التقديم
شخصية دخلت التاريخ رغما عني وعلى جثتي انا العربي، واصبحت من الشخصيات المشهورة في العالم لا لانها قوية وشجاعة بل لانني ضعيف وجاهل، "انا العربي"، وفقدتُ حكمة العقل، واستبدلت بدلا منها العاطفة المتعصبة العمياء والتي تؤدي الى هلاكي وفناء ابنائي، من اجل ان نعرف اين ضعفنا وجهلنا يكمن، علينا ان نتعرف على من اصبح اقوى منى واستغل ضعفي وجهلي لصالحه،"انا العربي"، من اجل المعرفة والبحث العلمي ندرس شخصية أعدائنا ومن قتلونا عبر التاريخ، من اجل الاجيال القادمة لكي تعرف كيف تدافع عن نفسها يجب ان نعرف اعداؤنا بشكل علمي وعقلي لا عاطفي، هذا ما تحدث عنه هذا الكتاب حين قدم شخصية ديفيد بن غوريون للقارىء العربي لكي يعرف مع من يتعامل ومن هو عدوه، وكيف سنقف امامه من اجل الانتصار والحياة الكريمة لنا نحن العرب.
لا ترجع شهرة ديفيد بن غوريون الى كونه أول رئيس وزراء إسرائيلي 1948-1953 فحسب بل لكونه واحد من المؤسسين الأوائل للكيان الصهيوني كدولة وقاد انتصارات عدة على جميع الاصعدة الداخلية والخارجية ادت الى تثبيت الكيان الصهيوني كدولة معترف بها كما هي علية اليوم.
عندما صدرت الطبعة الأولى (1968) من كتاب ديفيد بن غوريون، كنت طفلة لم اعرف أهمية هذا الكتاب، فيما بعد حين بدأت التدريس في الجامعة، وبدأ الكثير من طلبة التاريخ يتصلون بي للسؤال عن الكتاب، كنت اعتذر لعدم وجود أية نسخ لدى الكاتبة او لدى، ونتيجة السؤال الدائم عن هذا الكتاب أعدت قراءته من خلال رؤيتي الحالية، فاكتشفت أهمية إعادة طباعته مرة ثانية، فالكتاب يتحدث عن شخص له اكبر الأثر في مرحلة تاريخية ماضية، استطاع بقوة الإيمان ان يوظف التاريخ لمصلحته الخاصة ولمصلحة فكرة ناضل من اجل تثبيتها على ارض الواقع وهنا تكمن عبقرية وقوة شخصية بن غوريون التي يعرفنا عليها الكتاب،
وتكمن اهمية قراءته للأجيال الحديثة للتعرف على الآخر "العدو" كيف اصبح الان أمراً واقعاً يساوم على الأرض وكأنها ملكه منذ الأزل، واهميته ايضا انه أول كتاب تحدث عن شخص ومرحلة تاريخية يحاول العدو ان يمحيها من الاذهان، وما صدر بعد ذلك يعتبر هذا الكتاب المرجع الأساسي له ،ومع ان هناك من تحدث عن ما كتب بن غوريون وعن رسائله ، والكتب الحديثة حتى ما صدر باللغة الإنجليزية، لم يصدر مثل هذا الكتاب يتحدث عن شخص وأثره في المرحلة التاريخية التي غيرت مجرى تاريخ العرب ومازالوا يرزحون تحت وطأه هذه المرحلة.
يقدم الكتاب الدرس الذي نتعلمه من بن غوريون، وهوالوجودْ نكون او لا نكون عبارة شكسبير الشهيرة، اعادة القراءة تعني التعرف على مجموعة استطاعت بقيادة شخص مؤمن حقيقي بما يفعل كما قال هذه العبارة هرتزل ص 83 (... كل واحد يعرف ان أساس الدولة يكمن في إرادة الشعب لبناء دولة ،نعم حتى ان شخصا واحداً يستطيع القيام بهذا إذا أراد) وكان هذا الشخص هو بن غوريون الذي يدين له الصهيونيون بالفضل في اغتصاب فلسطين، وعرف كيف يستغل قرار الامم المتحدة وضعف العرب وستطاع ان يفعل المستحيل لكي يبنى دولة من الزمن الماضي،ويواصل في طريقته في تحوير التاريخ واختيار ما يناسب ادعاءه، ومثال ذلك ما ورد في الصفحة 207 عندما اراد الحط من قيمة العرب وإلغاء تاريخهم بالعبارة التالية" هؤلاء الناس (العرب) لا يربط بينهم رباط دم اوصلة عرقية او تراث تاريخي لكن الدين واللغة يربطان بينهم وربما سيتوحدون ثقافيا وسياسيا نتيجة لهذين العاملين". واستخدام كلمة رواد المهاجرين الأوائل ليعطى دليل على فراغ المنطقة من السكان وغيرها الكثير الكثير من العبارات والمشاهد المأخوذة من التوراة والكتب الدينية اليهوديه.
نعيد الطباعة لكي نعيد فهم الآخر والدرس من التعرف على هذه الشخصية التى كان لها وجود أساسي في تشكيل الكيان الصهيوني من البداية حتى تشكيل الدولة يكمن في العبارة التالية في ص 85التي فسر فيها العوامل التي ساعدت على قيام الدولة "كنت اعرف ان عدد العرب اضعاف عددنا وقواهم اضعاف قوانا ولكن كان عندنا الإرادة القوية، ليس لاننا محاربين افضل من العرب ولكن لان الانكسار بالنسبة لنا دمار ونهاية لقوميتنا اما بالنسبة للجيوش العربية فان الفشل لا يعني ضياع بلدانهم ولانهاية وجودهم كقوميات).
وهناك الكثير الكثير للتّعرف علية والتعلم منه وخاصة عندما ذكر انه يخشى ان ياتى شخص عند العرب مثل اتاتورك ويوحدهم وهذه ستكون نهايتهم، وكذلك الحديث عن امن اسرائيل والاتفاقيات التي رغب بعقدها مع العرب والتي نفذت الان حرفيا كما كان يريد واصبحت أمراً واقعاً، وطُبّقت كما قال حرفيا ، ،ولا ننسى المشاريع الزراعية في النقب التي اعتبرها الاساس، وتحلية مياة البحر، وغيرها من المشاريع الاقتصادية، لبناء(الكيان) دولة اسرائيل.
