eKtab
EN ع
دموع الرياحين
Read free sample

دموع الرياحين

by دريد عودة

Page 1
المقدّمة

لن تكون مقدّمتي لرواية «دموع الرياحين» التي أضعها بين يديّ القرّاء عن أحداث الرواية نفسها. سأترك للقارئ أن يتنشّق عطر رياحين هذه القصة، ولو بعين دامعة. ففي رواية مثل «دموع الرياحين»، ستكون كمن يقطف الورود من بين الأشواك. وكلما أدمت يديك وقلبك، طاب لروحك عبق رياحينها: رواية «دموع الرياحين» تخاوي قرّةَ العين بدموعها، وخزائنَ النفس والروح برياحينها.

مقدّمتي ستكون حول الأسئلة التالية: هل من دور للأديب أو الروائي في صنع الذاكرة الجماعية (La mémoire collective) والوعي الجماعي (La conscience collective) لمجتمعه أو أبناء وطنه؟ هل لنا، نحن معشر الأدباء والكتّاب والروائيين والشعراء، مهمة تاريخية ما غير كتابة أنفسنا بين سطورنا؟ نتوارى حينًا، ونظهر أحيانًا، فيحلو للقارىء حينها أن يلعب معنا لعبة القط والفأرة أو لعبة الغمّيضة: يريد فعلًا أن يكشفنا متلبِّسين... سطورَنا.

سؤال آخر: هل الكتابة واجب الذاكرة فقط، ذاكرة الأمس، أم هي واجب المستقبل أيضًا؟ أعني واجب صياغة وعي يؤسس لذاكرة أخرى في المستقبل، مختلفة عمّا يمكن أن تكون، على اعتبار أن العالم وليد أفكارنا، وأحداثه بنات هذه الأفكار؛ على اعتبار أن العالم، بكل أحداثه، هو صيرورة عقولنا نحن البشر في التاريخ؛ على اعتبار أن ذاكرة الغد هي عمل اليوم.

وانطلاقًا من كل ما تقدَّم، هل يمكن أن نتكلم عن ضرورة أن يكون الأدباء الآباء الروحيين للأمم؟

أزعم أن على الأديب واجب المستقبل، انطلاقًا من واجب الذاكرة. وأزعم أن للأديب تلك المهمة أو الرسالة التاريخية التي أتكلم عنها: صياغة، أو الإسهام في صياغة، الذاكرة والوعي الجماعيين. وأزعم أكثر أن ما من عمل أدبي أو روائي عظيم إلّا وكان له هذا الدور التاريخي في التأسيس للاجتماع البشري، وفي حياكة مصير الشعوب وصيرورتها التاريخية.

تحضرني في هذه العُجالة رواية «البؤساء» لـ ڤيكتور هوغو كأعظم مثال على الدور التاريخي التأسيسي للأديب بصفته عبقري الأزمنة - Le génie des siècles - ومهندسها وكاتب شرعة صيرورتها وارتقائها: من دون رواية «البؤساء» وأمثالها من الأعمال التأسيسية العظيمة لَما كانت الثورة الفرنسية، أو أقلّه لَما حدثت كما حدثت.

هوغو، ورفاقه الرومنطيقيون، هم الآباء الروحيون للثورة الفرنسية، بل للأمة الفرنسية كما نعرفها اليوم.

وفي بلادنا يحضرني بالطبع روّاد النهضة: كانوا كتّابًا تاريخيين تأسيسيين. أكاد أزعم أن لولاهم لَما كانت هناك عروبة حضارية بل تتريك، أو أقلّه عروبة مُتَتَرِّكة مُعَثْمَنة مُتَعَثْمِنة... هم الآباء الروحيون لعروبة حضارية لم تولد بعد، لعروبة حضارية يجب أن تولد، وإلّا سنبقى لُقطاء التاريخ والأمم.

أسأل هنا: أين هم اليوم الكتّاب أو الأدباء التاريخيون التأسيسيون اللبنانيون والعرب للدور الحضاري المقبل، خصوصًا مع هذه الأزمة الوجودية العميقة التي تتخبط فيها المجتمعات العربية والتي هي أزمة حضارية بامتياز: كل أزماتنا، أزماتنا الدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الفردية، مرجعها الأزمة الحضارية في بلاد العرب: أزمة العقل.

بزعمي أن على الكتّاب أو الأدباء التاريخيين التأسيسيين، إن وُجِدوا، أن ينكبّوا على صياغة الذاكرة التاريخية الجماعية جنبًا إلى جنب مع صناعة الوعي الجماعي، أي أن تكون أعمالهم الأدبية القوة الرافعة أو الدافعة لتشكيل الكتلة التاريخية القادرة على إحداث «الثورة العربية الكبرى» المنشودة على غرار الثورة الفرنسية والثورة الأميركية وغيرهما: الوعي الثوري يجب أن يحضِّر للثورة؛ الثورة في عالم الفكر والوعي يجب أن تسبق الثورة في العالم؛ الثورة الثقافية يجب أن تصيغ بنفسها ثقافة الثورة؛ الثورة في أزقّة وزواريب وميادين رؤوسنا يجب أن تسبق ثورة الأزقّة والزواريب والطرقات والميادين. هذا بالضبط ما أسمّيه الدور التاريخي للأديب في صناعة الذاكرة والوعي الجماعيين، ذاكرة الشعب ووعيه... هذا ما أسمّيه بالضبط واجب المستقبل.

