Page 1
تقديم
بقلم الشاعر هاشم شفيق
لجماله الأخاذ، قرأت هذا العمل مرّتين، المرّة الاولى قرأته واهماً بأني أقرأ قصيدة فاتنة، وثانية قرأته، عندما أدركت أني واهم بأنّ هذا العمل هو حكاية تتلبّس لبوس الرواية وتنحو منحى السرد الذي تتداخل فيه العناصر المسرحية من سينوغرافيا ومونولوغ وعناصر فنية أدبية اخرى لها علاقة بأدب الطفل ··· هل أقول أنّ نص بن اوكري هو قصيدة رائية ظلت طريقها إلى الرواية أم العكس؟
الشكلان هنا يندغمان ويتماهيان ليصبحا عملاً ذا نسيج خاص يحمل كل هذه الفتنة والرؤى السحرية القابلة على الادهاش ··· في هذا العمل البديع دهشة الآلهة ينبثق الخيال محلّقاً على أجنحة آسرة، قادرة على ابتكار الدهشة والوَله والانبهار المتواصل حتى النهاية المفتوحة على احتمالات المخيال وطرقه اللانهائية، في كشف المتواري والمخفي من حياتنا، واعطاء الحلم المرتبة الاولى في الحياة، ولئن حمل العمل رؤية عدمية ·· ولكنها العدمية الموحية، العدمية التي تمحي ما تلاشى وانزوى·· لتكون في المآل شيئاً سرمدياً ·· خالداً وأبدياً، باحثاً عن الرؤيا وسرّ الوجود··· يأتي من أجل الوصول إلى يوتوبيا الانسان في رحلة العمر القصيرة، وكل ذلك يأتي بلغة شاعرية، فريدة في الطرح والتصورات ونسج العلاقات الحالمة والخيالية، وقد وفقت الترجمة ببراعتها ولغتها الشفيفة على التقاط هذه الوشائج وتقديمها بجملة مشرقة وقصيرة وعبر ترجمة ناجحة من خلال الاستاذ ناطق فرج الذي قدّم للمكتبة العربية هذه التحفة الباهرة·
Page 2
مقدمة المترجم
رغم من القفز السريع والمفاجئ من الحدث الواقعي الى الخيالي، ووصف الخيالي بتفاصيل واقعية من خلال شخصيات اسطورية، يرى بن اوكري ان العناصر التي تشكِّل مادة كتاباته هي تمثيل لما خبره في نيجيريا، مكانه الأول· ويعتقد ان اسلوبه في الكتابة يندرج ضمن ما يعرف بالواقعية (اللاغربية) في الوقت الذي يجمع النقاد على ان الواقعية السحرية هي ما يميز اسلوبه·
فما نحسبه خياليا يراه بن اوكري واقعياً، إلا انها الواقعية المتعددة الابعاد· الواقعية المستمدة من التزاوج المستمر لما هو خيالي وواقعي· وربما بسبب هذا التلاحم غدا الخيالي بالنسبة له واقعياً·
في دهشة الآلهة نرى شكلاً سردياً متميزاً وحساً مختلفاً بالزمانوالمكان ونسيجاً غريباً من المشاعر· كل ذلك يأتي بلغة شفيفة حالمة مفعمة بالموسيقى واللون كأنها لوحة سوريالية تغري المتلقي على متابعة تفاصيلها حتى النهاية·
واحسب اني كنت حريصاً وأميناً في نقل نموذج من الأدب الانجليزي المعاصر الى القارئ العربي بغية التعرّف على خصائصه وسماته وهذه هي احدى أهداف الترجمة، لذا أرجو ان أكون قد وفِّقت فيه·
أتقدم بالشكر والامتنان الى الدكتور محمد حسين الاعرجي وأذكر له ههنا بالوفاء والعرفان الجميل الجهد الذي بذله في مراجعة النص العربي رغم انشغاله في التدريس والكتابة والبحث· كما يسرني أن أتقدم بالشكر الجزيل الى الصديق العزيز الكاتب والصحفي جمال حيدر الذي لم يدخر جهداً من أجل أن يخرج هذا العمل بالشكل الذي هو عليه، فقد راجع النص هو ايضاً وعلّق عليه·
