Page 1
لمحة تاريخية
بدايات نشوء دور العلم والمكتبات
في حضارة وادي الرافدين
في البدء نود أن نؤكد على أنَّ لـ"بيت الحكمة العباسي" جذوره التي تضرب في أعماق التاريخ، أي في تراث العراق القديم أيام السومريين والبابليين والآشوريين هنا في بلاد بابل وفي العصر البابلي القديم، أي ابتداءاً ومن حدود عام 2000 ق.م. شهد العراق انبثاق واحدةٍ من أقدم الحركات العلمية والتعليمية في الشرق الأدنى القديم متمثلةً بعمل دؤوب على جمع وتدوين التراث السومري حرصاً على حفظه وخوفاً من ضياعه، بعد أن أصبحت اللغة السومرية في طريقها إلى الانقراض بعد سقوط سلالة أور الثالثة وهي آخر سلالة سومرية حاكمة في التاريخ في حدود 2006 ق.م. وقد لعبت دور التعليم آنذاك متمثلةً بالمدارس البابلية، الدور الرئيسي في هذه الحركة إذ كان يُدرَّس فيها اللغة السومرية وآدابها إلى جانب اللغة البابلية وتُجمع المفردات اللغوية في معاجم على ألواح الطين مع معانيها وشروحها بالبابلية. كما تمَّ تأليف معاجم أخرى جُمعت فيها أسماء الأشجار والنباتات والمعادن والأحجار الكريمة على اختلاف أنواعها إلى جانب أسماء الأسماك والطيور والحيوانات... وكانت مثل هذه الألواح تُستعمل بمثابة معاجم لدراسة علم الحيوان والنبات. وفي العصر البابلي القديم أيضاً تمَّ استنساخ كثير من المؤلَّفات الأدبية السومرية من ألواحها الأصلية. كما تمَّ تأليف أعمال أدبية أخرى باللغة البابلية كالملاحم والأساطير والتراتيل. وتُعد ملحمة كلكامش في نسختها البابلية إنموذجاً فريداً لمثل هذه الأعمال، إذ جرى توظيف عدد من القصص السومرية التي تدور حول شخصية ومآثر البطل السومري كلكامش في ملحمة جديدة باللغة البابلية تعد بحق من روائع الأدب العالمي القديم، إذ جاءت هذه الملحمة قديمةً في أصولها السومرية، جديدة في صورها ومضامينها البابلية. هذا وتدل ألواح الطين المكتشفة في هذا العصر والمدونة بمسائل رياضية على أنَّ البابليين قطعوا شوطاً كبيراً في علم الرياضيات والفلك. وقد أثبتت الألواح المدونة بمسائل هندسية في (تل حرمل) أنَّ البابليين سبقوا إقليدس في معرفة خواص المثلث القائم الزاوية بزمن يزيد على 1700 عام.
إنَّ هناك علاقة وثيقة بين تطور الوعي التعليمي – الثقافي وبين نشوء المكتبات أو خزانات الكتب. وبقدر تعلُّق الأمر بوادي الرافدين، فنحن نعرف أنَّ الكتابة ظهرت في حدود 3200 – 3000 ق.م. وأنَّ أول ظهورها كان في مدينة (الوركاء) وفي الطبقة الأثرية الرابعة منها، إذ تمَّ العثور على بضع مئات من ألواح الطين مدونة بخط صوري.
Page 2
وهناك اتفاق بين جمهرة من الباحثين على أنَّ نشوء الكتابة جاء تلبيةً لحاجة المعبد إلى وسيلة لتثبيت مدخولاته ومصروفاته المالية. والمهم في الأمر أنَّ الكتابة منذ فجر ظهورها وفي كافة مراحل تطورها وانتشارها اللاحقة حافظت وبشكل ملفت للنظر على وحدة شكل العلامات وألفاظها ومعانيها في كافة المدن السومرية. وبتعبير آخر، فقد كان هناك تطابق تام بين قوائم العلامات "المسمارية" المكتشفة في المدن السومرية بعد انتشار فكرة الكتابة من الوركاء إلى الأرجاء المختلفة من سومر. ومع انتشار الكتابة ظهرت الحاجة إلى وجود مؤسسة أو مؤسسات تعليمية يتم فيها تعليم الأبناء فنون الخط "المسماري" في أمكنة مخصصة لهذا الغرض وهي التي أصبحت تُعرف بالمصطلح السومري (أي – دوبا) Edubba حرفياً (بيت الألواح). هنا يكمن تطابق واضح بين النسختين السومرية "بيت الألواح" وبين "بيت الحكمة" مما يدل على أنَّ القصد من "بيت" هنا مكان حفظ الألواح أو الكتب. ويفترض الباحثون، أنَّ المدارس عند نشأتها كانت ملحقة بالضرورة بالمعبد وأنَّ المعبد كان مركزاً اقتصادياً وثقافياً إلى جانب وظيفته الدينية أساساً. ومهما يكن فيبدو واضحاً أنَّ المدارس في حدود 2000 ق.م. أي في مستهل العصر البابلي القديم، كانت مستقلة عن المعبد بدليل أنَّ ما يُعرف بـ(الألواح المدرسية) قد تمَّ العثور عليها في مرافق سكنية وليس في المعابد. إذ كشفت الحفريات عن بعض الأبنية التي يبدو من مخططاتها ومن الألواح المدرسية الموجودة فيها على أنَّها أبنية كانت مخصصة للأغراض التعليمية.