فعندما أتكلم عن الذاكرة التاريخية الجماعية، أقصد أن على الأدباء التأسيسيين أن يعيدوا كتابة تاريخنا الحضاري لا كأحداث بل كقيم؛ أي ألّا يكونوا تأريخيين أو تاريخانيين «تراثيين»، بل تاريخيين «حَداثيين» يعيدون كتابة التاريخ كحضارة وكقيم من أجل صياغة ذاكرة جماعية تاريخية تكون الركن الأساس في عملية خلق الوعي الجماعي، وبالتالي تشكيل الكتلة التاريخية الثورية الانقلابية الواعية... لا الكتلة الصمّاء العمياء التي أول ما تصمّ أذنها عن صوت العقل ونداء الوحدة، وأول ما تصوم ببصيرتها عن العقل نور الأنوار.
Page 2
أقول: الجماعات تصير شعوبًا وأممًا إذا قُدِّر أن تكون لها ذاكرة تاريخية واحدة ووجدان أو وعي جماعي واحد، وهذه مهمّة الأدباء التأسيسيين من بين آخرين بالطبع. ولا يمكن لعملية بناء الذاكرة التاريخية الجماعية أن تأتي أُكُلها في خلق الكتلة التاريخية الثورية الانقلابية، ما لم تترافق مع عملية جادّة واعية هادفة لخلق الوعي الجماعي. هذه مهمّة الأدباء التأسيسيين إذا ما أرادوا تنكُّب المسؤولية الثقافية والحضارية التاريخية لبناء الشعب وتحقيق نهضته وارتقائه.

أحب أن أختصر هكذا: الذاكرة التاريخية الواحدة تصنع الشعب والأمة، والوعي الجماعي يصنع ارتقاءهما.

الذاكرة التاريخية هي كالبحيرة التي تتجمّع فيها الأنهار، والوعي الجماعي هو كالحجر الذي تلقيه فيها؛ يحرّكها فيمنع ركودها وهمودها وتَحَوُّلها إلى مياه آسنة.

وأحب أن أختصر هكذا أيضًا: الأدباء العاديون يكتبون أنفسهم، سيرة حياتهم، بين سطورهم، فيما الأدباء التأسيسيون التاريخيون يكتبون المجتمع وسيرة حياته وشرعة تطوره الحضاري.

أقول أيضًا: تفقد الرواية مشروعيتها التاريخية وكذلك الأدبية ما لم تكن الإطار الذي فيه، ومن خلاله، يمكننا أن نعاين ونتفحّص القضايا السياسية والاجتماعية لهذا المجتمع أو ذاك، في هذا العصر أو ذاك.

المشروعية الأدبية التاريخية: الرواية التي هي بنت العصر هي ابنة كل عصر.

***
في روايتي السابقة «أبناء الحياة» انكببت، في محاولة أولى بالطبع، على إعادة صياغة الذاكرة التاريخية الجماعية للشعب اللبناني من خلال كتابة رواية تتناول تلك الحقبة الناصعة والمتألقة والمشعّة من تاريخنا المعاصر ألا وهي حقبة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

لم تكن الرواية تأريخًا للأحداث فحسب، بل تناولت تلك الحقبة من زاوية كتابة التاريخ القيمي والحضاري: فالتأريح «الحَدَثي» إذا جاز التعبير كان من خلال إبراز دور المقاومة العَمَلاني في تحرير الأرض، وهذا هو التاريخ الموضوعي. أمّا الجانب التأريخي الحضاري في الرواية فكان بتسليط الضوء على دور المقاومة ومشروعها في بناء الإنسان والمواطن من خلال مشروعها الوطني العلماني: المشروع كان تحرير الأرض والإنسان.

مهمّة «أبناء الحياة» تستحق العناء: هي محاولة صياغة ذاكرة تاريخية جماعية واحدة في وطن الخلافُ الأكبر فيه على التاريخ، ثم على الجغرافيا: كلٌّ يكتب التاريخ على ليلاه! لماذا؟ لتبرير سلطويته، لاستمداد شرعيته السياسية اليوم من شرعة تاريخ الأمس، لشحذ رمح سلطة الحاضر على حجر تاريخ مكتوب «على ليلاه»!

لكن لا يمكن لهذا أن يكون «حجر الفلاسفة والأدباء» الذي عليه تُشْحَذ حضارة الشعوب وشرعة ارتقائها.

وفي روايتي الجديدة اليوم «دموع الرياحين»، محاولة أولى على الخط الثاني: بناء الوعي الجماعي للشعب، لكنْ دائمًا من خلال إعادة كتابة التاريخ القيمي والحضاري للمجتمع؛ بناء وعي جماعي من خلال بناء الذاكرة التاريخية الحيّة.

أزعم أن الرواية تشكّل بهذا المنحى عملًا تاريخيًا تأسيسيًا: هي عمل أدبي يتناول الحرب اللبنانية، في محاولة جادّة لعدم الوقوع فيها من جديد؛ محاولة لرسم طريق مضيء في عتمة النفق الذي يبدو أننا لا نزال فيه، وليس في الأفق ما يشير إلى أننا خارجون منه قريبًا.

هو كتاب عن الحرب ضد الحرب.

هو كتاب للخروج من النفق.

كتاب خلفه هَمّ حضاري وقلق أخلاقي وتوجُّس ثقافي من أن تعيد القيم السياسية نفسها استيلاد الحرب نفسها.

فالثقافة السياسية الطائفية كانت ولا تزال الرحم التي يولد منها الوحش الضاري الذي يفترسنا جميعًا في النهاية: وحش الحرب الأهلية.

العقل السياسي الطائفي هو إله الجحيم (Hades) الذي من نطفته يولد ويتناسل آلهة الحرب.

ورواية «دموع الرياحين» لا تتناول أحداث الحرب اللبنانية، بقدر ما تتناول ثقافة الحرب؛ تلك الثقافة التي توصل دائمًا وأبدًا إلى الحرب: قيم مسخ تستنسخ المسخ!

هي إطار يمكن أن نستطلع فيه وعبره، وبأقصى شفافية، وبلغة مباشرة لا تعرف المداورة والمداهنة والمهادنة، الحالة الثقافية والسياسية والاجتماعية للبنان ما قبل الحرب الأهلية سنة 1975 وخلالها.

