Page 1
إلى روح أخي أحمد
هلْ مَللْتَ ·· َصديقي ··
فَمِلْتَ ·· وأنْتَ الّذي تَتَفرّدُ بالحُزْنِ ··
وأطفأتَ ضوءَ سِراجِكَ ·· والطّيبةِ المُشْرَعَةْ ··
ثمَّ انسحبتَ ·· لَمْ تَقُلْ لي وَداعاً ··
إلى حيثُ لا خيبةٌ·· لَمْ تَقُلْ نَلْتَقي ··
تنخر القلبَ ·· في صَباحٍ جَميلْ ··
لا شوكةٌ في الدّماغ تدقُّ ·· لَمْ تَقُلْ نَلْتَقي ··
ولا لوثةٌ في الشّرايينِ ·· في الزِّقاقِ الَّذي يَنْتَهي ··
تَسْري ·· لِبِلادٍ نُحِبُّ ··
صديقي ·· وَما قُلْتَ حَتّى سَلاماً ··
وأنتَ الَّذي تَتَفرّدُ بالحُزْنِ ·· عَلَيْكَ السّلامُ ··
والخيبةِ المُزْمنة ·· عَلَيْكَ السّلامُ ··
قَتَلَتْكَ النّوايا ·· عَلَيْكَ السّلامْ ··
وأنْتَ تُخَبّئُ بَيْنَ خَلاياكَ ··
عِشْقاً مَريراً لعتّيلَ
ما ضاقَ ··
لكنّها الأرضُ ضاقَتْ ··
م · ع
Page 2
(1)
للحياة وجه آخر·· لون آخر·· هو آخر تماماً·· ليس له صلة بالوجه الذي عرفته·· الذي اعتدت عليه·· هو نقيضٌ تماماً··، ربما هي حياة أخرى·· عالم آخر·· بشرٌ من نوع مختلف·· بشرٌ لا أعرفهم ولا يعرفونني··، لم ألتق بهم من قبل·· لم أرهم من قبل·· لم أحس بهم من قبل··، المشترك الوحيد بيني وبينهم هو الهيئة الخارجية·· لي رأس·· ولهم رؤوس··، حتى أننا في هذه اللحظة بالذات تشابهنا حدّ التطابق·· فرؤوسنا جميعاً حليقة·· الأصلع·· وذو الشعر الأجعد·· والأملس··، ربما فرّق بيننا اللون فقط·· فالبعض برز فيه البياض·· والبعض الآخر الأسود الفاحم·· وآخرون مال اللون إلى الأشقر··، لكننا في نهاية الأمر·· جميعنا ذوو رؤوس حليقة·· إلا من بعض خطوطٍ أهملتها الماكنة الصدئة لحلاق السجن··!!هذا ما أحسست به تلك اللحظة··، وأنا جالس على دكّة إسمنتية في باحة السجن السماوية- تمتد من باب القاووش المعتم حتى آخر الحائط مسافة خمسة أمتار·· تتصل بها في زاوية قائمة دكة أخرى تمتد، حتى البوابة الحديدية، بطول ثلاثة أمتار··
الساعة الخامسة من بعد الظهر·· والهرج ما يزال يدبّ في أرجاء الباحة··، وهناك ما يزيد عن الثلاثين شخصاً يحتشدون·· البعض جالس على الدكة مثلي·· وآخرون يتمشون جماعات·· ثنائية أو ثلاثية·· يتهامسون بجدية وكأنهم يبحثون في شؤون·· ذات شأن··، وهناك ثمة من يقفون خلف الجدار الفاصل عن الفضاء الخارجي·· ينظرون بعيداً نحو قمم جبال عمان التي بدت وكأنها متصلة بعضها ببعض·· مشكِّلةً نصف دائرة من المباني البيضاء··!