ذكرنا قبل قليل أنَّ انتشار الكتابة كان على نطاق واسع في المدن السومرية، وأنَّ ازدياد الوعي الثقافي أدَّى إلى ظهور مراكز تعليمية في العراق القديم لاسيما في الجنوب إذ ظهرت وتطورت الحضارة السومرية. وتحظى مدينة (نُفَّر) على وجه الخصوص بأهمية مزدوجة من بين المدن السومرية الأخرى. فهي أولاً تتمتع بأهمية دينية مهمة كونها مركزاً لعبادة إله الأجواء (إنليل) ولأنَّ كهنتها كانوا يتمتعون بسلطة إضفاء الشرعية على حكم الملوك. وهي ثانياً من أشهر المراكز الثقافية في جنوب وادي الرافدين على الإطلاق. فالأدب السومري على سبيل المثال، ظلَّ يُنقل شفاهاً، وأنَّ عملية جمعه وتدوينه بدأت عندما أخذت اللغة السومرية طريقها إلى الانقراض بعد سقوط سلالة أور الثالثة. ويظهر أنه كان لمدينة (نُفَّر) دور هام في إجراءات الحفاظ على الإرث السومري وتدوينه إذ أُنشئت فيها مدارس لجمع وتأليف أرشيف للأدب السومري، وقد كشفت التنقيبات التي أُجريت في أواخر القرن التاسع عشر في ما يُعرف بـ"حارة النسَّاخين (الكتبة)" في نُفَّر عن بضعة آلاف من الألواح الطينية المدونة لأعمال أدبية، كما تمَّ العثور خلال التنقيبات اللاحقة في الخمسينيات من القرن العشرين عن نصوص مدرسية تعليمية وجدت في مرافق سكنية حيث الطلبة يتعلمون اللغة السومرية وحيث كانت الجهود تُبذل على الأدب السومري عن طريق جمعه واستنساخه من الواحة الأصلية. وبالفعل فقد أثمرت تلك الجهود عن نتائج في غاية الأهمية إذ تضمَّنت النصوص المكتشفة قوائم بالعلامات المسمارية لأغراض معجمية ونماذج من عقود ورسائل وقرارات قضائية ومسائل رياضية فضلاً عن المؤلَّفات بكل أنواعها وكذلك التراتيل والصلوات وأدب الحكمة...
Page 3
وفي مرحلة لاحقة من تاريخ العراق القديم ظهرت المكتبات، وهي الأمكنة التي فيها الألواح المدوَّنة بشتَّى صنوف المعرفة. ويمكن القول بشكل عام أنَّ المكتبات أو خزانات الكتب في العراق القديم يمكن أن تُصنَّف إلى ثلاثة أنواع:
1. مكتبات خاصة بأرشيف الدولة كتلك التي عُثر عليها في بعض العواصم الملكية مثل نينوى وماري وكارانا (تل الرماح).
2. مكتبات خاصة بالمعابد مثل تلك المكتشفة في نينوى (مكتبة نابو) وآشور ونمرود وسبَّار. فقد عثرت بعثة التنقيب لقسم الآثار في كلية الآداب بجامعة بغداد على مكتبة في الطبقات العليا في منطقة المعبد في مدينة (سُبَّار)، وفضلاً عن قيمتها المعرفية في المجالات اللغوية والأدبية والدينية فإنَّ لمكتبة سُبَّار التي يزيد عدد ألواحها (كتبها) على خمسمائة لوح، أهمية فريدة أخرى وهي أنَّه قد تمَّ العثور عليها سليمة تماماً فالألواح وجدت كما رتبها صاحبها الكاهن البابلي في رفوف مبنية الواحد منها فوق الآخر. وحرصاً منه على بقائها محفوظةً بعيداً عن العبث وتأثيرات الطبيعة فإنَّه غطَّى تلك الألواح بطبقة من الطين.
3. مكتبات شخصية، مثل تلك المُكتشفة في (سلطان تبه) بالقرب من حرَّان والتي عُثر فيها على مجموعة من النصوص الأدبية والدينية تعود إلى كاهن في معبد (سين) إله القمر، اسمه (قدري نركال)Qudri Nergal.
ولا شك أنَّ مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال (668 – 631 ق.م) في نينوى كانت من أغنى وأشهر خزانات الكتب المكتشفة لحدِّ الآن في وادي الرافدين وخارجه. فقبل ما يقرب من قرن ونصف القرن تقريباً، عام 1849 على وجه التحديد، كان (هنري لايرد) يحفر في قصر سنحاريب في قوينجق (نينوى) عندما عثر على قاعدتين فيهما أعداد كبيرة جداً من ألواح الطين غطَّت الأرضية لارتفاع قدم أو أكثر. وبعد ثلاث سنوات من ذلك عثر مساعد (هرمز رسام) على مجموعات أخرى من الألواح في قصر الملك آشور بانيبال في (قوينجق) أيضاً وقد بلغ عدد ما عثر عليه الاثنان أكثر من (28) ألف لوح نُقلت كلََّها إلى المتحف البريطاني. وقد تبيَّن فيما بعد أنَّ معظم الألواح المكتشفة في قصر سنحاريب تعود إلى حفيده آشور بانيبال ذلك لأنَّ الأخير أقام في قصر جده سنحاريب سنوات عدَّة قبل أن ينتقل إلى قصره. ويمكن القول بشكل عام أنَّ هذه المكتبة الضخمة تحتوي على صنفين رئيسيين من الألواح: الأول رسمي، مما يقع ضمن أرشيف الدولة، والثاني مكتبي، أي أنها وثائق حُفظت في المكتبة لأهميتها في مواضيع معينة كالتآليف الأدبية والدينية والسحر والعرافة والتعزيم والطب والفلك. وتتجلَّى أهمية هذا الصنف من الوثائق في الجهد الكبير الذي بُذل من أجل استنساخها من وثائقها الأصلية القديمة وفي التنقل بين المدن السورية والبابلية بحثاً عن وثائق ذات قيمة تراثية لإرسالها إلى نينوى في هذه المكتبة. وبدافع الحرص على أن تتم عملية استنساخ النصوص من ألواحها القديمة بدقة وأمانة دون تغيير أو تعديل أو تبديل فقد جاء على لسان الملك آشور بانيبال قوله في ذلك اللوح الخامس والأخير من قصة "إيرا" إله الطاعون، ما نصه:
(اللوح الخامس من سلسلة إيرا)
"أنا آشور بانيبال، الملك العظيم، الملك الصنديد
ملك العالم، ملك آشور
ابن سرجون ملك آشور
ابن سنحاريب ملك آشور
كتبت ودققت وطابقت هذا اللوح بصحبة عدد من العلماء
على وفق ألواح الطين وألواح الكتابة الخشبية
وعلى نسخ من آشور وسومر وأكد
ووضعته في قصري لمطالعتي الشخصية
كل من يمحو اسمي المكتوب ويكتب اسمه
عسى الإله نابو، كاتب كلِّ شيء، أن يمحو اسمه.."