اتمنى من القارىء العزيز وهو يقراء هذا الكتاب ان يتمعن في المعنى والدرس الذي يجب ان نتعلمه من هذا الكتاب وان لا يكون مجرد سيرة ذاتية لشخص اتى الى هذا العالم ومضى بل الى شخص اتى الى هذا العالم ولم يزل موجوداً بالرغم من فناءه الجسدي، والاهم العبرة في كيف سنكون........وماذا سيكتب التاريخ عنا كما فعل بن غورين مع انه عدوا للشعوب العربية.
وفي النهاية اقدم الطبعة الثانية من الكتاب هدية الى خالتي (تهاني سلامة هلسة) التي كانت من الرواد الاوائل في البحث العلمي، والتي كانت وما زالت المثال الاعلى لي في الاستمرار في طريق العلم والبحث العلمي.
الدكتورة حنان جميل هلسـة
تمهيد
منذ أن نشر مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية كتاب يوميات هرتزل ( سلسلة كتب فلسطينية رقم 10) ، والكثير من المواطنين يسألون المركز لماذا لا ينشر دراسات في قادة الحركة الصهيونية، تلقي أضوءا على الأدوار التي لعبوها، وبعضهم لا يزال يلعبها، في سير الحركة وتطورات أعمالها ومواقفها في مدة السبعين سنة التي مضت على قيامها. هذه الدراسة، عن دايفد بن جوريون، وهي الأولى من مجموعة دراسات يأمل المركز أن يعالج فيها حياة عدد من القادة الصهيونيين، ممن يمثل كل واحد منهم ناحية من التفكير أو العمل تختلف عن الآخر اختلافات أساسية. وقد سبق للمركز أن قدّم عرضا سريعا لحياة ما يزيد على الخمسين من ساسة إسرائيل في كتيب الحياة السياسية في إسرائيل (حقائق وأرقام رقم 9) وحوالي المئتين من علماء إسرائيل في كتيب علماء الطبيعة في إسرائيل ( حقائق وأرقام رقم 13)، كما قدّم دراسة عن فلاديمير جبوتنسكي، زعيم " المنظمة الصهيونية الجديدة" في كتاب "إسرائيل الكبرى" (كتب فلسطينية رقم13).
وقد حرصت مؤلفة الدراسة أن تستقي معلوماتها من الكتابات والمذكرات التي وضعها بن جوريون نفسه. وأسندت مردها التاريخي باقتطاف الكثير من أقواله وأحكامه. ولم تشأ، في معظم الأحيان، أن ترد عليه ولا أن تفنّد أقواله, بقدر ما حرصت على أن تقدمه كما هو.وسأنقل رأيا كتبه الباحث الفلسطيني الدكتور إسحق موسى الحسيني، في دراسة دافيد بن جوريون :
في عرض حياة دافيد بن جوريون عرض للقضية الصهيونية، منذ أواخر القرن التاسع عشر إلي اليوم. وبن جوريون رمز للمطامع الصهيونية ولمنهجها المتلّون تلون الحرباء، تحمّر حينا وتصفّر حينا ولكن طبيعتها ثابتة.
عاش الرجل إلى اليوم اثنين وثمانين عاما، قضى معظمها في خدمة الصهيونية مشاركا في وضع خططها، ومنفذا أهدافها العدوانية التوسعية وكان في جميع مراحل حياته شايلوك يتاجر باللحم والدم، مجمّد العاطفة الإنسانية لا يبالي إلا بمصالح قومه.
إن آفة هذا الرجل أنه يعيش في القرن العشرين بعقلية أربعة آلاف سنة قبل اليوم، مثله الأعلى إبادة شعب بالسيف والنار ليحل محله شعب آخر، لا لذنب ارتكبه إلا أن القدر وضعه في تلك البقعة من العالم التي دخلها العبريون ثم حكموها مدة قصيرة، بالقياس إلي غيرهم من الشعوب.
وإذا كان حقا ما وصلت إليه الباحثة من أن الرجل قدوة للجيل الذي بعده، فيا لنكبة الإنسانية بهذه الأسرة البشرية الصغيره! وإنه لمن نكد الدنيا أن تلاحق الاضطهادات بنى إسرائيل منذ التشرد، بل وهم في داخل الأرض نفسها – إلى منتصف القرن العشرين من قبل شعوب كثيرة وأن يكون مأواهم دوما بلاد العرب حيث يجدون الحماية والرعاية. ثم يكرون بحقدهم على من أحسن إليهم، ورعى ثقافتهم، ونمى تجارتهم. لقد أخذوا المحسن بجريرة المذنب، فارتكبوا إثما عظيما مضاعفا.
ويبدو من هذا البحث أن الرجل مبتلى بعقدة التعالي على البشرية كلها، وهو الابتلاء الذي جر على قومه العذاب. ومع أنه قارئ للكتاب المقدس فإنه أخطأ فهم روحه ومواعظه. فإن إلههم غضب عليهم حين قتلوا الأنبياء وأراقوا الدماء، وفتكوا بالأبرياء، وتنكروا لرسالة السماء، وقد أنذرهم أنبياؤهم، وقرّعهم السيد المسيح عليه السلام وتنبأ بهلاكهم وزوال مدنهم. وكنا نحسب أن التاريخ سيردهم إلى صوابهم ويطهرهم من آثامهم القديمة ليعودوا أمة مؤمنة بالله وبالحق والخير والعدل والمساواة بين البشر.
"إن خلاص اليهود لن يتحقق في فلسطين ولا في أية بقعة على الأرض, إنه يتحقق بتغيير عقليتهم ونفسيتهم تغيرا جدريا يتفق وروح العصر، إذ ليس في هذا الزمن دماء طاهرة ودماء نجسة، شعب ممتاز وشعب منبوذ، سادة وأرقاء، إن فيه أسرة إنسانية من أصل واحد، وفي فلك واحد، تحكمه قوانين طبيعية واحدة.
"ومتى أدرك بن جوريون وأمثاله من الصهيونيين هذه الحقيقة زالت محنتهم، وعاشوا جزءا كريما من أجزاء الأسرة الإنسانية كلها، واندمجوا في المجتمع الإنساني الكبير يأخذون ويعطون بقدر ما ملكت أيديهم من خير، وما احتوت عقولهم من إبداع.
