بسم الله الرحمن الرحيم
شكر وعرفان
أحمد الله - تبارك وتعالى- حمداً طيباً كثيراً كما يحب ويرضى، وأشكره كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، فهو سبحانه ولي كل نعمة، وبتوفيقه تتم الصالحات، فاللهم لك الحمد على كثرة إنعامك، وتوالي فضلك ومننك علىّ حتى أتممت هذا العمل، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ثم امتثالاً لتوجيه نبينا الكريم عليه أزكى الصلاة والتسليم كما جاء في الحديث النبوي الشريف: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، أرى من الواجب علىّ أن أسجل جزيل شكري وخالص دعائي لمشايخنا الأكارم الذين نهلنا من علمهم وتتلمذنا على أيديهم، وأخص بالذكر منهم شيخي الفاضل/ حاتم بن علي كامل الشوبكي "أبو إبراهيم" حفظه الله ورعاه، فقد كان يحثني دائماً على إنجاز هذا العمل المبارك بإذن الله تعالى، سائلاً الله له ولكل مشايخنا طول العمر وحسن العمل وأن يجمعنا ربنا في الفردوس الأعلى من الجنة على سرر متقابلين لربنا ناظرين لمحمد مجاورين، اللهم آمين.
مقدمة
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا اللهم علماً, اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم آمين، ثم أما بعد؛
الصلاة هي قرة عُيون المحبين، ولذة أرواح الموحدين، وبستان العابدين، ولذة نفوس الخاشعين، ومحك أحوال الصادقين، وميزان أحوال السالكين، وهي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين.
ولما كان الإنسان بطبيعته يميل إلى الشهوات هيأ الله له مأدبة يجد فيها ما يطيب له، ففيها النور والقوة في القلب والجوارح، والسعة في الرزق، والقبول في الأرض، تفرح بها الملائكة، وتحوز فيها على رحمة الله تعالى ورضوانه، فكأن الصلاة للمؤمن في ظل هموم الدنيا وشهواتها كمطر يروي أرض جدباء قحطاء، فينبت منها زهراً وورداً وإيماناً ويقيناً.
إن الأحكام الفقهية للصلاة متشعبة ومعظمها مختلف فيه بين العلماء، ونظراً لأهمية فهم أحكام الصلاة من قبل كل مسلم ومسلمة وجدنا من الضرورة إعداد مادة سهلة مبسطة لتكون دليلاً لعامة المسلمين ومفتاحاً لطلبة العلم الشرعي المبتدئين، وليعم الخير بإذن الله تبارك وتعالى.
وسنستعرض في هذا الدليل أهم المسائل الفقهية من غير تفصيل ومن غير تطرق إلى كل الأدلة التي استند إليها الفقهاء، وعلى طلبة العلم ومن أحب الاستزادة أن يرجع إلى الكتب الفقهية المتخصصة، سائلاً الله الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعله هذا العمل المتواضع في ميزان حسناتنا وحسنات مشايخنا، وأن يكون علماً يُنتفع به بإذن الله تعالى.
وسنتولى تقسيم أحكام فقه الصلاة التي سنبينها في هذا الدليل إلى عدة دروس على النحو التالي:
الدرس الأول: فضل الصلاة ووجوبها.
الدرس الثاني: مواقيت الصلاة.
الدرس الثالث: قضاء الفوائت.
الدرس الرابع: الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
الدرس الخامس: شروط صحة الصلاة.
الدرس السادس: صفة الصلاة الصحيحة.
الدرس السابع: مكروهات الصلاة ومبطلاتها.
الدرس الثامن: السنن الرواتب وصلاة الوتر.
الدرس التاسع: سجود السهو والتلاوة والشكر.
الدرس العاشر: الصلوات المسنونة (صلاة الضحى، صلاة الاستخارة، صلاة الحاجة، صلاة التسابيح، صلاة الكسوف والخسوف، صلاة العيدين، صلاة الاستسقاء).
الدرس الحادي عشر: صلاة الجنازة.
الدرس الأول
فضل الصلاة ووجوبها
تعريفها: الصلاة هي عبادة ذات أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.