Page 4
هنا نجد نقطة تطابق مهمة للمقارنة بين جهود الملك آشور بانيبال للحصول على ألواح المعارف من بابل ووضعها في مكتبته في نينوى وبين جهود الخليفة العباسي المأمون الذي أرسل إلى القسطنطينية صاحب بيت الحكمة (سهل بن هارون) للحصول على الكتب الفلسفية والطبية لوضعها في خزانته في بغداد. لكن الاثنين يختلفان في الهدف، فبينما يسعى الملك الآشوري إلى الحفاظ على تراث بلده من خلال جمع نوادر المؤلَّفات السومرية والبابلية واستنساخها في مكتبة نينوى، فإنَّ خطوة الخليفة العباسي للحصول على الكتب اليونانية تعد انفتاحاً على الثقافة الأجنبية وهي لذلك تعد مثالاً ممتازاً على ما نُسمِّيه اليوم بحوار الحضارات أو الثقافات الداعي إلى تعايش الأمم في ظل الدعوة إلى السلام وتبادل المعرفة واحترام آراء ومعتقدات الطرف الآخر.
لقد أثبتت الدراسات المسمارية والكشوفات الأثرية خلال القرن المنصرم، أنَّ الإغريق على وجه الخصوص، تأثروا بشكل واضح بحضارة العالم العربي القديمة (العراق، مصر، بلاد الشام) في مجالات شتَّى شملت الكتابة والفكر والمعتقدات الدينية واللغة والأدب (الهندسة والرياضيات والطب والفن والعمارة...). لقد وصلت معظم هذه التأثيرات وغيرها كثيراً من بلدان العالم العربي إلى بلاد اليونان عن طريق الأجزاء الغربية من آسيا الصغرى والمناطق الساحلية لبلاد الشام وبحر إيجة وجزره. والحقيقة أنَّ ما يستخلصه الباحث من دراسة تلك التأثيرات القديمة في الحضارة اليونانية أنَّ بلاد اليونان مدينة لحضارة العالم العربي بأشياء كثيرة. وأنَّ ما أخذه العرب من الثقافة اليونانية خلال العصور الإسلامية فيه كثير من "بضاعة" العالم العربي عندما انطلقت مظاهر من حضارة وادي الرافدين والشام ووادي النيل غرباً إلى بلاد اليونان والرومان ثم لتعود إليهم ثانيةً في "زيٍّ جديد" هو الثقافة الهلنستية(1).
إنَّ من أهم المظاهر الحضارية لبلاد وادي الرافدين هو اختراع الكتابة في منتصف الألف الرابع ق.م. ويمكن القول أنَّها الميزة والمظهر الرئيسي، فبوساطة الكتابة تمكنوا من تدوين علومهم ومعارفهم وتأريخهم وثقافتهم وبها انتقلت العلوم والمعارف من جيل لآخر، كلَّ جيل أضاف وغيَّر وبدَّل وفق متطلبات عصره وحاجته، فتوسعت بذلك مدارك الإنسان وأفق تفكيره. وأضحى مطلعاً على خبرات وتجارب عشرات بل مئات السنين بمجرد قراءة نصوص مكتوبة على بضع ألواح طينية. وقد وجَّه سكان بلاد الرافدين جلَّ عنايتهم إلى وجوب تعلّم الكتابة وإتقانها. فكان النصف الثاني من الألف الثالث قبل الميلاد طور النضج والازدهار لنظام التعليم في العراق، ويُفهم من النصوص المسمارية أنَّ التعليم لم يكن مقتصراً على الذكور بل شاركت الفتيات أيضاً فيه.
