eKtab
EN ع
دفاعا عن الجنون - مقدمات
Read free sample

دفاعا عن الجنون - مقدمات

by ممدوح عدوان

Page 1

تقديم المقدمات

ما الذي يربط هذه المقالات؟!..

هناك إجابة أولية ساذجة تقول إن الرابط بينها هو أنني كتبتها: أي أنها صدرت عن كاتب واحد.

وبشيء من الهدوء والتأمل لا تبدو هذه الإجابة ساذجة. إنها فعلاً تحاول أن ترسم ملامح شخص ما (هو أنا بالطبع) ولكن هذا الشخص لا يتأمل نفسه في المرآة بل يستسلم لتداعياته وهو يرى، ويعيش، ما يجري حوله.

بشكل ما يمكن أن تعطي هذه المقالات صورة عن وضع المثقف في هذه الحقبة من الزمان وعلى هذه البقعة من الأرض في الوقت الذي تعكس فيه آراءه بمشكلات أو طروحات وأحداث وأشخاص.

الآراء التي تتضمنها هذه المقالات لم تأت من التأمل بل أتت من المعايشة والتجربة في الواقع وكان هذا الواقع مشحوناً ومليئاً بالمرارة والقلق والهواجس. وكان هذا القلق يفرض نفسه فنياً مثلما يفرض نفسه فكرياً.

إن في الإمكان العثور، في هذه المقالات، على إجابة عن سؤال أرى أنه مثير للاهتمام بمقدار ما يمكن أن يبدو طريفاً:

كيف ترى نظرة الإنسان المهدّد إلى الثقافة والفنون والحياة؟!.. أية إضافة إلى رصيدنا العصبي يمكن أن تشكلها وثيقة فنية تركها هندي أحمر حين أحس بوادر الانهيار العام.. والإبادة؟!..

ولم لا يكون الهندي أسمر؟!..

الهندي الأسمر يحسّ أنه مهدد. وكلمة (مهدد) لم تأت من العناوين السياسية لحياتنا السطحية بل هي نابعة من أعصاب خائفة أو متوترة.

فأنا خائف فعلاً وأنا أحس فعلاً، أنني مهدد كأي هندي أسمر، وابتداء بالخوف من الحرب النووية (التي يدفعني المنطق إلى الادعاء بالخوف منها والعيش تحت كابوسها ـ فأنا، في الحقيقة، لم أحس إحساساً فعلياً بخطرها)، مروراً بالخوف من الخطر الصهيوني، الذي ليس لدي أدنى شك في أنه يستهدف أرضي ووجودي ومستقبلي، والذي يفرض علي المجابهة أو التهيؤ للإبادة أو الحل الوسط: تهيئة النفس لقبول حالة الغيتو والإنسان من الدرجة الثانية، وانتهاء بخوفي من القمع والكبت والاستغلال والتشوه الثقافي.. كان هذا الخوف يملأ ثنايا حياتي الشخصية والفنية.

ولكن الخوف قد يكابر على نفس ليظهر تحدياً مثلما يصارح نفسه ليظهر اعترافاً راعش الصوت.

لقد سئلت أكثر من مرة عن سبب إلحاحي في الشعر، على الموضوعات السياسية والوطنية. وكانت إجابتي الصادقة هي أنني لم أكتب عن السياسة والوطن بل كنت أكتب عن نفسي. وبالتدقيق أكثر يتبين لي أن ذلك كله كان نوعاً من الدفاع عن النفس.

وفي هذه المقالات أيضاً لا أتحدث عن الهجمة الإسرائيلية على لبنان أو عن لؤي كيالي والفن المسرحي ولا أحاول أن أنظّر للشعر والفنون. إن القارئ يستطيع أن يجد كتّاباً يفيدونه أكثر مما أفيده في هذا الخصوص. لكني، هنا أتحدث عن رؤيتي لهذه المسائل وأنا مشحون بالتوتر والخوف ومصمم في الوقت ذاته، على الحياة.

وليست مقدماتي لكتب الآخرين محاولة لتزيكتهم أمام القارئ فما من أحد يستطيع أن يزكي كاتباً إلا القارئ نفسه. لكنها كانت بالنسبة لي، فرصة لقول ما لدي حول مسألة لم أتطرق إليها في كتاباتي الأخرى أو أنني تطرقت إليها ولكن بشكل لم يوضح الموقف الفعلي منها.

وسيلاحظ القارئ أنها مكتوبة بانفعال الشاعر أكثر مما هي مكتوبة بعقلانية الباحث.

لقد كان من الممكن أن أكتب تبريرات لبعض الآراء التي أوردتها في هذا المقال أو ذاك لكنني لم أفعل، فأنا متصف بالتعجل الذي يمنعني من التركيز. ولدي آراء كثيرة. وأنا مستعجل لقولها. أخاف أن يفوت أوانها أو أن تزحمها آراء أخرى فأنساها. لذا وجدت أن محاولة التوقف لتبرير رأي من هذه الآراء، أو حتى لتوثيقه، ستضيع على فرصة أن أقول رأياً آخر بعده. وأنا، كما قلت، على عجلة من أمري. الحياة مزدحمة والهاوية قريبة. لابد من أن أكمل صرختي.

هذا ما يجعل هذه الكتابات في منطقة وسطى بين الصحافة والشعر: أي بين الرأي والانفعال، بمعنى آخر هي آراء مطروحة بعصبية وغير صالحة للنقاش. تقبل كما هي أو ترفض كما هي.. تماماً كما يتم التعامل مع القصيدة.

ممدوح عدوان

Page 2

احتفالاً بالجنون

قال سانشو لدون كيشوت وهو على فراش الموت:

«إن أكبر جنون يمكن أن يرتكبه الإنسان هو أن يدع نفسه يموت دون أن يقتله أحد ودون أن يجهز عليه شيء من الحزن».

* هذه مقدمة لكتاب عن الفنان لؤي كيالي، لصلاح الدين محمد يصدر قريباً عن دار ابن رشد.

نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكرورة.. ومملة.

نحن في حاجة إلى الجرأة على الجنون والجرأة على الاعتراف بالجنون. صار علينا أن نكف عن اعتبار الجنون عيباً واعتبار المجنون عاهة اجتماعية.

في حياتنا شيء يجنن. وحين لا يجن أحد فهذا يعني أن أحاسيسنا متبلدة وأن فجائعنا لا تهزنا. فالجنون عند بعض منا دلالة صحية على شعب معافى لا يتحمل إهانة.. ودلالة على أن الأصحاء لم يحتفظوا بعقولهم لأنهم لا يحسون بل احتفظوا بعقولهم لأنهم يعملون، أو لأنهم سوف يعملون، على غسل الاهانة.

نحن في حاجة إلى الجنون لكشف زيف التعقل والجبن واللامبالاة، فالجميع راضخون: ينفعلون بالمقاييس المتاحة.. ويفرحون بالمقاييس المتاحة.. يضحكون بالمقاييس المتاحة.. ويبكون ويغضبون بالمقاييس المتاحة.. ولذلك ينهزمون.. بالمقاييس كلها، ولا ينتصرون أبداً.

بغتة يجن شخص، يخرج عن هذا المألوف الخانق فيفضح حجم إذعاننا وقبولنا وتثلم أحاسيسنا، يظهر لنا كم هو عالم مرفوض ومقيت وخانق.. وكم هو عالم لا معقول ولا مقبول. كم هو مفجع ومبك وكم نحن خائفون وخانعون وقابلون.

جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري، أمر الملك العاري أن يروه مرتدياً ثيابه فرأوه. وأمر أن يبدوا آراءهم في ثيابه فامتدحوها وأطنبوا وحين خرج إلى جماهيره فاجأه صراخ طفل لم يدجن بعد: «لكنه عار.. عار تماماً».