" إن الإمعان في التمرد على حكمة الله وعلى قوانين المجتمع الإنساني لم يكن يوما سبيلا مأمون العواقب. لقد كان من أسباب زوال الدول، كبيرها وصغيرها، استسلامها لشهواتها وانحرافها عن الحق والعدل.
" وأين الحق والعدل في طرد شعب من بلده وقتل الأبرياء وحرق الأطفال والنساء ؟
"إن إسرائيل قد تضمن حياتها لسنوات عشر أو عشرين أو ثلاثين، ولكنها ستمحى كما تمحى الكلمة الخطأ، لإن القواعد التي قامت عليها أوهى من أن تثبت، وأضعف من أن تدوم. هكذا قال الأنبياء وقال العلماء وحدثنا التاريخ منذ بدايته إلى اليوم.
أنيس صايغ
المدير العام لمركز الأبحاث
المناخ الفكري الذي نشأ فيه بن جورون
ولد بن جوريون في الربع الأخير من القرن التاسع عشر في مدينة بلونسك في بولنده. وهذه المدينة تبعد حوالي 40 ميلا عن مدينة وارسو، وكان سكانها حوالي 10000 ، نصفهم من اليهود([1]) . كانت بولنده في ذلك الحين تابعة لروسية القيصرية التي كانت تضم أكبر تجمع يهودي في العالم إذ بلغ عددهم قبل الحرب العالمية الأولى حوالي خمسة ملايين([2]).
كان يهود روسيه وأوروبه الشرقية يعيشون في حارات خاصة بهم الجيتو ومع ذلك فقد هبت عليهم رياح الليبرالية والقومية من أوروبه الغربية. وكان لابد من التفاعل والصراع بين عقلية الجيتو والأفكار الجديدة. وبالرغم من اضطهاد الحكومة القيصرية للهيود فإنهم حافظوا على وحدتهم وشخصيتهم، وربما كان الاضطهاد حافزا لذلك. وخرج من بينهم مفكرون وكتّاب وشعراء أثّروا في توجيه الجماعات اليهودية التي عرفت نفسها باسم يهود الشتات أو الدياسبورا Diaspora . وظهرت حركة الهاسكالا Haskala– أي الاستنارة أو النهضة اليهودية، وهي حركة بدأها موسى مندلسون الذي ذهب إلى بروسيه ليتلقى العلم في التلمود لأن اليهود في ذلك الحين لم يكونوا يولون العلوم الأخرى أية قيمة. ولكن مندلسون درس الفلسفة والرياضيات وبعض اللغات علاوه على التلمود، وبدلا من أن يغيّر دينه- كما فعل الفيلسوف سبينوزا، حاول أن يوفق بين الدين اليهودي وبين روح العصر.
ومنذ العالم 1789 بدأت أفكار مندلسون في التأثير على اليهود. وكان زفي آريا جرين Zvi Ariah Green جد داييفد بن جوريون ([3])، من رواد أنصار هذه الحركة، ولكن اليهود في روسيه لم يجدوا في الهاسكالا خلاصهم الوحيد، وظهرت حركة جديدة تزعم أنها تحاول أن تضع تفسيرات معقولة لمشكلتهم وتخلصهم من عذابهم. وهذه الحركة التي أخذت مكان الهاسكالا بالتدريج هي حركة أحباء صهيون ([4]). وقد دعت هذه الحركة إلى التوجه إلى أرض الميعاد أي إلى فلسطين. وانتشرت هذه الدعوة في جميع أنحاء روسيه، وتسربت منها أيضا إلى المهاجرين.
وهكذا يمكن تلخيص المناخ الفكري بذكر الاتجاهات التي كانت تتجاذب اليهود في أوروبه الشرقية. الاتجاه الديني الذي يدعو إلى انتظار الخلاص العلوي الذي لا دخل لإرادة الإنسان فيه. ثم الاتجاه الذي يدعو إلى التحرر والاندماج في المجتمع الكبير، واتجاه يدعو إلى الهرب : الهجرة، والمتحمسون يفضلون الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. ثم اتجاه اشتراكي أو ثوري بدعوى أن مجيء حكومات ديمقراطية دستورية ستخلص اليهود من أحوالهم السيئة. وفي هذه الفترة باللذات ظهر كتاب ليو بنسكر التحرير الذاتي وأخذ اليهود الروس البيلو يهاجرون إلى فلسطين بموجات متتابعة وخاصة بعد اغتيال الإمبراطور ألكسندر الثاني سنة 1881. وكان أفجدور جرين Avigdor Green والد بن جوريون أحد قادة حركة أحباء صهيون في بلونسك. كان الوالد محاميا ناجحا، ومن أول من ترك اللباس اليهودي التقليدي وتعامل مع البولونيين دون حرج ([5]) . وقد اصبح منزل والد بن جوريون ملتقى أتباع حركة أحباء صهيون. وكثيرا ما كان بن جوريون في طفولته يجلس ويستمع إلى الحوار والجدل الذي يدور بين أنصار هذه الحركة ومعارضيها.
وكان معظم معارضي هذه الحركة من اليهود الاشتراكيين ومن الأحبار الذين كانوا ينظرون إلى هذه الحركة الصهيونية بشك ويخافون أن تتطور إلى حركة تدعو إلى مسيح كذاب كالحركات اليهودية التي سبقتها.
وكان الاشتراكيون يقولون بأن التحرر لا يعني الذهاب إلى فلسطين بل الاشتراك مع العامل البولوني في كفاحه. غير أن والد بن جوريون لم يتراجع وحاول أن يستميل الأحبار إلى صفه. ونجح عندما جذب الحبر سمحا إسحاق. وبانضمام هذا الحبر إلى الحركة ارتفع تقديرها بين يهود بولونيه. وكان الاشتراك السنوي في هذه الحركة يتطلب مبلغا قدره ثلاثة روبلات([6]).
