Page 1
إِذَا الدَّارُ انْكَشَفَتْ
خَبَّأْتُ الجِدَارَ فِي جَيْبِي·
قُلْتُ لِجَارِيَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى:
إِنْ تَعِبْتَ مِمَّا تَرَاهُ دَاخِلَ دَارِيَ، وَيَدُكَ خَجْلَى أَنَّها لاَ تَقْوَى أَنْ تَسْتَعيدَ القتْلَى وتَرُدّهُم إِلَى أحْبَابِهم، آنَذَاكَ لُمَّ الهَوَاءَ الَّذِي بَيْنَنَا وَاسْتَنْشِقْ وَرْداً غَرِيْباً غَيْرَ الدِّمَنِ الخَضْرَاء التي نَبَتَتْ هُنَا، عَلَى العَتَبَاتِ البَاقِيَاتِ مِنْ بَلَدي·
ثمّ تَذَكَّر أَنّي، مِثْلَمَا تَرَانِي··· لاَ أَرَاكَ·
***
صَحَوْتُ قَبْلَ العَالَمِ·
كَانَ مُتْخَمَاً، وَقَبْلَ نُهُوْضِيَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُتَثَاقِلاً جَلَسْتُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيْرِ فَوَجَدْتنِي انْتَصِرُ مَرَّتِيْنِ·
1· حِيْنَ نِمْتُ سَالِماً،
2· وَحِيْنَ صَحَوْتُ قَبْلَ العَالمِ، وَقَبْلَ نُهُوْضِيَ جَلَستُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيْرِ:
تَنَفَّسْتُ بِمُفْرَدِي لَمْ يُسَاعِدْنَنِي أَحَدٌ، تَنَفَّسْتُ بِمُفْرَدِي دُوْنَ إِلْحَاحٍ مِنْ أَحَدٍ··
قُلْتُ:
أَصْبَحْتُ وَأَصْبَحَ المُلْكُ لِلَّهِ
ثُمَّ رُحْتُ أُعِيْدُ الأَشْيَاءَ إِلَى أَمَاكِنهَا قَدْرَ مَا أَعْرِفُ لَكِنَّنِي أَعَدْتُهَا جَمِيْعَةً·
كَذَلِكُم رُحْتُ أردّ لِلَّذِينَ مَا انْفَكُّوا يَعِدُوْنَ الناس·· أردّ لهم كُلَّ كَلامِهِم· وأردّ صَنْدُوقَ البَرِيْدِ وَالتِّلْفِزْيُونَ وَالرَّادْيُو وَالتَّلِفُونَ، وَكُلَّ مَا لَدَيَّ وَالأَسْمَاءَ وَالصُّوَرَ وَالذَّاكِرَةَ وَالذِّكْرَيَات·
أردُّ إلى نَفْسِيَ بعضَ نَفْسِي·
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكُمْ أَعُوْدُ إلى الدَّارِ··
مَا تَبَقَّى مَعِي سِوَى أَنّيَ مَا زِلْتُ حَيّاً، وَإِذْ أَتَنَبَّهُ أنّي ما زلتُ حيّاً أَقْرَأُ:
السَّلاَمُ عَلَيَّ حينَ نِمْتُ سَالِماً وحين صَحَوْتُ·
بيدَ أنَّ الجِدَارَ ما زالَ في جَيْبِي، وما زلتُ أصحو قبلَ العَالم ِلأردَّ إليهِ الأشياءَ جميعةً·
15 تشرين الثاني 2002
Page 2
المِمْحَاة
كنتُ إلى النافذةِ الوحيدةِ في المطعمِ الذي يُشبِهُ أيّ مطعمٍ آخر· يجلسُ صاحبهُ على كرسيٍّ، يفصلهُ عن طاولتهِ الخشبيّة كرشهُ المترهّلة·
المطعمُ الذي يتّسع لسبعِ طاولاتٍ، نادلين، تلفون قديم، حمّام واحد بمرحاض ومغسلةِ حائطٍ وبقايا مرآةٍ مكسورة·
***
حينما دخلتْ طفلةٌ كنتُ أتتبّعُ التفاصيل· يُجبركَ الملل أنْ تتابع التفاصيل عن كثبٍ· كانت الأشياء لا تبدو طبيعية أو أنّه خيّلَ إليّ ذلك·
أحدٌ منّا كان على قلقٍ، أنا أو المكان!