لو كان هذا الطفل أكبر قليلاً لاتّهم بالجنون. ولكن لأن فيه تلك البراءة الواضحة العفوية الصارخة كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.

صرخة الطفل. مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون ومراؤون وخائفون إلى درجة تجاهل حقيقة يومية بسيطة يستطيع الطفل أن يشير بأصبعه إليها ويعلن عنها. فهو يرى الحياة على حقيقتها دون رتوش ودون تلوين بالمطامع ودون مكياج بالتبريرات. وفي أعماق كل فنان طفل صادق بهذا المقدار، طفل لا يحتمل ما تعودنا، على احتماله، طفل يبكي حين يتأمل ويصرخ حين يجوع ويغضب حين يهان ويجن حين يجبر على أن يحيا حياة الحيوان.

وأنا أريد أن أكتب عن لؤي كيالي لأنني أريد أن احتفل بالعثور على مجنون حقيقي، إنسان كانت لديه الجرأة على إعلان جنونه دون أن يهتم للآخرين الذين انشغلوا بالتغطية على هذا الجنون وكأنه قد كشف عوراتهم ومخازيهم، فاختيرت لحالته أوصاف لبقة مثل «أزمة عصبية» و «انهيار عصبي» و «تعب أعصاب».

ويزداد الضغط باتجاه استخدام مثل هذه التعابير اللبقة بعد موت لؤي بدعوى احترام الميت وحرمة الموتى. ولكن من المهين للحياة أن لا نرى الجمال إلا في الموتى، وأن لا نقدر الناس إلا بعد موتهم وأن لا نجرؤ على رؤية من يموتون مثلما كانوا في حياتهم فعلاً.

وأنه لمن المخزي أن نمنح الموتى قيمة أكبر مما كنا نمنحهم في حياتهم. وخاصة حين يكون الميت فناناً، فالفنان ليس ملكاً لحساسيات الأهل والأصدقاء بل هو ملكنا جميعاً وقيمة في حياتنا جميعاً. ومن حقنا أن لا نسمح أن يقوم شيء في حياتنا على وهم أو خطأ.

لؤي كان مجنونا ً طوال سبعة أعوام: من عام 1967 حتى عام 1973، يجب أن لا نخفي هذه الحقيقة من حياته، بل يجب أن نعلن عنها ونشير إليها باعتزاز. يجب أن نقول إن لؤي كيالي من بقايا المستحاثات البشرية التي ما يزال لديها أعصاب وحساسية وكرامة. وأن هذه الميزات هي التي جعلته غير قادر على التواؤم مع عالمنا اللامعقول فجن وأربكنا.

Page 3

إن ما يبدو في ظاهره حباً للؤي ومجاملة له هو كره للؤي ونيل منه بالتعتيم على امتيازه العظيم ومجاملة لأنفسنا. فهناك دائماً أناس تريد أن تكرههم لأن حساسيتهم تسبقك ولأن انفجاراتهم تدين هدوءك وتفهمك وعقلانيتك.

وأنا لا أكتب الآن سيرة بطل يستطيع أن يصمد. ولا عن رجل سياسة يستطيع أن يلف ويدور ويبرر. إنني أكتب عن فنان. أي أنني أكتب عمن له الحق أن يكون ضعيفاً إذا كان ضعيفا.. وعمن له الحق أن يوصله ضعفه إلى الجنون.

دعونا نعترف الآن بأبسط الحقوق الطبيعية: أعني حق الفنان أن يكون إنساناً طبيعياً وأن لا يكون مدجناً ومألوفاً. وهنا لا أطالب باعتباره خارقاً لكنني أطالب بحقه في أن يبكي ألماً حين يحجب الناس دموعهم ويعتبرون حجبها قوة، وحقه في أن يسكر حين يشرب وأن يجن حين يختل التوازن القائم بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي.

لؤي كيالي نموذج يحتوي على كل المواصفات التي تستطيع أن تهاجمها، لكنه يحتوي أيضاً على كل المواصفات التي تحب أن تدافع عنها.. ولعل ما يدفعني إلى الكتابة عنه هو أن الكتابة عن فرصة للدفاع عن البديهيات المغيبة عن حياتنا.

هذا الرجل لم يتقولب فناناً ولم يتقولب سياسياً أو بوهيمياً أو ثورياً. احتفظ بكونه انساناً وحين مر في تلك المراحل كلها مر بها كإنسان وعاد منها كإنسان.. ولأنه إنسان فقد عاد منها بندوب وكدمات. عاد منها مثلوماً ومجروحاً ومضرجاً وممرغاً مثلما هو الإنسان العربي الآن.. مع فارق أن لؤي لم يضع مكياجاً على ندوبه. ارتكب مجموعة من الأخطاء والحماقات المضحكة ولكنها كانت دلالة على أنه إنسان لا يريد أن يكون خارقاً إلا في قدرته على الاحتفاظ بحقه في الجنون حين ينهار العالم من حوله بهذا المقدار ويسود الكذب من حوله بهذا المقدار.

وما يهمنا في جنون لؤي أنه ليس صرعة فنية. أي أن لؤي لم يكن مجنوناً في ابداعه، كما كنا نتمنى، بل كان مجنوناً في حياته فقط.

لو أن جنون لؤي انعكس في إبداعه لقدم في لوحاته صورة عن عالمنا المهين واللامعقول أو إدانة لهذا العالم أو بصقة عليه.

لكن لؤي لم يكن قادراً على فعل ذلك، لأن الذي يفعل ذلك يكون قوياً قادراً على الرؤية والتعبير عنها.. وقادراً على إبقاء الخيط بينه وبين الناس ليجرحهم ويثير اهتمامهم.. ولهذا كان لؤي ذلك المجنون الخاص المنهك، ولم يكن له ذلك الجنون الممتع الذي يتوجه إلى إثارة اهتمام الآخرين. ذلك أن (أكثر أنواع الجنون شيوعاً، كما يقول مارك توين، هو الاستمتاع بإثارة اهتمام الآخرين).

جنون لؤي كان كما كان يصفه طبيبه الدكتور عبد الخالق سلطان «مرض النفاس الدوري».. وحين يذكر الدكتور العوامل المهيجة يعدد العوامل النفسية والاجتماعية والأسرية (ولا يذكر السياسية).

لم يستطع لؤي أن يقدم فناً مجنوناً.. ربما لأن اضطرام عالمه الداخلي كان أشد عصفاً وعنفاً من أن يجد بديله الموضوعي في لوحة. لقد اعتكر عالمه الداخلي واضطرب قبل جنونه. منذ أن انتقل ذلك الانتقال الفجائي من عالم الدعة والترف والمجد إلى عالم البؤساء والقضايا الملحة وحاول أن يعيش هذا العالم ويكشفه وينفعل به ويعبر عنه.

أهم حدث في حياة لؤي كيالي ما كان يتهامس به الوسط الثقافي في أواسط الستينات منه أنه «انتقل من رسم كلب زوجة السفير إلى رسم الفقراء».. وأنا لا أعرف أنه رسم كلاب زوجات السفراء لكنني أعرف أنه رسم الزوجات فعلاً.

كان لؤي انساناً سعيداً. شاب جميل ناعم له علاقات ممتازة مع أوساط مريحة وغنية وهو فنان ذو شهرة ولوحاته تباع بأسعار عالية.

وفي أواسط الستينات ظهرت موجة اعلامية ثقافية، كانعكاس لوضع سياسي، تؤكد على الفكر التقدمي وعلى الاشتراكية والصراع الطبقي والكادحين والفقراء والالتزام بالجماهير.