وهكذا عندما ولد بن جوريون في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1886 وكان الطفل السادس لأبويه رضع الصهيونية مع لبن أمه. فقد أصر والده على تعليمه وأخوته اللغة العبرية منذ الصغر. وفي هذا يقول بن جوريون والده كان من غير الممكن أن أبقى في روسيه. كنت أفكر بالذهاب إلى فلسطين منذ الخامسة من عمري. ولقد ولدت في بيت صهيوني ورضعت العبرية وحب صهيون منذ الطفولة. لقد تعلمت العبرية منذ الثالثة من عمري. كان جدي يعلمني لغة التوراة بطريقة اللعب بالكلمات ولا أزال أذكر ذلك .([7])
ومن مميزات طفولته أنه كان متحمسا للعلم له قدرة فائقة على التركيز, وأول كتابين قرأهما كانا بالعبرية: حب صهيون , وكوخ العم توم. ولكنه كثيرا ما كان يقضي فترات صمت طويلة ([8]) . وقد كان منعزلا عن الأطفال في سنه([9]) . وكانت أمه ( واسمها شيندال Sheindal، سمراء الشعر ذات بنية صغيرة الحجم وقد ورث ذلك عنها ابنها دافيد ) تقول ابني إبراهيم سيكون أعظم عالم يهودي، أما ابني دافيد فإنه سيعرف في العالم كله([10]). وبالطبع كان أملها أن يصبح حبرا عظيما لأن اليهود في ذلك الحين لم يكونوا يهتمون لشيء آخر([11]).
كان يهود روسيه يسمعون الأخبار التي تروى عن موسى مونتفيوري وأدموند روتشيلد، وعن الأصوات المسيحية التي كانت تساندهم مثل جورج أليوت وغيره، ومع كل هذا فإن قادتهم، رواد الحركة الصهيونية، كانوا يرون أن عليهم وحدهم يقع عاتق الاستيلاء على فلسطين، أو ما سموه هم بأخذ أرض الميعاد.
وفي العالم 1896 ، وعندما كان ين جوريون في العاشرة من عمره، صدر كتاب هرتزل الدولة اليهودية. وكان لكتابه ما كان من تأثير مباشر في خلق الصهيوينة السياسية.
لأن كتابه في الحقيقة ما هو إلا ترجمه لأفكار يهود شرق أوروبه صيغت بطريقة حديثه كي يفهمها الغرب. وعندما عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل (1897) كان أغلب الحضور من روسيه بولونية. وقد شعر هؤلاء بخوف وعدم رضى لاتجاه هرتزل وتصريحاته العلنية عن دولة يهودية. غير أن هرتزل استطاع أن يكون الزعيم اليهودي غير منازع، واتجه إليه الصهيونيون، وكذلك المتدينون الذين رأوا فيه رسولا من قبل الله . وأصبح هرتزل المثل الأعلى لأطفال الجيل الجديد – جيل بن جوريون- الذي اتجه إلى الحبَر سمحا الذي كان يلهب مشاعرهم ويحثهم على الذهاب إلى أرض الميعاد ([12]).
وعندما كان بن جوريون في الحادية عشرة من عمره توفيت والدته وهي تضع مولودها الحادي عشر وأصبح والده كل شيء في حياته، وكان الوالد في ذلك الحين يحاول أن ينتخب في الدوما "Duma" - البرلمان الروسي – بعد أن ظهرت بوادر الإصلاحات القيصرية. وفي ذلك الوقت كان اليهود يتتبعون أخبار هرتزل ومناوراته السياسية لأخذ وثيقة – وعد رسمي –charter– يسمح لليهود باستعمار فلسطين ([13]) .
وفي العام 1900 كوّن بن جوريون وأصحابه الذين كانوا يريدون عملا إيجابيا، جمعية يدرسون فيها العبرية الحديثة، ويتكلمون عن هرتزل. ودعوا هذه الجمعية جمعية عزرا تيمنا باسم مؤسس الهيكل الثاني. إن اختيار هذا الاسم له دلالته القصوى في النظرة العنصرية للصهيونيين.
فعزرا هو الذي عاد إلى القدس من بابل، وعندما وجد اليهود في القدس يختلطون مع غيرهم من السكان غضب وأمرهم بالكف عن ذلك. واستطاع عزرا هذا أن يفصل جماعة السبي عن غيرهم من اليهود الذين لم يتبعوا تعاليمه العنصرية. وهكذا أحيا وغذى العنصرية والانفصالية عند اليهود ( راجع سفر عزرا وخاصة الفصل التاسع ). وسنرى في صفحات لاحقة كيف غضب بن جوريون على اليهود الذين يشغلون العرب عندهم في فلسطين !
وكانت مهمة الخطابة والدعاية من المهام التي اضطلع بها دافيد جرين. واشتهرت الجمعية حتى عرف خبرها في وارسو. وقد كان الخلاف على أشده بين أتباع جمعية عزرا واتباع دعوة بند <<Bund>> وهي الدعوة للاشتراكية والحرية في بولونيه دون النظر للدين. ورفض بن جوريون الاشتراكية بهذا المفهوم منذ البداية, وحجته أن هرتزل الذي عاش في بلد ديمقراطي رأي أن الحل الوحيد لتحرير اليهود هو إعطاؤهم وطنا خاصا بهم. وغالبا ما كان النقاش العقائدي يحتدم بين الفريقين([14]). يفسر بن جوريون موقفه في الماضي بقوله: نحن لم نكن ضد حكم ديمقراطي في بولونيه, ولكننا كنا نرى أن ذلك لا يحل مشكلتنا. حتى ولو كنا سنضمن عدم الاضطهاد فإننا كصهيونيين كنا نريد بناء صهيون وهكذا كان على جمعيتنا أن تحارب في جبهتين : الجبهة الأولى اقناع الصهيونيين بالهجرة إلى فلسطين كتعبير عن صدق صهيونيتهم, والجبهة الثانية كانت في محاولتنا تحويل اتباع بند إلى العقيدة الصهيونية. وقد عرف بن جوريون ببلاغته وقوة حجته حتى أن الحبر سمحا قال : لو عندنا عشرة مثله لحررت إسرائيل ([15]).