لبنان ما قبل وإبّان الحرب! أليس هو نفسه لبنان ما بعد الحرب؟! أليس هو نفسه لبنان كل زمن؟! أليس هو نفسه لبنان 1840، ولبنان 1860، ولبنان 1943؟! لبنان ما قبل حرب 1975، أليس هو لبنان اليوم وكل يوم؟!

من هنا لا تفقد الرواية راهنيتها أبدًا، رغم أنها تتكلم عن حرب حدثت في القرن الماضي!

القرن الماضي! كأنه الأمس، كأنه اليوم، بل كأنه غدًا في وطن في حرب دائمة مع نفسه، وللأسباب نفسها!
Page 3
وهذه الرواية، الخيالية بأحداثها وأبطالها، هي واقعية بامتياز؛ ليست مستوحاة من الواقع، بل هي الواقع في صميمه.

هي رواية تهدم الجدار بين الخيالي والتاريخي:

- الخيال الروائي في خدمة التاريخي الواقعي، وبأمانة مطلقة: أي من دون أن يحوِّره أو يزوِّره. هي أمانة الأديب الملتزم بالحقيقة، وحدُّ قلمه حدُّ السيف.

- والتاريخي الواقعي يغذّي الروائي الخيالي، لكن من دون أن يُحبطه لأن هدف أو مهمّة الأدب التاريخي الملتزم تخطّي الواقع المرّ بالحلم؛ الحلم بمستقبل أفضل: الواقع مادة الخيال، لأنه أغنى منه بكثير. فمهما حاولت أن تستنبط وتتخيّل، لن تقع على قصص وأحداث مثل تلك التي وقعت خلال الحرب!

الواقع مادة الخيال! صحيح. لكن الخيال يُرَكِّب أجنحة لذاك الواقع نحو شمس الغد الأفضل.

أحب أن أصوِّر المشهد هكذا: الواقع هو البحر والمركب، والخيال هو الشراع والريح.

أحداث الرواية هي قصة كل واحد منّا، وفي كل زمن لبناني! من هنا راهنيتها الدائمة.

وأبطالها قد يكونون أنا وأنتم، كل واحد منا اليوم، وكل إنسان كان وسيأتي، في بلد مأزقه أنه لم يعرف كيف يصير وطنًا! لم يعرف أن يعبر من تاريخ الطوائف ومأزقها وإشكالياتها وحروبها إلى حاضر ومستقبل وطن منفتح على الإنسان والحضارة.

من هنا واقعية القصة كأنها منحوتة من الصخر، لا مستوحاة من غمام الأفكار؛ مأخوذة من دموع الأرض، لا من رياحين الأثير.

لذا قد تكون أهم ميزات هذه الرواية التأسيسية راهنيتها الدائمة التي تخترق كل زمن! هي بنت الزمان والمكان، ولذا هي بنت الأزمنة والأمكنة جميعها.

رواية «دموع الرياحين» واقعية بالصميم، لذا هي بنت الحلم بواقع أفضل: فأنت لن تحلِّق بجناحيك في السماء عاليًا نحو الشمس، ما لم تحدِّق وبلا خوف في أعمق ظلمات الهاوية.

فقط من تحت، من قعر الهاوية السحيق، ترى القمة إذا كنت من المتسلِّقين؛ فقط من سجنك الأضيق ترى فضاء الحرية الرحب، إذا كنت حرًا بحق؛ فقط من الظلمة الحالكة ترى الشمس، إذا كنت بالطبع من أبناء الشمس؛ فقط في أسفل الجحيم تعرف طعم الجنّة، إذا كنت من أبناء النور والحق والحياة.

رواية «دموع الرياحين» أدب تاريخي تأسيسي: تستحضر الأمس لتحضِّر للغد، مثل الشمس التي تغيب خلف البحار ليبزغ منها الفجر الجديد... تحيل زبد الموج المتلاطم قطّْرَ الندى الساكن الحالم.

إذًا تقدِّم رواية «دموع الرياحين» إطارًا لتفحُّص الحالة الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية للمجتمع اللبناني قبل، وخلال الحرب الأهلية.

تسأل الرواية، بين سطورها طبعًا، سؤالًا مشروعًا: هل كانت الحرب حرب الأمّيين والجهلة وأنصاف المتعلمين، أم كانت حرب «الأنتليجنسيا» اللبنانية أيضًا؟ حرب أفكار وضعها مفكرون رؤيويون ومثقفون تراجيديون ومتعلمون متنوّرون، وخاضها بأجسادهم أمّيون وجهلة وأنصاف متعلمين بالطريقة الأكثر درامية وجاهلية وظلامية، فكانت الأفكار نارًا مقدسة توقد النار في الأجساد... في المشاعل البشرية... في مشاعل من لحم ودم.

كما تستبطن الرواية سؤالًا مشروعًا آخر يتفرّع، ولو مداورة، عن السؤال الأول: هل كانت الحرب اللبنانية ثورة الفقراء فقط، أم كانت حرب الأغنياء أيضًا؟

يستتبع: هل كانت الحرب اللبنانية حرب رغيف أم حرب زيف؟!

ويستتبع أيضًا: هل كان المتعلمون والمثقفون والمفكرون أقل طائفية ومذهبية من الجهلة والأمّيين وأنصاف المتعلمين؟!

ويستتبع أيضًا وأيضًا: الأغنياء من الطبقة المخملية، الذين يُفترض أن يكونوا على تماس مع حضارة الغرب ورقيّه الفكري ونزعته العقلية وعلمانيته المتنورة، هل كانوا أقل طائفية ومذهبية وبربرية من أبناء الطبقات الدنيا الذين يُفترض بحكم القلّة المادية ألّا يكونوا على تماس وتفاعل مباشرين مع ذاك الغرب الحضاري العلماني المتنور؟!

