eKtab
EN ع
دمية النار
Read free sample

دمية النار

by بشير مفتي

Page 1

التقيت ببطل هذه الرواية السيد رضا شاوش وأنا في الرابعة والعشرين من عمري. كنت حينها في عز شبابـي واندفاعي للحياة، أو ما كنت أنظر له حينها على أنه الحياة، كان ذلك في أواخر شهر سبتمبر من عام 1985، تلك الفترة التي كانت حينها واعدة رغم البؤس الاجتماعي المفرط، والذي كان يحيل أكثر الأحلام شراسة إلى رماد رميم. غير أن تلك الفترة التعيسة، رغم كل شيء، كانت تمثل بالنسبة لي بداياتي في درب الكتابة، وكنت تحت تأثير قراءات شيطانية كثيرة ومتنوعة، وفي كل الأصناف والأنواع الأدبية، أشعر أنني سأملك تلك الحقيقة الكليّة للأدب. كنت مدفوعًا بسحر جنوني إلى هذا الطريق، كان الأمر يبدو وكأنه شيء يمكن أن يتحقق في يوم من الأيام، لم أكن متعجلاً لبلوغه كما قد يتصور البعض، كنت أنظر له على أنه شيء سيحدث وكفى، يومًا ما كنت سأحقق وجودي الحقيقي ككاتب، ليس كأي كاتب عارض، ولكن ككاتب يستحق هذه التسمية بالفعل. وبالرغم من أنني لم أكن قد كتبت في تلك السنوات أي شيء يستحق الذكر، إلا إنني كنت أشعر تحت تأثير الكثير من القراءات الغزيرة والآثمة بأن هناك شخصًا آخر يسكن بداخلي، شخصًا آخر يقطن في رأسي (ربما يعود ذلك لانفصاميَّتي الغريبة!)، هو الذي يملي عليّ ما كتبته من قصص لم تكن تتجاوز الصفحتين في أحسن الأحوال، وإن صار يظهر لي كل ذلك عبثيًّا ومخيبًا الآن، إلا إنني كنت أعتبره بداياتي التي سأدخل بها الوجود الأدبـي، هذا الفردوس الغريب، الذي كنت مستعدًا من أجله على تلقي كل عقوبات الحياة. ولو عاد الزمن للوراء لمسحتها طبعًا من صفحات ماضيّ الأعمى، لا لأني نادم عليها الآن، ولم أعد أطيق حتى النظر إليها، ولكن لأنها كتبت على عجل، وبتهور شديد، وبنـزعة تقليدية ما في ذلك شك لمن قرأت لهم حينها..

عرفت رضا شاوش وقد تجاوز الثلاثين بأربع أو خمس سنوات، كان يبدو أكبر من سنه، دقيق الملامح وذا وجه يثير الحيرة والتساؤل. غير أن ما شدني إليه لم يكن شكله، ولا نظرته المرتابة من الآخرين، ولا لأنني لاحظت أنه كان يطأطئ رأسه باستمرار كلما سقطت نظرة غريب عليه، كما لو أنه يحاول إخفاء جرح عميق في صدره، بل لأنه كان يحب الكلام في الأدب، وكان ذلك هو الطُّعم الذي حرك فضولي أول الأمر، ثم شعرت بشيء قريب من الحدس أنه سيفاجئني بالتأكيد، تكهنت له بالانتحار لاحقًا، لقد كان مثل تلك الشخصيات الروائية التي تملك ماضيًا معقدًا، وتجربة مُرة في كل شيء، وهي على شفا جرف من السقوط في أرض الليل التي لا قرار لها.. تخيلته بطلاً تراجيديًّا يصلح للموضوعات التي كنت أرغب في كتابتها، قلق ميتافيزيقي حاد، وانحلال في الروح، وسوء تكوين مهلك، وجروح قديمة لا تندمل! لقد حرك فضولي دون شك، وقررت من يومها مطاردته كما يطارد محقق خاص مجرمًا ارتكب جريمة استثنائية، وفشلت الشرطة في القبض عليه. لم ييأس من كل مشاق التحقيق الطويلة؛ لأن دافعه لم يكن إثبات الجرم بالأدلة التي يفرضها أي تحقيق قانوني، لكنه الحدس الغامض كان يدفعه للتعرف عليه، من أي طينة هو؟ وكيف ارتكب جريمته تلك دون أن يقدر أحد على كشفه؟