وفيما عدا الشرطي السمين الجالس على مقعده قرب الباب·· مرتكزاً على بندقيته·· وحلاق السجن الذي راح يلملم أدواته الصدئة··، اتجه الجميع بأبصارهم نحو باب القاووش المعتم·، بعد أن أعلن الشرطي ذاته انتهاء الوقت·· حين أصدر نحنحةً ذات صدى··،، أتبعها بإلقاء الأمر بالدخول·· تحركت الأجساد المحتشدة بتلقائية نحو الباب·· لتشكل قطيعاً بشرياً·· أخذ يتسلل إلى العتمة·· بهدوء·· ودون تزاحم·· أو ضجيج··!!
Page 3
أواخر الربيع·· أوائل الصيف عام 1984·· كان شهر حزيران، في الأول منه·· كان يوم الاثنين·· ولا أدري لماذا الاثنين بالذات·· هو اليوم الذي عادةً ما تحدث لي فيه أحداث بارزة·· وبعضها يشكّل منعطفات هامة في مسيرتي··،، رغم أنني أدركت فيما بعد أن الأحداث الهامة في حياة الأفراد أو الشعوب لا تتم بشكل مفاجئ··، ولا تكون ابنة لحظتها·· فللحدث مقدمات·· وحالما تكتمل هذه المقدمات·· يتم الحدث·، وهذا يعني أن الإنسان الفرد أو الجماعة يمكن لهم أن يتوقعوا الحدث·· من خلال الإحساس بمقدماته·· وبما يعني أيضاًً إمكانية التدخل·· إما في اتجاه تغيير مساره أو حتى إيقافه·· فيما إذا أراد الإنسان ذلك·· وخاصة إذا لم يكن أسير عجزه··،، أما مسألة الزمن·· التواريخ والأيام، فإن الإنسان ومنذ أن بدأ يتشكل الوعي لديه بات ميالاً إلى ربط الأحداث بزمن معين·· بتاريخ معين·· سواء كانت تلك الأحداث مفرحة أم محزنة·، ربما ليقيس به قربه أو بعده عن ذلك الحدث·، وبما يعتبر وسيلة للإنسان للإحساس اليقيني بوجوده·· من خلال توثيق ارتباطه بما يجري حوله··،، فكانت الأحداث الكبرى في حياة الأمم والشعوب تشكل نقطة البدء في الزمن·· نقطة البدء في الحياة·
بعد أن تسلّل آخر القطيع البشري إلى داخل القاووش·· قمت من مكاني لأتجه نحو الباب وأنضم إليهم·· قبل أن أنتبه إلى نظرات الشرطي السمين -والذي كان ما يزال يرتكز على بندقيته- وهي ترمقني باستنكار··، مشيت متثاقلاً·· مررت بقربه·· وحين التقت نظراتنا·· اكتشفت اصفراراً شديداً يتفشّى في بياض عينيه السوداوين·، رمش بعياء·· ثم أشاح بوجهه··، تسلّلت كما تسلّلوا·· وكانت العتمة قد اشتدت بتأثير الأجساد المحتشدة في الداخل·· كلٌ يبحث عن مكان يعتقد فيه التميز عن أمكنة الآخرين··،، وبعد أن خفّ الزحام·· واحتل المعظم أمكنتهم التي اختاروها·· ولم يبق إلا البعض ممن لا زالوا يبحثون··، خطوت إلى الداخل ورغم أن مساحة المكان امتلأت حتى آخرها·· إلا أنني تمكنت من العثور على بقعة ضيقة قرب الباب·· كانت كافية لجلوسي ومد ساقيّ·· أسندت ظهري إلى الحائط·· وشبكت ذراعي حول ركبتي·· ثم أسندت رأسي كذلك إلى الحائط·· وأغمضت عيني··!!