وبدأت هذه الموجة تنال من لؤي وتطرح عليه اسئلة محرجة ومن خلال الاحتكاك والمماحكة بدأ يتنبه إلى واقع غير الواقع الذي كان يعرفه والذي تعود أن يتعامل معه بفنه. حاول أن يكتشف الواقع الذي أرهقوه بالحديث عنه. اكتشف فقراء، وجائعين.. اكتشف صيادين وحصادين وأطفالاً مشردين.. واكتشف قضايا يموت الناس من أجلها وهي تستحق ذلك. واكتشف عذابات يعيشها الناس.. اكتشف حياة لا تليق بالبشر وافترض لو أنه اضطر للعيش فيها لما قبل. أي عالم هذا؟ وكيف يمكن احتماله وكيف تتم مقاومته؟!.. وكيف يتواءم الناس أربعاً وعشرين ساعة مع حياة كهذه؟!.. لا شك أن الثقل كبير ولكن هؤلاء جبابرة لكي يستطيعوا احتمال هذا كله. وكانت النتيجة معرض «في سبيل القضية» في أيار 1967.

قال لؤي عن معرضه هذا بأنه «تجربة مر بها من أجل اكتشاف القضية» ولابد أن التجربة كانت مفزعة وكابوسية. وقد انعكس هذا في معرضه المذكور. فقدمت لوحاته أناساً مذعورين من هذا الوضع لكنه قدمهم أجلافاً وغلاظاً وأقوياء. ذوي ملامح قاسية وأطراف ضخمة.. يحملون أعباء داخلية مضنية وخارجية مرهقة، يسحقهم هذا الواقع ولكنه لا يخضعهم.

لم يكن يستطيع أن يفعل غير ذلك أمام رغبته في الانتماء إلى هؤلاء الناس وأمام ذعره مما اكتشفه في حياتهم فأسقط ذعره عليهم.

وكان لؤي وهو ينتقل هذا الانتقال النوعي يحس أنه يضحي. لقد قدم تنازلاً هاماً وخطيراً.. تنازل عن جمهوره السابق ونماذجه السابقة وسمعته السابقة ومرابحه السابقة.. فكان لابد أن يفقد راحته الداخلية السابقة وانسجامه مع عالمه السابقة.. وكتعويض كان يتجه بفرح وحماس إلى اكتشافه الجديد.

ولكن معرض لؤي هذا ووجه بعاصفة من النقد الشخصي والفني. وكان لؤي يستطيع أن يقاوم صدمة كهذه. وحتى حين لم يشتر الجمهور أية لوحة من المعرض كان يستطيع أن يفهم أن هذا الجمهور الذي اختار أن يتوجه إليه بفنه لا يستطيع أن يشتري لوحات فنية أو لم يتعود أن يشتري لأنه لا يهتم بذلك.
 

Page 4

لقد خلع لؤي عنه جمهوره وكان من حقه أن يتوجه بثقة وعناد إلى جمهوره الجديد على الرغم من الحوارات المضنية التي حاصرته متهمة بأنه يتراجع في الشكل والصياغة لصالح المضامين الجديدة التي طرحها.

وإلى جانب هذه الحوارات كانت تأتي حوارات أكثر ارهاقاً.. حوارات تحمل العنوان الفني لكنها في حقيقتها حوارات سياسية.

التوجه، الذي كان سائداً في ذلك الحين، نحو الالتزام، قدم في الحياة الثقافية جدانوفيين مازالوا وأشباههم حتى الآن يحاولون ممارسة طغيانهم ـ يطرحون أسئلة خانقة تطالب الفنان بأن يقدم في انتاجه تعويضاً عن كل ما يفتقده الناس في واقعهم ويعوضهم عن الجيش ووزارة الاقتصاد والتربية والصحة والتنظيم الثوري والتنظير الايديولوجي، إضافة إلى عبء الغباء الذي لا يعرف كيف يحاور الفن بل يعرف كيف يقوم باستجواب أمني قمعي في زنزانات نقدية.

وكان لؤي، الذي لم ينضج في اتجاهه الجديد بعد، يحاول، يائساً، ان يقدم الاجابات تلو الاجابات إلا أنها كانت اجابات مورطة، من الناحية النظرية، ومسيئة لجهده هو مثل قوله: أنني أرسم الفقراء في لوحات يشتريها الأغنياء وهكذا أدخل الفقراء إلى بيوت الأغنياء. أو قوله في شرح لوحته (ثم ماذا)؟!.. أن الرجل في وسط اللوحة يميل رأسه لأنه يحمل عقدة ذنب نابعة من ندامته على بيع أرضه.

هذه الإجابات كانت ورطات ساذجة لابد أن يقع فيها واحد مثل لؤي يواجه نقداً من نوع: هذا الطفل لا تحمل عيناه تباشير الثورة أو: (أن تصوير الشعب المناضل بهذه الصورة المفزعة المرعبة خروج عن واقع المناضل.. الواقع المتفائل في مادته وصورته. كان على الفنان أن يظهر هذه اللوحات المعبرة بشكل متفائل يتمشى مع ما نريده من التفاؤل ومستقبل الثائر العربي)..

ولقد واكبت هذه الحملة النقدية الغاشمة لؤي كيالي طوال حياته فيما بعد، وصنعت حوله جحيماً من الاتهامات والانتقادات والتساؤلات. وحتى في معرضه الأخير ـ قبل موته ـ واجه عاصفة مشابهة لخصها الدكتور سلمان قطايا على النحو التالي:

(أما الضجة فهي سوء تفاهم يقع فيه كثيرون من الفنانين.. لؤي يعجز عن التفوق فيها. ومن هنا انطلقت الشرارة: لؤي يؤكد أن لوحاته تدافع عن القضية، ولكن خلال المناقشة ظهر للقضية عنده مفهوم خاص جداً بل وباهت. وأصر المناقشون على البحث في لوحاته عن هذه القضية كما أصروا على عدم وجودها).

لنا أن نتصور هذا الإنسان ـ الذي اعترفنا بحقه أن يكون ضعيفاً ـ وهو يواجه هذا كله في أول معرض له في اتجاهه الجديد. وخاصة أنه كان يحس أنه (يناضل) فعلاً عبر لوحاته. وأنه كان قبل ذلك مقصراً، وأن الآخرين ربما سددوا له خطاه أو أن الآخرين متآمرون يقفون ضد الشعب.

ولم يكن من الممكن للؤي أن يتماسك أكثر من ذلك. لؤي اكتشف الشعب لكنه لم يكن مؤمناً به الإيمان الكافي. ولقد كان اكتشافه للشعب مرتبطاً باكتشافه للنظم السياسية وطروحاتها المتفائلة. وحين هزمت هذه الأنظمة هزم لؤي من الداخل وأحس بنفسه عارياً.

إن هزيمة حزيران لم تنته حتى الآن. وقدرتها على دفعنا إلى الجنون تتزايد كلما أمعن العرب الذي مرغتهم، في تناسيها وتغليفها بسلوفانات الانتصارات الكاذبة والثورات الوهمية.

من لم يعش أيام حزيران وما تلاها لا يستطيع أن يفهم لماذا نقول أنه من المبرر أن يجن بعض الناس أو إن من الواجب أن يجنوا.. وبالتالي لا يمكن أن يفهم ماذا حدث للؤي.

لم تكن الهزيمة مفجعة لأنها هزيمة جيوش وحكومات.. بل كانت مفجعة بدلالتها على حجم العجز في حياتنا والغبن اللاحق بنا.. ولم يكن ما يدفع إلى الجنون حجم الخسارة بل أسلوب المعالجة: القفز فوق الهزيمة ومنع التحدث عنها وإهمالها وتجاهلها.