أما زوجتي جستينا فقد عاشت تجربة ترجمته وأضاءت العديد من نقاطه الغامضة، فإليها صادق مودتي· كما أجدني عاجزاً عن الشكر والامتنان للكاتب والباحث علاء آل جعفر الذي حرص أشد الحرص على أن يخرج هذا العمل بالشكل الذي هو بين يدي القارئ، كما انه لم يبخل عليَّ بآرائه وملاحظاته القيمة·
ناطق فرج
Page 3
واحـد
ـ من الأفضل أن تتوارى ··· كانت حياته أفضل حين كان متوارياً، غير أنه لم يكن يدرك ذلك حينذاك·
ولِد متوارياً وأمه كانت متوارية أيضاً، لذلك لم يكن بمقدورها رؤيته· ناسه كانوا يعيشون حياة هانئة وهم يعملون في الحقول تحت أشعة الشمس المألوفة، حيث تمتد حياتهم إلى قرون متوارية· وكل ما خلُص من العصور الملوّنة على اختلافها هو أساطير وتراثات غنية غير مكتوبة لذايمكن تذكّرها لأنها كانت مفعمة بالحياة·
نشأ دون تناقض في ضوء شمس العصور غير المدوّنة وحَلُمَ في أن يكون راعياً· واصل دروسه في مدرسةٍ، حيث تعلّم أفكاراً وحروفاً غريبة واكتشف أن الزمن يمكن أن يدوّن·
كان ذلك في الكتب حين علِم أول مرّة عن أمر تواريه عن الأنظار· بحث عن نفسه وناسه في كل كتب التاريخ التي قرأها واكتشف لدهشته الصبيانية أنه غير موجود· أقلقه هذا الأمر كثيراً حتى قرّر، حالما يكبر، أن يغادر هذه الأرض ويبحث عن الناس الموجودين فعلاً ليتعرّف على هيآتهم·
احتفظ لنفسه بأمر تواريه الذي اكتشفه مؤخراً وسرعان ما تناسى حلمه بأن يصبح راعياً، غير أنه في نهاية الأمر لم يكن عليه أن ينتظر حتى يهرم·
وذات ليلة، حينما كانت العتمة حالكة لدرجةأنها أكّدت مسألة تواريه في الكون، هرب من البيت إلى ميناء قريب وتسلّل إلى بحر زمرّدي اللون·
سافــر لسبــع سنوات وامتهن كل ما صادفه من عمل وتعلّم لغات عدّة· تعلّم العديد من أنواع الصمت، ولم يتفوه بكلمة قدر امكانه بل أصغى إلى كل ما أراد الإنسان والطبيعة قوله· ركب بحاراً ورأى مدناً وشهد كل شرّ يمكن له أن يخرج من قلوب الرجال· عبر بحاراً ولم يتفوه إلا بالقليل، فإن سُئل عن سبب ترحاله وإلى أين كانت وجهته، أجاب على شاكلتين: الأولى كانت همساً في أذن سائله· الإجابة الثانية موجهة إلى قلبه· الإجابة الأولى كانت كالآتــي:
لا أعرف لِم أنا مرتحل· ولا أعرف أين وجهتي·
الإجابة الثانية كانت:
أرحل كيما أعرف لِم أنا متوارٍ· وضالّتي هي البحث عن سر الوجود·
أما أولئك الذين عملوا معه طيلة تلك الأعوام فقد ألفوه إنساناً بسيطاً· في الواقع هم لم يروه على الإطلاق·
Page 4
اثنان
بعد ترحال دام سبع سنوات، وصل إلى ميناء غريب· بدت المدينة غير مأهولة والصمت يُخيّم على منازلها· نزل من سفينته فوجد نفسه في حي ملوّن بالأبيض والأسود، كما لو كان رقعة شطرنج كبيرة· كان هواء الحي َمشوباً بوهج برتقالي اللون، وثمة سكون سرمدي يحيط كل شيء مما جعله يشعر وكأنه في حُلُمٍ مزعج·
كانت المدينة غير مأهولة، غير أنه شعر أن ثمة بشراً يتوزعون هنا وهناك· خُيّل إليه سماع همس عابر في الهواء· غرابة المدينة أزعجته للحد الذي توغّل عميقاً في لغزها، غير أن المدينة كانت لغزاً يستعصي حلّه· سمع رنين الأجراس في كل مكان، وأصواتاً مرحة تقهقه في الريح الهادئة· حتى ضحكتها كانت سراً· وفي الزاوية البعيدة من الحي سمع أصواتاّ عذبة تتلو أسماء الأشياء التي لا تُلفظ لقدسيتها· كان مُستأنساً بسحر المدينة اللامرئي لدرجة أنه لم يرغب في مغادرتها·
