Page 1
1
أقول لكم بصراحة منذ بداية البداية: “سأقص عليكم هذه القصة، بينما سأظل حتى النهاية مجهولاً بالنسبة لكم” وأذكر لكم السبب لكي لا تبحثوا عن أسباب· فالناس الذين أتحدث عنهم كانوا كلهم عزيزين علي، وما زال كثيرون منهم أحياء، وأنا أخجل من أن يعرفني هؤلاء فيلومونني على ما أفعله حين أقدمهم اليوم بالصورة التي كانوا عليها قبل ثلاثين سنة، في حين أنهم تبدلوا وانتهوا إلى مصائر لا توحي بها الأحداث والمواقف التي سأحكي عنها، أو يلومونني على تحويرات اقتضتها طبيعة الرواية أو أخطاء، في الحديث عنهم أو عمن أحبوهم ممن رحلوا، فرضها ضعف الذاكرة·
أما الذين تستحوذ عليهم الرغبة في التوثق، فإني سأطمئنهم قدر المستطاع، فأقول لهم عن نفسي شيئاً واحداً فقط، وأرجو ألا يطالبونني بسواه: إن الرغبة ذاتها تستحوذ علي أنا الآخر·
ويمكن أن أذكر لهؤلاء، على سبيل المثال، أنني بذلت من الجهد أقصاه لكي أتحرى عن ذلك اليوم الذي ذهبت فيه نجدة القرية إلى “بيت دراس” لمساعدة مجاهديها في ردّ الهجوم الصهيوني حتى أحدده بدقة، وفشلت، ولكني تيقنت من أنه كان يوم جمعة· فالشيخ حسن، وهو أحد أبطال روايتي، كان يتهيأ ليؤم المصلين ظهر ذلك اليوم في المسجد، ورجال القرية لم يكونوا يصلون في المسجد إلا صلاة الجمعة· وهذا ما أكدته ذاكرتي وشهادات الشهود الأحياء· وتأكدت أن يوم الجمعة، الذي بدأت فيه أحداث هذه القصة، قد سبق بما لا يزيد عن أسبوع يوم الخامس عشر من أيار (مايو)1948، الذي أصبح في التاريخ الفلسطيني من الأيام التي لا تنسى·
فلأعد إذن إلى نهاية الأسبوع الأول من شهر أيار (مايو) تلك السنة· وكان موسم القيظ قد حل، بعد أن سقطت آخر الجمرات، كما اعتاد الفلاحون أن يقولوا، غير أن الأصباح كانت ما تزال تحمل طراوة الربيع: ندىً وبرودة مستحبين· ولما لم يكن لدى الفلاحين ما يعملونه في الحقول سوى انتظار نضج الزرع، فقد كانوا يستحْلون النوم ويمضون فيه حتى شروق الشمس· والذين اعتادوا أن يؤدوا صلاة الفجر في موعدها كانوا يعودون إلى النوم بعدها، ومثلهم يفعل أولئك الذين يتوجب عليهم أن يسلموا غنمة أو بقرة للراعي الذي ينطلق عادة قبل شروق الشمس·
وقد حاول الشيخ حسن أن يعود إلى النوم بعد فراغه من الصلاة، غير أن القلق الذي أمضّه مساء وجعله يمضي ليلة مسهدة هو، ذاته، الذي منعه من النوم بعد الصلاة·
Page 2
وما دامت البداية قد قادتنا للحديث عنه فلأقدمه لكم على الفور· فالشيخ حسن هو إمام مسجد القرية، اختير للإمامة لأنه الوحيد الذي يجيد قراءة القرآن· كان والده قد أصر على تعليمه، ثم بعث به إلى “الأزهر” ليجاور في أروقته مع المجاورين، الذين كانت قرى مصر والبلدان المجاورة، ومنها فلسطين، تقذفهم إليه، طمعاً في أن ينال بنوها شيئاً من علوم الدين ومنازل رفيعة· وفي الأزهر، أمضى الذي كان شاباً زهاء سنة عاد بعدها إلى قريته، لأن موارد والده قصرت عن تحقيق طموحه، وأعطته تلك السنة الحق في أن يُنادى بلقب شيخ وأن يلبس زي الإمام، وأعطته الإمامة الحق في أن يشرف على بئر القرية، يستثمر الحقل التابع للبئر، يرويه من فائض مائه، ويستنبت فيه الخضار، يعيش لدينه ودنياه عيشة رتيبة طبعت شخصيته بهدوء صار يميزه، وطوت، بمضي الوقت، التوق إلى العلم وطموح الشباب إلى حياة أكثر حرارة·
