eKtab
EN ع
بيت العدل
Read free sample

بيت العدل

by إيناس طه عامر

Page 1

إهداء

" يا ضفاف النيل بالله ويا خضر الروابي
هل رأيتن على النهر فتى غض الاهاب
أسمر الجبهة كالخمرة في النور المذاب
سابحاً في زورق من صنع احلام الشباب
ان يكن مر وحيّى من بعيد او قريب
فصفيه واعيدي وصفه فهو حبيبي "
ــ .... إلى حبيبى .. ذلك الفتى أسمر الجبهة غض الإهاب .. إلى من ظل عمره سابحا فى زورق من صنع أحلام الشباب ، محلقا فى سماء عالم عصى على " الترجمة " إلى مفردات عصرنا الإستهلاكى الحالى حتى أيقن أن عليه أن يسبح بزورقه إلى عالم آخر .. قد يكون فيه الآن جالسا مستمتعا بغناء عبد الوهاب توأم وجدانه يتصفح ضفاف النيل أو ضفاف أنهر أروع فى جنة الخلد .. إلى من أعارنى ملامحه و بث فى نبضه .. و اقتسم معى روحه .. فكان هو أنا و كنت أنا هو .. إلى من يساءلنى كتفى عن دفىء راحتيه .. و يساءلنى المرح و البهجة عن صاحبهما السمح البشوش .. إلى من تساءلنى أحرف القرآن الكريم عنه معلمها و ملقنها لى .. إلى أبى .. " آه لو شاركتنى أفراح قلبى "*
ــ إلى التى يتعجب التسامح من تسامحها فكان إسمها دليلا إليه .. إلى من هى المادة الخام لإنكار الذات و رضا النفس .. إلى " عكازى " و عمودى الفقرى .. إلى خيمتى و وسادتى و فراشى .. إلى التى لا تزال تحمل فى رغم أننى ولدت من زمن ليس بقصير .. إلى التى انتظرت معى " العدل " طويلا .. طويلا و لم تدر أنها " عدلى " و أمنى الذى ظللت أبحث عنه عمرا بأكمله .. إلى أمى بارك الله لى فى عمرها و منحنى رضاها .
ــ أمى و أبى .. إليكما ذلك الطفل الذى إنتظرتماه منى طويلا .. ذلك الوليد الذى أنجبته و لم يمسسنى بشر و لم أك بغيا .. إليكما وليدى الذى حملتماه معى و قاسينا معا آلام مخاضه .. ذلك الوليد الذى يحمل اسمك يا أبى .. وليد ليس من لحم ودم و إنما من أحرف مدادها الروح و صدقها و ألمها وضعفها و قوتها و بهجتها و شجونها .. إليكما وليدى الأول الذى شهدتما تكوينه لحظة بلحظة .. اهديكما اياه .. مع كل حبى و عرفانى
ــ إلى الفارس الغائب الذى تأخر كثيراً .. لك كل الشكر فلولا تأخرك ما كان هذا العمل الأول الذى أعتز به ..