فضلها: الصلاة هي آكد ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، فقد قال لمعاذ بن جبل : " أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ فقال معاذ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامُ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذروَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
وقد جاء في فضلها أحاديث كثيرة، نذكر منها حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله يقول: " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا ". (متفق عليه) وعنه أن رسول الله قال: " الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَالْجُمُعَةَ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنُّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ ". (رواه مسلم)
وعنه قال: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ يقول: " إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاتُهُ، فَإِذَا صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئاً، قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِك". (رواه الترمذي وقال حديث حسن)
وإنه لمن الأهمية بمكان أن نشير في هذا الموضع إلى فضل الصلاة في جماعة في المسجد، فعن ابن عمر أن رسول الله قَالَ: " صَلاَةُ الْجَمَاعَة أفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً". (متفق عليه)
وقد ذم النبي في حديث خطير من لا يشهد الصلاة من الرجال في المسجد، فعن أبي هريرة : أنَّ رَسُول اللهِ ، قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤذَّنَ لهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهمْ ". (متفق عليه)
وعن أبي هريرة قَالَ: أَتَى النبيَّ رَجُلٌ أعْمَى، فقَالَ : يا رَسُولَ اللهِ، لَيسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ أنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَّمَا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ: فَأجِبْ. (رواه مُسلِم)
وجوبها: تجب الصلاة على المسلم البالغ العاقل، لحديث عائشة عن النبي ، قَالَ: " رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ". (رواه أحمد)
وإن كانت صلاة الصبي غير واجبة عليه، إلا أنه ينبغي لوليه أن يعلمه الصلاة ويأمره بها إذا بلغ سبع سنين، ويضربه على تركها إذا بلغ عشر سنين؛ حتى يتمرن على الصلاة ويلتزم بها بعد البلوغ، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله : " مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ " (رواه أحمد وأبو داود).
ووجوب الصلاة وفرضيتها أمر معلوم بالكتاب والسنة والإجماع، فقد قال تعالى: " وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ " [البقرة:43] ، وقال أيضاً: " حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ". [البقرة:238]
وعن طَلْحَةَ بن عبيد الله ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسولِ الله مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأس نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ، وَلاَ نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رسولِ الله ، فَإذا هُوَ يَسألُ عَنِ الإسْلاَم ، فَقَالَ رسول الله : (خَمْسُ صَلَواتٍ في اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ ؟ قَالَ: (لا، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ)، فَقَالَ رسولُ الله : (وَصِيامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟ قَالَ: (لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّعَ)، قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رسول الله الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: (لاَ، إِلاَّ أنْ تَطَّوَّع)، فَأدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لاَ أُزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رسول الله : (أفْلَحَ إنْ صَدَقَ). (متفقٌ عَلَيْهِ)
حكم تركها: الصلاة فريضة من فرائض الإسلام، ولا يجوز لمسلم أن يقصر أو يفرط فيها، فقد قال تعالى: " فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ " [الماعون:4،5] ، ومعنى الويل في هذه الآية العذاب الشديد، وقيل: إنه واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم نسأل الله العافية.
وقال تعالى أيضاً: " فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " [مريم:59] ، وتفسير غياً في هذه الآية خساراً ودماراً وعاقبة سيئة، وقال بعض المفسرين (غياً): يعني واد في جهنم خبيثاً طعمه بعيداً قعره، نسأل الله العافية.
ومن الجدير بالذكر أن الوعيد الشديد في الآيتين السابقتين محمول على من ترك الصلاة بالكلية كما قاله ابن عباس، وعلى من أخرجها عن الوقت المقدر لها شرعاً كما قاله مسروق وأبو الضحى.
ومن ترك الصلاة جحوداً وإنكاراً فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين، يستتاب وإلا يقتل لردته.
