله، فإن معرفتنا غير واعية، ما يعني أنها غير مؤثرة أخلاقياً، وبالتالي فإنها لا تستثير التعاطف أو الفهم الإنساني. بل عوضاً عن ذلك فإنها تستثير فينا، بقدرٍ مساوٍ، بركاناً شعورياً مَرَضياً، واستياءاً متأججاً يمكن مقارنته بجرحٍ يندمل ببطء. وكما لو أن هناك رابطاً خفياً بين الجرح والسلاح، كذلك يتوازى ذلك الشعور مع الفعل العنيف الذي أججه.
يصلح سفر أيوب ليكون نموذجاً على اختبار معين من الإله، وذي أهمية خاصة في يومنا الحاضر، كما قد يتعرض الإنسان لمثل هذه التجارب سواء من داخله أو من محيطه الخارجي. ومن غير المجدي تأويل هذه التجارب بشكل عقلاني، وبالتالي إضعافها بإلقاء التعاويذ. وهكذا فإنه من الأفضل، وإلى حدٍ بعيد، الاعتراف بذلك الشعور والخضوع إلى عنفه، على محاولة الهروب منه باستخدام كافة الحيل العقلانية والأحكام العاطفية. وعلى الرغم من أن الإنسان الذي يفسح المجال لذلك الشعور بالنيل منه، يقلّد كافة الصفات السيئة لفعل الحنق الذي استفز ذلك الشعور، وبالتالي يجعل من الشخص مذنباً بنفس الإثم. وهذه هي النقطة الأساسية لآلية السلوك بأسرها: إن فعل العنف يهدف إلى التغلغل في حياة الإنسان، وبالمقابل على الإنسان الخضوع لسلوك العنف. كذلك يجب على الإنسان التأثر بالعنف، وإلا فلن يصيبه أثره الكلي. لكن، يجب على الإنسان أن يعرف ما الذي أثّر به، أو أن يتعلم كيف يعرف ذلك. فبهذه الطريقة يحوّل الإنسان عمى العنف من جهة، وأثره فيه من جهة ثانية، إلى معرفة.
ولهذا السبب، سوف أعبّر فيما يلي عن شعوري دونما خوف، بل وبشراسة. وسوف أجابه الظلم بالظلم، لعلّي أعرف ما هي جراح أيوب، وماذا كانت الغاية منها، وما هي العواقب التي عادت بها على "يهوه" وعلى الإنسان.
Page 7
I
أيوب يجيب "يهوه" هكذا:
"ها أنا حقير فماذا أجاوبك؟
وضعتُ يدي على فمي.
مرةً تكلمت فلا أجيب
ومرتين فلا أزيد".(6)
والحق، أن هذا هو الجواب الوحيد الممكن أن يرد به شاهد لا يزال يرتجف رعباً مما قارب أن يكون إبادة كلّية، وذلك في سطوة الحضور المباشر لقوة الخلق اللا متناهية. والسؤال المنطقي في مثل هذه الحالة هو: ماذا كان بمقدور الدودة البشرية المتهالكة الزاحفة على التراب أن تفعل غير ذلك؟ وعلى الرغم من ضآلته وضعفه اللذين يستدران الشفقة، إلاّ أن هذا الإنسان عرف أنه في مواجهة كائن أسمى من البشر، ومن السهولة بمكان استفزازه. كما عرف أن من الخير له أن يتخلى عن جميع التأملات الأخلاقية، وأن لا يتحدث عن الالتزامات الأخلاقية التي يُتوقع من الإله شخصياً تطبيقها.