اتبع أصواتاً موسيقية، حين سمع صفير السفينة يدعوه للعودة، لفتيات لا يمكن رؤيتهن، يهمسن تحت ضوء القمر الساطع في تلك المدينة الغامضة· ضوء القمر ذاك، المتوهج في حي المدينة الرائع الملون كرقعة شطرنج، ملأ قلبه بعزلة جميلة ستلازمه طيلة حياته·
وبينما همّ بالذّهاب منتشلاً نفسه على مضضٍ من أصوات الفتيات الرقيقة، غمره عبق رحيق الأزهار فجأة وبدأ يبكي، في حين كان صوت سوناتة صفراء وليلكية بين الأوهام الباهرة لرقعة الشطرنج المرتجفة يعلو من بعيد·
بكى حين أصغى إلى ألحان الناي وهي تزفر لحظات منسية من حياته·
واصل البكاء حين خرج عليه صوت رقيق من الهواء العطِر وقال له:
ـ لِم تبكي؟
أجاب دون أن يرى مَن يخاطبه، غير أنه لم يرتبك أكثر مما ينبغي:
- لأني لا أفهم جمال هذه الجزيرة·
- إذاً لِم لا تبقى هنا ؟
- ولكن كيف لي أن أبقى وأنا لا أرى سكانها ولا عِلم لي أين أنا؟
- لا عليك، فالناس لا يمكنهم رؤيتك أيضاً· فمعظمهم على الأقل لا يرونك، إذ أنك مجرد صوت بالنسبة لي، ولكن كل شيء يكمن في صوتك· إضافة إلى ذلك فإنك تبحث عن شيء وجدتَه من قبل، غير أنك لا تعرف ذلك، كأسباب التعاسة مثلاً·
- أين هذا المكان؟
Page 5
- ليس له اسم· نحن لا نؤمن بالأسماء· فالأسماء تُخفي الأشياء·
- لا أفهم·
- حينما تُطلق اسماً على شيء يمنحك الشيء وجوده، إذ تموت الأشياء بعض الشيء حينما نسمّيها· حديثي مقتصر على هذه الجزيرة فقط· لا يمكنني التحدث عن أي مكان آخر·
- حسناً، وإذا لم ترغبوا باختفاء الأشياء ماذا تفعلون؟
- نفكّر فيها·· نعيشها وندعها تعيش فينا·
أنت تسأل كثيراً، إذا كنت مهتماً إلى هذا الحد فلِم لا تبقىوتعيش معنا وتتقن عوالمنا الغامضة؟
- شكراً، فسفينتي تدعوني وعليّ الإبحار، وإلا فلن أجد الأشياء التي دفعتني إلى مغادرة مكاني الأول·
- قد تتعلّم المزيد هنا·
- ولكن قد لا أحظى بسفينة ثانية· ولا أعرف طبيعة ارتيادهن هذا المكان وبذلك سأفتقد البحر وتفوتني الرحلة·
البحر موجود دائماً والسفن تأتي والرحلات مستمرة، إلا أن هذه الجزيرة تُكتشف مرّة واحدة في العمر- إن كنت محظوظاً·
تعالى صوت السفينة ثانيةً، يدعوه ثلاث مرّات بتحذير شديد· ارتعد لصوت السفينة، وحينما هدأت الصافرة الثالثة، أصغى إلى صوت الريح الحزينة، وإلى جوقة عازفي الناي وهم يشقّون طريقهم بحذر عبر أشجار السّرو· أصغى إلى صوت الماء المنساب بين أوراق أكاليل الصُبّار في نافورة المرمر·
تملّكه العجب حين نظر إلى الأبنية البيضاء المتناسقة المنتشرة حول الحي ملاحظاً زواياها الصافية ودعاماتها الملائكية وأعمدتها ذات الوميض المرمري· استنشق عبير الطفولة والألحان العذبة الصفراء والمانغو اليانعة· وحين بدأ صوت امرأة بالغناء من على قمة المعبد الأزرق لتلك الأرض، لزِمت الريح الصمت، ولاحظ كيف أن كل الأشياء المتوارية بدت مُنشدّة إلى تألق الغناء الذي صبّ وهجاً ذهبياً على ضوء القمر الشفّاف، فوجد نفسه مبتسماً· وحين توقف الغناء وحلّ صمت جديد بهيج ، قرّر البقاء·