بالمعيار القيمي: هل كان المثقف أكثر جهلًا من الجاهل، والمتعلم أكثر رجعية من غير المتعلم؟!

هل ينطبق على المجتمع اللبناني قول مأثور لنيتشه: «دهماء فوق! دهماء تحت!»

وهل أن المخمل فوق ما هو إلّا كتّان ملوّن؟ كتّان بصباغ أرجواني؟ فيصلح القول: كتّان فوق! كتّان تحت!

هي أسئلة مشروعة وواقعية تحاول «دموع الرياحين» أن تجيب عليها رغم رومانسيتها الأخّاذة إلى عالم الحب والحلم، وإلى كل حق وخير وجمال.

وعليه، قد يصحّ القول في الرواية إنها أطروحة في بسيكولوجيا الاجتماع اللبناني! بسيكولوجيا الدهماء، دهماء الفكر!
Page 4
والأدهى، إنها أطروحة في بسيكولوجيا التزلُّف والكذب الفرديين والجماعيين على الآخر المختلف!

والأدهى أكثر، إنها أطروحة في بسيكولوجيا الكذب على الذات! بسيكولوجيا النفاق الفكري، أو أقلّه عدم الإخلاص الفكري، مع الذات!

بسيكولوجيا النفاق الفكري: هل كل ثقافتنا المغرَّبة مجرّد طلاء حضاري يخفي ذاك الاستبداد الشرقي بعقولنا، بالأحرى في عقولنا؟!

هل ثقافتنا المغرَّبة، الغربية، اللغوية الألسنية فقط من دون المحمول الحضاري للغة، هل هي مجرّد ماكياج فقط للمسخ الجاثم فينا؟!

ولأن رواية «دموع الرياحين» تتمتع، كدموعها ورياحينها، بالنقاء المعرفي والضمير الفكري، فهي تجهد بإخلاص الباحث عن الحقيقة وحدها دون سواها لتجيب عن هذا السؤال الهرطوق: «هل صحيح أن الحرب اللبنانية هي حرب أو حروب الآخرين على أرضنا؟»

تجيب بالنقاء والضمير المعرفيين نفسيهما: كلّا، كانت الحرب حرب أنفسنا على أنفسنا.

***

قد يبدو للوهلة الأولى أن «دموع الرياحين» سوداوية!

كلّا، هي ليست كذلك.

بين آلهة الحرب، وفوقهم بكثير، سيخفّ ملائكة الحب المستحيل بأجنحتهم: يصرّون على أن يظلّوا رياحين، ولو طالعة من الدموع.

هم عصافير الشوك الصغيرة الجميلة! لكنهم سيظلّون يغنّون للحب على أوتار عذاباتهم القاطرة دماءهم على الشوك.

ملائكة الحب المستحيل! سترون في الرواية أنهم الأكثر إخلاصًا لعقولهم...

آلهة الحرب! سترون أن هؤلاء هم أكثر المنافقين على أنفسهم...

***

ولأن هموم البشر واحدة طالما طينة الإنسان واحدة، ولأن الأرض كتلة وتضاريس فكرية واحدة قبل أن تكون كتلاً وتضاريس جغرافية طبيعية مختلفة، فإن «دموع الرياحين» هي أكثر بكثير من رواية موجّهة إلى، أو تخصّ، اللبنانيين فقط.

هي أطروحة إنسانية حضارية بحق.

تنقلك أحداث الرواية من لبنان إلى باريس، فمنطقة Haute- Savoie الخلّابة على الحدود الفرنسية - السويسرية، وصولًا إلى الولايات المتحدة الأميركية. ثم تعود بك إلى بيروت، فباريس، فبالتيمور، ومنها إلى أنابوليس عاصمة ولاية ميريلاند الأميركية وهكذا، ليتحول كل هذا «الترحال الرَيَاحيني» إلى ترحال فكري، وليتحول كل حدث إلى حدث حضاري، إلى سؤال وجودي، إلى إجابة أو محاولة إجابة على أسئلة الحياة وهموم الثقافة وتطلعات الإنسان.

ترحالٌ هو سَفَر الأريج والرياحين في رياح الأرض الأربع، لتتكوّن سُفْرة العسل: مائدة الفكر.

أحب أيضًا أن أختصر هكذا: النسق أو السياق الدرامي في هذه الرواية بالتحديد هو سياق إنساني حضاري شامل بامتياز؛ سياق فوق زمني، وفوق مكاني بالطبع.

بهذا تجعل «دموع الرياحين» من ذاتها، وبدون تقصُّد أو تكلُّف أو اصطناع أو إسقاط، جسرَ الألوان بين الحضارات. تستحيل صفحاتها بين يديك التائقتين لملامسة جسد إلهة الحقيقة والحياة، وأمام عينيك المصغيتين إلى نشيد اللون الصامت، تستحيل موشورًا (Prism) ترى فيه كل ألوان الطيف.

