eKtab
EN ع
بيت
Page 1
الطغرائي
 
هذا جزاءُ امرئٍ اقراُنه درجوا
 
مِنْ قبلهِ··· فتمَّنى فُسحَةَ الأَجَلِ
 
تجربة إنسانية مؤلمة أن يتمنى المرء أن يطول بقاؤه، وتتحقق الأمنية، ويموت أصحابه ورفاقه، ويبقى وحيداً، وتعود أمنيته القديمة وبالاً عليه·
 
حدثني الصديق العزيز يوسف الشيراوي أن أباه، رحمه الله، كان في أيامه الأخيرة في شبه غيبوبة· وذات يوم أفاق ونظر إلى يوسف الذي سأله عن حالته فما كان من أبيه إلاّ أن قال: هذا جزاء أمريء!، وعاد إلى الغيبوبة·
 
ومنذ أيام قليلة كنت أتحدث مع الصديق الأديب الدكتور حسين العمري سفير اليمن في بريطانيا وكنت أبدي اسفي لفراقه بعد أن عُيّن عضواً في مجلس الشورى في اليمن، مما يعني أنه سيغادر لندن قريباً وأضفت، مُتحدثاً عن نفسي : هذا جُزاء أمريءٍ !· أخرج الصديق، على الفور، من محفظته ورقة كُتَبِ عليها البيت : سألته عن السبب الذي دفعه إلى الاحتفاظ بالبيت في محفظته، فقال إن قريباً له عُمّر حتى شعر بالوهن فأخذ، في أيامه الأخيرة، يردّد البيت· أضاف الصديق أنه خاف أن ينسى البيت فبادر إلى كتابته·
 
عندما يتحدّث بيت شعر عن تجربة إنسانية يحسّ بها الناس في كل مكان، يرويه الناس في كل مكان، وهذا شأن هذا البيت الرائع·
Page 2
عروة بن الورد
 
فيا للناس ! كيف غلبت نفسي
 
على شيء·· ويكرهه ضميري ؟
 
يقول الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في مذكّراته أنه كلما اتخذ قراراً يختلف عن القرار الذي تمليه طبيعته ندم على هذا القرار· وأحسب أن التجربة التي يتحدث عنها نيكسون تجربة مرّت بالناس أجمعين· يشعر المرأ، أحياناً، على نحو غريزي قاطع، أنه يجب أن يتخذ موقفاً معيّناً، وتجبره الضغوط، بمختلف أنواعها، على أن يتخذ موقفاً آخر، فتكون النتيجة الحتمية الندم·
 
وهذا هو عروة بن الورد، روبن هود الجاهلية، يتحدث، بحسرة، عن اضطراره إلى القبول بشيء يرفضه ضميره· ومن أين جاء الاضطرار ؟ انظر إلى هذا التلميح البديع : فيا للناس ! لم يكن شاعرنا بحاجة إلى أن يضيف أن الناس هم الذين دفعوه دفعاً إلى القبول بما لا يرضاه ضميره· وهنا فرق من الفروق الكثيرة بين الشعر والنثر : الشعر يومئ ويشير، والنثر يفصّل ويطنب·
 
حسناً ! إذا كنت واثقاً من سلامة موقفك، واثقاً من أنك تتبع صوت ضميرك، فلا تترك لأحد الفرصة في أن يجرّك إلى حيث لا تريد أن تذهب، وإلا وجدت نفسك، بعد فوات الآوان، تردد مع عروة بيته المأساوي هذا !
Page 3
أحمد عبد المعطي حجازي
 
يا ويله·· من لم يُحبّْ
 
كل الزمان حول قلبه شتاء
 
كنا، الصديق الشاعر عبد الرحمن رفيع وأنا، ندرس في القاهرة ولا يمر بنا يوم واحد دون أن نكتب قصيدة جديدة أو نكتشف قصيدة جديدة· وكان من رواد بوفيه كلية الحقوق في تلك الفترة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكان يكبرنا - والمعذرة من الأستاذ أحمد - بسنتين أو ثلاث· وكان ينشر قصائده في الآداب وكنا نتابع ما ينشر بنهم· كنا نحفظ الكثير مما كان ينشر ومن ضمن ما كنا نحفظ هذا البيت ( التفعيلي لا الكلاسيكي )·
 
لا أحسب أن أحمد كان قد بلغ العشرين عندما قال بيته هذا، ولم نكن، عبد الرحمن وأنا، قد بلغنا هذه السن، ومع ذلك شعرنا، في سن الربيع والدفء والحرّية، في سن الانطلاق والمغامرة والخطر، شعرنا، نحن الثلاثة، أن الحياة، بكل احتفالاتها بنفسها وبالشباب، تتحول إلى شتاء، إذا لم تنبض خفقات القلب بالحب الحقيقي·
 