Page 6
ثلاثة
أبحرت السفينة بدونه· كان يرقبها وهي تشق عباب المياه الخضراء· الميناء ما زال مهجوراً، وغدا الصمت في كل أنحاء الجزيرة أعمق من ذي قبل· وبينما اختفت السفينة في الأفق، تغيّر الزمن من حوله، وببطء غاب عن وعيه· للحظة كان وسط رقعات شطرنجية خافتة الضوء، وفي لحظة أخرى، وجد نفسه يخطو في شوارع من زجاج مصقول، يتمشى بين أزقة كأنها مرصوفة بزجاج ملون، ينبعث ضوؤها من الأسفل إلى الأعلى، كما لو أن علاقة الجزيرة مع القمر والسماء أصبحت معكوسة·
كان صوت دليله صامتاً· ووجوده هو الشيء الوحيد الذي هدّأ من روعه حين كان يخطو في سكون الجزيرة·
اندهش حين رأى الأبنية· كانت رائعة شاخصة، واجهاتها مذهلة بأعمدتها الفخمة وتيجانها المرصعة بالمحّار وسطوحها الرشيقة· قواعد أعمدتها أظهرت حسّاً شامخاً متوازناً من الانسجام· كانت الأبنية الشاخصة خاوية تماماً، تجتذب الأضواء إليها ويفوح منها عبير الفخامة والعظمة، رغم ذلك بدت معلّقة وسط الفضاء، حتى الكنائس العظيمة بقبابها الذهبية وقممها المتباينة، بدت وكأنها صنعت من مادة بالغة الرّقة·
بدت الأبنية بكمالها كأنها حُلُم وهمي· تحيّر لضخامة الأشياء ونورها الساطع·
وصل إلى جادّة المرايا الرائعة، حيث واجهات المنازل والقلاع والجسور والقصور والكنائس القديمة، كلها من المرايا· الشرفات الغامضة، حيث التماثيل تنظر إليه بشوق وشهوة واضحة تقريباً، صُنعت من المرايا أيضاً· لذا انعكست هيئتها بصورة متناهية ومخيفة بشكل غريب· حينما شاهد كيف أن جميع الأشياء ضاعفت الأشياء الأخرى، وضاعفته أينما التفت، انتابه احساس غريب للغاية· احساس بالسعادة لابد أنه ألفه قبل ولادته، السعادة التي شكّ في كونها حق ولادته السرمدي· ذكّرته بشكل غير مباشر بالفرحة التي أحسّ بها حين شاهد قوس قزح للمرّة الأولى· وبينما هو في تلك الحالة، لاحظ قوس قزح يتجسّد تدريجياً فوق القبة الذهبية للكنيسة الصامتة· قوس قُزح المنعكس في كل مرايا القلاع وواجهات المنازل، والمتميز بالوان غاية في الحُسن، أتمّ شعاع القمر الهادىء، لدرجةٍ وجد نفسه يقول:
- لا بد أنكم أسياد فن السعادة·
ضحك الصوت الذي يرشده قليلاً· ثم لزِم الصمت·
وقال:
- نحن أسياد فن السّمو، نن أسياد المعاناة، سأكون شاكراً لو أنك لا تردّد كلمة سعادة على هذه الجزيرة ثانيةً·
Page 7
أربعة
بدت جادّة المرايا طويلة كأن لا نهاية لها· وبينما هو ماضٍ وخياله يتراقص في واجهات الأبنية الفضية، شعر أنه فقد هُويته في المرايا· شعر، كأن أثقل أعضائه وأقلها أهمية تلاشت في الأنوار الساطعة· شعر في الوقت ذاته أنه أصبح أكثر سكينة وأقل فضولاً وأوسع تحرراً من القلق· خشي من فقدان جزءٍ مألوفٍ لديه كقلقه مثلاً· بيد أن عظمة الأنوار تملّكته جداً· إذ أعجبته الطريقة التي تغيّرت بها والطريقة التي توهجت فيها بالأحمر والذهبي· سحرته المشاهد المحيطة بمنتهى الملكوت البالغ حدّ الكمال والتصاميم المثالية ومشاهد الفرحة المحضة وأجواء السعادة التي سكنت أعماق المرايا المتألقة·