طلبتْ من النادلِ، الذي سأعرف بعد قليل أنّ اسمهُ ناجي، حينما يعطيها أكلاً ليخصمَ من أجرة يوميّته·
انتهيتُ من غدائي وطلبتُ من النادل الواقف بجوار التلفون قهوةً مُرّةً· كانت طاولة بالقرب منّي -كل الطاولات قريبة- مشغولة بسيّدةٍ لا تملكُ من خيارٍ إذ تراها إلا أنْ تخمِّنَ أنّها أرملة جديدة فقدتْ زوجاً لم تكُنْ على ودٍّ معه ولم يترك لها شيئاً·
ثمّ دخل شاب وسيمٌ مع فتاةٍ غريبة، لكنّه كان يتحرّك بالمكان كأنّما هو يألفهُ جيّداً· كان المكان يمشي ببطءٍ باردٍ وأنت مشدودٌ إليه·
قشرة رأسي لا تهدأ تساقطاً على سطح الطاولةِ، لست أدري فيما كنتُ شارداً بين القهوةِ التي وجدتُ طعمها متغيّراً عمّا ألِفْتُ، أو التبغ الذي كرهتهُ فجأةً، أو رأسي الذي يمطر قشرة ويتآكلُ منها، أو النافذة الوحيدةِ، أو النادل ناجي، أو النادل الواقف بجوار التلفون الذي إذا ما مرَّت عيوني عليه باغتني بالسؤال عن رغبتي، إذا ما أردتُ شيئاً منه·
حينها دخل رجلٌ لم يكن يوحي أبداً أنّه سوف يطلب إبريق شاي ويمضي دون أن يشربَ منهُ، رامياً على الطاولة الساكنة بضعَة قروش معدنية·
رجلٌ آخر طلب أن يستخدمَ التلفون لمكالمةٍ طارئةٍ سوف يدفع أجرها، لكنّ صاحب المطعم اعتذرَ بقوله: تلفوني خاص، خرج الرجل مبتسماً، بينما شردتُ بين كلمة خاص وفعل البسمة·
Page 3
طاولةٌ أخرى يشغلها رجلٌ يدخّنُ بشراهةٍ محدّقاً إلى زوجهِ دون أيّ تعبير على سحنته، والتي ما انفكّتْ تتسلّط على ابنتها التي لم تكن ترغب في تناول الطعام·
الطاولات الأخرى وُضِعَ فوقها بطاقات هرمية كُتِبَ عليها بخطٍّ مهزوزٍ كلمة محجوزة
عندما كان الشاب الوسيم يضحك مع فتاته مُستعرضاً أمجادهُ السرابية، كان النادل ناجي يحاول أن يأخذَ طلباتهم بسرعةٍ لينصرفَ، لكن الوسيم لم يكن على عجلٍ·
***
كان يبدو لي من نافذةِ المطعمِ الوحيدةِ أنّ العالم جميعاً قد غادروا منازلهم، وفرغوا من أشغالهم وجاءوا بمصادفة، وأقاموا بالرصيف المجاور للنافذة··
كانت وجوهاً بائسةً، لم تكن تختلفُ عن وجوه مَنْ في المطعم·
ساعة مرّتْ ···
التي تبدو أنّها أرملةٌ لم تزل تبدو أنّها أرملة·
العاشق لم يزل عاشقاً إلا أنّه كفّ عن الثرثرةِ قليلاً حينما دهمهُ الطعام·
المدخّنُ مازال يدخّنُ جاحظاً إلى زوجه التي ما برحتْ تتأفَّف بوجه الصغيرة·
القشرة لم تزل تشتّتُ أفكاري، وأنا مازلتُ أتحسّسُ قلقاً يعربدُ فيّ أو في المطعمِ الباردِ، الذي لا نحبّ أنْ نأتي إليه لكنّنا نجدُ أنفسنا بين أحضانه كلّما خرجنا·
النادل ناجي يرقبُ ساعةً مُعلّقةً فوق الباب المؤدّي للمطبخِ· بَدَتْ مُتأخّرةً عن ساعتي بفارق ساعة، لم أتيقّن أيّ الساعتين أقرب للصواب·· أو كلانا على خطأ؟!