لم يكن أحد يتصور أن من الممكن تحطيم ثلاثة جيوش (المصري والسوري والأردني) مع المساهمات العربية الشكلية ـ والإعلامية ـ الاخرى في ستة أيام، بل وفي ست ساعات بمعنى انهاء الفعالية العسكرية. وأن من الممكن أن نخسر أرضاً بحجم سيناء والضفة الغربية ومحافظة القنيطرة في زمن أقل من الزمن اللازم لانسحابنا منها أو لمرور العدو من أقصاها إلى أقصاها (وحتى دون حرب).

ومع ذلك، أو الأنكى من ذلك، كان المواطن العربي الذي هزم دون أن يحارب والذي خيضت الحرب باسمه وحمل أعباء الهزيمة، مقموعاً إلى درجة أن الحكومات كانت قادرة على منعه من الكلام عن هذه الهزيمة. إن ذكر القنيطرة أو الهزيمة أو القول: أنني متألم للهزيمة كان يعد بطولة استثنائية شبيهة برشق القصر الجمهوري بالحجارة.

كيف يمكن إخفاء هذا الفيل ـ الهزيمة ـ في هذا الكيس الرقيق؟.. بالمزيد من التجاهل والتجهيل والقمع، وبالمزيد من الكذب والأقنعة النظرية. كيف يمكن أن نمنع الدمعة؟ بإطلاق النار ـ أو التهمة ـ عليها .. كيف يمكن أن تسجن النهدة؟ بتهديدها بمدفع الدبابة، ذاتها التي لم تحارب العدو، رغم شهدائك وأرضك المسلوبة وكرامتك المداسة صدق أنك لم تهزم وصدق، أكثر من ذلك، إن الأمور على أحسن

ما يرام وأنك منتصر وأنك تستطيع أن تتحدث عن القدس (ولكن ليس عن القنيطرة) وأن عليك قبول الكلام ذاته والشعارات ذاتها والأشخاص أنفسهم كأن شيئاً لم يقع.. وكأن ما حدث لم يكن إلا زخة مطر من غيمة عابرة بللتك قليلاً.. وها أنت قد جففت هذا البلل.

Page 5

إن تذكر تفاصيل تلك الأيام يؤكد أن العالم من حولنا كان قد تحول إلى مستشفى للمجانين تقوم بينهم علاقات لا معقولة ولم تنزل في قاموس المستشفى كان العاقل الوحيد، تقريباً، لؤي كيالي، ولذلك اعتبر المجنون الوحيد.

كانت الحياة لا تطاق. والذين كانوا يحسون بها على هذا النحو انقسموا إلى قسمين: قسم يرى أنها ليست حياة.. وبالتالي فهي قد استوت بالموت.. ولا شك أن إحساسا كهذا قد ساعد على نمو العمل الفدائي ورفع وتيرة عملياته.. وقسم آخر بقى في الحياة الأخرى ليواجه لا معقوليتها فكان لابد أن تكون إجابته عليها لا معقولة.. أي بلا عقول..

كان لؤي قد دعا نفسه، أو دعي واستجاب، إلى التحديق في الواقع ففعل، واكتشف ووقف عند اكتشافه.

وحين تمت اللعبة الانقلابية في الحياة كخداع للذات عن مواجهة الهزيمة كان لؤي ما يزال واقفاً عند الطرف الآخر.. فبقي وحيداً وظل يعيش (كما يرى)..

انهار لؤي.. وانهار توازنه وانهار ارتباطه بكل شيء كما انهار ايمانه بكل شيء وكطفل يغضب من أمه أو من أخيه فيحطم ألعابه.. عاد لؤي إلى بيته زعلاناً من وطنه فأتلف لوحات معرضه كاملة.

كان لؤي يحتمل كل شيء لفرحه باكتشافه الجديد ولثقته بالانتصار. بصبر وجلد كان يخوض تلك المماحكات الكلامية وكان يصمد أمام الاتهامات.. ولكن كل شيء تبدى له فيما بعد سراباً.

كان لؤي قبل تورطه في القضية يعيش حياة هادئة مجانية وسهلة. ثم تسرب إليه القلق الوطني وقبل أن يتمكن من التواؤم معه.. وحين كان ما يزال في مرحلة (التجربة من أجل اكتشاف القضية) وقعت الهزيمة.

الهزيمة الآن كلمة سهلة. ولكنها في ذلك الحين كانت انهيار بنيان هائل من الثقة بالنفس والإيمان بالمستقبل والاطمئنان إلى الذات والغرور الوطني والاستهتار بالخصم وتصديق القيادات السياسية.

كان بإمكان لؤي أن يمسك بتلابيب نقاده الجدانوفيين ويصرخ في وجوههم، أهذا هو المستقبل الذي كنتم تعدونني به وتطالبونني باستشرافه؟!.. وحتى حين غرق الجو العربي بالكلام. وبالكلام المعبر عن القرف من الكلام، وبالقفز فوق الهزيمة للتشبث بإشراق المستقبل النظري، كان يمكن للؤي ونحن معه ـ أن يقول ـ الآن وفي ذلك الحين ـ (أيها السادة الذين طالبتموني قبل أربعة عشر عاماً بأن أكون متمشياً مع الواقع المتفائل وحين طالبتم أن تكون لوحاتي متفائلة ومتمشية مع ما تريدونه من التفاؤل ومستقبل الثائر العربي.. شرفوا الآن ودلوني على ملامح هذا المستقبل الذي كنتم تشنقونني من أجله منذ ذلك الحين)..

لا نستطيع أن نقول أن لؤي قد تنبأ بالهزيمة. والعذاب الذي يتأجج في أبطال لوحاته كان نابعاً من تقديره لإحساسهم بوضعهم أو من إحساسه هو بوضعهم. ولو أن معرض لؤي كيالي قد تأخر شهراً واحداً فقط أي لو أنه عرض بعد الهزيمة، لا قبلها، لاكتسبت تلك اللوحات أبعاداً سياسية جديدة، ولما كان في وسع أولئك النقاد الجلادين أن يتحدثوا عن التفاؤل والتشاؤم والمستقبل الثوري.

لكن ما حدث أن المعرض أقيم قبل الهزيمة ولذلك سارع لؤي إلى بيته ليتلف اللوحات معلناً يأسه من كل شيء.

وكما رأى لؤي دمار العالم أراد أن يكون دماره.. لقد تحول إلى كتلة من الأعصاب العارية من جلدها. وصار أي شيء قابلاً لدفعه إلى الحد الأقصى من الغضب أو الحزن.. أي شي.. خبر سياسي.. كلمة عابرة.. تحية من شخص ما.. منبه سيارة.. خطاب سياسي..

وفي أتون الهزيمة تولدت لدى كل إنسان الرغبة في إعادة النظر في تفاصيل الحياة كلها.. الاجتماعية والسياسية والثقافية.. وحتى الحياة الشخصية.. على درجة أننا صرنا نطيع شارات المرور أكثر. وكان هذا دليلاً على إحساس الجميع أن الهزيمة لم يلحقها بنا العدو بل ألحقها بنا تخلفنا وضعفنا وانعدام إحساسنا بالمسؤولية والخطأ الذي تقوم عليه علاقتنا اليومية والدائمة..