إنني إذ أتذكر تلك السنوات فأنا أتذكرها بفرح غامر، وبسعادة حقيقية، وبألم كذلك. لقد كنت متوهمًا وليس ملهمًا، وحبيس خيالي أكثر مما كنت أسير وفق خطة واقعية واضحة المعالم، وأعتقد اليوم أنني كنت مثاليًّا جدا، ولم أكن أفهم في مسائل الخير والشر الشيء الكثير، كما لم أكن أعي حينها ما كان يحيط بـي، وأي وهم هو الأدب عندما نعقد عليه الآمال الكبيرة في إنقاذ أرواحنا من هلاك المعتاد والروتيني الممل، نصدقه فنندفع خلفه بكل حماس وحبور بادئ الأمر، ثم سرعان ما نشعر أنه فخ لا نجاة منه، وأن الوصول لتلك الغايات يبدو مستحيلاً دائمًا، فتتحول كل خطوة تخطوها مجرد قطرة في بحر ليس له بداية ولا نهاية، أو ذرة رمل في صحراء ليس لها حدود!

Page 2

كنت أظن في تلك السن البعيدة أن الأمر متوقف على شيء آخر خارج ذاتي وخارج العالم، من شأنه مساعدتي على الدنو من منطقة الأدب المغرية والعسيرة، وكنت قرأت ربما في رواية لكاتب فرنسي يدعى "آلان نادو" أن الأدب يشبه تلك المرأة التي تمارس "الستريبتيز" (لا أدري كيف تترجم للعربية؟)، أحيانًا تكشف للبعض عن جانب فقط من جسدها، وأحيانًا عن عدة جوانب، ونادرًا ما تكشف كل شيء إلا لمن تشعر أنه يستحق ذلك، أو تعتقد أنه مؤهل للشغف الكلي بمنظر كذاك المنظر..

قلت: في هذه الفترة بالذات تعرفت على رضا شاوش، عند رجل اسمه العربـي بن داود والجميع يناديه بعمي العربـي، كان قد فتح بيته لجميع المشاغبين، أو من يراهم كذلك، في السياسة والفن والأدب، وكان يسهر على راحة كل من يزوره فيهديه كتبًا، أو قنينة نبيذ يحضرها له ضيوفه، أو شيئًا من أريج الكلام الذي يلهج به لسانه. كان رجلاً متقدمًا في السن، لم يتزوج، ولم يكن له أي ولد، وسمعنا عنه قصصًا كثيرة، أنه كان مجاهدًا أيام الثورة، ومعارضًا بعد الاستقلال، ودخل السجن، وشُرّد، وعُذّب، وغير ذلك، وأنه بقي وفيًّا لمبادئه، ومعارضًا لخصومه، ومنتقدًا للنظام، وأن كل ذلك كلفه غاليًا، فترك مهنة الصيدلة التي كان يعمل بها إلى تصليح الأحذية لفترة غير قصيرة، ثم عاد لمهنته بعد نهاية السبعينيات ورحيل الرئيس هواري بومدين الذي كان يمقته أشد المقت، ونادرًا ما يمدحه. لم أكن أقاسمه نفس الرؤية لصغر سني بالتأكيد حينها، أو لأنني كنت أشعر أنني تعلمت في المدرسة بفضل مجانية التعليم والاشتراكية التي تركت بصمتها علينا نحن الجيل اللاحق لما بعد الاستقلال، وكنت أذكر دائمًا أن والدي كان يقول أشياء حميدة عن هذا الرئيس حتى رحل أو قتل، فلقد بقيت شائعة تسميمه تلوكها الألسن لفترة طويلة، ووالدي كان مثل الناس البسطاء الذين يؤمنون بقوة الشائعات وفكرة المؤامرات، ولا يصدقون أن الرجل مات بسبب مرض خبيث لاغير، لكن ذلك لم ينقص من تقديري لعمي العربـي الذي وجدت في كلامه خير زاد في سنوات شبابـي تلك، وخاصة أنه كان متفتحًا ومستمعًا جيدًا، ولم يكن السن حاجزًا بينه وبيننا نحن الشباب الصغار الذين كنا نثرثر وكأننا نملك مفاتيح العالم، ونقدر على تغيير أي شيء نريد تغييره، بالرغم من الفقر والبؤس الذي كنا نعيش فيه، وبقينا بداخل أدرانه نتلوث يومًا بعد آخر.