ومع ذلك، يمكنني، أنا الذي عرفت الشيخ، أن أقول إن طموحه هذا كان يعاوده بين وقت وآخر، ينبعث شيئاً فشيئاً حتى يسيطر عليه رغم سنوات عمره الخمسين· وقد أجج اندلاع الثورة في فلسطين مشاعر الشيخ واستفزّه قعود قريته عن المشاركة فيها· وأعتقد أنكم، بهذا، عرفتم سبب سهاد الشيخ، فقد أمضى الليلة الفائتة وهو يفكر في الأمر، يُقلبه على وجوهه كافة· أحس بأن عليه أن يحسم الأمر، وأنه يستطيع ذلك لو جازف بمجابهة المختار علانية· وكان موزعاً بين رغبته في المجابهة وتخوّفه من نتائجها· ولهذا لم يستطع أن ينام، بل قرر أن يغادر داره· وهمّ قبل المغادرة بأن يوقظ وحيده، واسمه حسان ليذهب إلى المدرسة· ثم تذكر أن اليوم هو يوم جمعة، فترك ابنه وأمّ ابنه نائمين ومضى هو إلى البئر· وهناك رشق وجهه رشقات متتالية بالماء البارد، متوخياً التغلب على ثقل رأسه، فأنعشه الماء، ومضى يتفقد مساكب الحقل دون أن يكون بحاجة إلى تفقده، كأنما أراد أن يشغل نفسه ليصرف ذهنه عن الخاطر الذي يلح عليه في أن يذهب إلى المختار ويجادله في أمر المشاركة في الثورة· ولم يجد في الحقل ما يشغله· كانت نبتات البندورة والخيار والفاصولياء على خير ما يرام· ونبتات البطيخ كانت قد شقت الأرض وأخذت عيدانها الخضراء المزغّبة تتمدد فوق التربة الناعمة، تكسوها الأوراق الطالعة التي جعلها الندى لامعة براقة· وأوراق البصل كانت تمتد فارعة كأنها نخلات صغيرة تبالغ في الاعتزاز بنفسها·
ولم تثر جودة الموسم في نفس الشيخ أي إحساس خاص، بل ظلت الكآبة التي يغالبها لاصقةً به مثلما يلتصق العرق الجاف بالجسم الوسخ، كما ظلت الخواطر تلاحقه، فعاد إلى البئر، وجهز البغل وربطه إلى الساقية وحركه· فبدأ البغل دوراته الثابتة فوق الدائرة التي صلبتها أقدام بغال كثيرة قبله طيلة ما لا يدري أحد من السنوات وأخذ الماء الذي تسحبه القواديس من البئر ينصب في الجابية المعدة لجمعه، محدثاً هو الآخر صوتاً رتيباً كرتابة دوران البغل، الأمر الذي عمق إحساس الشيخ بالكآبة· وكأن كآبة الشيخ انتقلت إلى البغل، فقد توقف هذا عن الدوران، فانتهره الشيخ بصوت مرتفع أنكره هو نفسه· ثم فاجأه صوت:
Page 3
- الله يصبحك بالخير يا شيخ حسن، طوّل بالك على البغل، الدنيا بدري ومخلوقات الله نايمة!
- وانتِ مش من مخلوقاته، ليش هالسروة؟
- لازم جرار دار المختار تمتلي، إذا فاطمة ما اشتغلتش، كيف بدها تمتلي، صحي بدري وحرمني من حلاوة النوم، الخادمة خادمة، الحمد لله على كل حال·
راقبها وهي تغطس الجرة في الجرن، وسمع بقبقة الهواء وهو يخلي الجرة أمام دفق الماء حتى امتلأت، ثم سألها:
- المختار حضّر قهوته؟
- عمّرت المنقل قبل ما اطلع·
ثم راقبها وهي تمضي حتى اختفى جسدها بين عطفات الدور·
اجتاز الشيخ عتبة دار المختار، وتنحنح بصوت عال، ودخل المضافة·
- أهلاً بك يا بركتنا···
- وبالمهلّي يا مختار!