الآن، تجاوزنا، نحن الثلاثة، الستّين، ولم أر أحمد منذ أيام الدراسة في القاهرة، إلا أن مرور السنين لم يمح البيت من الذاكرة، ولم يمح التجربة التي يتضمنها من الأعماق· ما أصدقك يا أحمد : كل الزمان حول قلبه شتاء !، أي والله، كل الزمان !
Page 4
إبراهيم ناجي
 
آه ! يا قبلة أقدامي إذا
 
شَكَتْ الأقدامُ أشواكَ الطريقْ
 
في العصور السحيقة السحيقة، عصور ما قبل التاريخ، في العصور التي لا يذكر أحد هل وجدت فعلاً أم أنها عاشت في خيال مراهق، كان هناك شاب شاعر، يسير بقرب الأهرام، في ليلة قمراء، ويرددّ بيت ناجي، ويلفظ كلمة قُبلة بضم القاف، بدلاً من كسرها·
 
خُيّل إلى العاشق الحالم أن صديقة مجهولة تعاتبه على عبثه بالبيت:
 
- قال ناجي قِبلة - بكسر القاف·
 
- لا ! قالها بضم القاف·
 
- السياق كله يشير إلى أن المقصود الكلمة بكسر القاف·
 
- لا ! السياق يشير إلى العكس·
 
- ماذا تقصد ؟
 
- ماذا يفيد ناجي أن تتجه أقدامه إليها، ما دامت اقدامه تعاني شوك الطريق ؟
 
- يقصد أن اتجاهه نحوها ينسيه الأشواك·
 
- ألا ترين أن الأجمل أن يقول أن كل خطوة يخطوها نحوها تتحول إلى قبلة - بضم القاف - تزيل تأثير الأشواك ؟
 
- لم أر أحداً غيرك يروي البيت بهذا الشكل·
 
- حسناً ! ناجي صديقي الروحي وأنا ابخص بشعره·
 
- أبخص؟!!··
 
ذهبت الأمسية الخيالية، والصديقة الخيالية، ولا تزال الأشواك تدمي الأقدام - بلا قبلة ( بضم القاف ) تداوي الجراح !
Page 5
عباس محمود العقاد
 
مات لم يَدُرجْ··· ولم يَلعبْ·· ولم
 
يشهد الدنيا·· ولم يعَرف أباهْ
 
أبدع العقاد في عدد من المجالات، منها - دون حصر - الكتابات التاريخية والأدبية والفلسفية والسياسية، إلا أنه كان يعتبر نفسه، قبل كل شيء، وبعد كل شيء، شاعراً· وقد أصدر عدداً من الدواوين الضخمة أحسبها تجاوزت العشرة· وذات يوم بايعه طه حسين أميراً للشعراء، قد يكون فعل هذا لا حباً في علي وإنما بغضاً لمعاوية والعلاقة بين طه حسين والعقاد من التعقيد بحث تحتاج إلى كتاب مستقل، وليس هذا مجالها·
 
المهم أن الباحث في دواوين العقاد يخرج بقرابة ثلاثين - وفي أكثر الحالات أربعين - بيتاً جميلاً· والبيت الذي نحن بصدده واحد منها· يتحدث العقاد عن الحب الذي وُئدِ في المهد - وتشبيه الحب الغائب بالطفل الصغير الغائب ليس فتحاً شعرياً عقادياً· الجميل في البيت هو هذه التفاصيل التي ذهب الحب الطفل دون أن يعرفها : لم يُقّدر له أن يحبو، أو أن يلعب، ولم يستمتع بمرأى الدنيا حوله·
 
إلا أن الهّزة الشعرية لا تجيء إلا مع آخر البيت لم يعرف أباه فاجع أن يموت طفل، أما أن يموت دون أن يعرف أباه فتلك فاجعة الفواجع· هذا البيت، وحده، يغفر للعقاد مجلدات ضخمة من النظم الموزون المقفى·
 
وبعد : لم يعرف أباه - هذه ثلاث كلمات تحمل الكثير من المعاني· إذا إستطعت، عزيزي القارئ، أن تصل إلى ثلاثة منها، فإعلم أنك متذوق جيد للشعر·
 