لقد لقيت رضا شاوش خلال إحدى السهرات التي أقامها عمي العربـي ببيته في حي بئر مراد رايس، وكان في الخامسة والثلاثين أو أكثر، مستقيم الجسم، ذا عينين باردتين نوعًا ما ونظرة متأدبة؛ فلم يرفع نظره نحو أي أحد، كما لم يحاول أن يختلط بنا، وبدا كأنه محرج من وجود هذا العدد الكبير من الناس، وكان يبدو على صداقة عميقة مع عمي العربـي الذي سرعان ما اختلى به على جانب، ورأيتهما يدردشان بصوت منخفض لم يصلني منه أي شيء، ثم عادا للصالون وجلسا قرب بعضهما البعض، وكنت أنا هناك، وفجأة قدمني لرضا قائلاً:

- لا أدري لماذا يذكرني بشير. م بك أيام كنت شابًّا، وتحلم بالكتابة.

ابتسم رضا، وحدث معي نفس الشيء، وقلت مصافحًا:

- أهم ما يرضيني عند عمي العربـي أنه يعرف كيف يجمع الناس بحسب هواياتهم.

فرد رضا قائلاً:

- بالفعل..

ليسألني بسرعة:

- هل تكتب؟

- نعم أكتب، ولكن أقرأ أكثر. مازلت في البداية، لا أعرف إن كان ما أكتبه ذا قيمة أم لا؟

- صحيح، هذه هي المشكلة.. أحيانًا لا نعرف الجواب حتى تنتهي أعمارنا..

أكدت له ذلك، وأفرغت ما بقي في كأسي من نبيذ أحمر، وكانت تلك هي المرة الأولى التي ألج فيها عالم الشرب بدافع التقليد لا غير، لأسأله بعدها:

- وأنت لماذا توقفت عن الكتابة؟

رد متمهلاً هذه المرة، وهو يبتسم ابتسامة غامضة بانت بشكل عابر للغاية:

- هذا لأنني لست كاتبًا.

ليضيف بعد صمت قصير:

- أعدك أنني لو كتبت شيئًا سأمنحه لك عن طيب خاطر لتقرأه.

- سأكون جد سعيد لذلك.

- لست متأكدًا أنني سأفعل هذا ذات يوم، ولكن من

يدري..

ليقوم فجأة من مكانه، ويعتذر منصرفًا للخارج. أظن أنه ترك أثرًا على روحي حينها، استفسرت عمي العربـي عنه إلا أنه تهرب قدر ما يمكن من أسئلتي، وراح يتكلم عن سنوات السبعينيات المقيتة كعادته، دون أن يذكر أي شيء عن رضا شاوش، الأمر الذي ربما زاد من رغبتي في معرفته أكثر.

Page 3

كانت تلك هي بداية معرفتي بهذا الشخص الذي استأثر باهتمامي فجأة، كما لو كان موضوع رواية رغبت في تتبع أطوراها ومسارها منذ النشأة حتى النهاية، إلا أن الحظ لم يسعفني بلقائه إلا مرات قليلة تعد على أصابع اليد، لكن في كل مرة كنت ألتقيه فيها، كان يزيد من شغفي بالتعرف على شخصيته واكتشاف أسراره. ورغم إنني ربطت ذلك بالجانب الأدبـي الذي يسكنني، إلا أنني كنت أنظر إليه على أنه شخص مختلف، أو عصفور نادر كما يقال، وأن هذا النوع من البشر يملك شيئًا يميزه عن غيره، ولا يجب تفريط فرصة التعرف عليه أكثر فأكثر كلما سنحت الظروف بذلك.

غير أن ذلك لم يحدث بالصورة التي رغبت فيها، رغم اندفاعي للتعرف على الناس في تلك الفترة من حياتي؛ متوهمًا أن الأدب هو قبل أن يكون كذلك تجارب في الحياة، ربما كنت وقتها تحت تأثير ذلك الكاتب الأمريكي المتشرد "جاك كيرواك" وبطل روايته "على الطريق" حيث الحياة لقاءات ومصادفات تولد بالضرورة شيئًا اسمه الكتابة بعدها.