تجاوز المختار وليد أبو حامد سنته الستين منذ مدة طويلة، وهم يدعونه الشايب حين يتحدثون عنه في غيابه أو حين يخاطبه من تسمح لهم منازلهم أو أعمارهم برفع الكلفة معه· وقليلون، فقط، من أهل القرية يعرفونه قبل أن يكون المختار، فقد ولي المخترة شاباً، وعرفه جيل تلو جيل بهذه الصفة التي أصبحت تلازمه كما يلازمه شكله· ومن الصعب أن أصف لكم شكله بدقة، فأنا لم أره منذ ذلك التاريخ· وإنما قرّ في ذاكرتي شكل لرجل متوسط القامة أميل إلى النحول، شعره أشيب حليق دوماً يشكل، حول رأسه، هالة بيضاء غير تامة الإنارة يلتمع بياضها حين يحرك الرأس، وصوته يجمع حين يتكلم بين العمق والحدّة بصورة تجعله مميزاً عن أصوات الآخرين، وأسنانه بيضاء تنتظم كاملة في فمه· ولا أستطيع أن أجزم الآن ما إذا كانت طبيعية هذه الأسنان أم صناعية، ولئن كنت قد احتفظت بصورتها، فلأنها كانت تكسب ملامحه مزيداً من القسوة حين يحتدّ ويعبر عن حدته بالكلمات· وكان يجلس على فراش يمد له في صدر المضافة على اليمين بحيث لا يكون بمواجهة الباب، الأمر الذي يمكنه من أن ينهض لاستقبال الداخلين إليها أو يتجاهل دخولهم، متشاغلاً بتقليب جمرات المنقل الموضوع على الدوام أمامه، حسب الأحوال!
وحين حيا المختارُ الشيخَ حسن، انفرج ثغره عن نصف ابتسامة، بينما ظلت عيناه مركزتين باهتمام كامل على الإبريق الذي تفور فيه القهوة، وأمسكت إحدى يديه بالإبريق، فيما أمسكت اليد الأخرى بملقط النار وأخذت تقلب الجمرات·
Page 4
- صباح حلو يا شيخ·
- يحلّي أيامك يا أبو خالد·
- حلاوتها بوجودك يا بو حسان·
تناول المختار فنجانين من صينية موضوعة بجانبه، وسكب قليلاً من الماء في كل منهما، وفرك داخلهما بإبهامه، ثم سكب الماء على رماد المنقل الواسع، وصبّ القهوة، وقدم فنجاناً للشيخ·
- القهوة الجيدة للأجاويد·
ورشف المختار من فنجانه رشفة كبيرة وتلمظ بصوت مسموع، واتجه بعدها بكليته إلى جليسه الصامت·
- ··· فش إشي في الدنيا زي القهوة، بتجلي الراس، اشرب! ليش ما بتشرب قهوتك؟
- مشروبة يا مختار·
قالها الشيخ ورشف من فنجانه رشفات متتابعة، ثم أعاد الفنجان للمختار وهو يحتفظ بصمته· فعدل المختار قعدته ونظر إلى الشيخ بامعان·
- انت مش على بعضك، في فمّك كلام، قوله، أنا أخوك!
- أخ كبير يا أبو خالد· الدغري، الواحد منّا باله مشغول هالأيام، الدنيا قايمة قاعدة حوالينا·
- يا فتاح يا عليم! قامت ولا قعدت، إيش اللي متعبك أنت؟ قل لي!
- شو بدّي أقول؟ الانجليز زوّدوها، واليهود زاد طمعهم في الأرض، كل الناس مشغولة بحكايتهم، إلا إحنا·
- أم م م، نفسي أعرف أنت عَ إيش خايف؟
فانطلق لسان الشيخ يقول بسرعة:
- خايف من حكي الناس، خايف من غضب الله، خايف عَ البلاد يا أبو خالد···
- بس، بس! الله عليم، اللي بيسمعك بيظن إنه اليهود صاروا في دارك، أبعد الشر يا رجل! حفنة هَمَل مستقويين بالانجليز كأنُّه الانجليز ما لهم غيرهم، لكن ربنا أقوى منهم يخزيهم دنيا وآخرة، خلّي أملك بالله، أنت رجل مؤمن!