لطالما كانت "عدالة" يهوه معرضاً للثناء، لذلك من المفترض لأيوب أن يكون قادراً على التقدم بشكواه واحتجاجه والإعلان عن براءته أمام يهوه بصفته إلهاً عادلاً. لكنه يشكك في هذا الاحتمال:
"كيف يتبرر الإنسان عند الله؟"(7)
"لو دعوت فاستجاب لي لما آمنت بأنه
سمع صوتي."(8)
"وإن كان من جهة القضاء يقول من
يحاكمني؟"(9)
هو:
"يكثر روحي بلا سبب"(10)
"الكامل والشرير هو يفنيهما"(11)
"إذا قتل السوط بغتةً يستهزئ
بتجربة الأبرياء"(12)
يقول أيوب ليهوه:
"... عالماً أنك لا تبرئني"(13)
"ولو اغتسلت في الثلج ونظفت
يديّ بالأشنان، فإنك في النقع
تغمسني."(14)
"لأنه ليس هو إنساناً مثلي فأجاوبه
فنأتي جميعاً إلى المحاكمة."(15)
يريد أيوب أن يوضّح وجهة نظره ليهوه، وأن يعرض شكواه، فيقول له:
"في علمك أني لست مذنباً ولا منقذ من
يدك."(16)
Page 8
"أريد أن أحاكَم إلى الله."(17)
"فقط أزكّي طريقي قدّامه."(18)
"أعلم أني أتبرر."(19)
وهنا كان على يهوه أن يستدعي أيوب، ليقدم له المبررات، أو على الأقل ليسمح له بالدفاع عن قضيته. ويُحسن أيوب تقدير حجمه كإنسان قياساً للإله، فإذ به يطرح سؤالاً:
"أترعب ورقة مندفعة وتطارد قشاً
يابساً؟"(20)
"ولكن الله ألقى التبعة عليه، والعدالة لا وجود
لها."(21)
لقد كان هو الله من:
"حيّ هو الله الذي نزع حقي..."(22)
"حتى أسلم الروح لا أعزل كمالي عني.
تمسكت ببرّي ولا أرخيه."(23)
أما صديقه، أليهو البوزيّ، فلا يصدّق أن يهوه ظالم فيقول:
"فحقاً أن الله لا يفعل سوءاً
والقدير لا يعرّج القضاء."(24)
كما أنه يبني رأيه على مقدرات الإله دون العودة إلى المنطق:
"أيقال للملك يا لئيم
وللندباء يا أشرار؟"(25)
على المرء:
"أن ي
الأعلين أكثر من الأدنين"(26)
لكن إيمان أيوب ما تزعزع، ونطق بالحقيقة المطلقة عندما قال:
"هو ذا في السموات شهيدي وشاهدي في
الأعالي...
الله تقطر عيني, لكي يحاكم الإنسان عند
الله كابن
آدم لدى صاحبه."(27)
وفي ما بعد يقول:
"أما أنا فقد علمت أن وليّي حيّ
والآخر على الأرض يقوم."(28)
Page 9
تُظهر هذه الكلمات، وبكل جلاء، أن أيوب، وعلى الرغم من شكوكه فيما يتعلق بوجوب تبرير حضور الإنسان أمام الإله، يواجه صعوبة في الاقتناع بإمكانية الحضور أمام الإله على أساسٍ آخر غير العدل والأخلاق. إذ أنه، وعلى الرغم من كل شي، ليس قادراً على التخلي عن إيمانه بالعدالة الإلهية. كما ليس من السهل عليه قبول إدراك إمكانية خرق التعسف الإلهي للعدالة. لكن، ومن ناحية أخرى، كان عليه التسليم بأن ما من أحد يظلمه أو يقسو عليه سوى يهوه نفسه. وليس بإمكانه إنكار أنه يواجه إلهاً لا يكترث بأي مبدأ أخلاقي، ولا يعترف بالالتزامات الأخلاقية.
ولعلّ هذا كان أعظم ما في أيوب، فهو، وعلى الرغم من كافة الصعوبات التي يمر بها، لم يساوره ريب في وحدة الله. إنه يرى، وبوضوحٍ تام، أن لله تناقضاته، وهي تناقضات مطلقة، إلى الحد الذي يجعل أيوب موقناً أنه سيعينه ويدافع عنه أمام يهوه. وبنفس المقدار من اليقين بالشر الموجود لدى يهوه، فإن أيوب أيضاً موقن بوجود الخير. فنحن لا نتوقع أن نجد العون لدى كائن بشري أوقع بنا الأذى، لكن يهوه ليس بكائنٍ بشري، إنه المدّعي والمعين في آن معاً، وكل واحدة من هاتين الصفتين هي حقيقية بمقدار الصفة الأخرى. إن يهوه ليس عبارة عن انقسام، بل هو تناقض فحسب، إنه "كليّة" من التناقضات الداخلية، وهو الشرط الذي لا غنى عنه لديناميّته الهائلة، ولمعرفته وقدرته الكلّيتين. ونظراً لإدراك أيوب لهذه الحقيقة، فإنه يبقى مصرّاً على أن يدافع عن أساليبه أمامه، أي أن يوضح له وجهة نظره. لأن يهوه، وبصرف النظر عن سخطه وغضبه، هو عَوْنٌ للإنسان لمواجهة نفسه، إذا ما تقدم منه الإنسان شاكياً.