في حالة كهذه إما أن ينشغل الإنسان بهذه المراجعة الشاملة، وإما أن يقف مصعوقاً أمام حجم الخطأ في الحياة. وكما أن لؤي كان قد اكتشف الواقع من قبل، كذلك اكشف الخطأ ولكن بعد أن كان هذا الخطأ قد شطره إلى نصفين. لهذا لم يعد قادراً حتى على التعبير عن رؤيته هذه بالفن بل استهلك أعصابه في المواجهة اليومية للحياة.. فجن ولم يقدم فناً مجنوناً.

وبمقدار ما نستطيع أن نتحدث بهدوء عن حالة لؤي لندينه. نستطيع لو أننا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، أن نرى في جنونه موقفاً يدعو إلى الاحترام، لم يكن جنون لؤي فقداناً مجانياً للتوازن العقلي بل انفجاراً مدمراً في الحساسية. وهذه الحساسية هي التي يمكن أن تديننا نحن الذي كنا نفتقدها فاستطعنا أن نتابع حياتنا بهدوء واتزان، حتى التعود، فالنسيان.

لقد جن لؤي لأنه لم يعد يطيقنا. وجن فكشف أن حياتنا تجنن وتطقق العقل.
 

Page 6

وحين شفي لؤي في عام 1973 عاد إلينا فرآنا ما نزال على حالنا ورأى ما جاءنا فيئس حتى من الجنون ذاته ولذلك وقع في خليط من الجنون والعافية. وبين أسلوبه القديم واكتشافاته الملتزمة، بين صخب العالم الداخلي والراحة التي صار يحن إليها وقد أرهقه التعب. لم يعد يجد ما يستحق أن يرتبط به. لكن القلق الوطني كان قد جرثم عمره فلم يعد قادراً على العودة إلى دعة أوائل الستينات. ولما كان غير مؤهل للعمل بين الجماهير ولما كان مرهقاً من الكلامولوجيا العربية انصرف إلى حياة اللهو المريض الذي يمكن شراؤه. انصرف إلى الخمر والكباريه والفن الرخيص المبتذل والمخدرات. وكان هذا إضرابا علنياً عن كل ما يدعي أنه جدي في الحياة المحيطة به.

ومقابل ذلك، وأمام حنينه إلى أيام تعود على نفسه فيها أن يكون فناناً، صار يرسم، ليس صدفة أنه أكثر من رسم الزهور أو انه كرر لوحات سابقة أو أنه كان يرسم بناء على طلب الزبائن، لقد انتهى الفنان تحت رماد المعاناة. وحين كان هذا الفنان يستفيق، كان يرسم عالماً هادئاً ساكناً: زهور، قوارب، حتى كان يرسم شخصيات بائسة كالصيادين والباعة المتجولين كان يقدمهم بائسين ضمن عالم صاف وهادئ.. ومستسلمين لحالة كأنما لا فكاك منها. ولم يعودوا أقوياء متألمين ورافضين كما كانوا في معرضه الأول. ولا شك أن ذروة ما تبقى في النفس من مرارات هي لوحته التي تظهر عجوزاً متسولاً عين وحين سئل عنها قال أنه واحد من ثوار الثورة السورية يتمدد للتسول أمام المكتبة الوطنية بحلب.

أعتقد أن لؤي كيالي بدأ فناناً ثم انتمى ولم يكمل انتماءه (وفي تلك المرحلة من الانتماء الناقص أعطى ابداعاً استثنائياً) ثم صار ثمرة طبيعية للحياة التي نعيشها. صار مجنوناً ثم يائساً.. ثم ضائعاً..

في نظرة إلى موجز حياة لؤي نكتشف كم من الطاقات المشابهة تهدر في وطننا. بحسرة ومرارة نقول أن لؤي فنان كان يمكن أن يخترق الحدود والمألوف. ولكن وطننا، بسياسته وثقافته وهزائمه وركوده، دفعه إلى الجنون، وبعد أن تجاوز الجنون لم يجد إلا الخواء. فكان لابد أن ينتهي إلى الضياع فالإدمان فالخطأ المميت الذي حدث ذات يوم والذي كان من الممكن أن يحدث في أي يوم آخر لأن لؤي كيالي المبدع قد مات منذ زمن.

إن حوادث العنف وحوادث السير والحروب والمشاجرات وإطلاق النار في الأفراح حوادث مليئة بالضحايا. هذا كله تعودنا عليه.. أي أننا تعودنا على أن لا تعني حياة الإنسان لنا شيئاً (بقيت مرحلة صغيرة تصبح فيها حياة كل منا لا تعنيه ذاته).. صارت حياة الإنسان رقماً يدخل في باب الطرائف والمنوعات..

ولكن حين يسقط علم من حياتنا في حوادث من هذا النوع تجدنا مدفوعين بجرأة إلى النداء: اوقفوا هذه الحوادث لأنها افقدتنا علماً وحين تتمكن حياتنا المخزية من أن تضيع علينا موهبة مثل لؤي وقبل عشر سنوات من موته تجرؤ على النداء: اجعلوا الحياة من حولنا معقولة لكي نظل بشراً..

مات لؤي كيالي محترقاً، وكان قد عاش محترقاً.

تتأمل هذه الحياة الحافلة كلها وترى نهايتها فلا تجد إلا عزاءً واحداً.. الفنان الذي يموت يظل له وجوده الخاص متمثلاً في لوحاته الموزعة في بيوت لم يعرفها ولم يعرف أصحابها. ويظل له حضوره في الفن الذي خدمه والحياة التي خدمها هذا الفن..

ولعل هذا الكتاب(1) أن يكون جزءا من حضور لؤي المستمر بعد موته. لقد بذل صديقه الناقد ـ صلاح الدين محمد ـ جهوداً كبيرة لجمع كافة التفاصيل المتعلقة بحياة لؤي وفنه. ولابد أن القارئ سيلحظ هذا الجهد عند قراءته الكتاب.

ولا نستطيع أن نتوقع من صلاح الدين محمد إلا كتاباً من هذا المستوى، لأننا لم نعرفه في مقالاته في الصحف عن الفن التشكيلي إلا مجداً وملماً بموضوعه مما ميزه منذ مقالاته الأولى عن كثير من الكتاب الذي يتابعون الفن التشكيلي نقداً ومراجعة.. بل وقدمه إلى الصف الأول بين النقاد العرب.

وحين قرأت الصيغة الأولى لهذا الكتاب سررت لأنني وجدت فيه محاولة مخلصة لرد الاعتبار للؤي. وكانت لي ملاحظة قلتها لصلاح: جاهد أن لا يحس القارئ بصداقتك للؤي. لأن كتابك يجب أن يحافظ على موضوعيته.

ولا أعرف أن كان صلاح قد أخذ بملاحظتي.. لكني الآن أتساءل ما إذا كان يجب أن يأخذ بها.

إن الإخلاص للفن وحده لم يكن يكفي لبذل هذه الجهود التوثيقية والتفصيلية.. لابد أن الإخلاص للصديق قد امتزج بالاخلاص للفن.. فهل من الممكن أن لا يظهر الأمران معاً؟.. وهل يجب أن لا يظهر؟!..

أو ليست الصداقة هي التي جعلتني أقبل شاكراً أن أكتب تقديماً لكاتب في النقد الفني كان يجب أن يقدم له ناقد مختص غيري؟!..

في النهاية.. يقف لؤي بفنه.. ويقف صلاح بكتابه.. ونقف جميعاً أمام القراء.. والزمن..

Page 7

بين الشعر والقراء

* مقدمة المجموعة الشعرية الأولى للمؤلف بعنوان (الظل الأخضر) وزارة الثقافة ـ دمشق 1967.