لدهشته، كلما نظر أعمق في المرايا وفي أعماق البحيرة السحرية، رأى حسناوات يعزفن الماندولين ويقرأن كُتُباً مضاءة ويُغنين بصمت وينشدنَ كلمات استحالت إلى ألوانٍ مشعّة ويرقصنَ عاريات على أرضٍ مصقولة· وفي الهواء الطلق حلّقت طيور بيضاء وصفراء فوق رؤوسهن في قصورهن المصنوعة من ضوء القمر·
كان على وشك التحدث حينما أسَرَ مشهدٌ رائعٌ عينيه·
التفت ورأى، في مرآة أخرى، حديقة غنّاء تندّت أزهارها بوهج سماوي· وبينما هو ينظر مسحوراً بجمال الأشياء، اندفع برشاقة وحيدُ قرنٍ أبيض اللون بقرنٍ زمرّدي فشتّت حزمة الأشعة الباعثة للبهجة·
وإلى مسافة أبعد، في المرايا الزرقاء التي تواجه كنيسة الحق العظيمة، رأى بحيرة خضراء· وفي وسط البحيرة الزمرّدية، وهي بؤرة الأنوار كلها، كان سيف العدالة المنسي، نصله من الذهب الخالص، شاخصاً نحو السماوات المنيرة يبهر العين بصفائه الألهي·
- قال: لا أفهم شيئاً·
لم ولن يفيق بعد من العجائب التي رأها تواً·
- قال صوت دليله: تذكّر دهشتك فهي خير لك·
- ولكن ماذا تعني كل هذه الأشياء؟
ماذا تعني بذلك؟
مَن هنّ الحسناوات؟ وماذا يعني وحيد القرن المدهش؟ وما هو السيف؟
Page 8
قال الصوت:
- ستلتقي بالحسناوات فيما بعد، ووحيد القرن يراه أولئك الذين يستطيعون رؤيته فقط، والسيف هو السيف·
لم أفهم بعد·
الأشياء هي الأشياء وهذا هو نفوذها· إنها كل الأشياء التي نعتقدها وكل الإشياء التي نحسّها، بل وأكثر من ذلك· هي كما هي وإذا عَنَتْ شيئاً فستكون أقلّ مما هي عليه· كل ما تراه هو ُملكك وجنّتك· محظوظ أنت لو استطعت رؤية الأشياء الرائعة· بعض أولئك الذين عاشوا هنا رأوا الأشياء الشيطانية فقط· ما تراه هو أنت، أو ما ستكون عليه· رجالنا ونساؤنا العظام مكثوا هنا لمئات الأعوام ولم يروا وحيد القرن·
أنت وصلت تواً ورأيته·
توقف الصوت برهة وقال ضاحكاً:
- ستسعد البلدية بهذا والفلكيون الملكيون الذين تكهّنوا بهذه اللحظة ستملأهم الفرحة· كنّا بانتظار وصولك ـ دون أن نعرف ـ منذُ زمنٍ بعيد· إذا نجوت مما هو آتٍ، وإذا نجحت في ذلك حتى إنعقاد الاجتماع الكبير، فمن الممكن أن تكون أول مَن سيفتتح الدورة الجديدة للمتوارين·
رأى، في نهاية الشارع، ملائكة بأجنحة من قوس قزح تحلّق في المرايا الأخيرة· أنوارها المنبعثة نحو الأعلى وحضورها المتوهج إلى حدٍ بعيد، أخافاه وكادا يوقفان قلبه· أعماه خوفه للحظة· مرّت فترة طويلة حتى عاود التنفّس ثانية واستأنف رحلته في الجزيرة·
Page 9
خمسة
لم يعد يشعر كما كان من قبل بعد أن سبحت الملائكة في الفضاء· لم يكن متأكداً مما تغيّر، غير أنه أحسّ في داخله كما لو أنه كان مكبّلاً· بدا مشهد الملائكة المفاجىء وكأنه لوى رقبته بصورة غريبة· إضافة إلى ذلك، بعد أن مرّ تألقهنّ المقدّس، بدا العالم أكثر عتمة بعض الشيء·
دخل في شارع مدهش آخر، حيث وجد رقعة الشطرنج تتموّج بفعل ضوء القمر· في البداية، وحالما توجّه نحو الشارع، لاحظ أشكالاً فضّية بيضاء عديدة شاخصة في الهواء· لاحظ امتدادات تألقها العظيم وأشكالها المخيفة بعض الشيء، فملأته برعب مقدّس لم يكن بالحسبان· أحاطته الأشكال المفعمة بالحياة، التي لا تفعم به إلا الأشياء الرائعة، بعلمها الكامل بوجوده· وما أن مرّ من تحتها، حتى أصبح أخف وزناًوأحسّ أنه تحوّل الى نور·
