حوار مع الغرب
عندما قال الشاعر الإنكليزي روديارد كيبلنغ (1865-1930) مقولته الشهيرة "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" لم يكن يعلم أن العالم سيتغير إلى درجة كبيرة، فالتطور العلمي والتقني في الاتصالات ووسائل الإعلام جعل العالم قرية صغيرة، فأهل الشرق يتأثرون بما يحدث في الغرب، والناس في الغرب يعرفون ما يحدث في الشرق ويتأثرون به، وربما تحركوا على الصعيد الشعبي والإنساني والسياسي لاتخاذ مواقف داعمة أو مناهضة.
لم يعد هناك شرق مطلق ولا غرب مطلق؛ ذلك أن الحضارة نتاج ثقافي شاركت في صنعه مادياً ومعنوياً العديد من الشعوب، فكانت الحضارة دُولة بينها.
لكن البعض يصر على أن العلاقة صراع بين الشرق والغرب، وهو يرى أن الحضارات الشرقية مختلفة من الناحية الثقافية والعقلية والعقائدية عن الحضارة الغربية؛ وأن الصراع بينهما حتمي، ويستحضر من التاريخ كل مآسيه، للنفخ في كيـر التطرف والكراهية، وبث العداء بين الشعوب، وإشعال نار الحروب؛ الثقافية منها والعسكرية.
وباعتبار أن لكل فعل رد فعل مماثل؛ يبدأ العنف بالظهور، وتبدأ معه التعبئة الفكرية والإعلامية والثقافية والأيديولوجية.
هكذا ظهر على الجانبين عدد من المفكرين الذين دعوا إلى التمركز على الذات، وإبراز تفوق حضارتهم الخاصة، متجاهلين الحضارات الأخرى وإنجازاتها، ومشاركتها في تقدم الإنسانية. مما كان له تداعيات سيئة على الحضارة الإنسانية عموماً.
من هنا برزت الحاجة إلى الحوار لتأسيس أرضية إنسانية مشتركة، بعيدة عن التعالي والتمركز حول الذات؛ تقوم على الحوار والتعارف والتكامل، فالحوار هو الطريق الموصل لتقارب الأفكار والرؤى، ولوضع الحلول التي تجعل الجميع أسرة واحدة بعد أن أصبحت الكرة الأرضية قرية واحدة.
تهدف هذه السلسلة من الكتب لتعريف كل طرف على فكر الآخر، وتقدم أبحاثها بموضوعية وجرأة بعيداً عن المجاملات، فالهدف هو الوصول إلى الطريق العملي للتعارف، وفهم الذات والآخر بوضوح، والتفهم لخصوصيات وثقافات الآخر، واحترام حقه بالاختلاف؛ وسيلةً لنمو الحضارة والثقافة الإنسانية.
دور الأديان في السلام العالمي
1-"موقف الإسلام من السلام العالمي
الدكتور : محمد سعيد رمضان البوطي
2-"الديانات الإبراهيمية الثلاث
تحولات تاريخية - تحديات الوقت الحاضر
الدكتور : هانز كينغ
موقف الإسلام من السلام العالمي
الدكتور
محمد سعيد رمضان البوطي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال. وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فيا أيها السادة والسيدات: في اللقاءات السياسية تتغلب الدبلوماسية عادة على الشفافية، أما في مثل هذا اللقاء فأعتقد أنه يجب أن تتغلب الشفافية على الدبلوماسية.
ويقيناً مني بهذا الذي أقول، أستطيع أن أبدأ حديثي بأن أقول لكم: إني اقترحت أن يكون عنوان هذه الندوة: دور الدين، لا دور الأديان، في ترسيخ السلام العالمي.