النادل الآخرُ مازال بجوار التلفون يتصيّد أيّ نظرة إليه·
صاحب المطعم يبدو هادئاً وادعاً، كأثاثٍ قديمٍ·
***
رنّ التلفون دون مفاجأة، كأنّ جميع مَن في المطعم على علمٍ سابقٍ برنينه، رغم ذلك ارتبكتْ طاولة العائلة وارتبكنا جميعاً، حتّى إنّي نسيتُ إزعاج القشرة فوق رأسي تأْكلهُ كأنّما هي عتٌّ، من رنين التلفون الذي كان مزعجاً· لم يرفع السمّاعة أحدٌ بل نظرنا جميعاً إلى النادل ناجي، كأنّنا لم نسمع رنينه مساء أمس أو المساءات الماضيات·
تأخّر النادل ناجي، لمحتُ المدينةَ من النافذةِ تهرُبُ·· أو أنّها تفعل شيئاً كهذا·
تذكّرنا أنّ رنينَ التلفون محضُ جرسٍ يُشيرُ إلينا بانتهاء اليوم، فوقفنا الواحد بعد الآخر وبحزنٍ باردٍ ومُعتادٍ، سلّمنا عليه وتصافحنا بصمتٍ، كأنّما اكتشفنا جميعاً أنّنا باقون هاهنا حتّى الأبد، وأنّنا غداً نمارسُ ما كنّا اليومَ عليهِ·
***
أغلقَ النادلُ ناجي بابَ المطعمِ علينا ثمّ رفعَ اللوحةَ التي كنتُ أظنّها النافذة، وأطفأ الأضواء ونامَ ونمنا·
***
طرابلس، لبنان
10 أيلول 1996
Page 4
دَهْشَةُ التُّفَّاح
أخذتهُ الدهشةُ حينَ شاهدَ تفّاحةً تسقط عن غصنها في الشجرة· وقف طويلاً قبلَ أنْ يدنو إليها· لم تكن فجّةً ولا ثقلتْ أردافها على أمّها، وما تيبّس غصنها حتّى انكسرَ، فقط هوتْ دون أسباب·
هل شاهدتُ تفّاحة تسقط عن شجرةٍ قبل هذا اليوم؟
تحيّر كيفَ بلغَ الخمسينَ دون أنْ يُصادف أو يسعى لمشاهدةِ تُفّاحة تسقطُ عن غُصنٍ!!
***
سكنَ لسنواتٍ عديدةٍ في بيتٍ مُحاطٍ بِبِضْعِ أَشْجارِ تُفَّاحٍ، لكنّه لم يشهد يوماً سقوطها· كان يمشي بِمُحاذاتها وهي ملقاةٌ تحت أشجارها· كم مرّة كان ينحني ليرفعها عن الأرض، يُقلّبها بين الوجه الذي وقعَ على التُّرابِ والآخر الذي يُحدّق في السماء، يمسحها سريعاً قبل أن يقضمها، لكنّه لم يتساءل مرّة كيف سقطت؟! أو كيف يكون سقوطها؟!
لامَ نفسه· كيف لم يتأمّل أو يراقب سقوط التفّاحات· هل ثمّة متعة تضاهي رؤية تفّاحة تسقط عن غصن من على شجرة؟!