أنعم بالله، قادر على كل شيء، لكنه أمر بالجهاد، وإذا كنت أنت حاطط إيديك في ميّه باردة، غيرنا مش قاعد·
Page 5
صار الشيخ مستفزاً تماماً ومستعداً للمماحكة، وقد حملت نظرته إلى المختار طلبه منه أن يكف عن المراوغة واستعداده للتحدي· وبدا المختار مستعداً هو الآخر، وقد عدّل قعدته مرة أخرى وجلس متوفزاً، وقال بلهجة ليس فيها ملاينة:
- اسمع يا شيخ! هي كلمة، قلتها وبظل أقولها، خلّ غيرنا يسوي اللي بدّو ياه· اليهود معهم الانجليز، أنت بنفسك قلت هذا، ومختار المستعمرة قال لي إذا قعدتوا بحالكو بنهاجمكوش، والكابتن الانجليزي أكد هذا الحكي في حضوري وحضور وجوه القرية، وانت كنت قاعد وسمعت بنفسك·
وصمت كلاهما برهة أستطيع أن أجزم أن عينيّ الشيخ بينت خلالها عدم قناعته بهذا الكلام المعاد، وأن المختار استعاد شيئاً من ضبط النفس وأصبـح أميل إلـى الملايـنة· والمختار هو الذي استأنف الحديث بعد الصمت:
- ليش نسعى لهلاكنا ما دام قادرين نسْلَم·
- القرى اللي وعدوها وبعدين احتلوها؟ سِلْمَتْ!؟
- سلمت قريتنا لليوم، إذا هاجمونا بنرد عليهم، تسلّحنا والحمد لله·
- تسلحنا بايش! وشبابنا اللي بيغلوا غلي، القرى حواليهم بتقاتل وهم قاعدين غصبن عنهم·
- شباب ولاّ مش شباب، القرية إلها راس، مش فالتة!
أحس الشيخ حسن بأن الحديث لن يصل إلى نتيجة، وكان يدرك أن المختار يثق في قرارة نفسه بالانجليز وعلاقته بالكابتن حميمة· وكان هذا الضابط الانجليزي يستجيب لمطالب المختار فيقوي ثقته به، يتدخل للعفو عن مخالفات الفلاحين إذا طلب المختار ذلك، ويدعم المختار في خصومته مع آل العلني الذين يسكنون في غزة، وكان هؤلاء قد ضغطوا لشراء قطعة أرض يملكها المختار ليضموها إلى أملاكهم، فوقف الكابتن إلى جانبه ونصح آل العلني بأن يتركوا صديقه وشأنه·
وإزاء المشاعر التي تناوبته، وجد الشيخ حسن نفسه يقول بصوت كأنه ليس صوته:
- أقول لك الدغري، الشباب بردِّش راسهم إشي، وإذا تحرّكوا أنا معهم!
فانفجر المختار:
- انت؟ انت يا شيخ حسن، بتتركني، وبتقف مع المفاعيص!
- بقف مع الحق، عملت اللازم عشان ما يصيرش هالخلاف، لكنك، بلا مستحى، عنيد، والشيّاب اللي وقفوا معك خايفين منك، لو كان شورهم في روسهم لعملوا مثلي، “وليقضي الله أمراً كان مفعولا”
Page 6
وبدا الشيخ وهو يردد هذه الآية كأنه يصدر قراراً لا رجعة عنه· وفهم المختار أن جليسه مصمم، وقال بلهجة لم يألفها الشيخ منه:
- تتفصحنش عليّ بالنحوي تبعك! اسمعها كلمة وحطْها في راسك كويس: إذا فلت النظام في القرية بتقع في راسك!