وإليكم بيان السبب في ذلك:
من المتفق عليه عند جميع رجال الدين في العالم أن التاريخ الغابر رصد بعثة رسل وأنبياء كثيرين، عرفنا أسماء بعضهم، وهم الذين وردت أسماؤهم في القرآن والكتب السماوية الأخرى، وغابت عنا أسماء أكثرهم؛ وهم الذين لفت القرآن نظرنا إليهم بمثل قوله: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 35/24] ، وقوله: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 4/165] ، وقوله: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 40/78] . وهذا على خلاف ما هو شائع عند كثير حتى من المفكرين الإسلاميين والواعظين الذين تألقت أسماؤهم في وسائل الإعلام، من أن جميع الرسل والأنبياء إنما بعثوا في منطقة الشرق الأوسط، وفيهم من يتكلف البحث عن الحكمة من ذلك. وهذا خطأ مكشوف وفاحش.
ثم إن مما لا يتأتى الخلاف فيه أن دعوة كل نبي ورسول تضمنت إبلاغ الناس أمرين اثنين:
أولهما العقيدة، أي تعريف الناس بحقيقة الكون والإنسان والحياة، وبمنهاج رحلة الإنسان في وجوده النوعي الذي يعيشه.
ثانيهما التشريع والأخلاق، والمراد بهما مجموعة التعاليم السلوكية التي ينبغي أن يأخذ الإنسان نفسه بها، سواء فيما يتعلق من ذلك بذاته، وما يعود من ذلك إلى علاقته مع الآخرين.
والانضباط بالعقيدة هو الذي يجعل من الإنسان بعيداً عن الإلحاد، ومصطبغاً بالدين، حتى ولو لم يلتزم بالأحكام السلوكية، التي تدخل في قسم التشريع والأخلاق.
ومن المعلوم أن العقائد التي يتلقاها الإنسان من الكتب السماوية، داخلة - فيما يسمى بمصطلح اللغة العربية - في قسم الإخبار، ولا علاقة له بالإنشاء.
والخبر هو الكلام الذي يصح أن يخضع قائله لأحد وصفي الصدق أو الكذب. أما الإنشاء فهو إما أن يكون أمراً أو نهياً أو استفهاماً، ومن ثم فإن قائله لا يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب في ذلك، لأن المنشئ لا يوصف بأي منهما.
ومن هنا كان الإنشاء خاضعاً لإمكان نسخه ببديل عنه، كأن يأمر المتكلم بشيء، ثم يلغي بعد حين أمره بذلك. في حين أن الإخبار ليس خاضعاً، فيما يجزم به العقل، للنسخ والإبدال. بل إن المتكلم إذا أخبر بشيء ثم ألغى إخباره به وأخبر بنقيضه، فهو لابد أن يُنعَتَ بالكذب في أحد الخبرين، أو بالخطأ في أحدهما.
ونظراً إلى أن العقائد التي جاءت بها الكتب السماوية من نوع الإخبار، ونظراً إلى أن الله جل جلاله منزه عن الكذب وعن التورط في الخطأ، باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، إذن فمن المستحيل أن يخاطب الله عباده، عن طريق كتبه السماوية، بأخبار متناقضة، إلا في نظر من يرى إمكان اتصاف الله بالكذب فيما يخبر عنه، أو يرى إمكان تورطه بالخطأ في إخباراته المتناقضة. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
إذن، فالعقائد الدينية - وهي من نوع الإخبار كما علمنا - لا يمكن أن تتناقض أو أن تختلف مضامينها ما بين نبي وآخر، أو ما بين كتاب سماوي وكتاب سماوي آخر. في حين أن الشرائع - وهي كما علمنا أحكام سلوكية - تتبع المصالح الإنسانية التي قد تتبدل من عصر إلى آخر.
وتتلخص العقائد الدينية في التبصير بحقيقة الكون والإنسان والحياة، ويشمل ذلك بيان وجود الله ووحدانيته وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من الصفات والأفعال، كما يشمل الإخبار بما وراء الموت من الحياة البرزخية، وبما وراءها من اليوم الآخر والحساب والمآل الأخير المتمثل في الاستقرار في الجنة أو في النار.
إذن فقد تبين أن كل نبي كان يدعو قومه الذين أرسل إليهم إلى الإيمان بهذه الحقائق. ومن ثم فقد كان كل منهم يأتي مصدقاً لدعوة من قبله ومبشراً ببعثة من سيأتي بعده.