• * قصيدة كان يعشقها أبى رحمه الله و يرددها دوما .. و هى قصيدة "كليوباترا " شعر على محمود طه و ألحان غناء محمد عبد الوهاب
Page 2

خاص.. عام جدا

(مقدمة)

" العَدَلْ " كلمة دارجة ربما قل إستخدامها فى مجتمعنا هذه الأيام لكن مضمونها ما زال قائما رافعا ميزانه ليقدّر به " وزن " و قيمة الفتيات اللاتى ينتظرن فى طابوره أو طابور مؤسسته ألا و هى مؤسسة " الزواج " بالطبع .. و العَدَلْ كما هو واضح من حروف تلك الكلمة مشتق من " العْدْلْ " أو العدالة .. أو الفعل " يَعدِل " أى يحكم بالعدل بين الناس أو يفصل فيما بينهم .. كما أنها أيضاً تعنى " نصيب " أو قدر مثل أن نقول يعادل ثمنه كذا أى يساويه وقد تعنى أيضاً " يُعَدّل " أى يعيد صياغة الأشياء إلى قدر أقرب للصواب ، أى ما كان الإشتقاق الصحيح .. ترى ماذا حققت و تحقق المرأة فى مجتمعاتنا من قيمة هذه الكلمة إن كان عدلا أو تعديلا .. إنصافاً أو تصحيحا .. مساواة أو تقديراً ؟ و قبل أن يطرأ لذهن القارىء أن كلامى به قدر من التعالى أو التهكم على تلك المؤسسة المقدسة .. دعونى أصارحكم أننى كنت و ما زلت أرى أن هذه المؤسسة هى أعظم ما خلق الله تعالى من مؤسسات و من لم ينل شرف الإلتحاق بها مثل شخصى المتواضع هو إنسان حرم الكثير من متاع الدنيا و بهجتها و مرارتها أيضاً التى تلون طعم الحياة و تنكهها .. و لكن لنعد إلى كلمة " العدل " التى تشكل جزء من عنوان هذه المساحة الخاصة التى أقدمها لكم فى صورة سيرة ذاتية خاصة و عامة فى آن واحد .. إنها سيرة ذاتية لملايين من فتيات مصر .. بل و عالمنا العربى ذاته .. خاصة إذا ما نظرنا إلى مفهوم كلمة " العَدَلْ " بعد واحد و عشرين قرن من الزمان .. حققت فيه المرأة أصناف عديدة لما أطلق عليه التحرر و المساواة .. فهل كان ذلك حقاً المصطلح الصحيح الذى يصف حال المرأة العربية التى نالت قدر كبير من التعليم و حققت فيه مناصب مرموقة .. و هل قنعت المرأة بتلك المناصب و تلك المصطلحات بعيداً عن فكرة " العَدَلْ " ؟ و لست هنا بصدد مناقشة توافق أدوار المرأة .. فأنا بعيدة عنها كل البعد .. ما قصدته إذا حققت بالفعل المرأة العربية مناصب عدة لكنها نأيت عن تلك المؤسسة العريقة المقدسة بعد كل هذه القرون فهل بالفعل أن ذلك لن ينتقص من كيانها شىء ؟ و هل بالفعل أن الزواج فى أواخر القرن العشرين و أوائل القرن الواحد و العشرين أصبح مجرد شكلا إجتماعياً .. مكملاً لوجاهة المرأة و الرجل ؟ أم أنه لا يزال له نفس القيمة لدى الكثيرات و الكثيريين من الناس .. و أن فقدانه يعنى لهم فقدان الكثير أيضاً ؟ و هل المدنية الحديثة و خروج المرأة للتعليم و العمل أعلى من قيمتها بصرف النظر عن كونها متزوجة أم غير متزوجة .. أم أنه قدم نوع آخر من " العَدَلْ " المستتر تحت كلمات رنانة براقة تعنى التقدم و التطور و الحرية .. والمساواة بينما هى فى حقيقتها تعنى تسعير و تسليع المرأة .. كما كانت من قبل بل ربما أكثر بقيم جديدة و أدوات جديدة .. و موازين جديدة أيضاً ؟؟؟