وبعد المؤتمر الصيهوني عام 1902 شعر الصهيونيون بالخيبة لأن هرتزل لم يجد نجاحا في مفاوضاته, وبدأ الشك يساورهم في جدوى ترك القيادة لرجل واحد واتباع طريقة واحدة. وظهر في ذلك الحين وايزمن مع جماعة صغيرة أخذوا يطالبون بضرورة اتباع الديمقراطية في القيادة الصهيونية. وأخذ القلق يستحوذ على يهود روسيه لظهور بوادر الاضطهادات بتحريك من وزير الداخلية الروسي بليف (Plehve ) . وصمم الشباب اليهودي على الثورة على النظام القائم أو الهرب كلية من روسيه. وفي ذلك الحين انضم بن جوريون إلى حركة عمال صهيون التي كانت تدعو للهجرة إلى فلسطين والعمل فيها وإلى العدل الاجتماعي بين اليهود ولو على حساب سكان فلسطين العرب.
ذهب بن جوريون إلى وارسو لاتمام دراسته لإنه لم يكن يوجد مدارس ثانوية في بلونسك . ومنذ البداية لم يهتم بن جوريون بالقومية البولونية ولم يتعلم اللغة البولونية لأنه لم يكن يرى أن لهما علاقة بالأفكار القومية لليهود التي آمن بها, وحتى في المدرسة الابتدائية فإنه اختار اللغة الروسية. وفي وارسو كان يعطي دروسا في اللغة العبرية ليغطي مصروفاته المدرسية, غير أن دراسته وشغله لم يمنعاه من متابعة نشاطه مع جميعة عمال صهيون, فقبض عليه البوليس بتهمه الشغب, ولكن والده استطاع إخراجه من السجن وعاد به إلى بلونسك وهكذا قطع دراسته المنتظمة([16]) , مع أنه كان يريد أن يتعلم الهندسة, لإنه كان يعرف أن استعمار فلسطين بحاجة إلى مهندسين ولأنه كان قد قرر الهجرة إلى فلسطين والاشتراك في عملية الاستعمار مــــع زملائه([17]).
وبعد مذبحة كيشينيف, ووفاة هرتزل عام 1904 قرر بن جوريون وأصدقاؤه المتحمسون الإسراع بالهجرة إلى فلسطين. وذهب صديق طفولته الحميم شالوم زماخ إلى فلسطين دون أن يخبر ذويه إذ كانوا من عائلة غنية تعارض في هجرته. وفي هذه الفترة كان اليهود يتأملون خيرا من الإصلاحات في روسيه, ولكن بن جوريون لم يكن يرى رأيهم وكان يفضل استمرار سوء وضع اليهود لتنجح الدعوى الصهيونية في حملهم على الهجرة لاستعمار فلسطين. وزاد من حيرته أن انقسامات حدثت بين القادة الصهيونيين بعد موت هرتزل. وبقي دافيد بن جوريون سنة أخرى يشتغل منظما للحركات العمالية في منظمة عمال صهيون. وعرف كخطيب مؤثر وكخصم للاشتراكيين. وكان يتقن اللغة الروسية واليديشية والعبرية. وكانت المراسلة بينه وبين صديقه شالوم منتظمة وكانت أول من نبّه الأذهان لمشكلة اليهود مع العرب. ويقول أن رسائل صديقه تعطي صورة واضحة عن الحال في ذلك الحين ولكنه أضاع المجموعة في القسطنطينية ولم يستطع العثور عليها بعد ذلك([18]).
هجرة بن جوريون إلى فلسطين
عندما عاد شالوم لزيارة أهله في بلونسك قرر بن جوريون أن يرافقه حين عودته إلى فلسطين.
وفي طريقهما مرا بمدينة أودسه لمقابلة مناحيم يوسيسشكين Ussisshkin زعيم الصهيونيين الروس وعرضا عليه تحرير جريدة في فلسطين وأرسالها إلى أوروبه الشرقية, ولكن هذا الزعيم لم يتحمس للفكرة([19]).
جاء بن جوريون إلى فلسطين عام 1906, ومنذ وصوله انضم إلى حركة عمال صهيون. لم يرغب في البقاء في يافا بل آثر العمل في الأرض لأن العمل هو المعنى الرمزي لوجوده في فلسطين ولذلك ذهب إلى مستعمرة بتاح تكفا (ملبس ). ويصف بن جوريون ذهابه إلى فلسطين في فصل عنوانه في اليهودية والجليل في كتابه بعث إسرائيل ومصيرها من صفحه 7-28 . ويقول أنه لم يستطع النوم في أول ليلة وصل فيها إلى فلسطين لأن مشاعره غلبته: هذه الليلة محفورة في ذاكرتي بكل ما تعني من فرح ونجاح ... أنني في أرض إسرائيل ... وأرض إسرائيل حولي أينما توجهت. أنني أسير على أرضها وانظر إلى سمائها ونجموها التي لم أراها من قبل .. جلست طيلة الليل أفكر في سمائي الجديدة .
وفي بتاح تكفا فوجئ بن جوريون بالرفض من الملاّك اليهود اللذين أخبروه بأنهم يفضلون العمال العرب على العمال اليهود. ولكنه بعد محاولات وجد عملا. ولا بد من كلمة في هذا المجال لوصف حالة اليهود في فلسطين عند مجيء بن جوريون. كان اليهود في ذلك الوقت ينقسمون إلى فئتين :
أولا : اليهود الوطنيون الذين ولدوا في فلسطين وعددهم حوالي 50000 وهم متدينون جدا ومتفاهمون مع العرب والأتراك إلى حد بعيد ويعيشون على الإحسان من الجاليات اليهودية في البلدان الأخرى. ومعظمهم كان يعيش في القدس والخليل وطبرية وصفد.
ثانيا: اليهود المهاجرون من أوروبه الشرقية وكانوا حوالي 30000 ولكنهم لم يكونوا يمارسون العمل بأنفسهم بل كانوا ملاّكا يعتمدون على العمال العرب([20]). وكانوا لا يخفون نواياهم الاستعمارية.
وفي العام نفسه الذي جاء فيه بن جوريون إلى فلسطين عقد أول مؤتمر لعمال صهيون في فلسطين, وشغل بن جوريون منصب رئيس المؤتمر([21]) . وفي هذا المؤتمر صدر قرار تكون اتحاد العمال وقد أصرّ بن جوريون على إضافة كلمة اليهود ليصبح اتحاد العمال اليهود, ومع أن الجميع كانوا ضده إلا أنه في النهاية نجح في فرض رأيه. لقد كان يزعم أنه اشتراكي ولكنه كان يريد من حزبه أن يضم فكرة الحركة اليهودية القومية . وقد قال له أحد أصحابه: أنني مستعد للكلام بالعبرية ولكن كيف أفسر ذلك في النظرية الماركسية ! ([22]) ولكن بن جوريون لم يكن يهمه أي تناقض لأنه كان مستعدا أن يتبع أية طريقة لبلوغ أهدافه.