وهكذا فقد تلاحقت بعثتهم إلى مختلف الأقوام والأمم ليؤكد الجميع حقيقة واحدة أمرهم الله بتبليغها وحمل الناس على الإذعان لها، ألا وهي الدينونة لله وحده إلهاً واحداً لا شريك له، يتصف بكل صفات الكمال ويتنزه عن كل صفات النقصان.
وهذا ما بيّنه الله صراحة في قرآنه المنزل على آخر الرسل والأنبياء محمد ، وذلك في قوله عز وجل:
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 42/13] .
بل إن العقل لا يتصور أن يختلف الأنبياء - بعد يقيننا بنبوتهم وصدقهم - في شأن الدعوة إلى العقيدة، ولا يمكن أن يصدق بوجود أي مسوغ لأن يخاطب هذا الإله الواحد الذي نؤمن جميعاً به، عباده عن طريق رسله بإخبارات متناقضة، وأن يكلفهم بمعتقدات متضادة، بحيث يجعل من اختلاف المعتقدات التي يخاطبهم بها سبباً لاستثارة طائفة من عباده على طائفة أخرى، وبحيث تصبح هذه المعتقدات المتصادمة سبباً للخصام بدلاً من أن تكون أداة للوفاق والوئام.
إذن، فإن أول ما ينبغي أن نجتمع عليه، هو الإقلاع عن التعبير بكلمة «الأديان السماوية»، وأن نستبدل بها «الدين السماوي»، على أن نعلم أن الرسل والأنبياء قد بعثوا بشرائع متعددة. إن التعبير بالشرائع بدلاً من الشريعة في هذا المقام سليم ودقيق. أما التعبير بالأديان بدلاً من الدين فباطل من القول، لا يؤيده العقل ولا يتفق مع يقيننا بصدق الرسل والأنبياء، ومع يقيننا بتنزه الله عن النقائص والفحشاء.
وعندما نعلم أن المعتقدات التي بعث بها الرسل والأنبياء واحدة، لابدّ أن يقودنا العقل السليم إلى الإيمان بها والاجتماع عليها. وعندئذ لابدّ أن تتمتع الأسرة الإنسانية المنقادة للدين، بوحدة فكرية وسلوكية، ولا بدّ أن يسيَّج وجودها بسياج العدل والسلام الشاملين.
***
لذا، وانطلاقاً من الشفافية التي ألزمت نفسي بها، في فاتحة هذا البحث، والتي أعدها رأسمالي الأول في مثل هذا الحوار، أستطيع أن أقول:
إنني عندما أتحدث عن موقف الدين، وليس الأديان، من السلام العالمي ودعائمه ومؤيداته، فإن الإسلام، يقيناً، هو الترجمان الأمين لجميع الرسالات التي بعث بها الرسل والأنبياء؛ وذلك لسببين اثنين: أولهما أن محمداً إنما بعث إلى الناس كافة، في حين أن كلًّا من الرسل والأنبياء السابقين إنما بعث لقومه خاصة. ثانيهما أن محمداً هو آخر الرسل والأنبياء بعثة، فلا نبي بعده باتفاق سائر أهل الكتاب.
إذن فحديثي الآن عن موقف الإسلام من السلام العالمي اختصارٌ لحديثي عن الرسالات التي بعث بها سائر الرسل والأنبياء.
إن أول ما يواجهني به الإسلام تعبيراً عن موقفه من الأسرة الإنسانية جمعاء، قول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً *} [الإسراء: 17/70] .
ومن المهم أن نلاحظ بأن قرار هذا التكريم جاء خِلعةً للأسرة الإنسانية جمعاء قبل أن تتوازعها فوارق الدين والمذاهب المصطنعة، ودون أي اعتبار للطبقة المستعلية أو الهابطة. وإننا لنعلم أن التكريم الشامل بهذا الشكل، أصدق تعبير عن غرس هذا التكريم دعائِمَ السلام وموجباته ومسلتزماته، في المجتمعات الإنسانية كافة. إذ كيف يتأتى تكريم الله الأسرة الإنسانية جمعاء، إن سلّمنا بتعريضه لها لما يناقض السلام، ولما يحرمها من فرص الأمن والطمأنينة ورغد العيش؟!..