ولو كانت هذه هي المرة الأولى التي نسمع فيها عن الحياد الأخلاقي الذي يتصف به يهوه، لازددنا تعجباً من مدى معرفة أيوب بالله. لكننا نعرف منذ الأزل أن يهوه عرضة للنزوات ونوبات الغضب، فقد برهن سابقاً على أنه مدافعٌ غيورٌ عن الأخلاق عموماً، وحساسيته عالية فيما يتعلق بمفهوم العدل خصوصاً. ومن هنا كان يتلقى الثناء بصفته عادلاً، الأمر الذي كان يوليه أهمية خاصة. وبفضل هذه المعطيات، أو الخصوصيات، تميّزت شخصيته عن شخصيات الملوك القدامى. إن غيرته، وطبيعته النزقة، وارتيابه بالقلوب غير المؤمنة، واستكشاف أفكارهم الدفينة، كل هذا تراكم ليبني علاقة بينه وبين الإنسان الذي لم يتمكن من مقاومة إحساسه أن يهوه يستدعيه. لقد كان هذا هو الفارق الأساسي بين يهوه والإله "زيوس" المتحكم الذي، وفي حالة من الخير والانفصال، سمح لنظام الكون أن يجري على عادته ويُنزل عقابه بالمفسدين فقط. إن زيوس لم يقدم المواعظ، وإنما حكم بطريقة فطرية بحتة. وهو لم يطلب من الإنسان أكثر من القرابين المتوجبة له، كما أنه لم يرغب بإقامة أي نوع من العلاقات مع البشر إذ لم يكن لديه خطة مسبقة بهذا الشأن. ومن المؤكد أن الإله زيوس كان رمزاً لا شخصية. بينما، من الجهة الأخرى، كان يهوه مهتماً بالإنسان، وكان البشر يحتلون المرتبة الأولى لديه. كان بحاجة إليهم بطريقة ملحّة وشخصية، تماماً كما كانوا هم بحاجة إليه. وزيوس أيضاً كان يُنزل عليهم الصواعق، لكنه كان يفعل ذلك فقط على البشر المتمردين الميؤوس منهم، أما فيما يتعلق ببقية الجنس البشري، فما كان لديه اعتراضات تُذكر. لكنه فيما بعد، لم يُبدِ اهتماماً كبيراً بهم. في حين كان يهوه يثور ثورة جامحة على البشر بصفتهم الجمعية، أو الفردية، إذا لم يسلكوا سلوكاً يرضى عنه. طبعاً لم يكن يهوه يأخذ بعين الاعتبار أن يقوم، بصفته كلي القدرة، بخلق نسخة محسّنة من هذه المخلوقات الأرضية السيئة.
وبالنظر إلى ارتباطه الشخصي الوثيق بشعبه المختار، لم يكن ثمة بدّ من أن يعقد معهم ميثاقاً منتظماً، وأن يمتد هذا الميثاق أيضاً ليشمل أفراداً معينين مثل داوود، الذي قال له يهوه، كما نعلم ذلك من المزمور التاسع والثمانين:
"إلى الدهر أحفظ له رحمتي.
وعهدي يثبّت له.