ثم انتخب العمال بن جوريون ليمثلهم أمام القائمين على معاصر روتشيلد وهناك بدأ أول عمل نقابي له إذ رتب إضرابا في حقول ريشون ليزون. وهكذا أصبح شخصية مشهورة في الحزب. وبعد ذلك انتخب رئيسا للجنة مكونة من عشرة أفراد في الحزب ليبحثوا في أمر إنشاء جريدة- وكان النقاش يدور حول اللغة التي يجب أن تصدر بها الجريدة, اليديشية أم العبرية. ثم بحثت طرق جذب العمال اليهود إلى فلسطين وكيفية الحصول على ضمانات العمل اليهودي في القرى اليهودية. في البداية لم يحددوا موقفهم من العامل العربي علنا وبصراحة ولكنهم وجهوا عداءهم إلى المزارعين والملاك اليهود([23]). لأن بن جوريون واتباعه رأوا أن هذه الطبقة في فلسطين مثل يهود أوروبه لا تريد إلا الربح. ثم انتقل بن جوريون من بتاح تكفا إلى كفار سابا وهي أراضي اشتراها مزارعو بتاح تكفا. وفي خريف العام 1907 عقد مؤتمر ثان لعمال صهيون في فلسطين وانتخب بن جوريون مع لجنة لوضع برنامج الحزب. ووضع البرنامج في الرملة وكان في الحقيقة تعديلا بسيطا للإعلان الشيوعي The Communist Manifisto . وقد نجح في وضع آرائه أيضا في برنامج الحزب : الحزب يهدف إلى الاستقلال السياسي لليهود في هذه البلاد ([24])وقد كان معه في هذه اللجنة إسحاق بن زفي – (هرب بن زفي من روسيه بعد أن عرف عنه أنه كوّن مجموعات دفاع عن النفس في روسيه وقد ألتقى مع بن جوريون في بتاح تكفا عام 1907 ).
وقرر المجتمعون في المؤتمر الثاني إبلاغ يهود العالم بالحقائق كاملة وعدم إخفاء الأحوال السيئة التي تنتظر العامل اليهودي الذي يريد الهجرة حتى لا يخيب أمله عند الحضور إلى فلسطين. وقرروا إصدار الجريدة التي كانوا يبحثون أمرها باللغة اليديشية وليس باللغة العبرية كما كان بن جوريون يريد. كما قرروا إرسال إسحاق بن زفي لحضور المؤتمر الصهيوني القادم ليطلع الصهيونيين على الحالة بين الملاّك اليهود ليحرض المؤتمر ضدهم ويتهمهم بالتحيز ضد العمال وتفضيلهم العمال العرب([25]).
ثم انتقل بن جوريون إلى الجليل وقد فرح جدا لأنه لم ير في الجليل أصحاب دكاكين ومرابين وطفيليين ([26]).
بالطبع فإن هذه هي عقدة اليهود. وثورة الدعاة الصهيونيين على هذا النمط من الحياة رد فعل لهذه العقدة لأنهم كانوا يريدون أن يبدأ اليهود حياة جديدة قوامها العمل – العمل الزراعي والصناعي, أن أرادوا النجاح في استعمار فلسطين, وذلك لأن اليهود في الجيتو كانوا يمنعون من ممارسة هذه الأعمال .
وفي الجليل سكن في مستعمرة سيجيرا ( أي الشجرة ), وقد أنشئت بواسطة صندوق الاستعمار اليهودي The Jewish Colonial Association, الذي كان يموله البارون هيرش من باريس لتوطين اليهود. وكان العمال يشتغلون في أماكن من هذا النوع لتحضيرها لاستيطان اليهود الذين يودون الهجرة. وكان العمال عادة شبانا صغارا متحمسين للاستعمار شعارهم الغلبة للعمل ولم يكن السكن الدائم هدفهم ([27]). وفي الجليل كانت الحال تختلف بالنسبة للعلاقة بين العرب واليهود, إذا لم يكن العرب يشتغلون عند اليهود كما كانوا في يافا والجنوب. وكان اليهود في الشمال يستأجرون الشركس لحمايتهم وذلك لأن الصهيونيين اكتشفوا مقاومة العرب لمخططاتهم.
وقد كانت الحكومة التركية تعامل الشركس بطريقة أفضل من الطريقة التي كانت تعامل بها العرب وتعيّن شيوخهم في مراكز عسكرية عالية مما أقام حاجزا بين العرب والشركس وجعل الشركس يتعاونون مع المستوطنين اليهود ضد العرب في حالات كثيرة([28]). غير أن العمال اليهود وعلى رأسهم بن جوريون رأوا أنه يجب عليهم عدم الاعتماد لا على العرب ولا الشركس بحجة حماية أنفسهم بأنفسهم. وأثارت هذه البادرة رعب المزارعين الذين رأوا أنه ليس من مصلحتهم إثارة المزيد من مخاوف العرب, وأن حمل السلاح ليس من صفاتهم وليست لهم الشجاعة الكافية للصمود أمام العرب وأن العرب, لكثرة عددهم بالنسبة لليهود, لو أرادوا لأبادوا اليهود في يوم واحد, وكما يدل على أن العرب لم يعادوا المزارعين اليهود لمجرد أنهم يهود,ولم يبدأوا بالعداء إلا حينما بدأ اليهود باستعمار الأرض العربية. فحتى الحرب العالمية الأولى لم يظهر العرب أي عداء لليهود وبعد الحرب بدأ العرب يطالبون بتقرير المصير كما كانت الشعوب الأخرى تنادي والحلفاء يبشرون ولم يعاد العرب اليهود لأنهم يهود بل لأنهم يقفون عثرة في سبيل استقلالهم. ولكن بن جوريون وجماعته انتصروا لفكرتهم وكلموا المسؤول التركي وطلبوا منه أسلحة ووافق الأتراك على طلبهم ما دام هذا الطلب يؤذي العرب. ويصف بن جوريون شعورهم عند الحصول على الأسلحة فيقول : كنا ننتظر مجيء الأسلحة ليلاً نهاراً ولم يكن لنا حديث إلا الأسلحة، وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا ... كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال، ولم نعد نشتريها أبداً، كنا نقرأ ونأكل ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا([29]).