وكرر الشيخ:
- “ليقضي الله أمراً كان مفعولا”
- فكر كويّس، وما تنساش إنه ممكن نلاقي إمام غيرك، قسماً بالله بَحُطْ غيرك حتى لو كان لا بيقرأ ولا يكتب، يكونش في فكرك إنه ما فش غيرك بيحفظ الفاتحة!؟
وقد أدرك الشيخ فحوى التهديد، فالمسألة ليست مسألة إلامامة ذاتها، التهديد يتعلق بالحقل المروي، وسيخسره إذا ما جافاه المختار·
وزاد المختار الأمر وضوحاً·
- بترفص النعمة؟ بتظن إنه سنة في الأزهر هي اللي نفعتك، قسماً بالله (هذه يقولها المختار دائماً فصيحة) لو ما شبعش القائمقام ومفتيه من مناسفي ما فرحت فيها·
ووجد الشيخ نفسه مدفوعاً للملاينة:
- يا أبو خالد، ما وصلتش بينا لهذا الحد يا بو خالد، الشباب معهم حق، لازم تعرف، والقيادة عينها حمرا علينا، صبرت وصبرت لكن إحنا ما تحركناش، وجيرانّا بيعيرونا، والانجليز راحلين، ووعود اليهود زي ما وصفهم ربنا، انت عارفها مش أنا اللي بعلمك، إذا استحكموا بيوفروناش·
واعتقد المختار أن تهديده قد فعل فعله، فقست نبرة صوته·
- عف عني! حمرا ولاّ بيضا، يهود ولاّ عرب، حط راسك بين الروس، وإلاّ قسماً بالله العظيم ما بتدوس الحاكورة في عمرك·
وظل الشيخ متشبثاً بالأمل الذي يوهنه الخوف على مصدر رزقه:
- وإذا الكل أجو عليك، بتظل لحالك؟
- الله؟ الله؟ خوّفني يا حسن، أيوه! مفكرني مغمّض ومش شايف اللي بتعمله، ما أنا عارف إنك راس البلا· امبارح أجاني أبو مَرَتك، زي هذاك الطير، وحكى الحكي اللي بيسمعه منك·
Page 7
ثم تحدث المختار بحدة خلت من السخرية، وهو يحرك يده مؤكداً كلامه·
- ··· مختصر الكلام، يا معي، يا بتخسر كل شيء·
بق المختار تهديده ثم أسند ظهره إلى الوسادة الموضوعة خلفه، ثم انتفض من جديد مستعيداً نبرته الساخرة·
- ··· حقا، ليش كل شي؟ نسيت إنه عندك عشر دونمات خلفها الوالد·
وإزاء صمت الشيخ، ازدادت حدّة المختار·
- خلّيها تشبعك خبز، لأشوف!
ظل الشيخ صامتاً· واعتقد المختار أن الأمر انتهى، فعدّل قعدته واسترخى وصب فنجاناً جديداً من القهوة وناوله له، فرشفه الشيخ دفعة واحدة ثم حيا مودعاً، من غير أن يتبادل النظر مع المختار، وانصرف·
خطر للشيخ حسن أن يذهب إلى حميه ليمضيا معاً إلى وجوه القرية يحثانهم على وضع حد لعناد المختار، ثم آثر أن يرجىء ذلك إلى ما بعد صلاة الجمعة، حين سيلتقي الجميع، وعاد إلى البئر·
كان البغل قد توقف عن الدوران مؤثراً الراحة، وماء الجابية قد نقص كثيراً· فتوجه الرجل المأزوم إلى البغل وأحكم شد أربطته· وعاد الماء يسيل محدثاً خريره المألوف· وسرى صخب الحياة في صباح القرية· وارتفعت الشمس لضحوتها المشرقة مبشرة بيوم قائظ جديد· وازداد لمعان أوراق النبات وهي تودع آخر قطرات الندى· وانتظمت حلقات لعب الأولاد قريباً من البئر· وكان ولد يتباهى بصخب بعدد الدبابير التي تمكن من الإمساك بها· واشتدت حركة النساء رائحات غاديات لملء جرارهن·