خير ما تكتبه هو ذلك الذي تكتبه وكأن أحداً لن يقرأك.. ذاك الذي تكتبه باطمئنان وكأنك تعترف.. كأنك تتعرى.. كأنك تضع نفسك المحملة على طاولة وتشرحها وأنت مقفل على وحدتك الباب ونوافذ البيت.. بلا خجل.. بلا خوف.. بلا حساب لأحد..

تدخل إلى البيت وكأنك تريد أن تبكي.. كأنك كنت تخجل من الناس أو تخافهم.. وفي البيت تتناول قلمك وتبدأ عملية التعرية والتشريح..

بعد قليل تبدأ الكتابة بحرية وعفوية.. تنسى كل شيء إلا شيئاً واحداً يتدفق كالنزيف.. كالتعرق.. دون اعتصار

و ـ يكاد يكون ـ دون أن تدري.

قد يمارس الآخرون عليك ضغطاً، وأنت في هذه الحالة، دون أن تشعر أو يشعروا، يمارسونه بحبهم.. باعجابهم.. باستهزائهم.. بأي موقف (تدري) أنهم يتخذونه من كتابتك.

حبهم يضغط عليك دون أن تدري.. أنه يمسك بك ويسمرك عند الكلمات التي أحبوها.. عند الأفكار التي يريدونها واستهزاؤهم قد يدفعك إلى تجنب أشياء كنت تريدها وتقتنع بها.. أو يدفعك إلى طرح أمور لا لزوم لها إلا الرغبة المجردة في تحديهم.

مجرد إحساسك بهم، لحظة الكتابة.. احساسك بتوقع شخص ما تعرف أنه يترقبك ـ وليس بالضرورة يراقبك ـ يجعلك تتعثر.. وتتلعثم وتفأفيء. كأنك تود السير بخطى لا تدري كيفيتها لأنك لا ترسم خطواتك ويشعرك أحدهم أنه يرقب قدميك.. عندها لن تستطيع أن تسير سيراً طبيعياً.

الالتزام؟!..

هل قلت شيئاً يتنافى والالتزام؟!..

إن لم تعط في حالة كهذه أدباً ملتزماً فإنك لن تعطي التزاماً صادقاً في حياتك.. وربما لن تعطي شعراً.. فالالتزام ليس استجداء التصفيق. والاهتمام بالناس لا يعني كتابة قصائد التعزية. هذه ليست وظيفة الشعر. للشعر وظيفة واحدة هي: (الدفاع عن إنسانية الإنسان في هذا العالم) كما يقول الشاعر فوزنيسنسكي.

والفنان المبدع هو الإنسان الصافي. وسعيه نحو النضج هو سعيه نحو هذا الصفاء.. نحو أن يكون (الكل) في نفسه. أنه السعي نحو كشف الحقيقة: حقيقة نفسه.. حقيقة كونه (إنساناً) حقيقة انسانيته, ولهذا يتساقط الكثيرون في طريق النضج.. وذلك حين ينفصل التطور الشكلي عن التطور في المضمون.. أو عندما تكون أفكارهم الجديدة ملصقة على حياتهم ولا تكون نابعة منها.

الفنان الحقيقي هو الذي يصل إلى نهاية المطاف.. هو الذي يغوص إلى القرار.. يصبح هو (الإنسان) وليس مجرد محمد أو حنا أو يوسف أو جورج.. يصبح هو الجذر الحقيقي للإنسان في عالم من هذا النوع.. في بيئة من هذا النوع.. وضمن علاقات من هذا النوع..

جميع هذه الشروط المحيطة بالانسان يجب أن يخترقها الفنان. أي أن الفنان ليس ـ في فنه ـ انساناً مشروطاً. إنه قد اخترق شروطه وسبر غورها.. ووصل إلى المكان الذي يستطيع منه (رؤية) كل شيء واكتشاف هذه العلاقات اكتشافاً واعياً.

وحين يرى نفسه مضطراً، رغم صفائه، أن يعيش ضمن هذه الشروط والعلائق التي اكتشفها تبدأ أزمته كفنان.. وتتحدد غربته التي تقضي عليه بالتحدي. الشعر الحقيقي يجب أن يصدر عن هذه الأزمة وإلا كان منافقاً أو مقصراً أو كانت التجربة الشعرية مغامرة نظرية لا ارتباط لها بالحياة.

Page 8

إن الفنان إذ يكتشف صفاءه.. يكتشف عكر العالم.. وتصطدم صلابة صفائه بصلابة العالم.. وهذا الاصطدام يولد الشرارة المضيئة للعالم: يولد الفن. ومن هنا وجب أن يكون الشعر نتاجاً ذاتياً بحتاً.. وقيمة الشعر تتحدد بصفاء الذات المولدة للشعر.. وبمدى مقدرتها على أن تكون (الكل): أي التربة التي تحوي جذور الناس.

هذه الشرارة احتراق داخلي.. ولابد لهذا الاحتراق من الخروج إلى المجموع لأنه ناجم عن الاصطدام بهم.. ولابد من الخروج بقوة تحددها رغبة الفنان في أن يكون مفيداً لهذا العالم.

وحين تقف العقبات أمام الفن تحتقن الشرارة في صدر الفنان وتشكل خطراً عليه.. ولذلك انتحر همنغواي وستيفان زفايخ وماياكوفسكي ولكي لا ينتحر شيلي وبايرون وجون اوزبورن هربوا من بلادهم.

إن الفن ينبع دائماً من هذا الصدام.. من الرغبة في أن لا يفقد الانسان صفاءه.. ويصبح هذا الهم ـ الذاتي ـ جذراً لهموم الناس جميعاً.. مهما تغيرت ظروفهم وشروطهم وأزمانهم وأمكنتهم. ولهذا تستمر قيمة المبدعين من أمثال شكسبير وكازانتزاكي والمتنبي والشريف الرضي والحطيئة. إن لديهم الشيء الذي يكمن في كل إنسان. لقد عالجوا هذا (الشيء) ضمن اطار ظروفهم ومراحلهم.. لكننا ما نزال نرى ملامحنا فيهم ومهما تغيرت الأزمة من حب إلى جوع إلى البحث عن عقيدة وإلى غير ذلك..

ولهذا، أيضاً، يموت الفن المهتم بالأمور اليومية وبالمشكلات السطحية. إن الفنان الحقيقي لا يهتم للملابس المتسخة.. بل يهتم للقذارة الكامنة في نقي العظام وللدماء المنتنة في الشرايين.. ولا يهتم لحاجة الإنسان إلى لفافة تبغ إلا إذا رأى فيها دليلاً على حاجته إلى الخبز والجنس والحرية والوجود الحقيقي. وقدرته على هذا الاهتمام ناجمة عن قدرته على رؤية ما لا يرى بالعين المجردة.. إن عينه مركبة.. ولذلك قد يرتمي الفنان في الوحل لكنه لا يفقد القدرة على رؤية عكر العالم.. ولذلك بقي رامبو والحطيئة فنانين أصيلين.

والفنان يعطي لأنه لا يستطيع إلا أن يعطي.. إنه لا يستطيع السكوت.. وعطاء الفنان كالجرب.. كلما حككته كان عليه أن تحكه أكثر ويصبح غير قادر على التوقف عن الحك.. والعطاء.. وحتى لو كان العطاء سابقاً لزمنه.