سوّلت له نفسه حسرةً أنّه مُنِيَ بخسارةٍ كبيرة لكنّ الدهشة قد أخذته أخيراً، وهيهات أنْ تتركه بعد اليوم· حدس في نفسه أملاً كهذا·
***
في تلكَ اللحظةِ، حينَ أبصرَ التُّفَّاحَةَ تَنْفَصِلُ عَنِ الغُصنِ، عُرضَتْ أمامَ عينيهِ صُورٌ شَتّى فأبصرَ مِن الدَّهشاتِ ما يَمْسحُ المآسي، ويأسرُ المرء في زُهدٍ مُشرقٍ· أَسَرَتْهُ لحظةُ الدَّهشةِ، لحظةُ السقُوطِ· أدخلتْهُ في فتنةٍ حلاجيّة (ü): فلا هُوَ يَقْوَى على حَمْلِ الدَّهْشةِ مِنْ ثُقلِ السَّعادةِ، ويَخْشَى إنْ فارقتْهُ أنْ لا يَقْوَى على الحياةِ دُونها هو الذي لا يبوحُ لأحدٍ بمآسيه، ويظلّ طيلة النَّهارِ مبتسماً صابراً·
Page 5
هل يعرف الناس أنَّ رؤية سقوط تفَّاحةٍ تُحدث دهشة للعينِ؟ وتبدّلا للرُّوحِ، للقناعات، للسلوكِ، من حالٍ إلى حالٍ؟ دهشةٌ في العين تجعلها تُبصِرُ أشياء مرّت ولم تعرها النفس ضرورة·
باحَ نيوتن بالسرِّ الذي أوحى له بقانونِ الجاذبيةِ· قالَ ببساطة إنَّه كان جالساً تحت شجرة ورأى سقوط تفَّاحةٍ فأصيبَ بالدَّهشةِ، وأصيب العالم بِهَا أيضاً وتبدّل كليّاً، نيوتن والعالم، لكنَّ الناس لا يلتفتون عادةً لما يجلب السعادة لهم·
***
كان أبي يحبُّ شجرَ التفّاحِ· لم يكُن فلاحاً لكنَّه زرعَ العديد منها بيديه ورعاها سقاية ودراية سنين عدداً· كانَ يقضي ساعات طويلة يتأمَّلُ· لم أسأله يوماً هل كان يتأمّلها أو كان يتأمّلُ عندها؟
اهتزّ جسده هزة طفيفة، هوت دمعتان من عينه اليُسرى، والأخرى احتشدَ فيها الماء·
***
سألَ كثيراً في طفولتهِ عن سبب العظمة البارزة في عنقِ أبيه وبقيّة الرجالِ· إنّها تُفّاحةُ آدمَ، القضمةُ التي عَلِقَتْ ندماً، قالوا له، وقالوا أيضاً: حينما تكْبرُ ويشتدُّ عودكَ لسوف تبرز تُفّاحةُ آدم في عنقك·
قَضْمَةُ الحُبِّ، هي تلك العالقةُ في حلقِ الذَّكَرِ، وإذْ تبرزُ خارجاً تكونُ الأنثى قد غدت هاجسهُ وحياتهُ كُلّها·
حينَما اشتعلَ الجسم الطريّ لأوّل مرّةٍ لاحظَ أنّ عنقه قد غدتَ آدميّة، لكنّه نَسيَ التُفَّاح تماماً، كَانَ في دوّامة الحُلمِ والرُّشدِ·
***
ذَكَّرتْهُ الدهشةُ بأشياء كثيرة· رَكلَ نيوتن من ذاكرته: لا أُحبُّ الفيزياء تَذكَّرَ نظّارةً ذاتَ زُجاجٍ غَليظٍ على وجه مُعلّم الفيزياء ذي الوجهِ الضُّفْدَعِي، الذي باعَهُ أَسْئلة الامتحاناتِ النّهائيةِ لسنتينِ مُتَعاقبتين·
Page 6