لن أفضح نفسي إذا قلت إن ما كان يهمني قبل كل شيء ليس الناس في حد ذاتهم، ولكن ما يمكن أن يخلقوه بداخلي من توتر وقلق، أو حيرة وتأمل، أو رغبة في البحث والاكتشاف، أي ما يولدونه من رغبة في الكتابة لا غير، كما لو أنني وأنا لا أزال في طور البدايات الجنينية الأولى كنت أعد نفسي بمستقبل زاهر في عالم الكتابة الروائية، والتي كنت مستعدًا للتضحية من أجلها بأي شيء. أَلَمْ أقُم بتطليق "عالم الميتافيزيقا" الذي كنت مستريحًا داخله، ومطمئنًا كل الطمأنينة بين أحضانه؟ ألم أهجر عائلتي هجرة شرسة ولعينة؛ لأعيش متنقلاً بين بيت صديق شاعر كان قد تكرم علي بسرير نوم مقابل أن أدفع له مرة أو مرتين في الشهر خبطة حمراء تنسيه العالم وما فيه.. وبيت امرأة مطلقة كانت تتكرم عليّ بمتعها الحسية العميقة والمجنونة، مستلهمًا منها حرارة الجسد في برد الشتاءات القارصة؟ لقد كنت بداخلي مستعدًا لكل المهلكات التي لا يمكن أن يواجهها أي إنسان من أجل جملة واحدة، تبلغني مقام العلى وترفعني للفرحة السرمدية، فرحة الإبداع التي ما بعدها فرحة أخرى..

لقد خلق رضا شاوش تلك الرغبة الجامحة في التعرف عليه، في البحث عن ماضيه وحكايته مع الحياة، في السؤال عنه، لكن كما لو أنني لم أكن متسرعًا للقبض على ما يخفيه عني وعن الآخرين وربما حتى عن نفسه، تركت الأمور تسير على ما تقرره الصدف والسياقات، وبداخلي بقيت متأكدًا من أن شيئًا ما سيربطنا بالتأكيد، أو سيجعل قدره مرتبطًا بقدري. أما كيف، ولماذا سيحدث ذلك فلم تكن عندي أدنى إجابة.

* * * *

في المرة الثانية التي قابلته فيها كان ذلك بطلب منه، حيث دعاني لشرب قهوة، فذهبت نحوه مسرعًا، وجلسنا بمقهى "حليب إفريقيا" بساحة أودان. كان المكان ضاجًّا بالزبائن الماكثين، والناس العابرين، حيث وجدت رضا ينتظرني هناك، جالسًا لوحده يتأمل. لا أخفي أن منظره أوحى لي بتفكيرات غريبة كأن يكون جاسوسًا، أو منخرطًا في سلك خطير، وأنه مصدر معلومات مهمة، يختزنها في مكان ما من عقله الباطن، وأن ذلك كان كفيلاً أن يثير اهتمام شاب مثلي بدأت تنشر له الجرائد الحكومية بعض النصوص والمقالات القليلة، تقاضيت عليها أجرًا زهيدًا مكنني أيامها من الشعور بالفخر والاعتزاز، ومن أكل لحم مشوي عند أحد المتخصصين في شواء اللحم على الجمر بحي "العقيبة". جلست قبالة رضا شاوش فسلم عليّ وطلب لي قهوة، لم يتكلم إلا في أشياء غير مهمة كجمال الطقس، وحلاوة العيش في هذه المدينة، فبدا لي الأمر غريبًا أن يدعوك إنسان لكي يتحدث إليك عن أمور بلا أهمية، لكنه سرعان ما سألني عن كتاباتي الأدبية، فرحت كعادتي أطنب في شرح الأشياء التي لا تشرح في الحقيقة، وأخبرته عن قراءاتي أكثر وحبـي للأدب، الأمر الذي جعله يبتسم ويوحي لي بأنه شغوف هو أيضًا بهذا العالم، دون أن يخفي حسرته على أن ذلك كان في زمن مضى وليس الآن، وأن قدره الأدبـي قد انتهى في تلك الأيام، أو مات موتًا نهائيًّا، وأنه الآن يعيش بفكرة أن "الحيوان الأدبـي" الذي عاش في ثوبه لفترة قد تُوفي بالفعل. وبسذاجة شاب رحت أنصحه أن لا يكترث بهذه الأمور، وأن الأدب شيء يمكن أن ينبثق في الإنسان في أي لحظة، فعاد للابتسام، ولم أفهم سر تلك الابتسامة التي بدت مزيجًا من السخرية والتحسر، كاظمة نوعًا من الألم الخفي عن الأعين، ثم ظننت أن ذلك ليس إلا بداية ليتحدث في الموضوع الرئيسي، أو ما ظننته دعاني لأجل الحديث عنه، إلا أنه لم يقل شيئًا محددًا، لقد بقي يحوم حول مواضيع كثيرة ومتعددة، حتى إنه سألني عن رأيي في الدين، وهو يستدرجني بطريقته الذكية في إثارة القضية:

- لم يكن الدين في فترة شبابـي مهمًّا، بل كنا نعيش فورة اللا دين، لكنني الآن أشعر أنه صار يشغل وجدان الناس.

فاجأني الموضوع، ولم أجد ما أجيبه به، ولم أستطع كذلك أن أردد أمامه سيرتي المتقلبة بين الإيمان والجحود، أنا الذي نشأت في محيط ديني، وعائلة تقليدية محافظة ومتمسكة بالدين كثابت رئيس في حياتها، وركن من أركانها التي لا تناقش. لكنني شاطرته الرأي في أن هناك شيئًا ما يحدث بالفعل، وأنه لأمر يثير الحيرة والغرابة في الوقت نفسه، فعاد يسألني لماذا؟ وهنا توقفت عن الكلام ورحت أصف له وضعيتي الروحية:

- لقد تدهورت بشكل مروع بالفعل؛ لأنني بدأت متدينًا بالفطرة والتقليد والتعود، والأمر والنهي وحتى الزجر من طرف الوالد، ثم تمردت على كل ذلك، ولم أعد أطبق أي شيء من تلك التعاليم، غير أن تمردي لم ينقذني من أي شيء، لقد كانت أبواب الحرية التي طرقتها مليئة بالقلق والتمزق، والتمرد ليس دائمًا حلاً إن لم يكن مجهزًا بإرادة قوية لمعرفة ماذا تريد من خطواتك القادمة..

- ألا تعتبر ذلك شيئًا عاديًّا وأنت في الرابعة والعشرين؟

Page 4

- بلى، شيء عادي عندما نقول إنها سنة الحياة عند البشر جميعهم، ولكن عندما يصحب أي تمرد شعور بالخواء فهذا مخيف؛ لأنك تستطيع تدمير نفسك وما حواليك..

- لم أستطع فهمك جيدًا.

- أقصد أنني واع بحالتي فقط لأني ربطتها بالأدب وبحبـي للكتابة، ويمكن لهذا التمرد أن يجعلني أكتب، وهذا ما يريحني بعض الشيء، لكن لا أخفيك أنه قبل ذلك كانت سكينتي الروحية، رغم تشوشها أيام المراهقة، مريحة لي، وكنت أشعر، رغم لا مبالاتي بها الآن، أنني كنت سعيدًا فقط عندما كانت علاقتي متوافقة مع الدين..

بعدها عدت للصمت بينما شعرت أنه راح يفكر في كلامي، أو يحاول أن يسجل في دماغه كل ما قلته عن نفسي، وربما انتبه إلى أنني لم أقل له ما أراد سماعه حينها، فلم يشأ أن يزعجني من جديد بالحديث عن موجة التدين التي بدأت تغزو الأحياء الشعبية، والإقبال المهول على المساجد، والإحساس بأن الخلاص الحقيقي لن يكون إلا بالدين، وليس بغيره.

آثر الصمت بدوره فيما غطست أنا في قعر ذاكرتي أيام الصلاة والتعبد الذي كنت أقوم به دون أن أفهمه، أو ربيت على أدائه دون فهم "قُم للصلاة". هكذا كان يصرخ والدي، فأقوم طائعًا منحني الرأس، خائفًا من العقاب الذي ينتظر من يخالف أوامر الله. وقد قرأت كتبًا أحضرها أحد إخوتي الذي انتمى لتيار إخواني أيامها عن أهوال القيامة وعذاب الآخرة، غير أن ما كان يرعبني أكثر هو عذاب القبر، كانت كل فرائصي ترتعش، وروحي تبتئس، وقلبـي يخبو ويتلاشى ماؤه، وأضيع في ذلك الرعب الذي لا مثيل له..