Page 4
(2)
حين اتصلت بي راوية صباح أمس·· كنت أجلس وحدي في غرفة الصف، أصحح أوراق الامتحان النهائي لطلبة الصف الأول الثانوي، للسنة العاشرة وأنا أقوم بنفس العمل، في ذات الوقت من السنة، ولذات المادة·· والمتغير الوحيد هو وجوه الطلبة·· جيل إثر جيل·أنهيت دراستي الجامعية في الجامعة الأردنية، كلية العلوم- قسم الرياضيات·· كان خياري الوحيد يومها أن أعمل في التدريس، لم يكن خياراً جبرياً، فأنا منذ اليوم الأول لي في الجامعة، كنت قد قررت أن أكون مدرساً، ولم يكن ما حدث للأستاذ نديم - مدرس الرياضيات في مدرسة عتيل الثانوية·· القادم من إحدى القرى الجبلية المجاورة·· ليشكل رادعاً لي في اختيار المادة·· أو اختيار المهنة، لم يفقد الأستاذ نديم عقله بسبب الرياضيات·· هذا مؤكد، لكن اختياره لهذه المادة كان بالتأكيد مؤشراً على أن دماغه كان نشطاً إلى الحد الذي كان فيه قادراً على استيعاب وحل أعقد مسائل الرياضيات·
وحين استعصت علينا إحدى المسائل التي طرحها علينا أستاذ الرياضيات في كلية الحسين·· كنت في الصف الأول الثانوي·· وكانت سنتي الدراسية الأولى في عمان، عجزنا عن الحل، قال الأستاذ يومها - هذه المسألة واجبكم ليوم غد··
بذلت جهدي في سبيل حل تلك المسألة، حتى بلغت حد الإنهاك، أغلقت دفتري وتوقفت عن المحاولة، إلا أن تصوري لأستاذ الرياضيات وهو يشتم غاضباً في وجوهنا أثار لدي إحساساً مختلطاً بالخوف والخجل والحرج، وخاصة أني كنت واثقاً من أن الأستاذ سوف يتوجه إليّ أولاً طالباً مني الحل، قبل أن يتوجه للآخرين·
استولت علي حالة من الارتباك الشديد، ورحت أبحث في ذاكرتي عمن يمكن أن يساعدني في حل تلك المسألة·· فلم أجد، لكني وبعد لحظات·· التمعت في ذهني فكرة أحسست بعقمها بداية الأمر، تصورت الأستاذ نديم·· المشكلة أنه لا يتكلم·· لا يستطيع أن يوضح نفسه، ربما كان دماغه ما زال نشطاً، لكن ما دام لا يستطيع أن يوضح نفسه فكيف يمكنه أن يوضح لي الحل، تصورته وهو يبتسم تلك الابتسامة التي تحمل كل مظاهر الخوف والهلع واليأس والاستهتار·· وحتى الذعر، تصورت عينيه الواسعتين وهما تحدقان في الأشياء حوله، الناس والحيطان والسيارات، وحتى البهائم التي كانت تمر من أمامه أحياناً·· هل كان يفرق حقاً بين تلك الكتل المختلطة بعضها ببعض·· هو لم يكن يقول شيئاً·· لم يكن يوضح شيئاً، ولذلك لم يعرف أحد إن كان يفرق أم لا·
حملت دفتري وخرجت من البيت، كان الأستاذ نديم يجلس قرب الدكان الصغير الكائن في أحد المباني الملاصقة لمبنى وزارة المالية الضخم - كان الدكان شقاً طولياً في ذلك المبنى بعرض لا يتجاوز المترين، لكنه كان شديد العمق- كان الأستاذ نديم يجلس مقرفصاً على رصيف الشارع مسنداً ظهره ورأسه إلى الحائط، وإلى جانبه كيسه الأبيض الذي سوده الغبار المغبرّ ودخان عوادم السيارات الذي كان يهب فينشر سحابات قاتمة تحط على الوجوه والأشياء وخاصة تلك التي تكون في مستوى العجلات·· وكان الأستاذ نديم في جلسته تلك يقع حكماً ضمن المستوى الذي يتراكم فيه الغبار·· والدخان الأسود·