لا بل هناك ما هو أكثر من هذا بكثير!
Page 5
ما لا نراه هنا، ما نحن عاجزون عن رؤيته هنا، لعمى معتقداتنا الجامدة وأحكامنا المسبقة، سنراه حتمًا هناك بعيون متنوِّرة توّاقة للنور العاري من كل شائبة وظلمة: لكأن رحلة «دموع الرياحين» مع ملائكة الحب رحلة تعرٍّ؛ رحلة تُعرّينا من آلهة حروب أفكارنا وشياطين أحكامنا المسبقة، تفكّ أغلالنا، وتطلقنا أرواحًا حرّة منعتقة مع الرياحين. في القصة، ما تراه الشابة الأميركية الجبرانية آني من هناك، من مدينتها الجميلة أنابوليس، أنت اللبناني غير قادر على رؤيته هنا في لبنان رغم أن جسدك مجبول من التراب نفسه الذي جُبِلَ منه جسد النبي، ورغم أنك ترقص مع عرائس مروج الجمال ذاتها اللاتي رقصتْ معهن أحلامه البديعة، وتشرب من الينبوع نفسه الذي روى نفسه التائهة العطشى، وتتنشّق نفس رياحين الأثير الحالم التي عبّت منها روحه المتمرّدة، وتواجه الآن العواصف الظالمة المستبدّة نفسها التي كسّرت جناحيه بالأمس، وتكفر بك الشرائع ذاتها التي كفرت به وكفّرته وصلبته هو ابن الإنسان، وتحفر حفّارة القبور - الطائفية الظلامية - لك ولغيرك الآن ودائمًا القبر نفسه الذي حفرته له ولأترابه هو ابن الحياة. تسألنا آني كاهنة النبي في الرواية: «ألم تقرأوا جبران أنتم اللبنانيون؟!» لتجيب على لسان نبيّها: ويل لأمة تكثر فيها المذاهب والطوائف وتخلو من الدين. ويل لأمة لا ترفع صوتها إلّا إذا مشت بجنازة، ولا تفخر إلّا بالخراب، ولا تثور إلّا وعنقها بين السيف والنطع.ويل لأمة مقسَّمة إلى أجزاء، وكل جزء يحسب نفسه فيها أمة.

وتتساءل المِطْرة آني مع صديقها اللبناني كمال باستغراب: «كيف يمكن لأمة أنجبت جبران ألّا تقرأه؟!» أمة تتباهى بنبيّها، من دون أن تقرأه وتعرفه حقًا! تقرأ كلمات شفتيه، من دون أن تصغي إلى أغنية قلبه ونشيد روحه!

تضيف آني الأميركية بحسرة على بلاد النبي المحترقة: «لو قرأتم كتاب النبي، وعملتم بوحيه وتعاليمه، لَكنتم أنتم اللبنانيون خير أمة أُخرِجت للناس.»

***

من كل ما تقدَّم، أزعم أن «دموع الرياحين» رواية تأسيسية.

أعود لرواية ڤيكتور هوغو: رواية «البؤساء» حاكت بهدوء خيوط الثورة الفرنسية... الطفلة كوزيت تكثيفٌ للبؤس؛ هي البؤساء جميعهم.

الطفلة سِيلَسْت وأمها ريتا في رواية «دموع الرياحين» هما تكثيفٌ للألم؛ هما كل ضحايا الحرب؛ هما قصة حب وحرب.

فهل تحوك رواية «دموع الرياحين»، ودائمًا بهدوء المروج وسكينة البراري وهدأة الوادي وصمت النسيم، هل تحوك خيوط ثورة حقيقية في ربوع بلاد الأرز؟!

هل تنبعث رياحين الأرز من الدموع، كالبخور فوق صفيح النار؟!

القرّاء وحدهم يجيبون عن هذا السؤال المشروع، عندما يتحولون إلى مشروع الكتلة التاريخية الثورية الواعية المرتجاة.

برومانسية أكثر: عندما يتحولون إلى ملائكة حب يرفّون بأجنحتهم عاليًا فوق آلهة الحرب.

ملائكة فوق الآلهة...

ملائكة حب الأرض فوق آلهة حروب السموات...

ملائكة أعلى منزلة من الآلهة...

دريد عوده

بيروت، 22/6/2013
Page 6
الحب المصلوب

الوالد يرفض

ـ لن أقبل أن تتزوّجي به، ما دمت حيًّا.

ـ وأنا لن أتزوّج بغيره، ما دمت حيّة.

ـ فليكنْ. لكنك شابة جميلة متعلّمة ومثقّفة، وما من شاب من طائفتنا إلّا ويتمنى أن يكون معك.

ـ لا أفهم كيف تقول هذا، وأنت الرجل الذي يتباهى بعلمه وثقافته وتطوره! ثم ماذا عن الحب، ألا يعني لك شيئًا؟!

ـ الحب! الحب! وماذا يعني الحب؟! الحب شيء، والزواج شيء آخر. الحب مسألة فردية، أمّا الزواج فهو مسألة اجتماعية. على كلٍّ، الحب يأتي بعد الزواج لا تخافي.

ـ ألم تحب والدتي؟!

ـ بلى أحببتها. لكنني حرصت على ألّا أقع في غرام امرأة من غير ديني وبيئتي الاجتماعية.

ـ حرصت! ما شاء الله! أنت تقرّ إذًا بأنك أحببت بعقلك، لا بقلبك.

ـ أصمتي.

ـ أنا أحبه يا أبي. ما ذنبنا إن كنّا من دينين مختلفين؟! ثم أليس الدين محبة، وأليس الله حبًا مطلقًا؟!

ـ كفى فلسفة وتفلسف! لن أتحدث عن هذا الموضوع قطّ بعد اليوم.

ـ لكنك تدمّر حياتي...

ـ أنا أفعل هذا من أجلك.

ـ تدمّرني... ومن أجلي!
Page 7
أحبّته من أول نظرة

كان والد ريتا حاسمًا كحدّ السيف في رفضه، عندما فاتحته بنيّتها الزواج بحبيبها كمال.

رَفَض فقط، لأن كمال من ديانة أخرى!

الشاب الطَموح والواعد أنهى بتفوق دراسته الجامعية في علم الأحياء (البيولوجيا)، وها هو يُكمل الآن سنته الأخيرة في كلّية الطب العام في الجامعة الأميركية في بيروت.

التقى ريتا منذ سنوات الدراسة الأولى في الجامعة. كانت هي تلميذة سنة ثانية (جونيور) علم نفس، وهو سنة ثالثة (سينيور) في علم الأحياء.