لا أنقض عهدي،
ولا أغيّر ما خرج من شفتيّ
مرة حلفت بقدسي
إني لا أكذب لداود:"(29)
ومع ذلك فقد حنثَ باليمين، وهو الذي لطالما حرص بغيرةٍ على تطبيق القوانين والوفاء بالعهود. في حين أحسّ الإنسان الحديث، وبحساسية وعيه العالية، بأن هاويةً سوداء قد فغرت فاهها أمامه، ومادت الأرض تحت قدميه. فأقل ما يتوقعه هو أن يكون إلهه أسمى من الإنسان الفاني، بمعنى أن يتفوق عليه بكينونته، ويكون أسمى وأنبل منه. لا أن يتفوق عليه بأخلاقه المرنة، أو لا يمكنه الاتكال عليه أو إثبات قوله حتى أمام هيئة محلفين.
وبالطبع، لا يمكننا محاسبة إلهٍ قديم بمقتضيات الواجبات الأخلاقية المعاصرة، إذ كانت الأشياء مختلفة بالنسبة لأقوام العصور القديمة. لقد كانت آلهتهم القديمة تمتلك كافة المواصفات: ففي تلك الآلهة كانت تتواءم الفضائل مع الرذائل، وتبعاً لذلك كان يمكن معاقبتها وتقييدها وخداعها واستعداء بعضها على بعض دونما خجل، أو على الأقل ليس لمدة طويلة. لقد اعتاد الإنسان في تلك الأزمان على التناقضات الإلهية، بل إنه لم يكن يقلق عندما تحدث تلك التناقضات. أما بالنسبة ليهوه فقد كان الأمر مختلفاً، إذ لعبت الرابطة الشخصية والأخلاقية منذ البداية دوراً كبيراً في العلاقة الدينية. وفي هذه الأحوال، لم يُحدث نقض العهد أذىً شخصياً وحسب، وإنما أخلاقياً أيضاً. ويمكن لنا معرفة ذلك في إجابة داوود ليهوه:
Page 10
"حتى متى يا رب تختبئ كل
الاختباء؟
حتى متى يتقد كالنار
غضبك؟
أذكر كيف أنا زائل
إلى أي باطل خلقت جميع بني
آدم؟
أين مراحمك الأُوَل يا رب
التي حلفت بها لداود
بأمانتك؟"(30)
ولو كان هذا الحديث موجهاً إلى كائنٍ بشريٍ لكان الخطاب شيئاً من هذا القبيل:
كرمى لله يا هذا،
استجمع نفسك،
وأقلع عن هذه الوحشية التي لا معنى لها!
إنه لأمر مستغرب أن تكون ساخطاً إلى هذا الحد،
في حين أنك تتحمل جزءاً من المسؤولية،
لأن النباتات لم تثمر.
لطالما كنتَ منطقياً في رعايتك للحديقة التي زرعتها،
بدل أن تدوسها وتقضي عليها."
من المؤكد أن مُحاوِرُنا لم يكن ليجرؤ أبداً على الاعتراض على نظيره القدير، فيما يتعلق بنقضِه للعهد، إنه يعرف حق المعرفة أي نوع من الخصومة سيتورط بها، لو كان هو البائس الذي نقضَ العهد. ولأن أي شيء من هذا القبيل سوف يعرّض حياته للخطر، فما عليه سوى العودة إلى صوت العقل. وبهذه الطريقة، ودون معرفته أو إرادته، فإنه يتبدى متفوقاً على نظيره الإلهي على المستويين العقلي والأخلاقي. ولا ينجح يهوه في ملاحظة أن الإنسان يتملقه، كما أنه لا ينجح في فهم الأسباب التي تستوجب، وعلى الدوام، امتداحه بصفته عادلاً. فهو يلح في الطلب من أتباعه أن يمتدحوه ويستعطفوه بكافة الوسائل الممكنة، وصولاً إلى الهدف الجليّ في المحافظة على مزاجه الحسن مهما كان الثمن.
إن الشخصية التي تتكشف عن مواصفات كهذه، يمكنها إقناع نفسها أنها موجودة فقط عبر ارتباطها بهدفٍ ما، هذه التبعية للهدف هي مطلقة عندما يكون الشخص ـ التابع يفتقر تماماً للتأمل الداخلي، وبالتالي لا يكون قادراً على اكتشاف ذاته. يبدو الأمر وكأنه موجود فقط بموجب حقيقة أن ليس لديه هدف يؤكد له أنه موجود هناك حقاً.