أسند الشيخ ظهره إلى حائط الجابية، يرقب بصمت هذه الحياة الناشطة· واخذت نفسه تهدأ شيئاً فشيئاً· وكأنما أفرغت محادثته مع المختار ما كان يوتره، فانتظمت أفكاره: لا يصح أن يظلوا سبَّةً في أعين الآخرين؛ لأن المختار يثق بصديقه الانجليزي· سيتحدث في موعظة الجمعة عن الجهاد، وسيذكر الناس بأن المؤمنين إخوة كالبنيان المرصوص، وأنهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، سيروي لهم قصة الذين قعدوا عن الجهاد أيام الرسول وكيف كان عقابهم· وسيتحدث مع الوجهاء بعد الصلاة· واستقر رأيه على ذلك فنهض وهو يردد لنفسه: “ليقضي الله أمراً كان مفعولاً” وأدرك من صوت الماء الذي خفت أن الجابية قد امتلأت· فأوقف البغل وفك أربطته ثم أخذه إلى مكان معشب وتركه يرعى· وعاد فأسال الماء على المساكب ووقف يتأملها وهي تستقبل وجبتها اليومية مع بداية القيظ·
Page 8
لاحظت أم حسان حين استيقظت أن الشيخ لم يتناول فطوره، فسلقت بيضتين ووضعت رغيفاً وملحاً وفلفلاً مطحوناً في صرة، وحملتها إليه يرافقها حسان· لم يفاجأ الشيخ حين رآهما مقبلين· كان مزاجه قد راق فبادل زوجته تحية باشّة· وتقبل برضى حركة حسان حين وقف بجانبه واحتضن خاصرته بأحد ذراعيه·
- قلت أجيب لك إشي توكله·
- بارك الله فيك، الأفضل نروح للدار، نوكل هناك·
وانتشل من مسكب قريب بعض رؤوس الفجل· وقطع أوراقاً من البصل· وعادت الأسرة إلى دارها·
وفي الدار، أكل واغتسل استعداداً للصلاة· ثم تمدد ليستريح بانتظار حلول موعد الأذان· وقد غلبه النعاس فاستغرق في النوم· وفي الحلم رأى نفسه في الأزهر يجلس في حلقة الشيخ الذي كان يحفظّهم الحديث النبوي· ورأى شيخه يشير إليه كي يعيد قراءة الحديث الذي حفظهم إياه في اليوم السابق، فيكتشف أنه لا يحفظه ويتجاهل إشارة الشيخ وكأنها موجهة لسواه· غير أن الشيخ يقول: “أنت يا فلسطيني اتل الحديث”، فلا يملك أن يتجاهل الأمر بل يقف متردداً وشيخه يلح· وتختفي حلقة الطلاب فلا يبقى في الرواق سواه هو وشيخه، وشيخه يزعق غاضباً بكلام لا يسمعه، وهو يحاول أن ينطق فلا يستطيع· ويسترعي انتباهَه وضعُ أعمدة الرواق: تستدير نحوه وكأنها رجال يلتفتون كلهم إليه وحده، ثم تثخن الأعمدة وتقصر، ويهبط السقف نحوه بمقدار ما تقصر الأعمدة، والشيخ ما يزال يزعق ويصبح بكلام غير مسموع ومسموع في الوقت نفسه، والفناء كله يضيق ويضيق، ومعه يضيق تنفسه الذي غدا صعباً، وهو يعرق ويجاهد لكي يبتلع قدراً كافياً من الهواء·
في مقدوري أن أحكي المزيد عن الحلم الذي رآه الشيخ، لكني أوثر ألا أثقل عليكم كما أثقل عليه حلمه، والواقع أنه لم يلبث أن استيقظ من ذلك الكرب فوجد امرأته تهزه بعنف·
- نمت وأفسدت وضوءك، قم شوف إيش صار!
- خير انشاء الله·
قالها تعقيباً على الحلم الذي رآه، وظنت هي أنه يسألها عما جرى·
- وصل مفزِّع من “بيت دراس” بيطلب النجدة·
- خير إن شاء الله·
- الهاجاناه هاجمتهم، والمعركة دايرة هناك من الفجر·
أيقظته هذه الكلمات، ومن المدهش أنه رغم أن النعاس كان ما يزال يسيطر عليه قد فهمها بجلاء، كأنما كان يتوقعها·
قالت زوجته: “صار وقت الصلاة”· قالت ذلك وقدمت له القمباز والجبّة، ثياب الإمامة، لكنه لم يرتدها، بل غادر الدار وهو يقول لزوجته:
- خلّي بالك من حسان!