بقيت له مادة اختيارية واحدة، فقرّر أن تكون في علم النفس.

ريتا في المقعد الأمامي في الصف تثرثر مع صديقتها، ضاحكةً بصخب قبل مجيء الدكتور المحاضر. إذ بشاب وسيم، لم تره من قبل في الكامبوس، يدخل القاعة. خمد صوتها وكاد نَفَسُها ينقطع عندما مرّ بمحاذاتها، متجهًا إلى المقاعد الخلفية. خفق قلبها بشدّة... شعرت بروح ذاك الشاب الوسيم الأشقر تتغلغل في حناياها، لتستقر جذوةً دافئة في أعمق أعماقها.

«ما بك ريتا؟!» سألتها رانيا، وقد أحسّت كأن شيئًا ما صعق صديقتها.

- لا شيء رانيا، لا شيء...

- ماذا إذًا؟! هل سرق قلبك أنت أيضًا بلحظة، مثلما...

- مثل ماذا؟ هل تعرفينه أنت؟

لم تُجِب رانيا. ابتعدت بناظريها ناحية الدكتور المحاضر الذي دخل القاعة.

استدارت ريتا نصف استدارة إلى الوراء، بحجة التفتيش عن قلم في جزدانها. بلمحة خاطفة، نظرت إلى ذاك الشاب. كان قد وضع نظّارته، فزادته هيبة ووقارًا. التقت العيون، تعانقت من خلفها روحان قدرهما نعمة حب جميل من روح الله وشرعته، لكنه مستحيل في شرائع أديان البشر. ابتسم لها، لكن تلك الابتسامة الجميلة كانت فجر الآلام ودموع الرياحين.
Page 8
أحبّته من أول نظرة

كان والد ريتا حاسمًا كحدّ السيف في رفضه، عندما فاتحته بنيّتها الزواج بحبيبها كمال.

رَفَض فقط، لأن كمال من ديانة أخرى!

الشاب الطَموح والواعد أنهى بتفوق دراسته الجامعية في علم الأحياء (البيولوجيا)، وها هو يُكمل الآن سنته الأخيرة في كلّية الطب العام في الجامعة الأميركية في بيروت.

التقى ريتا منذ سنوات الدراسة الأولى في الجامعة. كانت هي تلميذة سنة ثانية (جونيور) علم نفس، وهو سنة ثالثة (سينيور) في علم الأحياء.

بقيت له مادة اختيارية واحدة، فقرّر أن تكون في علم النفس.

ريتا في المقعد الأمامي في الصف تثرثر مع صديقتها، ضاحكةً بصخب قبل مجيء الدكتور المحاضر. إذ بشاب وسيم، لم تره من قبل في الكامبوس، يدخل القاعة. خمد صوتها وكاد نَفَسُها ينقطع عندما مرّ بمحاذاتها، متجهًا إلى المقاعد الخلفية. خفق قلبها بشدّة... شعرت بروح ذاك الشاب الوسيم الأشقر تتغلغل في حناياها، لتستقر جذوةً دافئة في أعمق أعماقها.

«ما بك ريتا؟!» سألتها رانيا، وقد أحسّت كأن شيئًا ما صعق صديقتها.

- لا شيء رانيا، لا شيء...

- ماذا إذًا؟! هل سرق قلبك أنت أيضًا بلحظة، مثلما...

- مالأصفر يليق بكِ!

لم تكد حصّة علم النفس تنتهي حتى توارى كمال في الكامبوس، مسرعًا الخطى إلى مبنى كلّية الطب. كان ذاك اليوم يوم التسجيل الأخير لفحص الدخول إلى الكلّية بعد أن شارف الطالب المُجِدّ على إنهاء شهادة البكالوريوس في البيولوجيا.

استدارت ريتا يمنةً، ثم يسرةً. لم تجده. نهضت من مكانها وخرجت من الصف بسرعة، من دون حتى أن تودّع صديقتها. أرادت فقط لو تراه ثانيةً في ذاك اليوم. نظرة واحدة كانت لِتكفيها، علّها تطفئ ظمأ روحها الغريب إليه! لقد مسّها جنون الحب من النظرة الأولى.

عادت إلى الكافيتيريا بخفَّي حُنَين، ووجدت صديقتها رانيا بانتظارها.

- هل جُننت ريتا؟

- رانيا، لا أعرف ماذا حلّ بي...

- أنتم تلامذة البسيكولوجي بحاجة إلى طبيب نفسي بلا شك، أسوةً بالأطباء النفسيين أنفسهم!

- لقد سحرني يا رانيا... أعتقد أنني وقعت في غرامه.

- هذا صديقك إله الحب إيروس! لقد أصابك بسهمه القاتل! بقيت تتكلمين عنه، وتُمجّدينه، حتى رماك وجندلك أرضًا.

- قولي لي ما اسمه؛ يبدو أنك تعرفينه.

- ماذا أوحى لك بهذا يا ريتا؟

- أنتِ سألتِني حرفيًا في الصف ما إذا كان قد سرق قلبي بلحظة أيضًا مثلما...

- كلّا، لم أقلْ هذا قطّ.

- بلى، أنت قلت هذا حرفيًا. ثم توقفت عن الكلام فجأةً، وشِحْتِ بنظرك بعيدًا. قولي لي، هل سرق قلبك بلحظة أنت أيضًا؟

- ما قصدته هو أن هذا الشاب سرق قلوب فتيات كثيرات...

- وكيف تعرفين هذا؟ ليس عيبًا أن تكوني قد وقعت بحبه أنت أيضًا. انظري إليّ كم صرتُ متيّمةً به، حتى من دون أن أكلّمه. للحب دروب لا نفهمها إلّا بعد أن نسلكها.