وربما كانت هناك بعض المعالجات التى تناولت هذا الموضوع مرة بشكل جاد جاف ومؤلم .. ومرات بشكل هزلى لكنه مؤلم أيضا لكننى أزعم أننى حاولت أن أتناول الموضوع بشكل واقعى ينبع من حالة عادية جدا لإنسانة عادية جدا تمارس حياتها بشكل أقرب إلى الطبيعى تتألم لحظات وتشقى بنظرات الناس وكلامهم لحظات لكنها أيضا تضحك لحظات كثيرة وتسخر من حالها وحال المجتمع لحظات أكثر .. وتفكر أكثر .. وتتأمل فى جوانب الحياة أكثر.. تحاول أن تختبئ عن أعين الناس أوقات .. لكنها تنفض عن نفسها الشرنقة التى أحاطت نفسها بها فى وقت من الأوقات لتعود سريعا إلى مجتمعها تتفاعل معه وتنغمس فى مشاكله .. وتنصهر مع أحداثه .. تحزن لأحزانه .. وأيضا تستمتع بكل مباهج الحياة التى خلقها الله لنا .. بل وتختلس من مشكلتها ذاتها سببا يجعلها تحمد الله على ما هى فيه .. إذن هذه المذكرات وإن كانت تخصنى أنا شخصيا إلا أننى اعتقد أنها تخص الكثيرات بل والكثيريين أيضا ..وكذلك لم تنفصل هذه المذكرات برغم خصوصيتها عن أحداث عامة سياسية و إقتصادية و فنية و إجتماعية كثيرة شكلت خلفية للأحداث الخاصة جدا لى وأيضا ربما كانت فى الأساس أداة فاعلة جدا وصانعة لتلك المشكلة التى نحن بصددها .. ولذلك فإن هذه المذكرات لا تبدأ من حيث مرحلة العنوسة نفسها .. لكننى حاولت أن أبدأها من مرحلة الطفولة ففى إعتقادى أن أى مشكلة نواجهها تبدأ معنا من الجذور وتكبر شيئا فشيئا وقد أحيطت بمناخ عام وبيئة تساعد على نموها حتى تصير بالشكل الذى نواجهها عليه.. وقد كان الدافع فى البداية لكتابة هذه المذكرات دافعا غريبا إلى حد ما فقد تعودت أنا و شقيقتى حين نجلس لتبادل أطراف الحديث أن يكون هذا الموضوع هو المحطة الأولى التى نبدأ عندها وأيضا ينتهى بنا الحديث عند نفس المحطة نكون قبلها قد مررنا بمحطات شتى .. وكانت شقيقتى دائما تشكل لسان حال المجتمع فبرغم أنها تعرفنى معرفة خالصة وتعرف كل جوانب الموضوع وتعرف الظروف التى مرت بى إلا إنها غالبا ما كانت تتهمنى بأننى السبب فى عنوستى .. مثلها فى ذلك مثل باقى المجتمع الذى لا يلوم فى كل الأحوال إلا الفتاة التى فاتها قطار الزواج .. إما لأسباب خارجة عن إراداتها كأن تكون قبيحة الشكل مثلا أو بها عيب وسبب ما يجعل الرجال ينفرون منها أو لسبب تصنعه هى بيدها كأن تكون رافضة متعالية لا يعجبها العجب وأوصاف كثيرة تلحق بالفتاة وحدها وتحمل أوزار مشكلتها وحدها دون أن يعيب الرجل شيئ .. وكثيرا ما كنت أسهب فى الدفاع عن نفسى وعن كثير ممن هن فى مثل حالتى .. حتى ينتهى الحديث بنا إما " بخناقة " .. أو تجنب كل منا للأخرى وإعلان التوبة عن عودتنا إلى هذا الحديث مرة أخرى .. ولكن ما هى إلا أيام حتى نعود لتبادل الحديث معا وتتكرر الأحداث فى نفس المحطات وهكذا ..لكننى قررت فى إحدى المرات أن أكتب ما كنت أقوله فى " خطة دفاعى " الشفهية عنى وعن من هن مثلى .. و قررت أن أحاول أن أرى الأحداث بحيادية قدر الإمكان بحيث أرانى من خارج الصورة وليس من داخلها وفى نفس الوقت أشرح أحاسيسى بصدق شديد حتى أنقل هذه الأحاسيس كما هى لعل النظرة المتهمة لى تخف حدتها .. فأنا وحدى التى تخصها تلك الأحداث ولا أحد غيرى ..