أما من تركها عمداً وتكاسلاً من غير عذر، فقد اختلف الفقهاء في شأنه، منهم من قال أنه فاسق عاصٍ مرتكب لكبيرة وليس بكافر، ومنهم من قال أنه كافر خارج عن ملة الإسلام، مستدلين بحديث جابر بن عبد الله حيث قال: سمعت رسول الله : " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر، ترك الصلاة " (رواه مسلم) ، وحديث بريدة بن الحصيب حيث قال: قال رسول الله : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح)
الدرس الثاني
مواقيت الصلاة
الصلوات المفروضة خمس في اليوم والليلة، ولها أوقات محددة لابد أن تؤدى فيها، لقوله تعالى: " إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتاً ". [النساء:103]
وقد بين لنا النبي فضل الصلاة في أول وقتها، فعن ابن مسعود ، قال: سألت رَسُول اللهِ أيُّ الأعْمَالِ أفْضَلُ؟ قَالَ: (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) قلتُ: ثُمَّ أيٌّ ؟ قَالَ: (بِرُّ الوَالِدَيْنِ) قلتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: (الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ) (متفقٌ عَلَيهِ) ، قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: (قال ابن بطال: فيه أن البدار إلى الصلاة في أول وقتها أفضل من التراخي فيه).
ولا أريد أن أفصل كثيراً في مواقيت الصلاة من حيث ربطها بالشمس من حيث طلوعها وزوالها وغيابها ... الخ، وإنما أقول وبكل بساطة أن وقت الظهر من أذان الظهر حتى أذان العصر، ووقت العصر من أذان العصر حتى أذان المغرب، ووقت المغرب من أذان المغرب حتى أذان العشاء، أما وقت صلاة العشاء فهو من أذان العشاء حتى منتصف الليل على القول الراجح، ووقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الصادق (الأذان الثاني) حتى طلوع الشمس.
ولابد من الإشارة هنا إلى عدة أمور، وهي:
1- يستحب تعجيل صلاة العصر، فيكره تأخيرها إلى ما بعد اصفرار الشمس إذا كان لغير عذر، فعن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله يقول: " تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ، فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً ". (رواه مسلم)
ويؤكد على أهمية تعجيل صلاة العصر والمحافظة عليها أن الله أمرنا مرتين بالمحافظة عليها في الآية الكريمة، قال تعالى: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" [البقرة:238]، فذكرها مرة بالعموم عندما قال: (حافظوا على الصلوات) وخصها ثانية عندما قال: (والصلاة الوسطى) أي صلاة العصر.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : (الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وُتِرَ أهله وماله" (متفق عليه)، أي فقد أهله وماله.
وعن بريدة قال: قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله ". (رواه البخاري)
2- آخر وقت صلاة العشاء منتصف الليل على القول الراجح، كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله : " وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط ". (رواه مسلم)
فإذا انتصف الليل انتهى وقت العشاء، لكن يبقى وقت الضرورة فإذا صلى المسلم بعد نصف الليل تكون في الوقت، لكن مع الإثم إذا أخرها عامداً، أما إذا كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه، ووقت الضرورة يمتد إلى طلوع الفجر واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز رحمه الله تعالى.
ومن أهل العلم من رأى أن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل, وأنها بعد ذلك تكون قضاء، وقد ذهب إليه بعض الشافعية، واختاره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
3- قولاً واحداً ينتهي وقت صلاة الفجر بطلوع الشمس، ومن صلاها بعد هذا الوقت بغير عذر فهو آثم مقصر.
مسألة: بم تدرك الصلاة في الوقت؟
في المسألة قولان:
القول الأول: تدرك الصلاة بإدراك تكبيرة الإحرام في الوقت، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور عند أحمد وقال به جماعة من الشافعية.
القول الثاني: تدرك الصلاة بإدراك ركعة كاملة في الوقت، وهو مذهب مالك ورواية عند أحمد وبعض الشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن باز وابن عثيمين، فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ". (رواه البخاري ومسلم)
وعليه لو أن مصلياً كبر لصلاة الظهر وبعد أن انتهى من الركعة الأولى إذ بالمؤذن يؤذن لصلاة العصر فإنه يعد قد أدرك صلاة الظهر في ميقاتها.