وقد أجمعت الآراء على أنَّ كلمة (girginakku) الأكدية تعني المكان الذي تُحفظ فيه الرُقُم الطينية أو المكتبة وبخاصة تلك الملحقة بالمعابد. وهي على الأغلب كلمة مستعارة من اللغة السومرية، وقد كان أصلهاgir – gin – un بمعنى سلسلة من الألواح. ويُرادف كلمة girginakku الكلمة السومرية TM – GU – LA أو TM –LA، كما وردت تسمية أخرى بصيغة E. IM. GU. LA التي تعني مكتبة ملحقة بمعبد أو لها علاقة بمعبد ما(2) وكما ذكرنا فقد حُفظت في تلك المكتبات شتَّى أنواع المعارف والعلوم مثل النصوص التاريخية والدينية والقانونية ونصوص تبحث في الفلك والتنجيم والطب ونصوص لغوية ومعجمية. ومن أنواع الألواح المهمة الأخرى التي حُفظت في المكتبات ألواح يُطلق عليها في اللغة الأكدية تسمية (liginnu) القريبة في لفظها ومعناها من الكلمة العربية (لقَّن) وهي ألواح كُتبت فيها نصوص أو مقتطفات عامة، وتُخصص هذه الألواح لأغراض التعليم وتُقرأ عادةً بصوت مرتفع(3)، كما وردت إشارات إلى وجود أنواع من الألواح فيها تعليمات خاصة بمُغنِّي المعبد (الكالو) كانت ضمن مقتنيات مكتبة (آبو) في نينوى(4).
Page 5
ونستشف من النصوص المسمارية أنَّ المسؤولين على المكتبات كان لهم منهج خاص في التعامل مع الألواح التي توضع في مكتباتهم ينمُّ عن فكر علمي منظَّم يبدأ في اختيار مضمون الرُقُم والمواضيع التي تتطرق إليها ثم في تدقيقها ويرد: "كُتبت على الألواح حكمة أيا، حرفة مغني المعبد، سرَّ الخبير، دُققت وجُمعت ثم أودعت في مكتبة أبي زيدا، صومعة الإله نابو، سيدي، في نينوى، آه يا نابو أنظر برضا على هذه المكتبة"(5). كذلك أوجد العراقيون القدماء نظاماً علمياً دقيقاً لاستعارة الرُقُم من المكتبات للحيلولة دون ضياعها أو تلفها إذ كان يُسجَّل أسم الشخص المُستعير وعنوان الرقيم المُستعار على لوح طيني صغير يُحفظ في المكتبة، وفي رقيم عُثر عليه في الوركاء تقرأ: "لقد تمَّت استعارة النسخة الثانية للرقيم من قبل الملك سرجون وتمَّت إعادته"(6).
كذلك يبدو أنه فضلاً عن استخدام منهج صارم في التعامل مع الألواح فقد كانت بركة الآلهة وعطفها تشمل كل من يستعير منها لوحاً ويُرجعه دون أن يغيِّر في محتوياته أو يُلحق به ضرراً "عسى عشتار أن تنظر برضى على التلميذ ummanu الذي لا يُغيِّر سطراً ويُعيد الرقيم إلى المكتبة"(7).
واستناداً إلى الرُقُم الطينية المكتشفة في مكتبتي آشور بانيبال في نينوى أنَّ الرُقُم الطينية كانت تحتوي على إمضاءات مستنسخيها فضلاً عن وضع علامات خاصة على الرُقُم تُشير إلى عائديتها للمكتبة الملكية، وهي إن صحَّ التعبير تُحاكي الإجراءات المتبعة في الوقت الحاضر من وضع علامة أو ختم خاص على الكتب المحفوظة في المكتبات أيَّاً كان نوعها.
كذلك نُشير إلى ظاهرة علمية لا يمكن أن تستغني عنها في أيِّ مكتبة منظَّمة في السابق وإلى الوقت الحاضر، ألا وهي وضع فهارس أو قوائم بما موجود في المكتبة في نصوص تُسهِّل على المطالعين الرجوع إليها ومعرفة ما تحويه من مواضيع مختلفة. وقد عُثر على مثل تلك الفهارس المدوَّنة على رُقُمٍ طينية صغيرة الحجم ضمن مجموعة ألواح، عُثر عليها في مدينة نُفَّر ترجع بزمنها إلى العصور السومرية المتأخرة، وفهارس أخرى تعود إلى مكتبتي آشور بانيبال من العصر الآشوري الحديث(8).
فضلاً عن ما ذكرته النصوص المسمارية فقد أظهرت التنقيبات الأثرية في بلاد الرافدين على وجود مبانٍ متخصصة لحفظ وخزن الرُقُم الطينية يمكن أن تعدها النماذج الأولى لمباني المكتبات في تاريخ البشرية، وكانت تلك المباني بمخططات وتصاميم شبه موحدة تقريباً بغض النظر عن مكانها أو العصر الذي أُنشئت فيه. وقوام هذا المخطط عبارة عن جناح عماري ملحق بمعبد رئيسي يشتمل على عدد من الغرف بمساحات مختلفة. وفيها تكون الغرفة الرئيسة ذات مدخل واحد يوصلها ببقية مرافق المبنى وقد شُيِّد لصف جدرانها الداخلية مصاطب أفقية متعاقبة الواحدة فوق الأخرى تشكِّل رفوفاً منتظمة إلى أقسام أشبه بـ(الكوات) بواسطة قواطع عمودية صغيرة، ويُحفظ في داخل هذه الكوات الرُقُم الطينية.
Page 6
ومن النماذج الأولى للمكتبات نذكر مكتبة معبد إنليل في مدينة نُفَّر التي ترجع إلى العصر السومري الحديث، ومما تبقى في ذلك المبنى نجد أنَّ غرفة المكتبة كانت تحوي رفوفاً مشيَّدة من اللبن بعرض (45 سم) تقريباً بُلِّطت بالقار وغُطِّيت بحصير من القصب وضعت فوقها الرُقُم الطينية التي عُثر على مئات منها كانت مدونة بنصوصمسمارية سومرية(9).