قام رضا فجأة معتذرًا أن ثمة عملاً ينتظره، وقال إنه سيطلبني للتحدث معي في أمر مهم، صافحته مودعًا دون أن أثق بكلامه عن أننا سنلتقي من جديد. لقد شعرت فجأة بعد حديثنا القصير أنه لن يتكلم معي ثانية، أو أنه لا يرغب في صداقتي بالمرة، مدركًا كذلك أن أشياء كثيرة كانت تفرقنا عن بعض، ومعتقدًا بداخلي أن لا شيء يجمعنا في الحقيقة، لا الروح، ولا الهاجس، ولا تجربة الحياة التي يعيشها كل واحد منا بشكل مختلف..

Page 5

مع ذلك شغلني هذا الشخص، وسألت عنه عمي العربـي أكثر من مرة، فكان يجيب باقتضاب ويعطي معلومات بسيطة، ومرات يفضل عدم الكلام عنه، متعللاً بكون رضا شخصًا غامضًا، وأنه يعيش في عالمه الخاص، ولا يجب أن أكترث له، فأسأله مرة أخرى:

- لقد تحدثت معه في الأدب كثيرًا، ولكنه لا يتكلم عن نفسه كما تفعل أنت.

- حقًّا.

- كما لو أنه لا يريد أن يقاسم أحدًا أسراره.

- ربما هو كذلك..

- ألا تريد أن ترضي فضولي قليلاً؟

- لا أظن، فقط يجب أن تعرف أنه مثلك، تمرد في شبابه على والده، وقاوم جبروت سلطة عاتية حينها، وأنا أكبرت فيه تلك الشجاعة كثيرًا، فلم يكن من السهل في ظل سلطة بومدين أن تقف ضد الحكم وتناصبه العداء.

- ماذا فعل بالضبط؟

- آه منك يا بشير.. أنت تسألني عن حياة شخص يفضل التكتم، وحتى أصدقك القول أنا أيضًا لا أعرف عنه الشيء الكثير.

- بل تعرف، وما تعرفه قد يساعدني على الإحاطة بشخصه.

- ما الذي يهمك في أمره؟

- لا أدري.. هل تعلم، ظننته جاسوسًا!

عندما نطقت "جاسوسًا" أطلق عمي العربـي ضحكة كبيرة، وقال ساخرًا:

- ماذا قلت؟ جاسوسًا؟!.. كيف خطرت ببالك هذه الفكرة؟

Page 6

- لا أدري، مجرد حدس، شعرت أن وراء هذا الشخص حياة مليئة بالمغامرات والألغاز..

عاد عمي العربـي إلى الضحك بصوت مرتفع ثم رد:

- حياته لم يكن فيها أي مغامرة، ثم هل تريد أن أقول لك شيئًا حقيقيًّا عنه؟ إنه إنسان تعيس للغاية، وأكثر ما يميز حياة التعساء أنهم لا ينجحون في أي شيء يقومون به.

- لكنه يبدو بخير من الناحية المادية.

- لم أقصد هذا الجانب بالذات، لقد تحسنت وضعيته منذ فترة لا أدري كيف، أعرف فقط أنه صار يلبس بشكل أنيق، ويسكن في بيت بأعالي حي حيدرة، وله حتى سائق خصوصي، ولكن من الداخل هو دائمًا في حالة ألم.

- هل هناك سبب لهذا الألم؟

رغم إنني رأيت امتعاضًا في تضاريس وجه عمي العربـي، وأنا أكثر من طرح أسئلتي التي ظهرت له كأنها عملية استنطاق حقيقية، إلا أنه قال مع ذلك شيئًا مهمًّا، وشعرت أن كل عُقد ذلك الشخص تجمعت في تلك الواقعة الأليمة:

- لقد توفي والده منتحرًا وهو لا يزال شابًّا في مقتبل العمر، كان انتحارًا مؤلمًا للغاية، وأثر فيه كثيرًا، رغم اختلافه مع والده في كل شيء.

قالها بصوت مرتفع وصمت، ثم أمرني بتركه؛ لأنه لا يرغب في المزيد من الحديث عن حياة هذا الرجل الذي يبدو أنه كان محيرًا حتى لعمي العربـي نفسه، فقبلت بما جادت به جعبته من أخبار حينها، وأنا مصمم على الذهاب إلى أبعد فأبعد، ولن يوقفني أي سد مهما كان منيعًا أو عاليًا.