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين: هل تدرك صلاة الجماعة بإدراك التشهد الأخير، أم بإدراك ركعة كاملة، وهل الأفضل لمن لم يدرك إلا التشهد الأخير مع الإمام أن يدخل معه أم ينتظر، ولو أنه دخل مُصلٍّ مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة أخرى، فهل يجوز له قطع صلاته أو قلبها نفلاً والدخول مع الجماعة الأخيرة؟
فأجاب فضيلته بقوله: " الصواب أن جميع إدراكات الصلاة لا تكون إلا بركعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، فصلاة الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة، ولكن إدراك ما دون ركعة خير بعدم الإدراك بالكلية، وعلى هذا فإذا أتى والإمام في التشهد الأخير فالأولى الدخول معه ما لم يعرف أنه يدرك جماعة أخرى، فإن عرف ذلك لم يدخل مع الإمام وصلى مع الجماعة الأخرى سواءً كانت جماعة في مسجد آخر أو في المسجد الذي أدرك فيه إمامه في التشهد الأخير. وإذا دخل مع الإمام في التشهد الأخير ثم حضرت جماعة فله قطع الصلاة ليدرك صلاة الجماعة من أولها في الجماعة الأخرى، وله أن يكمل صلاته وحده ".
مسألة: ما حكم من أدرك جزءاً من الوقت ثم جاءه عذر (كالجنون أو الإغماء أو الحيض ونحو ذلك)، فمثلاً إذا حاضت امرأة بعد أذان العصر بربع ساعة قبل أن تصلي العصر، هل يلزمها قضاء العصر بعد أن تطهر؟
في المسألة قولان:
القول الأول: يلزمها القضاء، فتقضي تلك الصلاة التي وجبت عليها، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فقد ثبتت صلاة العصر في حقها ولزمها أن تقضيها، ما دام قد دخل وقتها وهي طاهرة بمقدار الركعة.
القول الثاني: لا يلزمها القضاء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه قد طرأ عليها العذر في وقت يجوز لها تأخير الصلاة إليه، وهي غير مفرطة ولا معتدية، ولأنه لم ينقل أن النبي أمر امرأة بقضاء صلاة حاضت في وقتها.
وعليه إذا لم تقض لا شيء عليها وإن كان الأحوط أن تقضي، كما قال ابن عثيمين: "والاحتياط لها أن تقضيها لأنها صلاة واحدة لا مشقة في قضائها".
مسألة: ما حكم من صار أهلاً للصلاة قبل خروج وقتها، فمثلاً إذا طهرت المرأة الحائض مثلاً قبيل المغرب بقليل (أي في وقت العصر)، ولما اغتسلت دخل وقت المغرب، فماذا عليها أن تقضي؟
عليها أن تقضي العصر قولاً واحداً، لكن في قضائها للظهر خلاف وفق الأقوال الثلاثة الآتية:
القول الأول: إذا طهرت قبل الغروب لزمها الظهر والعصر، وإن طهرت قبل الفجر لزمها المغرب والعشاء، وهو قول الجمهور (مالك، الشافعي، أحمد)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ورجحه ابن باز؛ لأن الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، يجمعان في حال العذر في وقت إحداهما، فإذا طهرت في آخر النهار فوقت الظهر باقٍ فتصليها قبل العصر، وإذا طهرت في آخر الليل فوقت المغرب باقٍ في حال العذر فتصليها قبل العشاء.
القول الثاني: إذا طهرت في وقت العصر لزمها العصر وليس عليها الظهر، وإذا طهرت قبل الفجر لزمها العشاء وليس عليها المغرب، وهو مذهب أبي حنيفة، ورجحه ابن عثيمين.
القول الثالث: إذا طهرت قبل الغروب بوقت يتسع للصلاتين صلت الظهر والعصر، وإن لم يتسع إلا لواحدة لزمها العصر فقط، وهو قول لمالك والأوزاعي.
الدرس الثالث
قضاء الفوائت
بعد حديثنا عن مواقيت الصلاة لابد أن نتحدث عن قضاء من فاتته الصلاة لعذر أو لغير عذر، فهل يقضي من أخر الصلاة لغير عذر، وهل يصح قضاؤه؟ ومن أخر الصلاة لعذر متى يقضي؟ وكيف يقضي من فاتته أكثر من صلاة؟ وكيف تقضى صلاة الجمعة؟
أولاً: مسألة قضاء من فاتته الصلاة بغير عذر
اتفق العلماء على أن من فوت الصلاة بغير عذر آثم وقد فعل ذنباً كبيراً وعليه أن يتوب إلى الله ، إلا أنهم اختلفوا في قضائه للصلاة على قولين:
القول الأول: يجب عليه قضاؤها، وهو مذهب جمهور العلماء من الأئمة الأربعة.