ولما كان العراق القديم هو الموطن الأول لظهور المكتبات الثقافية لحفظ النصوص الأدبية والعلمية والتأريخية كما هو الحال في مكتبة نُفَّر ومكتبة سبَّار ومكتبة نينوى وخرسباد. فإنَّ هذا انعكس بعد ذلك على ظهور دور التعليم والمكتبات التي ارتبط ظهورها بالمجاميع العلمية والأدبية التي تمخض عنها النتاج الفكري لبلاد الرافدين في المدة بين الميلاد وظهور الإسلام، فكانت في العراق مدارس تُدرس فيها العلوم السريانية واليونانية وكانت هذه المدارس يتبعها مكتبات، وبعضها وهو الأوفر نشأ في العصور الإسلامية.
ولهذا يجدر بنا التطرق إلى تاريخ التدريس في الإسلام، فالمعروف أنَّ الدرس والتدريس نشأ بنشأة الإسلام. فقد روي أنَّ جماعة من الصحابة كانوا يُعلِّمون في مسجد قباء في عهد الرسول الكريم (). وكانت دعوة النبي للعرب المسلمين إلى التفقه بالدين وطلب العلم تجد آذاناً صاغية. فقد ظلَّ الدين الإسلامي أساس كل الحركات العلمية وهي القرآن وتفسيره والحديث وروايته واستنباط الأحكام الفقهية والفتاوى الشرعية فيما يجد من مشاكل.
وكانت قراءة القرآن الكريم وفهم معانيه والاقتباس من أساليبه البليغة مما رفع مستوى العقلية العربية وزاد من ثقافة العرب ووسع من مداركهم، فمن خلال قصص القرآن اطلع على أخبار الأمم وقصص الأنبياء السابقين. فاتسعت بذلك آفاقهم وتطورت إبداعاتهم وتعددت مناهجهم. كما كان أيضاً لدراسة القرآن الكريم أثر في الحياة العلمية والعقلية، وفي تنوير الأذهان، وفي دعوته النظر إلى الكون وظواهره عامل في اتجاه العرب المسلمين إلى العلوم العقلية كالفلك والمنطق والجغرافية. وهكذا فقد كان الدين الإسلامي هو الدافع الحقيقي للعلم والتعليم.
كان التدريس إذن قائماً في المساجد منذ صدر الإسلام وكان للعلماء حلقات مأهولة بالطلاب وهي منتشرة في معظم عواصم العالم الإسلامي يجلس فيها العلماء للتدريس وتعليم المسلمين وتثقيفهم في شؤون دينهم. وبقي التدريس قائماً بالمساجد قروناً طويلة منذ العصر الأول، وما زال بعضها قائماً حتى وقتنا الحاضر. وعلى العموم فقد كان المسجد أهم معهد للثقافة في الإسلام(10).
أمَّا من ناحية التخطيط العام للمساجد كان النظام التقليدي لعمارة المساجد، وهو الطراز المستمد من تصميم مسجد الرسول () بالمدينة المنورة هو التصميم الذي كان سائداً في العالم العربي الإسلامي الذي يتألَّف من صحن تحفُّ به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة (بيت الصلاة).
وإلى جانب حلقات المساجد كانت هذه الحلقات غالباً ما تُعقد في دور الخلفاء والأمراء يُناظر فيها العلماء في المنطق وعلم الكلام واللغة. ولم تكن هذه الدور والمجالس دوراً مخصصة للدرس والتدريس، ولكنها كانت مراكز للنشاط العلمي والثقافي.
ولم يبدأ القرن الثاني الهجري حتى نشطت الحركة العلمية، فلما استقر الأمر للعرب ودانت لهم أمم الفرس ودولة الروم التفتوا إلى مظاهر الحضارة التي كانوا يجدونها عند الشعوب التي أخضعوها لهم، وجدوا الكثير من أهلها يتدارسون في مختلف العلوم ويتناقلونها. ومع أنَّ حركة الترجمة في هذا العصر قد اقتصرت على نشاطات محددة قام بها عدد قليل من المترجمين على انفراد، ويُلاحظ أنَّ المترجمين الأولين كانوا مسيحيين يعاقبة أو نساطرة. وقد ترجموا إلى السريانية أولاً ومنها إلى العربية. وكانت هذه الكتب المصدر الأول عن تراث اليونان، إلا أنها لم تكن خالية من الأخطاء لكن هذه الترجمات أُصلحت فيما بعد.
Page 7
توطئة
في الدولة العباسية كثر أختلاط العرب مع غيرهم من الأمم التي دانت لحكمهم، وزادت رغبتهم بالإطلاع على علوم القوم ومعارفهم، فقرّبوا العلماء والأطباء والحُكماء وأهل الفنون والآداب وأجزلوا لهم العطاء.
أبو جعفر المنصور (136 - 158ﻫ / 753 – 774م) مع براعته في الفقه والحديث واللغة، كان كلفاً بعلوم الحكمة – خاصةً في الطب والنجوم والفلك والهندسة – وهو أول من راسل ملك الروم يطلب منه كتب الحكمة، فبعث إليه بكتاب إقليدس وبعض كتب الطبيعيات(11).