Page 7

تركت أمر رضا شاوش بعدها أو تركني هو، لم أره قط لسنوات عديدة حتى أنني ظننت أنني تخيلت وجوده فقط. لقد قطعت أشواطًا في الكتابة والحياة في تلك المرحلة الغريبة التي كان يسودها تذمر عام، وحالة من انسداد الأفق، ولم يكن أحد يستطيع التكهن إلى أين تسير الأمور، حتى حدث الانفجار الذي هز البلد بأكمله، وكنت قد أنهيت لتوي دراستي الجامعية حينما بدأت تحدث الاغتيالات العجيبة في صفوف المثقفين، ثم راحت أخبار الانفجارات التي تقع في كل مكان من هذه الأرض الكبيرة تصل الآذان، وأحيانًا نراها مرأى العين. وقتها رأيت رضا شاوش جالسًا في إحدى الحانات، كان بقرب أناس غرباء لم أتبينهم جيدًا، وإن شعرت أنهم ينتمون لتلك القوة التي نسمع عنها الكثير من الأساطير والحكايات أكثر مما نعرفها في الواقع، ولولا أنني كنت صحفيًّا وأعيش بملجأ للصحفيين قريب من تلك المدينة الأمنية التي صنعوها لأنفسهم؛ كي يحموا حياتهم وحياة عائلاتهم من الحرب الشرسة التي اندلعت، لما قدر لي أن أدخل تلك الحانة التي كان يؤمها هؤلاء، ولم أخف سروري برؤيته، وظننت أنه سيفرح مثلي حينها برؤيتي، لكن لم يلتفت إليّ قط، بل حتى وأنا أركز النظر إليه من طاولتي القريبة منه، لم أشعر أنه مهتم بـي، وقلت بداخلي: ربما نسيني تمامًا، وإنني أنتمي لشيء قديم في حياته.

لم أكن حريصًا أيامها على تنمية علاقاتي برجال الأمن والسلطة رغم إنهم كانوا قريبين منا حينها، وكنا تقريبًا نعيش في نفس الخندق. كنت أشعر بالنفور من تلك الدهاليز، وكانت الكتابة هي ما يساعدني على الحفاظ على ماء وجهي حينها، فانغمست في الإبداع الروائي انغماس السجين في عزلته المفروضة عليه، وظهر لي رضا شاوش من هذه الفصيلة التي لا ترتبط بصحفي أو كاتب إلا لتستخدمه في لعبتها التي لم أكن متبينًا قواعدها. وعندما لا يعرف الإنسان قواعد اللعبة فمن الأفضل أن لا يلعب أي ورقة؛ لأن ثمنها سيكون فادحًا للغاية على حياته وأمانته وصدقه مع نفسه.

عندما عدت ليلتها للفندق أو الملجأ (كما كنا نسميه)، ذهبت بسرعة لغرفتي واستلقيت على السرير، وبقيت أقرأ رواية "بيضة الثعبان" لبرغمان، وكنت أحس وأنا أقرأ بتفاعلات كثيرة، يبرعمها إحساس بالاختناق، وغياب لأي أفق ممكن في سنوات الحرب العبثية التي لم يكن يظهر لي أنها ستنتهي في يوم من الأيام. سمعت طرقًا على الباب، وكم كانت دهشتي وأنا أفتحه وأجد رضا شاوش أمامي يقف مسلمًا ومستأذنًا الدخول! فسمحت له، وأنا أخبره بما جال في خاطري عندما شاهدته في الحانة ضحك، وقال لي:

- أعرف، ولكن عندما أكون مع تلك الجماعة لا أحب أن تظهر علاقاتي الجانبية بأي شكل.

ثم جلس على السرير وتحدث معي مُجددًا:

- لقد فرحت رغم ذلك برؤيتك، وقلت ها هو أخيرًا شخص مستقيم في عالم مليء بـ..

دون أن يكمل جملته، ولكنني فهمت، وعرضت عليه أن نكمل زجاجة ويسكي، كان قد أحضرها لي صحفي فرنسي زار الجزائر لتقديم ربورتاجات عن الوضع الأمني. وعندما أخبرته عن مصدرها ضحك وقال:

- حسنًا سنشرب الويسكي الفرنسي في نخب الدم الجزائري.