Page 5
وقفت قبالته، فنظر إلي·· وكان رأسه ما يزال مستنداً إلى الحائط، ظلت ابتسامته عالقة، لكن جفنيه أخذا يرمشان، قرفصت أمامه·· قلت وأنا أمسك بدفتري - لدي مسألة عجزت عن حلها، وكنت أهم بفتح الدفتر حين مد يده وخطفه من يدي، أخذ يتصفحه·· كان يهز رأسه حيناً وحيناً آخر يوسع من مدى ابتسامته·· حتى ليبدو وكأنه على وشك الضحك··، اقتربت منه محاولاً أن أشير إلى المسألة التي جئت من أجلها، سحب القلم من جيب قميصي·· وأسند الدفتر على ركبتيه وراح يكتب··،
لحظات·· بل هي ثوانٍ أو هكذا حسبتها·· حين أعاد إليّ الدفتر، نظرت إلى الصفحة التي كان يكتب عليها، كان خطه ما زال جميلاً·· ثلاث كلمات فقط، وكانت الأرقام التي دونها وكذلك الأسهم والعلامات تشير بوضوح إلى الحل الذي توصل إليه··
قفزت من مكاني، كان إحساسي بالفرح غامراً·· لم يكن بسبب حل تلك المسألة فقط، إنما بسبب اطمئناني إلى أن عقله كان ما يزال نشطاً، وأنه ما يزال يدرك ما يدور حوله·· أو هكذا قدرت·· أو هكذا كنت أتمنى وطمأنت نفسي أيضاً إلى أن حالته مؤقتة بالتأكيد·
مددت يدي أصافحه·· فمد يده، قلت - أنت تذكرني إذن·· لم يجب·· لكن غمامة داكنة غطت بياض عينيه، سحبت يدي·· بعد أن أحسست أني على وشك البكاء، وقفلت عائداً إلى البيت·
حين سلّمت دفتري لأستاذ الرياضيات صباح اليوم التالي، نظر في الدفتر·· وظل صامتاً لحظات، ثم نظر إليّ وكانت الدهشة تملأ عينيه، قال - من ساعدك في حلها؟ قلت - هو لم يساعدني·· بل حلّها كاملةً··، قال - من هو ؟ لذت بالصمت، فعاد يقول - هذه المسألة لا يحلّها إلا واحد من اثنين·· أنا والأستاذ نديم مدرس الرياضيات في مدرسة عتيل الثانوية، بقيت صامتاً·· عاد وسألني - من هو؟ قلت - الأستاذ نديم·· اتسعت حدقتا عينيه·· قال بإحساس كامل بالدهشة - مستحيل·· الأستاذ نديم ما زال في الضفة·· قلت - بل إنه هنا·· كانت المفاجأة كبيرة، سألني بعد صمت إن كنت سأراه قريباً، فقلت - نعم·· قال - أبلغه سلامي الحار·· قل له الأستاذ شوكت مدرس الرياضيات في مدرسة الفاضلية بطولكرم سابقاً·· يبلغك السلام· صمتّ بدوري، ولم أقل شيئاً، لم أسرد قصة الأستاذ نديم، واحتفظت بسره في صدري، ربما دون وعي مني، وجدتني معنياً بالحفاظ على الصورة التي رسمها الأستاذ شوكت للرجل أمام الطلاب·· ولذلك بقيت صامتاً·
Page 6
أنا لم أر الأستاذ نديم في الأيام الأولى لفقدانه عقله، بل لم أره منذ الأيام الأخيرة لدوامنا المدرسي، وحين تقدمنا لامتحان الرياضيات كان الأستاذ نديم غائبا، كانت المرة الأخيرة التي رأيته فيها يوم هبّت المظاهرة الأخيرة في المدرسة، كان ذلك قبل الحرب بعشرة أيام، كانت الحرب على الأبواب، وكانت مشاعر الحماسة والاندفاع قد استحكمت، فبعد الاعتداء على السموع في منطقة الخليل اندفعت المظاهرات في أنحاء البلاد، وكان الطلبة رأس الحربة، والمطلب الوحيد كان تأمين السّلاح، وفي