قال المسعودي (ت346هـ) عند كلامه عن أهتمام أبي جعفر المنصور بترجمة مختلف كتب الحكمة ما نصه: "وكان أول خليفة قرَّب المُنجِّمين وعمل بإحكام النجوم، وكان معه نوبخت المجوسي المُنجِّم وأسلم على يده، وهو أبو هؤلاء النوبختية، وإبراهيم الفزاري المُنجِّم صاحب القصيدة في النجوم وغير ذلك من علوم النجوم وهيئة الفلك، وعلي بن عيسى الإسطرلابي المُنجِّم، وهو أول خليفة تُرجمت له الكتب من اللغات الأعجمية إلى العربية، ومنها كتاب (كليلة ودَمَنة)، وكتاب (السند هند)، وتُرجمت له كتب أرسطاطاليس من المنطقيات وغيرها، وتُرجم له كتاب (المجسطي) لبطليموس، وكتاب (الأرتماطيقي)، وكتاب إقليدس، وسائر الكتب القديمة من اليونانية والرومية والفهلوية والفارسية والسريانية، وخرجت إلى الناس فنظروا فيها وتعلَّقوا إلى عملها(12). وأمَّا الكتب التي نقلها عبد الله بن المقفع (المتوفى سنة 141هـ/758م) من الفارسية إلى العربية فهي: كتاب (كليلة ودَمَنة)، وكتاب (خدينامه) في (السِيَر)، وكتاب (آيين نامه) وكتاب (مزدك) وكتاب (التاج) في سيرة آنو شروان وترجمكتاب (الكيكيين) في أخبار أفراسياب وما كان بينه وبين التُرك من الحروب، ونقل بعض كتب الطب والمنطق التي كان الفرس قد نقلوها إلى لغتهم من اليونانية(13).
وتُرجم من كتاب أرسطاطاليس المنطقية الثلاث هي: (قاطاغورياس)، وكتاب (بارى أرميناس)، وكتاب (أنولوطيقيا)، وكتاب (إيساغوجي) لفرفوريوس الصورى(14).
وفي سنة (156هـ/772م) قَدِمَ على الخليفة المنصور رجل من الهند، وكان عالماً بحركات النجوم وحساب السند الهند، ومعه كتاب يبحث في ذلك، فأمر الخليفة بترجمة الكتاب إلى العربية وأن يؤلَّف منه كتاب تتخذه العرب أصلاً في حركات الكواكب فتولَّى ذلك مُحمَّد بن إبراهيم الفزاري وعمل منه كتاب (السند هند الكبير) وبقي يعملبه إلى أيام المأمون(15).
ونقل أبو يحيى ابن البطريق كتاب الأربع مقالات لبطليموس في صناعة أحكام النجوم(16).
وتُرجم على عهده من كتب الهندسة كتاب إقليدس وهو من أجلِّ كتب هذا العلم، وما الهندسة التي تُدرَّس في مدارسنا الثانوية في هذه الأيام إلا هندسة إقليدس مع تحويرٍ بسيط وترتيب في النظريات(17).
وكان جورجيوس (المتوفى سنة 160هـ/777م) رئيس أطباء جنديسابور وطبيب المنصور – عالماً باليونانية والفارسية، فترجم الكتب الطبية من اليونانية والفارسية إلى العربية، كما ألّف كنَّاشه في الطب(18). وسار أولاده على نهجه وأنجب أسرةً علمية جليلة خدمت الترجمة والطب أجلَّ خدمة.
Page 8
ولمَّا غزا العرب بلاد الروم، واستولوا على بعضها، بذلوا عناية خاصة بعلوم القوم ومعارفهم، فحافظوا على الكتب التي وقعت بأيديهم، فلم يفعلوا بها ما فعله الإسبان عندما استولوا على نفائس الكتب العربية في الأندلس، ولا ما فعله التتار والمغول عندما هاجموا البلاد الإسلامية في الشرق، فإنَّ العرب حرصوا كلَّ الحرص على ما وقع بأيديهم منها، وخاصةً كتب الحكمة، وعنوا بها عنايةً فائقة.
ولمَّا فتحوا مدينتي عمورية وأنقرة أمروا بالمُحافظة على مكاتبها، وانتدبوا العلماء والتراجمة من بغداد لأختيار الكتب القيِّمة منها، والتي يندر وجودها عند غيرهم من الأمم، فإختاروا الكتب النفيسة النادرة في الطب والفلسفة والفلك، ونقلوها إلى بغداد، وولَّوا أمر هذه الكتب يوحنَّا بن ماسويه (المتوفى سنة 243هـ/857م) أكبر أطباءعصره، وجعلوا له من يساعده بترجمتها(19).
وفي أيامه نقل الحجَّاج بن مطر كتاب إقليدس وهو أول نقل كان لهذا الكتاب إلى العربية، وتُسمَّى الترجمة الهارونية، تمييزاً لها عن الترجمة المأمونية.
وأهتم يحيى بن خالد البرمكي بترجمة المجسطي إلى العربية، فقام بذلك عدَّة علماء، ولم يتوفقوا بترجمته كما يجب، فعُرضت على عالمين من علماء بيت الحكمة وهما أبو حسان وسَلَم فصححا الترجمة، وفسَّرا ما غمض من المصطلحات، فكانت ترجمة حسنة(20).
وكان منكه الهندي – طبيب الخليفة هارون الرشيد – ينقل الكتب من الهندية إلى الفارسية والعربية، ونقل عدَّة كتب تبحث في الطب على مذهب أهل الهند. ونقل ابن دهن (الذي كان يُشرف على بيمارستان البرامكة عدَّة كتب في الطب)(21).