- كفى ريتا، لم أكن أتكلم عن نفسي. كل ما في الأمر أن طالبات كثيرات وقعنَ في حبه، لكنه لا يضحك للرغيف الساخن كما يُقال. عبثًا حاولن، لكن دون جدوى. أعتقد أنه مجنون... ربما أتى إلى صف علم النفس كجلسة علاج أولى.

- لكنه ابتسم لي عندما تلاقت نظراتنا.

- حظنا عاثر، وحظك جيد... ألف مبروك.

قالت رانيا هذا ونهضت بنزق، تاركةً صديقتها وحدها. تحجّجت بأنها ذاهبة إلى سوق الحمرا القريب لشراء هدية لوالدها بمناسبة عيد ميلاده.

حاولت ريتا إيقافها: «دعيني أذهب معك!»

لكن رانيا انصرفت، من دون أن تلتفت إليها.

تمتمت ريتا: «حسنًا أيتها الغيورة! الأصفر يليق بكِ!»

سمعتها رانيا، والتفتت إلى الوراء: «ماذا قلتِ؟!»

«قلت، الأصفر لا يليق بكِ...» ردّت ريتا.

لم تُجِب رانيا. ابتعدت بناظريها ناحية الدكتور المحاضر الذي دخل القاعة.

استدارت ريتا نصف استدارة إلى الوراء، بحجة التفتيش عن قلم في جزدانها. بلمحة خاطفة، نظرت إلى ذاك الشاب. كان قد وضع نظّارته، فزادته هيبة ووقارًا. التقت العيون، تعانقت من خلفها روحان قدرهما نعمة حب جميل من روح الله وشرعته، لكنه مستحيل في شرائع أديان البشر. ابتسم لها، لكن تلك الابتسامة الجميلة كانت فجر الآلام ودموع الرياحين.
Page 9
الدكتور توماس ينقذها

كانت الحصّة القادمة لصف علم النفس يوم السبت، الساعة العاشرة صباحًا.

مرّ نهار الخميس على الشابة العاشقة بتثاقل قاتل، وكاد يوم الجمعة ألّا ينتهي. كأن الزمن توقف بالفعل.

ساعات قليلة تفصلها عن لحظة قُدِّر لها أن تكون بداية طريق الجلجلة نحو حب منذور للصَلب في كتاب شريعة البشر؛ شريعة يُلبِسونها ثوبًا إلهيًا، ليستروا عورة أرواحهم وليبرّروا البغضاء في قلوبهم.

استلقت الشابة الطويلة القامة، والنحيفة القوام، على سريرها. أغمضت جفنيها، وراحت تستعيد بنشوة تلك اللحظات النارية التي خُيّل لها فيها أن طيف ذاك الشاب الجميل المحيّا قد لفحها عندما مرّ بجانبها وكاد يلامسها؛ لحظات مربكة، غير مفهومة، شعرت فيها أن روحه استقرت عميقًا في وجدانها، كما تستقر البذرة في سكينة التراب العميقة لتتفتح وتنبت عندما يلفحها نور الشمس.

ها وجهه الجميل يسطع الآن كنجمة المساء في سديم مخيلتها! عندما استدارت على مقعدها في الصف أول من أمس لتُلقي ولو نظرة خاطفة عليه، انحفرت تقاسيم وجهه على مرآة روحها مرةً وإلى الأبد: قامة نحيلة كقامة زاغروس الصيّاد، وجهٌ منحوت نحتًا كآلهة الأولمب، سحنةٌ بيضاء سمّرتها شمس المتوسط قليلًا، عينان خضراوان كعينيّ النسر تمزجان القساوة واللطف، والبرودة والدفء، أنفٌ مستقيم ينمّ عن أنفة وكِبَر نفس من دون تكبُّر، جبينٌ عريض تظلّله خصلة شعر شقراء متدلّية على عينيه، نظارةٌ رصينة يضعها بين الحين والآخر فتزيده وقارًا وجاذبية... كل شيء فيه يدلّ أنه فارس أحلامها. تذكرت ابتسامته الدافئة، فابتسمت روحها داخلها وفَرِح قلبها: «كيف تقولين يا رانيا إنه لا يبتسم! ما أغباكن، أنت وكل الفتيات!» قالت في قلبها، وغرور قليل غمر نفسها.

«نعم هو لا يبتسم لهن»، أردفت تقول، «لأنهن بكل بساطة لا يعجبنه.»

أضافت، مع ضحكة لعلعت في الهواء: «لكنه ابتسم لك يا ريتا!»

استيقظت طالبة علم النفس في الصباح الباكر. وضعت كالعادة ماكياجها الخفيف الذي يُبقي على جمالها الطبيعي، وأسرعت الخطى إلى الجامعة.

كلما كانت تقترب من الجامعة، كانت ضربات قلبها تشتد. توقفت فجأةً قبل أن تلج البوابة الرئيسية للجامعة في شارع بلِسْ؛ بوابة قُدِّر لها أن تكون، في ذاك اليوم، بوابة إلى جنّة الحب وجحيمه.

«ماذا لو كان لا يشعر بمثل ما أشعر به؟! ماذا لو كان صخرةً صمّاء كما قالت عنه رانيا، فيما أنا كالبلهاء بركان أحاسيس نارية؟!» راحت تردّد في قلبها بارتباك وخوف.

كأنها تبدّد قلقها، تكلمت مع نفسها هكذا: «فلتكنْ نار، وليكنْ ثلج! فلتَذُبْ ساقية ربيع الحب كثلج القمم في نار الشمس!»