ومن هنا بدأت كتابة هذه المذكرات .. وظلت حبيسة فترة لم يرها أحد حتى جاء يوم أطلعت عليها صديقى الوحيد الذى هو أبى ... ففاجأنى بقوله : " وكأننى أراك لأول مرة " ثم بدأ هو بإطلاع المقربين لنا عليها .. فإذا بى أواجه موجة رائعة من التشجيع والإستحسان ..أخجلتنى أشد الخجل ورفعت من روحى ومن طاقتى الإيجابية ما جعلنى أستعيد الثقة بنفسى بعد أن كنت قد فقدتها لعدد من السنوات .. و هو ما شجعنى أن أنشر هذه المذكرات التى تشكل جزءا عزيزا على .. تحمل عنوانا عاما هو " بيت العَدَلْ " ثم يحمل كل فصل منها عنوانا خاصا به .. وهى ليست متسلسلة زمنيا بمعنى أن كل فصل منفصل عن سابقه أو لاحقه ..
إذن .. فلتسمحوا لى أن أقدم لكم رؤية متواضعة من خلال حياتى الشخصية التى هى بالتأكيد تتلامس فى جوانبها مع ملايين من فتيات مصر و ربما فتيانها .. ممن عاشوا فى تلك الحقبة الزمنية بنفس الظروف و بنفس المؤثرات .. تلك الشريحة المجتمعية التى ولدت بعيد نكسة أو هزيمة 67 و مرت بطفولة عاصرت إنتصار 73 .. ثم مراهقة نشدت السلام و تخبطت مشاعرها مع بنود معاهدته .. و تلون وجدانها بالكثير من ألوان الفنون و الثقافة و الإقتصاد على إيقاع أحداث ساخنة أحياناً و فاترة أحياناً .. لكنه فى كل الأحيان أفرز تغيرا مجتمعياً شديد القوة و التأثير .. حتى إذا ما نضجت تلك الشريحة و تهيأت لدخول تلك المؤسسة الإجتماعية الأرحب و الأقدس مقدمة كل تلك المكونات المشكلة لشخصية شبابها كمسوغات تأهيل لتلك المؤسسة .. تأخر عليها الإيجاب لطلبها .. سنوات و سنوات و ربما للأبد .. بقى أن أقول أن تلك السيرة الذاتية كتبت فى عام 2006 م و ربما تغير لدى الآن الكثير من الرؤى عما كتبته و أحسسته فى وقتها بل إن كثير مما كتبته فى وقتها كان يعبر عن تلك الأحاسيس التى مررت بها بالفعل وقت حدوثها و ليس وقت كتابتها فكما يترك الزمن أثره على صفحة الوجه لابد و أن يترك بصمته على الرؤى و المشاعر و القناعات .. لذا فليس بالضرورة أن يكون رأيى فى بعض الأشخاص و الأحداث هو ذاته الذى أتبناه الآن و أكنه و أؤيده . أرجو أن أكون موفقة فى تلك الرؤية و ألا تكون مملة بالنسبة لكم .. و الآن فلنبدأ معاً الرحلة ..