إن الشعر يكتب لأنه ليس بزمني. إنه قادر على خلق زمنه والشاعر يكتبه لأنه يصبح مثل حلاق الملك الذي كان الوحيد الذي يعرف بحقيقة أذني الملك بحكم مهنته (وكانت للملك أذنان كأذني الحمار). وخاف أن يقتله الملك إن تكلم، وضاق بما يعرف، إنه لا يستطيع احتباسه في صدره.. فمعرفته لا تعني شيئاً إن لم تصل للناس. لكنه يخاف القتل. فلجأ إلى شاطئ النهر. وأخذ يحفر كل يوم حفرة في رمال الشاطئ ويقول فيها: (للملك أذنان كأذني الحمار) ثم يردمها. ومرت الأيام فنبت القصب من هذه الحفر. وصار القصب، كلما مرت فيه الريح، يصيح: (للملك أذنان كأذني الحمار) فرغبة الحلاق في القول هي رغبة الشاعر في قول ما رآه من جديد.. إنها الرغبة التي جعلت أرخميدس يصرخ ـ رغم أنه كان وحيداً ـ (وجدتها).

هذه الرغبة هي التي تجعل الفنان يبحث عن الآخرين ـ رغم أنه ينساهم لحظة يخلو لعملية الخلق ـ إلا أن عملية الخلق ذاتها هي الدليل على البحث غير المباشر عنهم. وحين تختلف سمات الفنانين إنما تختلف باختلاف طرقهم في البحث عن الآخرين.. وفي البحث عن مادة مشتركة تصل الشرارة عن طريقها اليهم. لذلك كان البحث ـ إضافة إلى الكلمة عن التاريخ والفلوكلور والأسطورة والحوادث اليومية، لكن الفن نتاج (الإنسان) غير المشروط. لكنه في توجهه إلى الآخرين لابد له أن يمر بشروطهم. وإن كل تطور يلحق بالفن تكمن وراءه حقيقتان: البحث عن الذات الصافية والبحث عن الآخرين.

ويمتاز الفن عن غيره من الكتابات المعالجة بان الفنان حين يخلق ـ وخلقه دائماً صرخة غبطة أو تحذير أو احتجاج ـ إنما يخلق منطلقاً من أزمة. أنه (في) الأزمة ليعانيها و (خارج) الأزمة ليطرحها في نتاجه. إن الصرخة كصرخة أولئك الذين ابتنوا قصراً كبيراً على جبل ـ كما كتب الشاعر الأمريكي ستفين كرين ـ وحين وقفوا في الوادي ليتأملوه سقط عليهم فسحقهم. وقلة فقط هم الذين استطاعوا الصراخ. وهؤلاء هم الفنانون. إن قيمة صرختك تتحدد بمقدار ما تحوي من معاناة المجموع المعرض للسحق أو لأنك ترى القصر يهوي وهم لم يروه.. وبالتالي بمقدار ما تحويه صرختك من صدق في إنذارهم (وانذار نفسك) والفارق كبير بين من يصرخ لأن ثيابه ستتسخ وبين من يصرخ لأنه يواجه الموت. إن الناس يستمرون في سماع هذه الصرخة آلاف السنوات إذا كانت تحوي في داخلها ألما (إنسانياً) وإذا كانت دليلاً على التعلق بالحياة وعلى الرغبة في (الدفاع عن انسانية الانسان في هذا العالم).

ولكي تحتوي صرختك على صرخاتهم كلها يجب أن تكون ايجابياً ـ في الحدث ـ ومنفصلاً عنه. فالتفاعل الايجابي من الأمور هو عملية اكتساب حرارة، لكنه، بالمقابل عملية تقليص الرؤية. هناك خشية دائمة من أن تتحول إلى جزء بين مجموعة الأجزاء.. إلى جندي في العرض الكبير فالمشترك في العرض غير قادر على رؤية العرض ككل.. عليك أن تبعد قليلاً لئلا يجرفك التيار.. على أن لا تبتعد إلى الحد الذي يفقدك البعد المقدرة على الرؤية أيضاً. أي أنك ستحاول أن تبقى في العرض وأن تبتعد عنه. كأنك تريد أن تراقب غضبك في المرآة. إن غضبك المنفعل يتلاشى مع المراقبة الواعية. وعليك أن تصفو بحيث يصبح الغضب منبثقاً من وعي. يصبح غضباً واعياً يمكنك مشاهدته في المرآة. وهذه معجزة الفن.

الرغبة في الوصول إلى الناس هي سر اهتمام الناس بالفن. كما أن الفن من خلال هذه الرغبة يحدد وظيفته غير أن الرغبة في الوصول إلى الآخرين حين تصبح تسابقاً. يسقط الفن. إن البحث عن القارئ قد قاد إلى التدجيل عليه. فوقع القارئ والفنان والفن ضحايا هذا البحث.

لقد أقيم جدار بين الجيل والفنان وبين الأفكار الجديدة الجادة. هذا الجدار هو السطحية.. هو تعويد القارئ على القراءة السهلة اللامسؤولة. وهذا يفسر لنا سرعة انتشار القصص الجنسية والبوليسية. ويفسر لنا أكثر تدفق أكثر من مئة الف قصيدة حول النكبة الفلسطينية لم تستطع أن تضيف شيئاً إلى وعي الناس أو إلى تطور الفن إذا لم نقل أنها اعاقت هذا التطور. هذا النوع من النتاج كان يعتمد على الاطمئنان إلى القارئ أو التدجيل عليه أو الاستهزاء به. او استجداء تصفيقه. بحيث استطاع هذا النوع أن يهيمن على السوق الأدبية وأن يطغى على عقول الناس.

لكن هذا (الفن) إن صحت التسمية ـ قد تحول إلى وسيلة لتعطيل قدرة انساننا العربي على التفكير والتطور.

إن القارئ لم يواجه بالحقيقة بعد. ولذلك ضاع الشعر والقارئ معاً. ولابد من المواجهة والاحتمال. لابد من الصبر وبذل الجهود للوصول إلى فن حقيقي من خلال قارئ حقيقي.

17 ـ 9 ـ 1967

Page 9

لابد من الشعر

* مقدمة المجموعة الشعرية (لابد من التفاصيل) للمؤلف صدرت عن دار (الكلمة) 1981.

ولماذا الشعر الآن؟!..

نحن نعيش في عصر الخيانات والمؤامرات والاغتيالات. نلهث عبر أربع وعشرين ساعة مزدحمة قاتلة في إطار من الزمن الممطوط المهمل الذي لا يعطي أية أهمية لحياتنا كلها. نعيش دوامات ومتاهات واستلابات. نعيش القهر والخوف والجوع. فلماذا الشعر الآن؟!..

من الذي لديه الوقت للشعر؟.. من الذي لديه الوقت لكتابة الشعر؟!.. ومن الذي لديه الوقت لتلقي الشعر؟!..

**

نحن، طبعاً، لسنا مخدوعين بآلاف اليافطات الثقافية المعلقة في شوارع الثقافة، التي تطالب، كلها، بأدب للناس (للشعب، للجماهير، للكادحين) هم ليسوا مهتمين بتثقيف الناس.. هم لا يريدون أن يتعمق وعي الناس. ولا يريدون أن تكون حساسية الناس مرهفة مشحوذة لأنهم لا يريدون شعباً مساهماً ومتسائلاً. بل يريدون رعية تابعة. وبالتالي فإن يافطاتهم، تلك التي يتاجر نقادهم واعلاميوهم وساستهم بها، لا تعني إلا المطالبة بأدب يرضي السلطات ويساعدها على إكمال انقياد الرعية.. او على الأقل يملأ الفراغات الزمانية والمكانية في الاحتفالات والأجهزة. يريدون أن يتحول الفن كله إلى رعية.. أي أن يتحول إلى بوق.. إلى إعلام.. ويريدون أدباً لا يستفز الذين بيدهم المقدرات والسياط ولا يضطرهم لقراءته. فهم لا يقرأون إلا ليراقبوا وتحت شعار المطالبة بأدب للناس يريدون، فعلاً، أدباً لا يصل إلى الناس ولا يهتم به الناس ولا يحركهم ولا يتحرك بهم. يريدون أدباً يطمئنون إلى انعدام خطره. يريدون أدباً مخصياً تماماً مثلما يريدون شعباً مخصياً..