القول الثاني: لا يجب عليه قضاؤها، بل ولا تصح منه إن قضاها، وبه قال عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والعلامة الألباني وابن عثيمين رضى الله عنهم أجمعين.
وتجدر الإشارة إلى أن الحكم بعدم القضاء على من ترك الصلاة حتى خرج وقتها بغير عذر، ليس تخفيفاً عليه، وإنما هو في الحقيقة تنكيل به وسخط لفعله، فالإثم لا يسقط وإن صلاها مرات كثيرة بعد وقتها، إلا أنه يتوب إلى الله ويستغفره ويكثر من الطاعات، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
ثانياً: متى يقضي من فاتته الصلاة لنوم أو نسيان؟
من فاتته الصلاة لنومٍ أو نسيان فعليه أن يقضى متى تذكر ولا يؤخر الصلاة، وقد اشتهر بين عامة الناس أن من فاتته صلاة يقضيها في موعدها من اليوم التالي، وهذا لم نجد له أصلاً ولم نقف فيه على دليل، وهو مخالف لهدي النبي القولي والفعلي، وعليه من فاتته صلاة فإنه يقضيها بدون تأخير، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي نومهم عن الصلاة فقال: "إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" (رواه النسائي والترمذي) ، وعن أنس بن مالك أن النبي قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" (رواه البخاري ومسلم).
وقد اختلف العلماء في من نام عن الصلاة أو نسيها أيقضيها على الفور أم على التراخي، فذهب المالكية والحنابلة بأنه يقضيها وجوباً على الفور للأحاديث المذكورة أعلاه. في حين ذهب الحنفية والشافعية إلى استحباب القضاء على الفور وجواز التراخي في القضاء، إلا أنه لا يُقصد بالتراخي هنا تأخير الصلاة كثيراً أو تأخيرها لليوم التالي، وقد استدلوا بحديث عمران بن الحصين حيث قال: سرينا مع رسول الله فلما كان من آخر الليل عرّسنا فلم نستيقظ حتى أيقضنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشاً إلى طهوره قال: فأمرهم النبي أن يسكنوا، ثم ارتحلنا فسرنا حتى ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلالاً فإذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر. ثم أقام فصلينا، فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: "أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم" (رواه أحمد).
ثالثاً: هل يشترط الترتيب في قضاء الفوائت لمن فاتته أكثر من صلاة؟
الأصل فيمن فاتته أكثر من صلاة أن يصليهما على الترتيب فمن فاتته صلاتي الظهر والعصر ودخل وقت المغرب، فإنه يقضى الظهر ثم العصر ثم يصلي المغرب في وقتها، فعن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس, فجعل يسب كفار قريش, وقال: يا رسول الله, ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب, فقال النبي : "والله ما صليتها" فتوضأ وتوضأنا, فصلى العصر بعد ما غربت ثم صلى بعدها المغرب" (رواه البخاري ومسلم).
وروى النسائي وأحمد عن أبي سعيد قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوى من الليل كفينا, وذلك قول الله تعالى: "وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً"[الأحزاب:25]. قال: فدعا رسول الله بلالاً, فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها, ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام المغرب فصلاها كذلك، قال: وذلك قبل أن ينزل الله عز وجل في صلاة الخوف: "فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً" [البقرة:239].
وجمهور العلماء يرون الوجوب في ترتيب الفوائت على اختلاف بينهم في تفاصيل خلافاً للشافعية الذين يرون في ترتيب الفوائت الاستحباب لا الوجوب.