عتّيل هبّت المظاهرات·· وتواصلت، وأشدّها عنفاً كانت المظاهرة الأخيرة، اندفع الطلبة خارج غرفهم الصفيّة، كان الطلبة الكبار في المقدّمة، أوقف الأستاذ نديم حصّة الرياضيات واندفع نحو باب الغرفة وفتحه على مصراعيه، أمرنا بالخروج··فقفزنا عن مقاعدنا، كنّا نتدافع خارج الصّف وكان الأستاذ نديم يهتف، واصلنا اندفاعنا وخرجنا إلى الشارع العام، كان ثمة المئات من الطلبة، وانضمّ إليهم المئات من الرّجال، وكانت النّسوة فوق أسطح البيوت وعلى جانبيّ الشارع تزغرد·· وتهتف، كان يوماً ساطعاً، واصلت المظاهرة مسيرتها جنوباً باتجاه دير الغصون وامتدّت الجموع بحشودها حتّى وصلت أعلى نقطة في الجبل، ثم استدارت واتّجهت شمالاً حتّى بلغت أطراف زيتا شمالاً، كانت الحشود تغطّي الشارع العام وتغطّي كذلك أطراف السّهل الغربيّ ،وكانت الهتافات تصدح في فضاء المنطقة ،كانت عتّيل وكانت دير الغصون··وزيتا وفي الشّرق كانت علاّر·· جميعها كانت مسرحاً لمظاهرة عارمة، تواصلت حتّى المساء حين اقتحم الفرسان بخيولهم جموع النّاس· حين بدأوا بإطلاق النّار في الهواء، كانت خيولهم الدّهماء تدوس الأجساد المتدافعة فيما كانت سياطهم تضرب يميناً وشمالاً·· وفي كلّ اتجاه·· منذ ذلك اليوم وحتّى يوم خروجنا لم أر الأستاذ نديم· قال بعض الطلبة إنّه مازال في السّجن، آخرون قالوا··بل أطلقوه لكنّ أوضاعه الصحيّة سيّئة· قامت الحرب واحتلّت البلاد·· فتقطّعت أوصال المنطقة مثلما تقطّعت أوصالنا، ولم نعد نعلم شيئاً مما يدور في الأرجاء ·
بعد معركة الجبل كان الإحساس بالرعب قد طغى، وطغى كذلك الإحساس بانعدام الأمل في يوم آخر·· في طلوع نهار جديد، في حلم جديد، كأنما توقف كل شيء، وأطبقت العتمة، وبدا شبح الفناء عن هذه الأرض وكأنه طائر أسود باسط جناحيه المظلمين العملاقين فوق مساحة الأرض·· وكانت عتيل والقرى المحيطة بها·· بسهولها وجبالها·· ببيوتها وأزقتها·· هي الأرض، ليس من عالم آخر، ليس من حياة أخرى، هكذا كان الإحساس، وأحس الجميع كأنها القيامة· كان الإحساس بالموت سيد المكان، سيد الأرواح التائهة في فضاء لا منفذ له، كان إحساساً تاماً بالانفصال عن المكان والزمان·· بالانفصال حتى عن الحواس الخمس، عن القلب والعقل· لم يحتمل الأستاذ نديم كل ذلك·· هكذا قالوا، تشظّى دماغه وتداخلت خلاياه، خرج عن الصمت، عن السكون، عن الظلمة·· لم تعد تعني له الحياة شيئاً، لم يعد يعنيه الناس، وكانت حواسه الخمس قد فرّت من جسده·· كالفراشات، خرج من بيته عاري الصدر، حافي القدمين، وراح يجوب أزقة قريته المقفرة، يقف عند جدران البيوت·· ويخطّ بإصبعه فوق الجدران، وصوته يهدر بالأرقام والمعادلات·· هكذا ابتدأ الأستاذ نديم·· هكذا قالوا·
Page 7