سقطَ فُنجان قهوةٍ مِنْ بين يديهِ، بعدَ رشفةٍ واحدةٍ، على أرض صالة الجلوس بينما كان يزورُ أقرباءه· دُلقَ البُنُّ السَّائل على البلاطات، طالت بضعَ رشقاتٍ طرفَ بَنْطَلُونِهِ الجينـز· حينما قالت قريبته صاحبة البيت: ولا يهمك، دلقُ القهوة خيرُ، شردت نظرات ابنـتها فيه، تغيّرت أيضاً·
كانت رائحةُ القهوةِ المهدورة والرسومات البُّنيّة على البلاطات المُربَّعة الصغيرةِ قد حرّضتهم للكلامِ عن البَصَّاراتِ وقارئاتِ الفناجينِ والطينِ، والمستقبل·
السّنُّ التي سَقَطتْ وهو بينَ زُملائه في المدرسة، عادت لتسقطَ ثانيةً بعد أنْ رماها عالياً من نافذةِ البيت بتصويبَةٍ عشوائية لعينين مُغْمَضَتينِ أو مَزْمُومَتينِ أمام عينِ الشَّمسِ، ظهيرة ذلك النَّهار الذي ولدتْ فيه امرأته في مكانٍ آخر من هذا العالم:
بالله يا شمسُ ليست هذه الصغيرة سِنّ حِمَارٍ، ولستُ أريدُ سِنّ غَزَالٍ· بالله يا شمسُ أعيدي إليّ سِنِّي التي سقطتْ
***
قدحُ الكريستَالِ الذي سقطَ فِي بَهْوِ الفُندق ذي النجماتِ الخمسِ أحدثَ رعشةً في أثاثِ البَهْوِ· تغيّرتِ الوجوه التي كانت تتصفّحُ الجرائد أو الغارقة في أحاديث جانبيّةٍ أو المنتظرة أو هكذا مجرّد وجوه· لم يكن أحد يملكُ من السَّكينةِ ما يُسَاعدهُ على سماعِ دَوِيِّ سقوط قدحٍ في بَهْوٍ دون أنْ ينخطفَ وجهه مِن دَوِيِّ ارتطامِ الكريستالِ على الرُّخامِ·
***
سقطتْ··
الورقةُ التي دَوَّنَ عليها لتوِّهِ رقمَ تلفون الفتاةِ التي قابلها في تقاطعِ شارعٍ، التي لم يعرف اسمها· مضى باتّجاهٍ، ومضتْ بآخر· سُرعان ما ركضَ عائداً: إنّها لي، واللهِ لنْ أتركها عادت هي الأخرى مسرعة إلى التَّقَاطُعِ ذاتِه·
*أحْبَبْتُكِ·
* اكتُبْ بسرعةٍ رقمَ تلفوني، أنا على عجلٍ الآنَ، لكنّي عدتُ لأني شعرتُ بأنّكَ لي
Page 7
حمامةٌ تهوي سريعاً تاركةً سربها، ترتطمُ بزجاجِ سيّارة تَكْسِي· كان عندها وحينها قد خرجَ من بيته بعد أن فقدَ أيّ أملٍ بأنْ يجدَ المدينة التي ضيَّعها· فتّشَ كلّ بيتهِ، قلَبَهُ رأساً على عقبٍ، لم يجدْ لها أثراً· كانا يتشاجران كثيراً، هو والمدينة، هدّدها طويلاً بالهجرانِ، لكنّها هجرتهُ قبله على حينِ غرّة، كانَ يظنّ أنّه وحدهُ القادر على الهجرةِ·
***
عامودُ إضاءةٍ يسقطُ فوقَ ازدحامٍ مروريٍّ كثيفٍ· شرطيُّ السّيرِ المسند ظهرهُ إلى عامودِ إشارةِ المرورِ حدّق مليّاً في السيّارات المتضرّرة، غادرَ بهدوءٍ تامٍّ، تاركاً من ورائه فوضى هادئة·