Page 3

أطفال المفاتيح

أتذكر أننى كنت فى الصف الثالث أو الرابع الإبتدائى حين كنت أطالع تقرير صحفى منشور بجريدة الأخبار بعنوان ( أطفال المفاتيح ) فى صفحة كاملة .. كانت هى المرة الأولى التى أقرأ فيها موضوعا بهذا الحجم .. العنوان جذبنى .. لمسنى .. شعرت أنى مقصودة به .. فمنذ أن كنت فى الصف الثانى الإبتدائى حين خرجت أمى للعمل ، وأنا أعود من المدرسة لأنتظر أمى عند خالتى التى كانت تقطن فى الطابق الأسفل من الطابق الذى نسكنه ، ولكن ما لبثت خالتى وأسرتها أن سافروا إلى الخليج .. حتى باتت هناك مشكلة وهى إلى أين أعود حتى ترجع والدتى من العمل .. فكان بيت الجيران بديلا وذلك حينما كانت هناك تلك القربى والحميمية بين الجيران .. لكننى ضقت بهذا الحال فكنت أحيانا انتظر على السلم .. إلى أن قرر أبى وأمى أننى كبرت وأستطيع أن أتحمل مسؤلية ( مفتاح ) .. أتذكر كيف أخذت أول دورة تدريبية لى تعلمت فيها كيف أفتح الباب بالمفتاح دون أن ينكسر و كيف أغلقه أيضا .. والأهم كيف أخرج المفتاح وأضعه سريعا فى " الشنطة " حتى لا يضيع أو أنساه فى أى مكان .. منذ ذلك الحين أصبحت طفلة من " أطفال المفاتيح " حينها وبعد إتمام قراءتى لهذا الموضوع .. لم أسعد أن إسمى ورد ذكره فى " الجورنال " .. عفوا .. أقصد الفئة التى أصبحت أنتمى إليها .. أو أجد إرتياح لأن هناك من يشاركوننى تلك الصفة وتلك الظروف .. إو حتى لأننى وجدت من يتكلم نيابة عنى ويعطينى حيزا من الوجود فى هذا المجتمع و لكن كل الذى أذكره أننى ظللت اليوم كله مكتئبة وحزينة .. بل و أتالم لمثل من هم فى ظروفى وممن يشاركوننى هذه الصفة لم يكن الحزن والإكتئاب لأن الصفة رديئة أو إنى تصورته ذما أو تندرا أو حتى إحساس بالشفقة .. ولكن لأن هذا التقرير الصحفى قد مس " وجع " أشعر به منذ كنت بالصف الثانى الإبتدائى ولم أستطع أن أتحسسه ولا حتى أعرف مكانه .. فإذا بى حينما قرأت
هذا التقرير .. أتحسسه لأول مرة .. أعرف أن كلمة " وجع " ربما تكون كبيرة على مثل هذا الموقف ولكن ربما لأننا بنتان فقط لأب وأم كرسا حياتهما لإبنتيهما وحاولا قدر إمكانهما أن يجنبانا أى لحظة من لحظات الألم .. فنشأنا مرهفتى الحس إلى حد كبير .. مما جعلنى أستشعر عند قراءتى للموضوع تلك اللحظة التى أضع فيها المفتاح فى " كالون " الباب ليلف دورتين فينفتح الباب الذى يقودنى إلى فراغ أفتقد فيه حضن أمى وضمتها ويظل هذا الوجع يلح على حتى بعد أن تعود أمى لاهثة .. تتجه إلى المطبخ مباشرة لتجهز لنا الطعام .. حينها تتذكرنى فتسأل إن كنت قد أكلت " الساندوتشات " التى تعدها لنا حين تصحو من الفجر .. قبل أن تخرج لعملها .. وياللكارثة إن صارحتها بأننى أكلت هذه " الساندوتشات " حينما عدت إلى المنزل ربما كنت أفعل ذلك كى تملأ تلك الساندوتشات فراغا كبيرا يحيط بى فى كل مكان من البيت الهادئ الصامت البارد لم تكن فى تلك الأيام قد ظهرت كل أنواع "الشيبسى " والمقرمشات والحلوى المختلفة التى تملأ الأسواق الآن .. اللهم إلا نوع واحد أو إثنين وهما " العسلية " و " الفشار " وكثيرا أيضا ما حذرتنا أمى من هذه " العسلية " التى لا تعرف مصدرها و كيفية صنعها .. إذن نبهنى هذا الموضوع الصحفى وأرشدنى إلى مكان هذا الوجع .. يومها أخذت قرارا ظل حبيسا