لا تذهب بهدوء DO NOT GO GENTLE
 
في تلك الليلة الطيّبة INTO THAT GOOD NIGHT
 
ديلون توماس
 
لا بُدّ أن أعترف أن ترجمتي لهذا البيت - إن جاز لنا أن نعتبر مفردات الشعر الإنجليزي أبياتاً - ليست الترجمة الوحيدة المقبولة· كان من الممكن أن أقول لا تذهب برفق أو لا تذهب بوداعة وليلة طيبة - كما يعرف من له أدنى معرفة باللغة الإنجليزية - يمكن أن تعني تصبح على خير ٌ . كان بالإمكان أن تجيء الترجمة مختلفة تماماً :
 
لا تقل لي تصبح على خير ٌ ···
 
(وتموت )···
 
وأنت هادئ ساكن وديع··
 
لاتهم الترجمة كثيراً· الشاعر يتجه إلى أبيه المحتضر، محتجاً على موته بسكينة، طالباً منه أن يموت وهو يصرخ، أن يحتج على مصرع الحياة، أن يرحل وهو غاضب، ألاّ يعرف الطمأنينة حتّى في الموت·
 
هذا موقف يختلف عن مواقف الوداع المألوفة· حتى في الغرب المضطرب يكتب الناس على شاهد القبر نم في سلام· إلا أن الشاعر كان إنساناً خارجاً عن المألوف، عاش حياته القصيرة ثائراً متمرداً، يسير من حب عاصف فاشل إلى حب عاصف فاشل، حتى قتله حبه العاصف للكحول·
 
بيت عجيب بعض الشيء· رجل عجيب بعض الشيء· ولكن أليس من الطبيعي أن يقول الناس العجيبون أشياء عجيبة ؟ والسؤال الأهم : لو قال الشاعر اذهب بهدوء هل كانت قصيدته ستصبح واحة من أشهر القصائد في الشعر الإنجليزي الحديث ؟
Page 6
القاضي عياض
 
كلانا ناظر قمراً·· ولكن
 
رأيتُ بعينها·· ورأْت بعيني
 
قائل هذا البيت عالم شهير من علماء الشريعة قيل عنه إمام وقته في الفقه والحديث وعلومهما وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على أن القطيعة المزعومة بين الفقه والشعر لم تجيء إلا مع قوم لا يفقهون شيئاً عن الفقه أو عن الشعر· إلا أن هذا - كله - قضية أخرى·
 
القضية، الآن، هذا البيت· الكثيرون، عبر السنين، رددوه وأعجبوا به، ولكن ماذا يريد شاعرنا أن يقول ؟ بإمكانك، إذا شئت، أن تفهم البيت الفهم التقليدي وهو أننا - أنا وهي - امتزجنا نهائياً حتى أصبحت ترى القمر بعيني وأراه بعينها· وبإمكانك، إذا أردت أن تغرب بعض الشيء، أن تفهم البيت على هذا النحو : حوّل الحب كلاً منا إلى قمر، ولما كان القمر لا يرى نفسه بنفسه، فقد إضّطررت إلى الاستعانة بعينها لرؤيتي، واضطرّت هي إلى الاستعانة بعيني لرؤية نفسها· وبوسعك، إذا عنّ لك، أن تفهمه على النحو الذي أفهمه أنا : كان القمر في السماء، ولكن لم أره مباشرة ولم تره مباشرة، رأته منعكساً في عيني، ورأيته منعكساً في عينها·
 
لك أن تختار بين كل هذه المعاني ولك أن تضيف معنىً رابعاً أو خامساً· للشعر، وللقمر، وللحب، أكثر من وجه واحد !
Page 7
المتنبي
 
وقفتَ وما في الموت شكٌ لواقفٍ
 
كأنّك في جَفن الردى·· وهو نائمُ
 
شُرّاح المتنبي - بلا إستثناء تقريباً - فهموا هذا البيت الجميل على هذا النحو القبيح : لقد كنت شجاعاً، يا سيف الدولة، كأن الموت قد أغمض عينه فلم يعد يراك، وكيف يراك وأنت داخل جفنه وهو مطبق جفنه ؟
 
المعذرة أيها ا لأستاذ - والتعبير للصديق الطيب صالح -، المعذرة يا عمنا الضخم - والتعبير للشاعر محمد العلي - إغفر لشرّاحك فإنهم، أحياناً، يهرفون بما لا يعرفون ويتحدثون عن ما يجهلون·
 
المعنى، يا قوم، انك كنت شجاعاً رغم يقينك القاطع أنك ستموت، وهل هناك يقين أعظم من أن يأخذك الموت ويطبق جفنه عليك؟!
 