- بقول لك وقت الصلاة صار·
- أنا رايح للبدرساوي، إن كانت قريتهم متضايقة لازم نعمل إشي·
فوقفت هي محتارة· وتمهل هو برهة أمام باب داره وحسان بجانبه، ورأى شاحنة عباس تقف في الساحة ونفراً من رجال القرية يحملون بنادقهم ويقفون بجانبها يتبادلون الحديث مع شاب غريب حزر أنه البدرساوي، فاتجه إليهم وهو يسير بهدوء·
- خير يا رجال؟
- خير إن شاء الله·
ثم شرع البدرساوي يشرح، والشيخ يصغي بنصف انتباه: هاجموا القرية من ثلاث جهات وهم الآن في الكروم، ورصاصهم يقطع طريق الإسفلت، القرية في ضيق···
التفت الشيخ لرجال قريته: “مستعدين؟”· ولم ينتظر الإجابة بل تابع مخاطباً حسان: “روح لجدك وقل له: أبوي عاوز الباروده”·
وهتف عباس: “حيّاك الله يا شيخ، بنروح كلنا بالسيارة”·
قال الشيخ: “اسبقوني! لازم ألبس”· وعاد إلى داره، ولبس القمباز والجبّة، ووضع العمامة، وقبّل حسان، وودع امرأته بكلمات قليلة، ولحق بهم·
Page 9
2
أوثر أن أعود بكم الآن إلى المختار الذي غادره الشيخ حسن تاركاً إياه وحيداً في مضافته· لقد أحس وليد أبو حامد بالانزعاج لأن الشيخ انصرف غير قانع، كما أحس، وهذا هو الأهم بالنسبة لحكايتنا، بأن الأمور تكاد تفلت من يده· ولم يكن المختار قليل الفهم أو الخبرة حتى لا يلحظ ذلك· والحقيقة أن إحساسه ذاك بدأ يساوره قبل الآن، فكان من شأن محادثته مع الشيخ أن تؤكد ذلك الإحساس فقط· صحيح أن كثيرين يجاملونه، غير أنه يقرأ في عيونهم غير ما يسمعه من ألسنتهم· وقد لازمه القلق، فهو يدرك أن فيما يقول الشيخ وجه حق· وهو يجهد في أن يخفي قلقه عن الآخرين، لكنه لا يفلح في أن يخفيه عن نفسه·
انتظر المختار في المضافة بعض الوقت· وحين لم يزره أحد، ارتدى الرجل القلق ملابس الخروج وغطى رأسه بالحطة البيضاء والعقال الأسود الغليظ، وغادر الدار من غير أن يحدد لنفسه وجهة بعينها، وتمشى وحيداً في طرف القرية، ثمّ عزم على أن يقوم بجولة بين الحقول·
كان لوليد أبي حامد منطقه الخاص· والحقيقة أنه لم يكن ضد الجهاد كما يتصور منتقدوه، لكنه لم يكن متحمساً له· وكان يعتقد أن هذه “الدوشة” التي تشغل البلاد سوف تنتهي إلى نتيجة ما، ومن الخير لقريتهم أن تتجنب المتاعب وتترقب النتيحة التي ستقع بمشاركتها أو بغير مشاركتها· وفي الحق أن أنباء تهجير السكان من قرى شمال فلسطين والفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية قد هزت قناعته بعض الشيء، إلا أنه ظلّ يتمسك بأمل السلامة· وكان يصعب عليه أن يتراجع عن رأيه، وقد يحدث شيء يوقف المجازر، وإذا لم يحدث فإن الموقف الذي اختاره للقرية سيجعل اليهود رحيمين بها، ولعلهم يوفرونها فعلاً، كما وعدوا، فلا يهاجمونها· وقد أكد له الكابتن أكثر من مرة أنه تحدث بنفسه مع قادة الهاجاناة وحصل منهم على وعود، واقترن ترديد تلك الوعود بالخدمات التي كان الكابتن يقدمها له، وهي خدمات لصالح أبناء القرية·