توجهت ريتا، العاشقة من أول نظرة، إلى مكانها المعهود في الصف. ما هي إلّا لحظات حتى امتلأت القاعة بالطلاب الذين يتسابقون على حضور محاضرات الدكتور توماس الذائع الصيت. هو من أتباع مدرسة كارل غوستاڤ يونغ الذي انقلب على معلّمه فرويد. هذا الأخير يقول إن الطاقة أو الكبت الجنسي المختزن في اللاوعي (الليبيدو) وعقدة أوديب (سفاح القربى) يحدّدان شخصية الفرد بلا منازع. رفض يونغ هذه النظرية السقيمة والضيقة الأفق، رغم اعترافه بعامل الكبت الجنسي كأحد العوامل النفسية الكثيرة الأخرى. قال بنظرية أكثر روحانية وشمولية، هذه أقانيمها: العقل الباطن، اللاوعي الجماعي، النماذج الأولى؛ أقانيم لها دورها الأكيد في تشكيل شخصية الفرد، وتحديد أو إملاء تصرفاته.

«فرويد مريض جنسي! حسنًا فعل صديقنا يونغ بأن أبكاه أكثر من مرة...» كان الطلاب يردّدون على لسان أستاذهم المحبّب توماس، ساخرين من فرويد.

بالطبع لم يكن كل الطلاب يفهمون عقل يونغ المعقّد وروحه العميقة الشبيهة باللابيرنت - المتاهة؛ تلك الروح المعقّدة كطبقات الوعي - أركيولوجيا العقل - التي تكلم عنها. هم يكرهون فرويد «اليهودي». كما أن الشباب اللبنانيين، والعرب عمومًا، يمجّدون القوة. وبنظرهم كل ما هو ألماني هو رمز القوة والعزّة: فرويد يهودي، يونغ ألماني... كان هذا كافيًا لتمجيد «التلميذ الذي أبكى معلّمه».
Page 10
بلمح البصر احتل الطلاب مقاعد القاعة؛ تسابقوا ذكورًا وإناثًا على ملئها كالضواري الجائعة. بقي مكان شاغر يتيم حجزته ريتا لصديقتها رانيا بشقعة كتب كانت كفيلة بإبعاد الدخلاء والطارئين.

طال الانتظار، ورانيا لم تأتِ.

يدخل الدكتور توماس، وخلفه كمال مسرعًا. يلتفت هذا الأخير يمنةً ويسرة، يقيس القاعة طولًا وعرضًا، باحثًا عن مقعد شاغر. ريتا تراقبه بطرف عينها، وقلبها يخفق بشدة. يكاد ينفجر أو يتوقف. ينظر إليها كمال. تشيح بناظريها عنه. تُطأطئ برأسها، محدّقةً بالأرض لا تعرف ماذا تفعل... ربّاه! ماذا لو أتت رانيا التي يبدو أنها مغرمة بالشاب القادم!

- هل تسمحين؟

نظرت ريتا إلى أعلى. صوتٌ اخترق قلبها كالصاعقة رغم رقّته. ارتجفت يداها، وهي تلتقط «شقعة» كتبها المخيفة عن المقعد.

- بالطبع، تفضَّلْ.

نظرت ريتا إلى باب القاعة.

«أرجوك رانيا، بربّك، لا تأتي اليوم...» ردّدت في قلبها.

- هل تنتظرين أحدًا؟ سأُخلي المقعد لصديقتك إذا أتت...

نظرت ريتا إلى السائل الجالس بقربها الآن، هو الذي جالَسَ قلبها وروحها طوال اليومين الماضيين. كل شيء فيها يرتعش. يداها ترتجفان. قلبها يكاد يقفز من صدرها. أنفاسها متقطّعة. فقط روحها الساكنة في أعماقها ماضية بطمأنينة وسلام إلى جنّة الحب الموعود.

أقفل الدكتور توماس الباب أخيرًا، فاتحًا باب الفرج أمام ريتا. لقد أنقذها من غضب صديقتها التي لن تأتي. وإذا أتت، فإن الدكتور توماس، الألماني الجذور، الصارم جدًا، لن يسمح لها بالدخول. هو بانضباطيته الحديدية كالجنود الألمان، بل كاليونكرز محاربي بروسيا الأشداء. محاضراته تبدأ في موعدها الدقيق، مضبوطةً على ساعته السويسرية التي لا تخطئ. بعدها ممنوع دخول المتأخرين، ولو لثانية واحدة. كل من يتأخر يتحول فجأة إلى دخيل طارئ غير مرغوب به.

لحظات طويلة، وكمال ينتظر جوابًا. فجأةً يصعد صوت مرتبك مرتجف ناعم، كموجة آتية من عمق البحر الصاخب لتستريح بأمان على الشاطئ. «كلّا، لا أنتظر أحدًا. صديقتي قالت لي بالأمس إنها لن تأتي...» ردّت ريتا متلعثمة.

أدركت على الفور أنها أخطأت بهذه الكذبة البيضاء: «أيتها المغفّلة، لمن تركتِ المقعد شاغرًا إذًا؟! سيظن أنك تركتِه له يا بلهاء!» قالت في نفسها.

نظر كمال إليها متعجبًا، وقد اجتاحت الحمرة وجنتيها.

قال، ممازحًا ضاحكًا غامزًا من قناتها: «كل الشكر لك إذًا كونك حجزتِ لي مقعدًا بعمارة كتب... اسمي كمال.»

«تبدو واثقًا جدًا من نفسك!» ردّت ريتا، ضاحكةً بالمِثل. «لم أترك المقعد شاغرًا لك، بل لعمارة الكتب... واسمي ريتا على كل حال.»

«اسمي ريتا على كل حال! على كل حال! يا لهذا الجواب الأبله يا مغفّلة! حالك يُرثى له!» قالت الشابة الجميلة في قلبها، ساخرةً من نفسها.

نظر إليها كمال، وابتسم. بدا أنه عرف ما يدور في خلدها. ارتبكت بشدّة؛ الابتسامة نفسها التي حفرتها شفتاه بالأمس على أثير ذاتها من بعيد تنحفر الآن على قلبها بالنار.