هذه الفرحة لا تدل إلا على الحقد المرير والنزعة العدوانية والتصميم على سلوك العنف. لقد كان هدف بن جوريون تكوين نواه لقوة مقاتلة. لقد اختار اسم مقاتل لقبا له ولم يختر اسم عالم أو نبي أو حكيم من حكمائهم. في ذلك الوقت لم يكن هناك خطر حقيقي – أن الحوادث التي يسردها ويصفها بإسهاب كانت سرقات عادية والقتل كان نادرا ولم يكن موجها لليهود كيهود. ولكن بن جوريون كان يؤكد بوجوب خلق أمة في هذه البلاد, أمة تحكم نفسها وتحقق إرادتها بالقوة والعنف ولا تعتمد على مرتزقة ربما تركوها أو ثاروا ضدها . لقد كان هذا تفكيره في العام 1909. وكانت (سيجيرا) أول مستعمرة يهودية حراسها يهود منها. وبالطبع تبعتها مستعمرات أخرى بالتدريج. وهكذا كوّن بن جوريون وبن زفي وأتباعهما فرقة الحراس هاشومير. وقد كوّن الهاشومير على نمط جماعات الدفاع الذاتي في روسيه. وقد كان شعارهم بالدم والنار سقطت اليهودية وبالدم والنار ستقوم ثانية ([30]). إن هذه العقلية هي نتاج المخطط الصهيوني. لقد جاءوا ليطبقوها على العرب الذين يشهد التاريخ بأنهم عاملوا اليهود بكل كرم وسخاء وتسامح وأكبر دليل على ذلك حالة اليهود في إسبانيه أيام الحكم العربي لها.
ومع أن اليهود أنفقوا وقتا طويلا للاقتناع بعمل الحراس إلا إنه ما أن حل العام 1914 حتى أصبحت كل المستعمرات محروسة بهذا الشكل. وفي العام 1920 عندما رأى الحراس أن رسالتهم انتهت بمجيء الحكم البريطاني الصديق لهم , حلوا المنظمة من تلقاء أنفسهم وأنضموا إلى الهاجاناه([31]) . بل ويقال أن الهاجاناه ما هي إلا تطور طبيعي للحراس([32]).وقد كان صديق بن جوريون شالوم زمكا ضد فكرة تكوين حرس يهودي وقال أن ذلك سيؤدي إلى صراع بين العرب واليهود. والواقع أنه منذ جاء الصديقان إلى فلسطين ظهر الاختلاف في الرأي بينهما. فقد رفض شالوم الانضمام إلى حزب عمال صهيون لأنه رأي أنه حزب مستورد لا يلائم طبيعة فلسطين وانضم إلى حزب العامل الفتى الذي كان حزبا اشتراكيا ولكنه يتبع اشتراكية مرنة بشّر بها جوردن Gordon . اشتراكية تتكيف مع الاحتياجات المحلية وإعادة البناء الاجتماعي في فلسطين. وقد رفضت مبدأ الصراع الطبقي والآراء الماركسية الأخرى التي كان يتبناها حزب عمال صهيون الذي انضم إليه بن جوريون. ولكن حتى عمال صهيون الفلسطينيين الذين كانوا تابعين للاتحاد العالمي للصهيونيين الاشتراكيين أي The World Federation of Socialist Zionists والذين كانوا يؤمنون نظريا بكل العقائد الماركسية لم يستطيعوا تطبيقها في فلسطين لأن المشكلات العاجلة في ذلك الحين كانت : العمل و الدفاع وإحياء اللغة العبرية. وكانت نظرية الصراع الطبقي بعيدة وغير واقعية في مثل هذه الأحوال([33]).
وبعد أن تعقدت الأمور بين بن جوريون وأتباعه وبين أتباع العامل الفتى انفصل الحزب الأخير وكوّنوا مستعمرة جديدة هي مستعمرة روش بينا Rosh Pina . وفي ذلك الحين أسس عمال صهيون أول مستعمرة اشتراكية (كيبوتز) في فلسطين وهي مستعمرة داجانيا التي كان اسمها الأصلي أم جوني([34]) .لم يكن بن جوريون مع الذين كوّنوا هذه المستعمرة لأنه بعد أن قرر العمال الانتقال من سيجيرا للتغلب على منطقة أخرى ذهب إلى بلونسك وعندما عاد استدعى لمقر الحزب في القدس . أما تأسيس المستعمرة فلم يكن خطوة سهلة لأن أيديولوجية العمال كانت ضد تملّك الأرض حتى لا يصبحوا ملاّكا زراعيين لأنهم كانوا يكرهون هذه الطبقة من اليهود لأنها كانت تفضل العمال العرب. ولكن المجموعة في النهاية انتهت إلى القرار بأن الأرض ستكون ملك الجميع وسيشتغل فيها الجميع. وكانت الأرض ملكا للصندوق القومي اليهودي Jewsish National Fund . وقد وافق المسؤولون على هذه الخطوة ([35]) . واسم الشخص الذي اقترح هذا الحل هو جوزيف باراتز ([36]) . وهكذا أخذت فكرة الكيبوتزات تنتشر بين المستعمرات و الرواد من المستوطينين اليهود في فلسطين. وعندما رجع بن جوريون إلى القدس للعمل مع بن زفي في جريدة الحزب أخذ يدعو للوحدة بين اليهود لأنه لاحظ في تجواله أن معظم المهاجرين يتكتلون حسب جنسياتهم المحتلفة قبل مجيئهم إلى فلسطين إذ أن العصبيات القومية أقوى من الروابط الصهيونية المفتعلة. وفي العالم 1908عاد بن جوريون إلى روسيه وذلك لأن ثورة حزب الاتحاد والترقي في تركيه في هذا العام جعلت اليهود يأملون بالعمل في الاستيلاء على فلسطين بحرية لعلاقة الحكام الجدد بهم ورأوا أن باستطاعة بن جوريون وأمثاله من المهاجرين سرا أخذ الجنسية التركية. ولكن كان عليهم أولا أن يظهروا جنسياتهم الأصلية, ولهذا فإن من الواجب أن يكون بن جوريون قد أدى الخدمة العسكرية في روسيه وإلا فإن ذلك يخلق المشكلات لوالده في بلونسك. ولكن بن جوريون سرح من الجيش بعد أسبوع بسبب عدم اللياقة([37]).وأما بن جوريون فيقول أنه هرب من الجيش ([38]) في روسيه. وعندما رجع إلى فلسطين كتب لوالده يقول: أن خلق قرية جديدة في فلسطين أفضل من كل الاشتراكات المالية وأجدى نفعا من كل الاجتماعات والمؤتمرات. أن السكن في فلسطين هو الصهيونية الحقيقية فقط ([39]).