ولمَّا أفضت الخلافة إلى عبد الله المأمون (198 – 218هـ/813 – 833م) وجَّه همَّه إلى الترجمة والتأليف، فتُرجمت له كتب الحكمة المختلفة. وكان كثير الإهتمام بها، خاصةً في كتب الفلسفة والمنطق، ذلك لأنَّه كان يرى رأي المعتزلة، وهم من أكبر مؤيدي الرأي، وتحكيم العقل في الأمور الدينية، وكان المأمون واسع العلم، حرَّ الفكر، يميل إلى القياس، لذا كان يرغب بترجمة كتب المنطق والفلسفة لأنَّه يجد له منهما خير معين على تحكيم العقل، فتُرجمت معظم كتب أرسطو – على عهده – وتولَّد عند المسلمين علم الكلام.
ووصف القاضي أبو القاسم أحمد بن صاعد الأندلسي ما كانت عليه الحركة العلمية في عصر المأمون فقال: "ثم لمَّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع عبد الله المأمون، تمم ما بدأ به المنصور، فأقبل على طلب العلم في موضعه، وأستخرجه من معادنه، بفضل همَّته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة، فإستخار لها مهرة التراجمة، وكلَّفهم إحكام ترجمتها، فتُرجمت له على غاية ما أمكن، ثمَّ حضَّ الناس على قراءتها، ورغَّبهم في تعلّمها، فنفقت سوق العلم في زمانه، وقامت دولة الحكمة في عصره، وتنافس أولوا النباهة في العلوم، لما كانوا يرون من احضائه لمنتحليها، وإختصاصه لمُقلِّديها، فكان يخلو بهم ويأنس بمناظراتهم ويلتذَّ بمذاكراتهم، فينالون عنده المنزلة الرفيعة، والمراتب السنيِّة، وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء والمُحدِّثين والمتكلمين، وأهل اللغة والأخبار والمعرفة بالشعر والنَسَب، فأتقن جماعة من ذميِّ الفنون والتعلُّم في أيامه كثيراً من أجزاء الفلسفة، وسنّوا لمن بعدهم منهاج الطلب، ومهدوا أصول الأدب، حتى كانت الدولة العباسية تُضاهي الدولة الرومية أيام أكتمالها، وزمان إجتماع شملها"(22).
Page 9
وأخذ المأمون يسعى بشتَّى الطرق للحصول على كتب الحكمة المختلفة، فكان يُرسل العلماء وأهل الرأي إلى بلاد الروم وغيرها، لكي يفتشوا عن الكتب النادرة، ويُرغِّبوا أصحابها ببيعها، فجمعوا منها كلَّ نفيسٍ ونادر(23).
والناس على دين ملوكهم، فسافرت عدَّة بعثات علمية إلى بلاد الروم، لتحصيل الكتب المختلفة من طبٍّ وفلسفة ونجوم ومنطق وموسيقى وهندسة وغيرها.
وممن سافر إلى هذه الغاية النبيلة هم: أولاد موسى بن شاكر، فإنهم أتعبوا أنفسهم في طلب الكتب النفيسة، وصرفوا مبالغ طائلة للحصول عليها، فحصلوا على كتبٍ نادرة منها. كما أنهم أرسلوا علماء لهذه الغاية، فأحضروا لهم الغرائب منها، وأستدعوا النقلة من مختلف الأقطار، ورغَّبوهم بالبذل الكثير، فترجموا لهم غرائب الحكمة وكان الغالب عليهم: الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم. ولهم كتاب في علم الآلات الحربية(24).
وممن كان يُترجم لبني موسى بن شاكر: حُنين بن إسحاق، وحُبيش بن الحسن الأعسم، وثابت بن قُرَّة، ولهم أجراً في الشهر قدره خمسمائة دينار على النقل والترجمة(25). وثابت بن قُرَّة بن مروان الحرَّاني الصابي (233 – 288هـ/845 – 900م) هو الذي أصطحبه مُحمَّد بن موسى بن شاكر إلى بغداد، لما أنصرف من بلادالروم، وأدخله في جُملة المترجمين والمُنجِّمين، فترجم هذا كتاباً في النجوم(26).
وممن دخل بلاد الروم لتحصيل كتب الفلك والنجوم للخليفة المأمون، هو يحيى بن أبي منصور المُنجِّم المأموني، وهذا أحد علماء "بيت الحكمة" فتوغل في بلاد الروم، وجمع نفائس الكتب التي تبحث في ذلك(27).
وسافر قسطا بن لوقا البعلبكي إلى بلاد الروم، وحصَّل الكثير من تصانيفهم، وعاد إلى الشام. ثم أُستدعي إلى بغداد، ليُترجم الكتب من اليونانية إلى العربية ويذكر عنه ابن النديم: "أنه كان يُقَدَّم على حُنين لفضله ونبله، وتقدمه في صناعة الطب، وكان بارعاً في علومٍ كثيرة منها: الطب والفلسفة والإعداد والموسيقى، فصيحاً باللغة اليونانية، جيد العبارة بالعربية، لذا عهد إليه بترجمة كتبٍ عديدة، فكان من التراجمة المعدودين الذين يُعوَّل عليهم"(28).
ودخل بلاد الروم حُنين بن إسحاق العبادي (194 – 260هـ/809 – 873م) وجدَّ في تحصيل كتب الحكمة، وبذل غاية إمكانه في ذلك، كما أنه أغتنم فرصة وجوده في بلادهم، فتعلَّم اللغة اليونانية وأحكمها، وعاد إلى بغداد ومعه تُحف نادرة من كتب الحكمة، ولازم بني موسى بن شاكر ورغَّبوه بنقل الكتب إلى العربية.