إذا قلت لأجبن خلق الله، اذهب فإن الموت نائم لا يراك، فسوف يتحوّل، فوراً إلى أشجع خلق الله· كيف يخاف من الموت من يعتقد أن الموت لا يراه ؟! وأي نوع من أنواع الشجاعة هذا ؟! وأي ضرب من ضروب المديح هذا ؟!
 
حسنا! سيف الدولة - الذي كان يتذوق الشعر - فهم المقصود، أما سادتي الشرّاح العظام فليس لي معهم من كلام سوى بيت آخر من أبيات الأستاذ:
 
ولكـــن تأخــــذ الآذان منــه
 
على قــدر القرائــــح والعلـــــــومِ
Page 8
أحمد شوقي
 
ألا ليت البلاد لها قلوب
 
كما للناس، تنفطر التياعا
 
وارحمتاه لأحمد شوقي ! يُنصّب أميراً للشعراء، يوماً، ويجيء من ينفي عنه صفة الشعر كليّة، في يوم ثان· وما زال هذا الشاعر يتأرجح بين غلوّ المعجبين وغلوّ الكارهين، بين الذين يصرّون أنه ما للشعراء من أمير سوى شاعرالأمير، وبين الذين يرون أن شعر شوقي نظم سقيم في المناسبات مع استثناءات لا تكاد تذكر·
 
حسناً ! بدأ غلوّ المحبين يخفت، وبدأ غلوّ الكارهين، يخف، وعندما تهدأ العواصف، وكل العواصف تهدأ بعد حين، سيبقى شوقي شاعراً حقيقياً، لا أقل من هذا، ولا أكثر·
 
حديثي الآن، ليس عن شوقي: حديثي عن بيت واحد من أبياته· تنفطر قلوبنا لوعة ونحن نغادر مدينة أحببناها وأحببنا من فيها، وتسيل الدموع في الميناء أو في محطة القطار أو في المطار، وتنهمر الدموع بصمت في الداخل، والمدينة تقف، بكل جمالها، بكل كبريائها، بكل إغرائها، دون أن تشعر بالدموع التي تسيل أسـى لفراقها· أليسـت هذه قسمة ضيزي ؟! ألم يكن الوفاء يتطلب من المدينة، أن تفعل شيئاً، أي شيء، يدلّ على أنها أحسّت بغياب هذا الذي يودّعها وقلبه ينفطر ؟!
 
سمى أحمد عبد المعطي حجازي ديوانه الأول مدينة بلا قلب، وغضب من غضب، والحقيقة أنه لم يكذب· وكل المدن، رغم، أمنية شوقي الدامعة، غابات من الأسمنت والحديد بلا قلــوب !
Page 9
أحمد الصافي النجفي
 
هيهــــات تفـلـــتُ من يــــــدي أبـــــدا
 
ديوانَ شعــــريَ ضمّهــــا ضمّـــــا
 
على مقاهي بيروت ودمشق وبغداد في الخمسينات والستينات، كان يتردد شيخ نحيل زري المنظر، كئيب الهيئة، يرتدي نظارة طبية سميكة، ورداءاً عربياً مُمزّقاً، يمر به الناس فيزدرونه، ولا يعرف أحد أنه شاعر من أكبر شعراء العرب في القرن العشرن، هو أحمد الصافي النجفي·
 
والشعراء يتعاملون مع دمامتهم بوسيلتين مختلفتين، إما الإغراق في النرجسية، أو الإغراق في السخرية من الذات· وشاعرنا طرق البابين، ففي شعره تضخيم مرضي للذات، وفي شعره سخرية لاذعة من الذات·على أن الشاعر، مهما كان دميماً، يستطيع أن يهرب من دنيا الواقع التي لا تحبه فيها امرأة، إلى دنيا الشعر حيث تحبه كل امرأة· وشاعرنا لم يكن بدعاً بين الشعراء حين حوّل الحبيبات الهاجرات، في شعره، إلى حبيبات ملهمات عاشقات·
 
إلا أن شاعرنا، في هذا البيت، لم يكتف بذلك· لم يكتف بتحويل المرأة التي لا تحبه إلى امرأة تذوب فيه هياماً، بل جعلها سجينة يمتلكها ويغلق عليها الباب، ويرمي المفتاح· هذه السجينة هيهات - أي من المحال - أن تفلت من يده - والإفلات لا يمكن أن يعني إلا الهرب من سجن حقيقي· وهذا الإفلات لن يتم أبداً - ولا ضرورة لأبداً بعد هيهات، ولكنه تأكيد المؤكد· وديوان شعر صاحبنا بدل أن يكون حديقة ناعمة تحتوي العاشقة بين ورودها وزهورها، كما هو المفترض، يصبح قفصاً حديدياً يضمها ضمّا مرة أخرى، يجيء المفعول المطلق لتأكيد المؤكد·
 