مسألة: دخل شخص المسجد فأقيمت الصلاة للعصر فتذكر أنه لم يصل الظهر ماذا يفعل؟
مسألة ترتيب الفوائت فيها سعة كما أسلفنا فالشافعية يرون في ترتيب الفوائت الاستحباب لا الوجوب، لكن لو أخذنا بقول الجمهور القائل بوجوب الترتيب فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة الظهر فيصلى الظهر مع المصلين الذي يصلون العصر، ولا يضر اختلاف نيته عن نية إمامه، ثم بعدها يصلي العصر.
مسألة: لو أخذنا بقول وجوب الترتيب في قضاء الفوائت فماذا يفعل من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة المغرب وقد فاتته صلاة العصر، وماذا يفعل من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب؟
من دخل المسجد وقد أقيمت صلاة المغرب وقد فاتته صلاة العصر، فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة العصر فيصلى العصر مع المصلين الذي يصلون المغرب، وعند سلام الإمام يتم ركعة بعد الإمام تتمة لصلاة العصر، ثم بعدها يصلي المغرب.
ومن دخل المسجد وقد أقيمت صلاة العشاء وقد فاتته صلاة المغرب، فإنه يدخل مع الإمام بنية صلاة المغرب فيصلى المغرب مع المصلين الذي يصلون العشاء، وأمامه خياران – كما بين الشيخ ابن عثيمين-:
1- عند قيام الإمام للركعة الرابعة يجلس ويقرأ التشهد وينتظر الإمام حتى يتم الصلاة ويسلم مع الامام وبعدها يصلي العشاء، وهذا ما يقول به الشيخ ابن باز. فقد سئل الشيخ ابن باز عن رجل دخل لصلاة العشاء والإمام في الركعة الثانية وتذكر أنه لم يصل المغرب، فأجابه: " المشروع لك وأمثالك إذا جئت والإمام في صلاة العشاء، وأنت لم تصلِ المغرب أن تدخل معهم بنية المغرب، ولا حرج في ذلك في أصح قولي العلماء، فإذا كان قد صلى واحدة نويت المغرب وصليت معهم الثلاث وتكفيك عن المغرب وتسلم معهم، وإن كنت جئتهم وهم في أول الصلاة دخلت معهم، وإذا فرغت من الركعة الثالثة جلست تنتظر الإمام حتى يسلم ثم تسلم معه، وتكفيك عن المغرب، ثم تصلي العشاء بعد ذلك وحدك إن لم يتيسر جماعة أخرى".
2- عندما يقوم الإمام للركعة الرابعة يجلس ويقرأ التشهد ويسلم، ومن ثم يدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء.
ومن الجدير بالذكر أنه يسقط الترتيب في قضاء الفوائت في عدة حالات، أهمها:
1- ضيق وقت الصلاة الحاضرة: لأن فرض الوقت آكد من فرض الترتيب، فمن تفوته صلاة الظهر لنوم فيستيقظ قبل أذان العصر بدقائق معدودة، يسقط عنه الترتيب؛ لأن الترتيب هنا بأن يصلي الظهر أولاً يخرج صلاة العصر عن وقتها، فيكون قد صلى الظهر والعصر خارج وقتهما، في حين أنه لو صلى العصر في موعدها ثم قضى الظهر لكان أفضل.
2- فوات ما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد كصلاة الجمعة: فلو دخل شخص إلى صلاة الجمعة وتذكر أنه لم يصل الفجر، فإنه يصل الجمعة وبعدها يقضي الفجر؛ لأن فوات صلاة الجمعة لا يمكن قضاؤه على حاله.
3- الجهل أو النسيان: فلو صلى الفوائت بغير ترتيب ناسياً أو جاهلاً لا شيء عليه، فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله قال: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (رواه ابن ماجه).
ملاحظة: ذهب الإمام أحمد في رواية اختارها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوات الجماعة، فمن فاتته صلاة الظهر مثلاً فخشي إن قضاها أن تفوته جماعة العصر، سقط عنه الترتيب، فيصلي مع الجماعة العصر، ثم يقضي الظهر بعدها.