بداخلى حتى أخذت الثانوية العامة ودخلت الجامعة حينها أطلقت هذا القرار لينطلق فى فضاء رحب .. كان هذا القرار هو : إننى لن أعمل وإننى أنتظر اليوم الذى أتخرج فيه لأتزوج وأبقى فى المنزل .. أى أكون " ست بيت " وما العيب فى ذلك .. نعم.. فقد كنت دائما ما أخجل أن أقول ذلك فى مجتمع جديد أصبح يقدر عمل المرأة و تعليمها .. ولكنى كنت كثيرا إذا سُئلت وأنا طفلة عن المهنة التى أحب أن أمتهنها حينما أكبر .. أرفض تماما فكرة أن أكون دكتورة أو مهندسة كما كان الأطفال يرددون دائما وإنما كنت أقول لا أعرف أو أكتفى بالصمت .. لأنى كنت فى الواقع أتمنى أن أصبح " ست بيت " لم يكن الزواج بحد ذاته هو الحلم .. لكنه كان البيت .. فقد ظلت صورة البيت الهادئ الدافئ الذى تطرزه إمرأة بألوان شتى من الفنون والزخارف ، وتتطاير فى أنحاءه نغمات شتى لأغنيات جميلة أو موسيقى هادئة .. أصوات تنادى بعضها بعضا فى عز الظهر وليس فى المساء مثلما نجلس أمام مسلسل الساعة السابعة ونتابعه بشغف ونحن صامتون .. نعم صامتون لكن أنفاسنا تتردد بجانبنا فنشعر أننا معا.. لكننا أيضا نفتقد بجانبنا " نفس " أمى التى كانت أنفاسها تتردد فى حجرة أخرى لأتها كانت تغط فى نوم عميق يتيح لها الراحة من يوم عمل شاق وكذلك يتيح لها يوم عمل جديد سيبدأ فى الغد ظل هذا الحلم يراودنى .. " بيت " نعم " بيت" أريده أنيقا نظيفا مهندما .. ليس الزوج بالطبع لكنه " البيت " أركانه هادئة منمقة وقطع أثاثه بسيطة وقليلة فأنا لا أحب أبدا زحمة الأثاث فى مكان واحد .. بيت مرصع بفنون من صنع يداى .. وبه كنبة أو ربما كرسى كبير أجلس عليه بإشتياق أرمى عليه كل همومى .. أجلس عليه وكأننى أجلس على عرشى مستمتعة بكل تفاصيل حياتى اليومية .. مستمتعة بكونى إمرأة أتذكرنى فأجدنى حينها فى المرآة أبتسم إلىّ.. وأعود إلى عرشى من جديد أتمتم بالحمد لله على هذا الرضا وصفاء النفس .. إذن أنا قاب قوسين او أدنى من هذا الحلم أنتظره بفارغ الصبر .. أشتاقه فى كل لحظة .. لكننى وانا آخذة فى الحلم بذلك البيت نسيت تماما أن أضع تصورات واضحة لذلك الفارس الذى تنتظره كل الفتيات يأتيها على حصانه الأبيض .. نسيت تماما أن أتخيل ذلك الفارس الذى سيقدم لى هذا البيت .. كانت أول صدمة أو لنقل إفاقة أفقت عليها من ذلك الحلم حين طرق باب بيتنا أول عريس لى .. كان ذلك يوم زواج أختى لم يكن يريدنى أنا تحديدا بل كان مرشحا من قبل أحد الأقارب .. ربما يكون ذلك هو السبب فى أنى رفضته فأنا لا أعرف حتى الآن لماذا رفضت برغم حلمى الغالى المستمر معى .. ربما وهذا هو السبب الأرجح ان الفتاة لا تسعد كثيرا إذا كان أول الطارقين على بابهم هو نفسه زوج المستقبل فكم يسعد الفتاة ويشبع نهم الثرثرة والتفاخر عند أمها أن يقال " ياما جالها عرسان ورفضتهم " غير أن أمى فى الحقيقة التى كانت تضع يدها على قلبها لأن زواج أختى أتى على الأخضر واليابس من مدخرات الأسرة البسيطة .. فلم تلح على كثيرا فى أن أقبل ذلك العريس برغم إننى لم أكن صغيرة وقتها فقد كنت فى السنة النهائية بالجامعة أى قبل تخرجى ببضعة شهور ، لكننى رأيت وقتها أنه يجب على الإنتظار .. كان ذلك فى نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضى
وبدأت رحلة الإنتظار .........