لماذا الشعر إذن؟!..

في عالمهم هذا الذي يريدونه على مقاسهم، يصبح الشعر غير المخصي وغير المدجن شعراً مرفوضاً ومطارداً. ويصبح الشاعر مشبوهاً أكثر من الجاسوس. يصبح رأس الشعر مطلوباً لأنه لابد أن يشاغب.

يشاغب الشعر على الخيانة والمؤامرة والقتل، أو يشاغب على التفاهة والسطحية والشعوذة. والشعر إن لم يقل: (لا) بشكل صارخ وصاخب وجارح فإنه لا يقبل أن يقول: (نعم) حتى بقطع رأسه.

**

نفتح عيوننا منذ البدء على عالم مرتب ومحسوم. توزعت فيه الوظائف وتحددت فيه المصالح. عالم فيه لصوص ومسروقون، جلادون وضحايا، أثرياء وبؤساء، مستغلون ومستغلون: عالم فيه من يستفيد منه وفيه من يرزح تحته.

Page 10

ولذلك فإن البشر منقسمون إلى طائفتين: طائفة تريد الابقاء على العالم كما هو.. لأنها مستفيدة من صورته هذه أو لأنها غير متضررة منها أو لأنها لا تعي حجم الضرر اللاحق بها فيه. وطائفة تريد تغيير هذا العالم وقلب موازينه وموائده وإعادة ترتيبه. والشاعر منتم، حتماً، إلى إحدى الطائفتين. إما أنه طامح إلى تغيير العالم وإما أنه مساهم في تكريسه. ولا مجال للحديث المنافق عن ضرورة عدم تدخل الشعر في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. فهذا الحديث ذاته يسعى إلى تكريس موقف سياسي واقتصادي واجتماعي للشعر. يريد جعله مادة تسلية وترفيه أو مادة تخدير وتثبيت للعالم على صورته القائمة.

المقولات النقدية التي تحاول التشكيك بالشعر المهتم بما يجري، أو تحاول صرف الشعر عن موضوعاته الحية إلى غواية الموضوعات (الخالدة) هي مقولات تعبر تعبيراً دقيقاً، وذكياً، عن مصالح أولئك الذين يريدون الابقاء على العالم كما هو ومن يريدون أن لا يحدث أي تغيير في العالم.

غير أن هناك تنويهاً هاماً لابد منه. تغيير العالم ليس عملاً آنياً ومؤقتاً وقد لا يكون ممكناً الآن. والشعر ليس طفلاً يحلم أحلاماً مستحيلة. بل هو حلم البشرية بإمكانياتها الفعلية. وهذا يعني أن الشعر لا يطمح إلى تغيير العالم الآن. فهو لا يخطط للقيام بانقلاب عسكري.

والذين يريدون توريط الشعر في موقف كهذا هم اولئك الذين اعتادوا على التفكير في إحدات التغيير عن طريق الانقلابات العسكرية. الشعر يطمح إلى إحداث ثورة. وبالتالي فهو يعمل ضمن استراتيجية ثورية. الشعر هنا، أي فعاليته في المتلقي. جزء من تراكم المعرفة الذي سيؤدي إلى تغير نوعي في وعي المتلقي وهذا يعني أن الشعر يساهم في تغيير الإنسان وتغيير نظرته للحياة لكي يتمكن هذا الإنسان من تغيير العالم.

**

أن تظل أنت. أن تقاوم غواية نيل الرضى أو راحة تجنب الصدام. أن لا تضحك إلا طروباً لنكتة أو سعيداً بفرحة. أن تغضب حيث الغضب هو الإنسان.

من هنا نبدأ الحديث عن الشعر: الشاعر.

في زحمة الحياة، في التسابق المحموم نحو الغنيمة أو النجاة في خضم البحث عن منتجع صحي للحياة. هناك، من يستوقفك ليقول لك: إنك قد نسيت شيئاً ما حين غادرت مسرعاً. شيئاً كالسبحة أو القداحة أو حمالة المفاتيح. الشعر يناولك هذا الشيء الذي نسيته أو تناسيته أو تعودت اهماله: الشعر يناولك نفسك.

قد يعتبرك الشعر إنساناً وحيداً في عالم موحش ضار فيقدم لك ابتسامة الحبيبة أو كتف الصديق أو تفهم الام. لكن الشعر قد يعتبرك نذلاً فيبصق في وجهك.

وهو، في الأحوال كلها. يتمنى أن يكون الصديق الفعلي وليس أنسه فقط، ويتمنى أن يكون الشفرة التي تفاجئك في زاوية معتمة فتشطر وجهك. لكنه لا يستطيع. فالشعر، حتى حين يكون سلاحاً، ليس بديلاً عن الاسلحة الأخرى. وحتى حين يكون تعبيراً عن الواقع ليس بديلاً عنه. هو تعبير عن حلمك بهذا الواقع أو خوفك منه. وهو تعبير عن احتمالات هذا الواقع ووضعك فيه.

**

وقبل أن تتخذ موقفاً من الشعر أخذ الشعر موقفاً منك. للشعر موقف من قارئه قبل أن يكون للقارئ موقف من الشعر.

هذا يعني أن الشعر لا يسعى إلى نيل رضى الجميع بل ربما كان يسعى إلى نيل سخط بعضهم. وربما كان يسعى إلى تأليب قسم من الناس على القسم الآخر. إنه يطمح أبداً إلى سكب الزيت فوق نار الصراع المتأججة في الحياة.

وبتجاوز أولئك الذين يرون الشعر صف كلام أو أوصافاً جميلة وخيالية للعالم وأولئك الذين يرون الشعر بحثاً مخبرياً لا علاقة له بالحياة، نصل إلى الشعر ـ الموقف: الشعر الذي لا يستطيع أن يكون (جميلاً) في عالم قبيح، أو حالماً سعيداً تحت المقاصل وأحذية الجند، أو لاهياً في أسواق النخاسة.

الشعر الذي يستطيع أن يكون جميلاً وحالماً ولاهياً هو شعر في المعسكر الآخر: معسكر القبح والجند والطغاة والنخاسين. وهو شعر يريد أن يلهينا عن رؤية جلادينا وسالبي قوتنا وكرامتنا.

**

لعل في هذا ما يجعل الشعر مكروهاً لا وقت له. فهو يتقدم شاهداً جريئاً (وصفيقاً) بقول الحقيقة كلها. يجلب لكل نفسه. كما هي، فيضعها أمامه بتشوهاتها وندوبها واستلابها، بما كانت عليه وما أصبحت عليه. ويجبره على التحديق إليها. فهو، إذن يتقدم شاهداً ومعه الحقيقة، يتقدم شاهداً عليك أمامك ومع نفسك.

كثيرون، لذلك يكرهون الشعر، وإضافة إلى المتجشئين الذين يرفض الشعر أن يسليهم أو يقدم لهم المهضمات، هناك الذين يخافون أن يقفوا أمام نفوسهم، لئلا تنظر إليهم نفوسهم وتراهم أو تريهم: لئلا ينكشف خزيهم أمامهم، لئلا يجبروا على شم روائحهم الكريهة. هناك اللص الذي لا يريد أن يرى نفسه لصاً أو أن يرى من يعرفه على حقيقته. وهناك مسروق لا يريد الاعتراف بما خسره أو الاعتراف بعجزه عن ملاحقة السارق أو الاعتراف بسكوته عن السرقة والاهانة والإذلال.

**