كان حُنين أحد أعاظم العلماء الذين خدموا كتب الحكمة، بما نقله منها وألَّفه فيها، فترجم عدَّة كتب لجالينوس وأبقراط وديقوريدس، وترجم جمهورية أفلاطون والمقولات والطبيعيات والخليقات لأرسطو، وترجم جميع مؤلَّفات جالينوس العلمية إلى السريانية ثم العربية، وترجم كتاب العهد القديم من اليونانية، فكان المأمون يُعطيه من الذهب زِنَة ما ينقله من الكتب.
Page 10
وصار لحُنين مدرسة للترجمة، يشتغل تحت يده عدد من علماء عصره ويُترجم بعضهم من اليونانية إلى السريانية، ثم يترجمها غيرهم إلى العربية ويُترجم بعضهم من اليونانية إلى العربية. وممن كان يترجم بين يديه: حبيش بن الحسن الأعسم، وهو أحد تلاميذه وكان حُنين يُقدِّمه ويُعظِّمه، ويُفضِّل نقله، وكان يُترجم من اليونانية والسريانية إلى العربية. وكذا عيسى بن يحيى بن إبراهيم، وهو من تلاميذ حُنين أيضاً، كان من النقلة المجيدين، واصطفين بن بسيل، وموسى بن خالد الترجماني، ويحيى بن هارون وغيرهم(29). وكان أبنه إسحاق بن حُنين (المتوفي سنة 298هـ/910م) لا يقل عن أبيه في النقل من اليونانية والسريانية إلى العربية، وله نقولوتآليف(30).
وبلغ من شغف المأمون بكتب الحكمة والفلسفة: أنَّه إذا ما عقد معاهدةً مع بعض ملوك الروم، فإنَّه كان يشترط عليه أن يُرسل إليه من نفائس كتب الحكمة التي في بلاده، والتي يندر وجودها عند غيرهم من الأمم.
ومن ذلك: أنه جعل أحد شروط معاهدة الصُلح بينه وبين ميخائيل الثالث – قيصر الروم – أن ينزل الثاني للأول عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية، كان بين ذخائرها الثمينة كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون بنقله إلى العربية وسمَّاه "المجسطي"(31).
وهادن المأمون صاحب قبرص، وأشترط عليه أن يُرسل إليه من كتب الحكمة، وخاصةً كتب أرسطاطاليس. وقد حدثنا القفطي عن هذا فقال: "إنَّ المأمون راسل ملك الروم وكان قد أستطال عليه وأذلَّ دين الكفر، وطلب منه كتب الحكمة من كلام أرسطاطاليس، فطلبها ملك الروم، فلم يجد لها في بلاده أثراً، فإغتم بذلك وقال: يطلب مني ملك المسلمين علم سلفي من يونان فلا أجده، أي عذر يكون لي؟ أم أيَّة قيمة تبقى لهذه الفرقة الرومية عند المسلمين؟ وأخذ في السؤال والبحث، فحضر إليه أحد الرهبان المنقطعين في بعض الأديرة النازحة عن القسطنطينية وقال له: عندي علم ما تريد، وقال له: أدركني، فقال: إنَّ البيت الفُلاني في موضع كذا الذي يقفل كل ملك عليه قفلاً إذا ملك ما فيه، قال في – على ما يُقال – مال الملوك المتقدمين، وكل ملك يجيء يقفل عليه حتى لا يُقال أحتاج إلى ما فيه لسوء تدبيره ففتحه، فقال له الراهب: ليس الأمر كذلك وإنما في ذلك الموضع هيكل كانت يونان تتعبد به قبل أستقرار ملَّة المسيح، فلما تقررت ملَّته بهذه الجهات في أيام قسطنطين بن اللانة "هيلانة" جمعت كتب الحكمة من أيدي الناس، وجعلت في ذلك البيت، وأُغلق عليه بذلك، فاستثار الراهب في تسييرها – إذا وجدت – إلى بلد الإسلام، وهل عليه في ذلك خطر في الدنيا أو أثم في الأخرى، فقال له الراهب: سيِّرها فإنك تُثاب عليه، فإنها ما دخلت في ملَّة إلا وزلزلت قواعدها، فسار إلى البيت وفتحه، ووجد الأمر فيه كما ذكر الراهب، ووجد فيها كتباً كثيرة، فأخذوا من جانبها – بغير علمٍ ولا فحص – خمسة أحمال، وسُيِّرت إلى المأمون، فأحضر لها المترجمين فاستخرجوها من الرومية إلى العربية، ثم تنبَّه الناس بعد ذلك على تطلبها – بعد المأمون – وتحيَّلوا إلى أن حصلوا منها الجملة الكثيرة. وهذه الكتب من أعظم ما دخل خزانة المأمون من كتب الحكمة"(32).
وإنَّ المأمون لم يكتفِ بهذه الكتب، بل إنه فاتح ملك الروم ثانيةً، يسأله أن يسمح لجماعة من العلماء، أن يشتروا من كتب الحكمة ما يجدونه في بلاد الروم، لكي يُضيفها إلى خزانة كتبه، وأن ملك الروم أجاب إلى ذلك – بعد أمتناع – فأرسل المأمون بعثة علمية لهذا الغرض منهم: الحجَّاج بن مطر، وابن البطريق، وسَلَم صاحب بيت الحكمة، فأخذوا مما أختاروه عدداً كبيراً، وحملوها إلى بغداد، فأمرهم المأمون بنقلها إلى العربية، وهكذا أجتمع عند المأمون طائفة كبيرة من كتب: الحكمة والفلسفة والمنطق والموسيقى والنجوم وغيرها.