سألته بعدها عن أحواله، فقال أمورًا غير مهمة، وسألني عن أحوالي والأدب، فقلت بدوري أمورًا غير مهمة. وبعد كأسين، راح يحدثني عن مخطوط يكتبه، وهو رواية كما يظن، أو سيرة خيالية، أو كما قال: "لا أدري ما هي!".

أظهرت له اهتمامي ورغبتي في قراءتها، وقلت له إنني لولا الكتابة لما استطعت أن أعيش للحظة واحدة، فكل شيء تحول لسجن.

Page 8

قال:

- أفهمك.

ثم أضاف:

- الأمور لن تستمر بهذا الشكل، ستتغير بالتأكيد، لكن المستقبل بعد الحرب سيكون أكثر غموضًا.

ولم يستطل في الشرح، ثم عاد للحديث عن مخطوطه:

- لا أريد أن أعرف رأيك، كل ما أريده هو أن تقرأه، ثم إن أردت أن تنسبه لنفسك فسأكون شاكرًا لك هذه الخدمة، فأنا لا أستطيع حتى نشره باسم مستعار.

صمت بعض الوقت، وغاص في حالة شبه حالمة وشاردة:

- إنه نص غريب، لقد حلمت دائمًا بكتابة رواية، وها أنا أفي بوعدي لنفسي على الأقل، لكن بقيت أمور لم تكتمل بعد، وقد أكملها إن لم أمت، ولكن سأرسل لك المسودة الأولى لتطلع عليها.

- تأكد أنه سيسعدني ذلك.

Page 9

عرجنا إلى الحديث عن عمي العربـي، وقال إنه تأسف كثيرًا عندما وصله خبر الوفاة، وإنه كان رجلاً شهمًا، وذا مبادئ عالية. ثم نهض من على السرير، واستأذن في الانصراف..

لقد كانت تلك آخر مرة ألتقي فيها رضا شاوش، ولقد سألت عنه عشرات الناس فلم يعرفه أحد، حتى ظننت أنني تخيلته بالفعل، أو أن عمله من السرية بحيث لا يعرفه أحد. ومضى على ذلك اللقاء عشر سنوات وانتهت الحرب، أو توقفت لزمن معين، حينما حمل لي البريد ظرفًا بداخله مخطوط مع رسالة قصيرة جاء فيها:

عزيزي الروائي بشير. م

يصلك هذا المخطوط وأنا ربما في عالم آخر، ليس بالضرورة الموت، وإن كنت لا أستبعد هذا، وفيه ما وعدتك به، المخطوط الذي كتبته تأريخًا لحياتي تلك، وربما ستجد فيه أشياء تدخل في عالم الخرافة والخيال. وقد تقول: ما هذه التخريفات العجيبة؟ ولكن أتمنى أن لا تشغلك هذه الأمور عما فيه من حكاية، هي قصة خيبة وجرح ووهم، وربما الأسوأ من كل ذلك، هو أنها قصتي أنا بكل حروفها السوداء، وأبجديتها الحارقة. إنها قصتي التي عشتها وتخيلتها، وإنها ذاكرتي التي صنعتها وصنعتني في نفس الوقت، وإنني لأتمنى صادقًا أن تكتب اسمك في أعلى صفحتها وتنسبها لنفسك، فتكون بالنسبة إليك كقصة خيال مروعة، على أن يراها الناس حقيقة مؤكدة.. مع إنني، من خلال ما عشت، لم أعد قادرًا على التفريق بين ما هو خيال وحقيقة، واقع وحلم.. شكرًا لك على التفهم، ووداعًا..

Page 10

رضا شاوش

لقد أخذت أقرأ المخطوطة فهالني ما فيها من غرابة وسحر، وإنني رغم تحسري على مسار هذا الرجل الذي دفعته الحياة إلى أقصى الظلمات، سعيد لأنه كتب نصه هذا، وليعرف الجميع أنني أنشره من دون زيادة أي حرف. لقد كتبت هذا التقديم فقط لأنسب لنفسي ما كتبته أنا، ولأترك صوته يحكي قصته كما كتبها هو، وعلى لسانه، متمنيًا طبعًا أن يكون الرجل على قيد الحياة، وأنه سيقرأ كتابه كما تركه لي بلا أي تغيير أو رتوش.