رأسٌ يسقطُ عن جسدٍ· تجمّعتْ عيونٌ كثيرةٌ في السَّاحةِ، وأخرى في نوافذ البنايات المجاورةِ· أحدهم أخرج مِنظاراً روسياً كان قد اشتراهُ بِغرض مُشاهدة سقوطِ رأسٍ من على جسدٍ: اشتريتُه لأجل أنْ أرى جيّداً لحظةَ سقُوطِ الرَّأسِ
طائراتٌ تقصفُ بناياتٍ سكنيّةٍ بشكلٍ يوميٍّ· فضلات وأكياس ورقيّة ومناديل متّسخة تُقذفُ من نوافذ السيّارات على الطرقاتِ· أعقاب سجائر مشتعلة تسقطُ من شرفاتٍ ليليّةٍ، تُشبهُ رحلتها من الطوابق العُليا صاروخاً يمنحُ القتلى الديمقراطية والحرية·
دلقُ القهوةِ خيرٌ
تُردِّدها الأرملةُ المديونةُ كلّما سقطَ أمامها فنجان قهوة، الأرملةُ التي تكتمُ كلّ غيظها ومشاكلها في قلبٍ مريض·
***
دنَا من التُفَّاحةِ· كانتِ الشجرة ثكلى، فقدتْ جميع تفّاحاتها· وقبل أنْ يحدّق في باقي الأشجارِ، وقفَ المزارعُ عنده: لقدْ شاهدتْ أيُّهَا المدهُوش سقوطَ آخر تُفّاحةٍ في هذا الحقلِ
آنَ أوانُ الهجرةِ إِذًا:
قَالاها سويّة المدهوشُ والمزارعُ، بينما كانتْ يدهُ تقبضُ على التُّفَّاحَةِ وعينهُ تَتأمّلُ شَجَر التفَّاحِ المَكْلُومِ·
***
جدّة،
30- آب 2006
Page 8
المُطْمَئِنّ
الطريقُ مِن داري إلى عملي في المدينةِ تمرُّ بِشاطِئٍ تَتوزّع على رصيفيه مقاعد خشبيّة وأعمدةُ ضوءٍ أبيضَ، كان مطرّزًا بزرقةِ البحر، يلتفّ حوله طيفٌ دائريٌّ تطوف حوله حشرات بنظامٍ فوضوي·
منْذُ عقدٍ من السنواتِ غادرتُ المدينةَ المكتظّة بالحديدِ المتحرِّكِ، العابسةَ بوجهِ أهلها المُسْتَكِيْنِينَ خوفاً من الحديدِ الذي لا يعرفُ المزاح·
وحيداً بِهَذهِ الدَّار، لَمْ ألمح سِوَاي·
***
وجدتُ حَالِيَ أتتَبَّعُ آثاراً على رملِ الشَّاطِئِ، رُبَّما كنتُ ألهو، أو اختصر المسافةَ، أحرّف الوحدةَ عن معانيها، غير أنّي لم أكن في ضجرٍ، لم أكن أفتّشُ عَنْ ضَالَّةٍ، لم أكن حبيسَ تيهٍ يُقْلِقُهُ الوصولُ إلى نَجَاةٍ·
كنتُ وحدي· كانَ حذائيَ مَعِي، وجبينِيَ الذي قدْ جعلته الرطوبة مثل خبزِ مندّى، وخيال لم يستو بعد، غير أنّيَ كنتُ مطمئنّاً·
أليفةٌ هذه الطريق لقدميَّ·
أرى أثراً خائفاً· خيّلَ إليّ أنّه لقدمين قد وطئت جسدَ مُغَنٍّ فقير، كان يغنّي في المدينةِ الكئيبةِ التي يُرْعبهَا الغِنَاءُ· كان يغنّي عن مدنٍ صغيرة بين أزقّتها ألفة، عن مدنٍ تحبّ سكّانها والأغنيات·
آثارٌ أخرى لبيادق في شجارٍ تدافع فيما بينها عن فكرة الحرية· أرى صخرتين رماديَّتَين تذويان كلّما هبّتْ نسمةٌ لطيفةٌ ثمّ تقوما بعافيةٍ وتثبتا·
يأتي الواطئ ويكلّم الموج:
ماذ لو أن الأدوار تغيّرت بيني وبين المغنّي؟
كان البحرُ يتنفّس والليلُ وداري· توقّفتِ البيادقُ عن لَغَطِها حين رأتْهُ ثمَّ توارتْ ريبةً خلفَ الصخرتينِ· صادف أنّها اسْتَرَقَتِ السّمع للذي قالهُ الموجُ، لكنَّ الموجَ لم يقل شيئاً بنهضتهِ إنَّما بركَ فوقَ الماءِ وتقيّأ زبداً على الرَّملِ·
الطريقُ مِن داري إلى عملي في المدينةِ تمرُّ بِشاطِئٍ تَتوزّع على رصيفيه مقاعد خشبيّة وأعمدةُ ضوءٍ أبيضَ، كان مطرّزًا بزرقةِ البحر، يلتفّ حوله طيفٌ دائريٌّ تطوف حوله حشرات بنظامٍ فوضوي·
منْذُ عقدٍ من السنواتِ غادرتُ المدينةَ المكتظّة بالحديدِ المتحرِّكِ، العابسةَ بوجهِ أهلها المُسْتَكِيْنِينَ خوفاً من الحديدِ الذي لا يعرفُ المزاح·
وحيداً بِهَذهِ الدَّار، لَمْ ألمح سِوَاي·
***
وجدتُ حَالِيَ أتتَبَّعُ آثاراً على رملِ الشَّاطِئِ، رُبَّما كنتُ ألهو، أو اختصر المسافةَ، أحرّف الوحدةَ عن معانيها، غير أنّي لم أكن في ضجرٍ، لم أكن أفتّشُ عَنْ ضَالَّةٍ، لم أكن حبيسَ تيهٍ يُقْلِقُهُ الوصولُ إلى نَجَاةٍ·
كنتُ وحدي· كانَ حذائيَ مَعِي، وجبينِيَ الذي قدْ جعلته الرطوبة مثل خبزِ مندّى، وخيال لم يستو بعد، غير أنّيَ كنتُ مطمئنّاً·
أليفةٌ هذه الطريق لقدميَّ·
أرى أثراً خائفاً· خيّلَ إليّ أنّه لقدمين قد وطئت جسدَ مُغَنٍّ فقير، كان يغنّي في المدينةِ الكئيبةِ التي يُرْعبهَا الغِنَاءُ· كان يغنّي عن مدنٍ صغيرة بين أزقّتها ألفة، عن مدنٍ تحبّ سكّانها والأغنيات·
آثارٌ أخرى لبيادق في شجارٍ تدافع فيما بينها عن فكرة الحرية· أرى صخرتين رماديَّتَين تذويان كلّما هبّتْ نسمةٌ لطيفةٌ ثمّ تقوما بعافيةٍ وتثبتا·
يأتي الواطئ ويكلّم الموج:
ماذ لو أن الأدوار تغيّرت بيني وبين المغنّي؟
كان البحرُ يتنفّس والليلُ وداري· توقّفتِ البيادقُ عن لَغَطِها حين رأتْهُ ثمَّ توارتْ ريبةً خلفَ الصخرتينِ· صادف أنّها اسْتَرَقَتِ السّمع للذي قالهُ الموجُ، لكنَّ الموجَ لم يقل شيئاً بنهضتهِ إنَّما بركَ فوقَ الماءِ وتقيّأ زبداً على الرَّملِ·
Page 9
أخذَ الواطئُ حيرتَهُ وقعدَ على مقعدٍ خشبيٍّ، عيونهُ جاحظةٌ صوبَ الصخرتينِ، لكنَّ البيادقَ قدْ أحكمتْ مخبأها·
لَمَحْتُ أثراً لعاشقينِ اسْتَلْقَيَا هاهنا بعدما نبذتهما المدينةُ· المدينة التي لم تُبِحْ لهما جداراً أو سريراً· كان الفتى يُبَكِّرُ في القدومِ· ثمّة آثارٌ تفضحُهُ·