عاطفة وحشية، حقاً، هي التي يعبر عنها شاعرنا في هذا البيت، عاطفة لا نبالغ إذا اعتبرناها إغتصاباً شعرياً من حسن حظ الشاعر أن المحاكم لا تحاسب على هذا الاغتصاب الوهمي، كما تحاسب على الاغتصاب الحقيقي، وإلا لقضى شاعرنا في السجون وقتاً أكثر مما قضاه في المقاهي·
 
لم يبـــق للجــور في أيامهـــم أثرٌ
 
إلاّ الذي في عيون الغيــد من حَــوَرِ شاعر اندلسي
 
سامح الله هذا الشاعر الأندلسي المجهول، فقد أضاع علينا ساعة ثمينة قضيناها نناقش بيته هذا، بدلاً من أن نتمتع بجمال الطبيعة الأخّاذ في أبها·
 
وتفصيل ذلك أننا، الدكتور عبد العزيز الخويطر والدكتور سليمان السليم، وكاتب هذه السطور، كنا، ذات يوم، في أبها الحسناء، في معية جلالة الملك خالد بن عبد العزيز، رحمه الله وكنا في سيارة واحدة عندما خطر لي أن أعاتب الدكتور الخويطر على المدح العظيم الذي أسبغه على هذا البيت في مقال له ظهر في تلك الفترة، وقلت أنني - بصراحة - لم أفهم البيت، ولا أستطيع أن أعجب بشيء لا أفهمه· ودافع أبو محمد بحماسة خويطرية مشتعلة عن البيت·
 
دار نقاش طويل بيننا، نحن الثلاثة، حتى توصلنا إلى ما يشبه اٍلاتفاق أن الشاعر يزعم أن الجور قد أختفت آثاره في أيام ملوك الطوائف الممدوحين، حتى لم يبق هناك أي جور سوى ذلك الذي تمارسه العيون الحوراء·
 
حسناً ! هذا غلوّ لا أسيغه من ناحية· واعتبار جمال العيون الحوراء - ولا حيلة للمرأة في جمال عيونها - ظلماً مغالطة لا أقبلها من ناحية ثانية· حاول شاعرنا التغزل في ممدوحيه وفي الحسان فلم يوفق في أي من هدفيه - غالى في المدح وتجنى على الحسان· المعذرة من جديد لأستاذنا الدكتور الخويطر، والتحية للدكتور السليم الذي آثر السلامة فوقف على الحياد، ولم يصفق للبيت ولم يستهجنه، وللقراء الكرام الرأي الأخير·
Page 10
معروف الصافي
 
تنظّمنُـــا الأيـــام شِعــراً وإنمـــا
 
تـــردّ المنايـــا ما نظمــــن إلى النثـــرِ
 
يبدو أن للشعر، في كل الحضارات، سحراً، يجعله يختلف، جملةً وتفصيلاً، عن النثر، حتى في اللغة الإنجليزية الباردة يصف الناس الكلام البارد بأنه نثري PROSAIC· أما في اللغة العربية، أم الشعر والشعراء، فالقضية مختصرة ببساطة شديدة في شطر شوقي الشهير أنتم الناس أيها الشعراء وماذ عن غير الشعراء ؟ من الأفضل أن نتجاهل هذا السؤال ٌ·
 
على أن الهجوم القاسي من الشعراء على النثر ( والناثرين ) يبلغ ذروته في هذا البيت للشاعر معروف الرصافي الذي كان، رغم هذا الهجوم العاصف، يكتب كتابات نثرية لا بأس بها· الشعر، في هذا البيت، حياة - أما النثر فموت، والشعراء بالضرورة، هو وحدهم الأحياء، أما الناثرون فهم، بمفهوم المخالفة، من الأموات·
 
حسناً لعلّني الشاعر ( أو الشويعر ٌ) الوحيد في التاريخ الذي كان ولا يزال يقول أن الشعر، من حيث المبدأ، لا يتمتع بأي ميزة على النثر· هناك أطنان من النظم السقيم، الملقب شعراً، وهناك الكثير من النثر الجميل الذي يفوق أي قصيدة في روعته، وتأثيره، وفي الهزة الشهيرة التي لا بُدّ أن تصحب الشعر·
 
هل لنرجسيات الشعراء نهاية ؟ لا· يهاجمون الدنيا كلها ويشتكون، بعد ذلك، من الحسّاد ٌ ·