والمسألة الأخيرة في قضاء الفوائت: كيف تقضى صلاة الجمعة ؟
صلاة الجمعة إذا فاتت لا تقضى جمعة وإنما تقضى ظهراً أربع ركعات. وقد سئل الشيخ ابن عثيمين عن ذلك، فأجاب: " إن صلاة الجمعة إذا فاتت لا تقضى وإنما يقضى بدلها، فإذا جاء المصلي بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً، فيدخل مع الإمام بنية الظهر، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام، وهذه يجهلها كثير من الناس، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة"، ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة، والجمعة تقضى ظهراً، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة، أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة ".
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في إدراك صلاة الجمعة: " ... الجمعة لا تدرك إلاَّ بركعة كما أفتى به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم: ابن عمر، وابن مسعود، وأنس وغيرهم، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، وقد حكى غير واحد أن ذلك إجماع الصحابة "، وهذا قول جمهور العلماء، ورجحه ابن عثيمين وابن باز رحم الله تعالى علماءنا أجمعين.
ومن الجدير بالذكر أن من ترك صلاة الجمعة بغير عذرٍ فقد ارتكب إثماً كبيراً وذنباً عظيماً، فقد قال النبي : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً بها طبع الله على قلبه" (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه). ورواية الدارمي لهذا الحديث من غير قيد الثلاثة: "من ترك الجمعة تهاوناً طبع الله على قلبه". وروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: " لينتهينَّ أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم ليكوننَّ من الغافلين". فليتق الله من وقع في هذا التفريط، وليسارع إلى التوبة، فإن الله يتوب على من تاب وعاد إليه وأناب.
الدرس الرابع
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها خمسة هي:
أولاً: من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
ثانياً: عند طلوعها حتى ترتفع قيد رمح أي يمضي بعد طلوعها ما يقارب ربع ساعة.
ثالثاً: عند قيامها في وسط السماء وقت الظهيرة أي قبيل زوالها حتى تزول، أي قبل أذان الظهر بعشر دقائق أو ربع ساعة، ويستثنى من ذلك التطوع يوم الجمعة.
رابعاً: من بعد صلاة العصر إلى شروع الشمس في الغروب.
خامساً: إذا شرعت الشمس في الغروب حتى يستكمل غروبها.
فهذه الأوقات منهي عن الصلاة فيها إلا صلوات ذات السبب كقضاء الفرائض، وكذلك الطواف بالبيت، والصلاة في المسجد الحرام، وتحية المسجد، وسنة الفجر لمن لم يصليها قبل الفريضة، وصلاة الكسوف أو الخسوف، وغيرها.
وقد ورد في تعليلُ النهي حديث، فعن ابن عبسة قال: قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن الصلاة، قال: "صلِّ صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حين تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجدُ لها الكفَّار، ثم صلِّ فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصِرْ عن الصلاة؛ فإنه حينئذٍ تسجر جهنَّم، فإذا أقبل الفيء، فصلِّ فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلِّي العصر، ثم أقصِرْ عن الصلاة حتى تغرُبَ الشمس؛ فإنها تغرُبُ بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفَّار" (رواه مسلم وأحمد).
وعن عقبة بن عامر قال: " ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نُقبِر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيَّف الشمس للغروب" (رواه مسلم).
قال ابنُ تيميّةَ -رحمه الله- في مَعْرِضِ بيانِ حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ رضي الله عنه: " صلاةُ الجنازةِ لا تُكْرَهُ في هذا الوقتِ بالإجماعِ، وإنّما معناه تعمُّدُ تأخيرِ الدّفنِ إلى هذه الأوقاتِ كما يُكْرَهُ تعمُّدُ تأخيرِ صلاةِ العصرِ إلى اصفرارِ الشّمسِ بلا عذرٍ، فأمّا إذا وقع الدّفنُ في هذه الأوقاتِ بلا تعمُّدٍ فلا يُكْرَه ".
مسألة: ما حكم الصلاة في مكة في أوقات النهي؟
ذهب الشافعية إلى أن الصلاة في مكة جائزة في كل الأوقات، حتى ولو كان الوقت منهيًّا عن الصلاة فيه. وذهب الإمام أحمد إلى أن الجائز في مكة في هذه الأوقات، هو ركعتا الطواف فقط دون ما عداهما، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم جواز ذلك؛ لعموم أحاديث النهي.