وفي مساء ذلك اليوم من نيسان عام 1968، خرجت من البيت، وتوجهت صعوداً نحو منطقة العبدلي، كنت أقصد اللويبدة - الجبل الذي كنت أحب - كانت شوارعه هادئة وجميلة·· كانت أشجاره كثيفة والمباني فيه جميلة أيضاً، لفت نظري شخصٌ قادم نزولاً إلى وسط المدينة، كان يمشي بتمهّلٍ أيضاً، لفت نظري بكثافة شعر رأسه ولحيته، كان يلبس معطفاً أسود طويلاً يصل حتى أسفل ركبتيه، وكان يحمل على كتفه كيساً أبيض، توقفت ورحت أنظر صوبه ، كانت خطواته بطيئة، كان يمشي ورأسه إلى الأعلى، وحين أصبح في النقطة المقابلة لي على الرصيف الآخر، أحسست بقوة غريبة تدفعني نحوه، لم أتردد·· قطعت الشارع إلى الرصيف الآخر، كان الرجل ما يزال يمشي متمهلاً، وكنت قد أصبحت خلفه مباشرةً، مشيت خلفه متمهلاً أيضاً، تفحّصته·· لم يكن شعره أسود تماماً، كان مائلاً للبياض بفعل الغبار، نظرت إلى قدميه·· كان بلا حذاء، أسرعت قليلاً، وحين أصبحت بموازاته، نظرت في وجهه، لم يلتفت إليّ، خطوت للأمام وعدت أتفحص وجهه، أحسست بما يشبه الصدمة، أحسست بجفاف في حلقي، واشتدّت خفقات قلبي، توقفت أمامه·· فتوقف، نظر إليّ، كانت يده اليمنى مرفوعة إلى كتفه تمسك طرف الكيس المعلق فوق ظهره، كنت قد تيقنت أنه هو، صحت - الأستاذ نديم··، لم يجبني، لكنه ابتسم لي بعياء، مددت يدي نحو يده التي تمسك بالكيس·· قلت - أحمله عنك، لكنه رفع يده اليسرى وأشهرها في وجهي، كنت ما أزال أقف أمامه·· حين اتجه يساراً وتجاوزني، وأكمل سيره نزولاً، وظلّت خطواته بطيئة أيضاً، استدرت بدوري·· وبقيت واقفاً أتابعه بنظري، أحسست بوهن شديد في ساقيّ، خطوت إلى الحائط·· واستندت·
انتظرت قليلاً، ثم وجدتني أتجه نزولاً خلفه، وبعد أن قطعت مسافة قصيرة، رأيته يتوقف عند الدكان الصغير الذي اعتدنا شراء حاجياتنا منه، كنت قد وصلت إلى الدكان خلفه، لكني أبقيت على مسافة أمتار بيني وبينه، كانت الصناديق الخشبيّة المعبأة بالزجاجات الفارغة تحتلّ مساحة على الرصيف أمام الدكان، وقف الأستاذ نديم خلف الصناديق، وأنزل كيسه الأبيض ووضعه على الأرض، ثم نزل بجسده على الأرض، أسند ظهره إلى الحائط ومدّد ساقيه، دخلت الدكان، كان صاحبه رجلاً في منتصف العمر، ذا لحية قصيرة يميل لونها إلى الأبيض، كان يعرفني جيداً·· سألني إن كنت أريد شيئاً·· لم أجبه، عاد وسألني إن كان هناك شيء ما، أشرت بيدي إلى خارج الدكان وقلت - ذلك الرجل، نظر إلى حيث أشرت بيدي، لكنه لم ير أحداً، قلت - إنه يجلس على الرصيف، تحرك من مكانه وتبعني خارجاً، أشرت إلى حيث يجلس الأستاذ نديم، قلت فيما كان صاحب الدكان يتأمله - هل تعرفه؟ هزّ رأسه نافياً، اقترب صاحب الدكان من الأستاذ نديم، قرفص أمامه، سأله إن كان به شيء فلم يجب·· سأله إن كان يشكو من شيء·· ولم يجب أيضاً، دخل الرجل دكانه·· وعاد بزجاجة ماء، قدمها له، أخذها الأستاذ نديم·· رفعها إلى الأعلى وراح يصب الماء في جوفه عبر فتحة فمه التي اتسعت إلى آخر مدى، تبللت لحيته كذلك عنقه·· ثم صدره·· وبعد أن اكتفى من شرب الماء، رفع الزجاجة إلى ما فوق رأسه وصبّ ما تبقّى فيها، دخل الرجل إلى دكانه مرة أخرى وعاد يحمل رغيفاً وقطعة جبنٍ وحبتين من البندورة قدمها له، اعتدل الأستاذ نديم في جلسته·· وأخذ الرغيف وحبتيّ البندورة، وشرع في الأكل، تنحيت جانباً·· وتجنبت النظر إليه، فيما كان يلتهم الرغيف، كان جوعه قاسياً·· مثلما كان عطشه، كيف قطع كل هذه المسافة من قريته المجاورة لعتيل·· ليصل إلى هذا المكان··؟ ماذا حدث له·· وكيف حدث؟ أسئلة كثيرة كالرماح كانت تخترق عقلي وقلبي، هذا الرجل الذي كان صوته يدوّي حين كان يحلّ مسائل الرياضيات الصعبة في الصف·· وهو يلوّح بكلتا يديه، وحين كان ينتهي من كتابة الحل على اللوح الخشبي·· يرمي ببقايا الطباشير في الهواء·· فنتقافز لالتقاطها، ينفض يديه ثم يأمرنا أن نمسح اللوح·
Page 8
قلت لصاحب الدكان - هذا هو الأستاذ نديم، ورحت أسرد عليه قصة الرجل منذ دخل صفنا قبل سنتين من الاحتلال، رحت أسرد عليه كيف كان يأتي إلى عتيل مشياً على قدميه·· يقطع الجبال الوعرة حتى يصل إلى الشارع الرئيسي الذي يمر من عتيل إلى القرى الشمالية، كان الرجل يحب المشي·· لأنه كما كان يقول يثير طاقة العقل، وكانت طاقة عقله في أوجها، كان الأستاذ نديم الصديق الأقرب للأستاذ شافع، أستاذ الرياضة·· وأستاذ الرياضيات·· كانا معاً يشكلان ثنائياً جميلاً، كانا ثنائياً مثيراً لطاقة العقل·· وطاقة البدن، أبدعا·· وأبدعنا معهما··، كان صاحب الدكان ينظر إليّ مندهشاً، وحين كنت أتوقف لأتيح له فرصة القيام بعمله، كنت أراه يسرع في ذلك·· وأحياناً يعتذر للزبون، وأحياناً أخرى يهمله·· ويظلّ ينظر إليّ يحثني على الاستمرار في السرد·
سردت قصته لأهل الحي، وكلما كنت أسردها·· كان تعلقي بالرجل يزداد، كان أبي قد استشهد قبل شهر واحد من لقائي بالأستاذ نديم، وحين سردت قصته على أمي في اليوم الأول، بكت·· بكت أمي بحرقة، وفوجئت بها في اليوم التالي تطلب مني مرافقتها إلى الدكان لتراه، ورأته·· وكان الأستاذ نديم ما يزال مكانه على الرصيف·· منذ جلس يوم أمس، كانت أمي تحمل بيدها ورقة نقدية، قدمتها له·· فدار برأسه يساراً، ابتعدت أمي·· فيما رحت أنظر إلى وجهه، كنت أهمّ بحثّه على قبول الورقة النقدية·· لكني حين رأيت دوائر الجمر تتسع في عينيه·· أصابني الخرس·
Page 9
(3)
كان المراسل يقف في باب الصف·· قال - أستاذ مهدي أنت مطلوب على الهاتف·نهضت وخرجت من غرفة الصف، كان الهاتف في غرفة المدرسين التي لا أتواجد فيها إلا عند الضرورة··، كانت راوية·· قالت - أريد أن أراك اليوم·· قلت - متى؟ قالت - الساعة العاشرة إذا أمكن·· قلت - أين؟ قالت - في مكتبي··
أغلقت السماعة·· ونظرت صوب الساعة المعلقة أعلى الجدار، كانت تشير إلى التاسعة وعشر دقائق··
كانت الساعة العاشرة حين وصلت إلى مكتبها، سألتني السكرتيرة عن طلبي، قلت - لدي موعد مع الآنسة راوية·· طلبت مني الانتظار، رفعت سماعة الهاتف·· ولم تكد تقول شيئاً حتى أشارت إليّ بيدها نحو باب المكتب، طرقت الباب فجاء صوتها رقيقاً- ادخل··