وبوسعي أن أضيف إلى هذه السلسلة من الأفكار، التي كان المختار يرددها بينه وبين نفسه، فكرة أخرى لا يعيها هو: إن خوفه من مجابهة ناس السلطة قد تأصل في نفسه طيلة عشرات السنين التي أمضاها في المخترة منذ أيام حكم الأتراك· وحين كانت شكوكه بصحة موقفه تشتد، كان خوفه هذا يتغلب على الشكوك ويحفزه على إيجاد مبررات يقنع بها نفسه·
Page 10
امتدت أمام ناظريه، وهو يسير، الحقول بزرعها الذي تهيئه الشمس للحصاد القريب، سنابل الشعير مكتملة النضج، وسنابلُ القمح التي ما زالت تحتفظ بشيء من خضرتها، يلوح لونها متموجاً تحت ضوء الشمس، وقد انتصبت عيدانها بينما مالت هي ذات اليمين وذات الشمال· وبين وقت وآخر، كانت قدماه تقودانه وسط حقل للعدس أو الحمص، نبتات خضراء متجاورة شقت الأرض واكتسبت حقها في الحياة· والحقول بالنسبة له لها شخصياتها المتميزة، إنه يعرف أرض القرية شبراً شبراً كما اعتاد أن يقول· ومنذ أشرف بنفسه على إنهاء شيوع الأرض وتوزيعها على الأسر وهو يعرف تاريخ كل حقل، من مَلَكه والذين توارثوه، والذين زرعوه بالأجرة أو بالمحاصصة، ويعرف شؤون هؤلاء وهؤلاء، كيف يعيشون ومقدار الديون على كل واحد منهم وممن استدان· وما من صاحب حقل إلا سبق أن قدم هو له خدمة ما، وها هم اليوم يتنكرون لجمائله ويثيرون له المصاعب· يحرضهم الشيخ حسن فيستمعون إليه، ويوشوش في آذانهم مجاهدو القرى الأخرى فيؤخذون بكلامهم· ولكنه ما زال هو هو، وليد أبو حامد، وهو يعرف كيف يواجههم كلهم إذا اقتضى الأمر· ووجد نفسه في واحد من حقوله فجلس وسطه، وأخرج علبة تبغه، ولف سيكارة أخذ منها أنفاساً قليلة ثم عافها فرماها ونهض وفركها بحذائه· واستأنف السير على غير هدى تقريباً حتى أدركه وقت الصلاة· فكرَّ عائداً إلى القرية·
بوسعكم أن تحزروا أن أول فلاح لقيه المختار عند طرف القرية قد أنبأه عن مغادرة النجدة إلى “بيت دراس” وأستطيع أن أقول لكم إن رد فعله كان متناقضاً· اختلط الإحساس بالغيظ مع الإحساس بالراحة· قد يبدو هذا مستغرباً ولكنه هو ما حصل· ومن الحق أن الإحساسين لم يكونا على الدرجة نفسها من الشدة في كل وقت، ويصح أن أقول إنهما كانا يتناوبانه الواحد تلو الآخر: كان يكفي أن تقابله نظرة ذات مغزى من فلاح عابر أو تحية ذات رنّة خاصة حتى يتأجج غيظه، ثم يكفي أن يعود لنفسه برهة فيرى أن ما كان يشبه الدمل قد انفثأ فيحس بالراحة· ولنقل إنه كان مضطرباً، وقد انعكس اضطرابه في خطواته السريعة التي كانت تقوده إلى داره· ووضعت الصدف أم حسان في طريقه، لاحظها وهي تمضي مقبلة نحوه، ثم لاحظها حين انحرفت عن وسط الطريق محاولة تجنّبه، فاستفزته هذه الحركة، فاعترض طريقها متعمداً، واستوقفها·
- انت يا أم حسان، إيش رايك؟
- عن إيش بتسأل يا عمّ؟
- عن اللي عمله زوجك·
- كفى الله الشر، إيش عمل؟
- عامله حالك مش عارفه، ركب راسه، وخالف راي القرية·
- أبو حسان حر ياعم· وهو ما راحش لوحده·
وقد ضربت إجابتها على الوتر الحساس في دخيلة نفسه·