للفتى أنْ يَتخيّلَ ليلتَهَ كيفما شاءَ مع فتاتهِ التي سحرتْهُ مثلما سحرها أيضاً، حتّى لَمْ يعُدْ أحدٌ منهما يرى شيئاً في المدينةِ إلا عبر صاحبه·
كان الموجُ كسولاً·
كان الشاطئُ حريصاً·
***
رأيتُ نساءً متّشحات بأسمال بالية، أطفالاً عراة الصدر، رجالا لا حول لهم· كانوا يودّعون شيخاً مكسوراً بأغانٍ يملؤها الأمل· خرجتِ البيادق من جيوبِ الصخرتين حتّى اقتربت منهم وأومتْ إليّ·
كان زورقُهُ خَشباً بمجدافين ثقيلين· أُجبرَ غصباً أن يرحلَ وحيداً بلا حمولةٍ، أنْ يموتَ بلا رفيق· مضى الزورق يحملُ الشيخ المكسور وحيداً بلا حمولة، معه قنديل لتراه الظلماتُ وسعفةٌ من نخلةٍ زرعها أبوه يوم أنْ بشّرته القابلة بمولود سليم·
اختبأ الواطئُ خلف الصخرتينِ حين رأى المغنّيَ بين الناسِ· ضحكت البيادقُ منه· بينما الرمل يستفزّ الموجَ للنـزال لكنه آثرَ السكينة· لأمر ما يخاف الرملُ كلّما جنحَ الموجُ للسّلْمِ·
Page 10
امرأة لم تكن أثراً على الرمل بل في دمي، كلّما ابتعدتُ نادتْني إليها· وما إنْ أصل حتّى تستدير لِتُعْطِيَ لِلبحرِ وجهها· تشير لي بإحدى يديها أنْ أغيبَ· وإذا ما تَـمَسْمَرَت خلفها عاتبتْني إنَّ البحرَ لا يقوى على رؤية ضعيفين·
الدارُ مشوقةٌ أن تضمَّ ضعيفين بين النضج والاستواء ومغنّياً كان يغنّي عن مدنٍ لا تقتلُ أبناءها، وقوماً ودّعوا شيخهم مكسوراً ليموت وحيداً في البحر·
البيادقُ ملّت الممرَّات الخانقة فوق البلاط البارد· على عجلٍ يخرجون كلّ ضُحى ليلحقوا بالوصول قبل خطِّ الرقِّ· وفي آخر النَّهارِ يعودون منهكين، يفرُّ عنهم مِن عبئهم صغارهم· والإسفلت مكدّس بآثار آدميين شوّهتهم الوظيفة في المدينة الحديدية، يدبدبون، يشتهون سكينة·
هذا المدى ما زال صديقاً!·
امرأة ليست أثراً في الرمل بل في القلب، تنتظرُ، ثم تختفي زمناً· تلاحقني رائحتها كذكرى أبي· ثم تظهر على عتبات الدار معطّرة بالأعشاب، ترشح الدار بأدعيةٍ كانت تسمعها مِن أمّها كلّما خرجتْ من دارها مُشبَّعَةً بعافية الشمس وثقل الكتب·
لحقتْني البيادق حتّى استكانت على مقربة من داري· أوقفت لغوها الجدليّ حول نشأتها أو أيُّهم الأسبقُ الطابية أم الوزير أم الحصان؟
وصلتُ إلى داري وانتهى النهار، لم أجد أحداً·
وحيداً، كان حذائي معي، وخيال لم يستو على مهلٍ فاحترق، وجبيني الذي جعلته الرطوبة مثل خبز مندّى·
غيرَ أنّي ما زلتُ مطمئنّاً· وهذا المدى ما زال صديقاً····
وغداً أحاولُ مرّةً أُخرى، ما حاولته اليوم، وما حاولته البارحة·
ديسمبر 1996