وفي العام 1910 ترك بن جوريون الجليل وذهب إلى القدس المركز الرئيسي الجديد لحزب عمال صهيون بعد يافا وأصبح عضوا رئيسيا وتفرغ للحزب الذي أخذ يدفع له راتبه. ثم اشتغل في تحرير مجلة الحزب الوحدة وظهر له أول مقال بإمضاء بن جوريون. وقد اتخذ هذا الاسم لإن له صله بالتوراة كي يبرهن على أنه ترك اسمه البولوني وأصبح يهوديا فلسطينيا([40]) . ومعنى هذا الاسم ابن الشبل ويقال أن صاحب هذا الاسم هو الذي قاد الثورة المسلحة ضد الرومان ([41]) . لقد كان هذا الاختيار اختيارا رمزيا يدل على اعتقاده بأن تاريخ مجيء اليهود إلى فلسطين هو تتمة لتاريخ اليهود القديم وأن خروج اليهود من فلسطين مدة ألف عام لا يعني شيئا وأن اليهود المقاتلين في الماضي يجب أن يكونوا قدوة ليهود اليوم. وهكذا تحول العامل المسلح إلى صحفي يغذي العقول بسموم الصهيونية, لقد استطاع أن يحوّل المستعمرات المسالمة الى ترسانات عدوانية توسعية, وبعد أن بدأ نواة العدوان أخذ يشتغل بالصحافة ويهاجم الملاّك اليهود لأنهم يستخدمون العمال العرب. ولا عجب في ذلك فهو من تلاميذ عزرا, عزرا الذي شرد العائلات اليهودية التي كانت تختلط مع غير اليهود. لقد كان عزرا يجهر بآرائه العنصرية وأما بن جوريون فهو يغطي عنصريته بدعوى المصلحة الاقتصادية. ويقول بن جوريون إنه كان دائم الحيرة بين البقاء كعامل أو استعمال مواهبه لتقديم مصلحة اليهود, ولكنه قرر أن يهتم بالمشاكل التعليمية والسياسية ويقول أنه الآن يرى أن قراره كان مناسبا, وأهم الأفكار التي كان يعبّر عنها في مقالاته في ذلك الحين هي : تنظيم العمال وتوحيد السكان اليهود وأخذ حكم ذاتي من الحكومة التركية([42]).
دراسة القانون في القسطنطينية ....
رأى اليهود, ومنهم بن جوريون وبن زفي, أن عليهم أن يوثقوا علاقتهم بالقسطنطينية ويظهروا أنهم من رعايا الباب العالي المخلصين وأن من حقهم الحصول على حقوق الأقلية وذلك للتغلغل في الأوساط الحاكمة الجديدة المعادية للعرب. ولكن عدم معرفتهم القوانين التركية كان حجر عثرة في طريقهم ولذلك قرر بن زفي وبن جوريون في العام 1912 الالتحاق بجامعة القسطنطينية لدراسة القانون ([43]) ووافقهم حزب عمال صهيون على ذلك وقد اعتقد بن جوريون ومن معه أنهم إذا درسوا القانون فربما وصلوا إلى البرلمان العثماني وأصبحوا ممثلين لليهود وبذلك يستطيعوا أن يجعلوا الهجرة إلى فلسطين قانونية وبالطبع مغرية في نظر اليهود خارج فلسطين. وانضم إليهما أعضاء أحزاب أخرى ممكن كانوا يريدون تكوين طبقة يهودية عثمانية مثقفة كما كان معهم موسى شرتوك ( شاريت ) ودافيد ريميز. في البداية ذهب بن جوريون إلى سالونيكه ليتعلم اللغة التركية واختار هذه المدينة بالذات لأن فيها جالية يهودية كبيرة. ولكنه كان يحتاج إلى مترجم لأنهم كانوا يتكلمون اللادينو, وقد عزز ذلك تفيكره بأن على اليهود أن يتكلموا مع بعضهم بعضا اللغة العبرية, وكان يهود هذه المدينة من السفارديم وقد دهش للنظرة التي ينظرون فيها إلى الاشكناز حتى أن أحد أصدقائه نصحه بأن لا يخبر صاحبة البيت الذي يسكن فيه أنه اشكنازي. وهو الآن يأسف لأنه لم يتعلم اللادينو والسبب أنه كان يريد التركيز على اللغة التركية كما أنه كان يحتقر اللادينو واليديش لأنهما برأيه لغتا المنفى والشتات ويريد أن يستبدلهما بالعبرية. بقي في سالونيكه سنة ونصف السنة ودرس القانون في فرع جامعة القسطنطينية حتى سقوط المدينة في الحرب التركية اليونيانية. وبعدها ذهب إلى القسطنطينية([44]).وفي القسطنطينية كتب بحثا في العلاقات بين السلطة المركزية والولايات في الإمبراطورية العثمانية لأنه رأى أن من الضروري أن يعرف اليهود كيف ستكون الحالة في الولايات السورية إذا ما تلاشت الإمبراطورية العثمانية. وقد اُنتخب بن جوريون سكرتيرا لنقابة الطلاب اليهود في القسطنطينية. لم يلاحظ الطلاب بأن الإمبراطورية لن تعيش كثيرا بل أخذوا يحلمون بتكوين ولاية يهودية, وحاولوا التطوع في حرب البلقان ولكن السلطات رفضتهم لإنهم طلاب ([45]) . وفي القسطنطينية تعرّف بن جوريون بجوزيف ترمبلدور وجابوتنسكي وكان اسمه قد أصبح معروفا بسبب مقالاته بجريدة الوحدة([46]).