فتحت الباب وخطوت إلى الداخل·· كانت الغرفة واسعة وكانت طاولة المكتب تحتلّ ثلثها·· وفي اليسار كانت طاولة مستديرة حولها مقاعد مزخرفة ذات مساند عالية، وأمام طاولة المكتب أربعة مقاعد مزخرفة أيضاً وبينها طاولة واطئة··
كانت راوية واقفة حين دخلت، دارت حول المكتب ومشت نحوي، كان استقبالها حاراً وكانت ابتسامتها تضيء وجهها الأبيض المائل للحمرة، أشارت إلي بالجلوس على أحد المقاعد أمام المكتب وجلست هي في المقعد المقابل·· سألتني عن أحوالي وأحوال شقيقتي ملك، سألتني عن عملي ثم علقَّت:
- هل ستبقى مدرساً إلى الأبد··؟
ابتسمت لها ولم أقل شيئاً·· سألتني عن الأستاذ نديم وعن أخباره، قلت لها إنه ربما عاد إلى الضفة فهو لم يظهر منذ أربعة شهور··،
قلت- وأنتِ·· ما هي أخبارك؟
بعد أن تخرجت راوية من الجامعة الأردنية، كلية الآداب - قسم اللغة العربية·· تم تعيينها مدرسة للغة العربية في مدرسة سكينة بنت الحسين الثانوية للبنات، لم يكن خيارها الوحيد، ربما كان خيارها الأبعد، فهي لم تكن ترغب في أن تكون مدرسة يوماً، كانت ترى أن تلك المهنة لا تتفق وطبيعتها·· لكن الوظائف التي عرضها عليها والدها·· لم تكن لتلبي طموحها أيضاً، ثم إنها كانت تدرك مدى الهوة بين طبيعة الوظائف التي عرضت عليها وبين تخصصها الجامعي·
Page 10
قال لها والدها يومذاك - ليس المهم التخصص·· المهم هو أنك جامعية، ثم إن الوظيفة الحكومية لا تتطلب جهداً·· ولا حتى وقتاً·
- لكن ما الذي يمكن أن أفعله في وزارة المياه·· مثلاً·
قالت راوية··فرد والدها
- مثلما يفعل الآخرون ·· ثم هل تعتقدين أن جميع من في الوزارة متخصصون في مسألة المياه ··؟ أكثر من ذلك·· فإن معظمهم لا يحملون الشهادة الجامعية·· والكثيرون منهم لا يحملون حتى شهادة الثانوية··
لكن راوية أصرّت واختارت أن تكون مدرسة·· وأعلنت أن ذلك هو الخيار الأفضل·
تقبّل والدها الأمر·· لكنه بقي مصمماً على قناعته بأن ذلك ليس هو المستقبل بالنسبة لها·· وأن هناك أفقاً واسعاً ينتظرها·· وسوف تحين اللحظة المناسبة· [
كانت قد مضت سنة على آخر مرة رأيتها فيها، لم أحاول الاتصال بها أو زيارتها·· كان ذلك منذ أصبحت مديرة دائرة في الوزارة·
- لماذا لم تتصل بي كل هذه المدة؟
نظرت إليها·· فاستطردت··
- بالنسبة لي·· كانت البداية صعبة والأمور في حالة فوضى·· لكني الآن أقل انشغالاً من قبل·
كان حديثاً طويلاً·· بدأناه بدروس الرياضيات حين كانت في الصف الإعدادي الثاني، وكنت حينها في الصف الثانوي الأول، كانت تعلن لي طوال الحصة أنها لن تحب الرياضيات يوماً·· وتواصل الحديث حتى وصل بنا إلى لحظة قرارها السفر إلى بريطانيا لإكمال دراستها العليا··،
صمتنا كلانا تلك اللحظة، فقد كان قرارها المفاجئ بالسفر صدمة لي، ليس لأني كنت ضد مبدأ الدراسة·· لكن لأني كنت أعد نفسي حينذاك لزيارة والدها·· والتحدث إليه في أمر الزواج، رغم معرفتي المسبقة أنه ما كان ليوافق·· فهو الذي كان قد طلب مني قبل ثلاثة شهور فقط من سفرها أن أنهي صلتي بها·· وأن أبتعد، وأضاف يومها
- راوية لها مستقبل كبير·· فاتركها وشأنها·