أعادت إليه تلك الأشكال الضخمة البيضاء رباطة جأشه حالما مرّ من تحت شعائها الذييُعمي البصر· غيّرته وأعادت ترتيب وجوده ببراعة· وفي الثقوب التي أحدثها فيه ذلك الرعب، بدت الأشكال تمنحه معرفة باهرة بكل الأشياء المجهولة الأسماء، الأسماء التي يريد أن يعرفها حينما يحتاج معرفتها·
أذهلته حتى أُتخم بمعرفةالغيب والسعادة لدرجة تكفي لكل ما هو آتٍ من العتمة·
لم يجد تفسيراً لها، غير أنه حالما مرّ من تحت الأجنحة الكبيرة للأشكال العظيمة- وهي تشّع نوراً مثل نجمة جديدة- بدا يشعر وكأنه يدرك الأشياء التي كانت قبل عصره، وبعد عصره وحياته وضالّته المنشودة، إدراكاً انهال عبر كل عصور الماضي والمستقبل·
حالما مضى في طريقه، سمع همسات غريبة في داخله، كما لو أن أصواتاً عديدة أنشدت برِقّة في قلبه وروحه وفي كل القوانين السّرية للعوالم المعلومة والمجهولة·
طالما اعتقد أنه متوارٍ· طالما اعتقد أن التواري هو أسوأ شيء يمكن أن يحّل بألآخرين· ولكن ما إن ذهب تحت النفوذ الجميل للأجنحة المشعّة سابحاً بين الأرض والسماء، حتى أحسّ أنه غدا أكثر توارياً مما ألفه من قبل، أكثر توارياً مما ظنّه ممكناّ·
أخافه أمر تعاقب التواري وتعاقب الأعماق· انتابه دوار بسبب رعب هذه الحركة· شعر أنه هوى في هذه الأعماق حال مروره من تحتالأجنحة الضخمة· وبينما هوى عميقاً في تواريات جديدةانتابه فجأة شك رهيب بعدم نهايتها وقرارها حتى تخيّل مسرحاً من التواري ظليلاً في الخلود واللامنتهى·
Page 10
حتى ذلك الحد، غاص عقله في عتمة حالكة· وجد نفسه يدور في تلك العتمة· شعر حينئذٍ أنه يهوي بعيداً عن نفسه، يهوي دون نهاية في عتمة ازدادت حلكةً ولم تعد تطاق· الشيء الوحيد الذي يمكنه القيام به لإنقاذ نفسه من الرعب المطلق لسقوطه الداخلي هو الصراخ·
صرخ برعب مطلق مخافة أن يغدو متوارياً أكثر مما كان· صراخه كان عالياً نفّاذاً لدرجة أن ضجّت به الجزيرة بأكملها· بعد برهة، لم يك متأكداً فيما لو كان هو الذي يصرخ أم الكون· شعر أنه يسقط عبر طبقات وجع العالم غير المسموع·
حينما توقف عن الصراخ، توقف عن السقوط· وحين فتح عينيه وجد نفسه سابحاً في ضوء النجم الأسود الأكثر سطوعاً· في الأعالي، مثل آلهة الجبال المنسيّة، مثل تمثال شاهق مصنوع من نور بدائي، ثمة حضور مُرَوِّع لملائكة التواري العظيمة·
في لحظة كانت هناك، وفي لحظة أخرى اختفت· حضورها كان مقتضباً لدرجة بدت مثل برق الخلود مرّت من خلاله· وحين اختفت الملائكة العظيمة، مُخلّفة حزمة من الأنوار البهيّة في الفضاءات الرحبة التي احتلّتها وقد غطّت كما يبدو بأجنحتها وحدها الجزيرة كلها، شعر هو الآخر بأنه غدا وهماً ولكنه أكثر عظمة تماماً· لم يكن متأكداً كيف أو بأية طريقة·
- لا أفهم أي شيء على الإطلاق· قالها للريح·
- أجابه صوت دليله: لا تحاول أن تفهم·
- الفهم يأتي بعد المحاولة· يأتي من عالَمٍ آخر·
من أي عالَم؟
ظلّ الصوت صامتاً·