***
ولكن الإسلام الذي أخبرنا بقرار تكريم الله للإنسان، وأنبأنا بالقرار الذي يستلزمه هذا التكريم، وهو إحاطة المجتمعات الإنسانية بسياج الأمن والسلام، افترض وجود من يصرّ على اختراق هذا السياج باستخدام أسباب الوقيعة والخصام، سعياً وراء مغنم، أو رغبة في الاستئثار بسلطة، أو طمعاً في استخدام مستضعفين، وهذا الذي افترضه الإسلام موجود ومستمر من أقدم العصور إلى هذا اليوم، وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فما السبيل الذي ينبغي أن يُتَّخَذَ إلى حماية السلام العالمي الذي هو الثمرة الأولى لتكريم الله الأسرة الإنسانية جمعاء؟
لا يختلف عاقلان في أن السبيل الذي يجب أن يُتَّخذ إلى ذلك، إنما يتمثل في الضرب على أيدي الذي يصرون على العبث بالسلم، استجابة لرعوناتهم وأطماعهم. ولا ريب أن المتساهل في النهوض بهذا الواجب، يزهق ما تستظل به الأسرة الإنسانية من رواق الأمن والطمأنينة، ومن ثم فإن التساهل في الضرب على أيدي هؤلاء العابثين مساهمة نكراء من أولي الأمر في عبثهم بالسلم، وتواطؤ منهم مع المتربصين به والمتآمرين عليه.
والكلمة الجامعة المعبرة عن العبث بالسلم والتآمر عليه، في القرآن، هي كلمة (الظلم). والكلمة الجامعة المعبرة عن حماية السلم والسهر على رعايته وحمايته، في القرآن، هي كلمة (العدل).
فحيثما أمر القرآن بالعدل، وكلما أمر بتنفيذ أحكامه، فهو أمر منه بحماية السلم العالمي وإقامة دعائمه. ومن آياته التي يأمر الله فيها بإقامة موازين العدل قوله عز وجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 5/8] ، ومنها أيضاً قوله عز وجل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 6/152] .
وحيثما حذر القرآن من الظلم ونهى عنه، فهو نَهْيٌ للناس عن العبث بمقومات السلم وأسباب الأمن، فمن ذلك قوله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ *} [الأنعام: 6/82] .
إن السلم في ميزان القرآن وحكمه، أقدس ثروة يجب أن تحافظ عليها المجتمعات. أرأيت إلى لصوص توجهوا إلى ثروة مالية يريدون اقتناصها من أصحابها، أو إلى عِرْض يريدون استلابه والعدوان عليه، أو إلى أرض يريدون اغتصابها من ملاكها، إن هذه كلها ثروات مقدسة، ولكنّ ما هو أقدس منها كلّها، السلم الذي تتمتع به الأسرة الإنسانية.
فإذا كان العدوان على الثروات المالية، وعلى الأوطان، وعلى الأعراض، يستوجب - بإجماع العالم - إنزال العقوبات الصارمة بالمتورطين فيها، فإن المتربصين بسلم المجتمعات الإنسانية والمعتدين عليه، يجب أن ينالهم - وبإجماع العالم كله - من العقاب ما يتجاوز عقاب سائر المجرمين.
ذلك لأن غياب السلم هو المصدر لتلك الجرائم التي يجمع العالم على ضرورة إنزال العقاب بمرتكبيها. فمن تساهل في الوقوف في وجوه العابثين بها والمتربصين بها، فلن يتأتى له القضاء على سلسلة الجرائم الأخرى.
من هنا كان سلام الأمة أقدس ما تجب حمايته والمحافظة عليه. والنص القرآني المعبر عن ذلك صراحة، قول الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *} [البقرة: 2/208] .
ومن هنا كان العدوان على سلام الأمة أشنع جريمة تستأهل العقاب الصارم، في قرار الإسلام وحكمه. والنص القرآني المعبر عن هذه الحقيقة قول الله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *} [البقرة: 2/190] .
لعلك تسأل، أو تستشكل فتقول: إن الآية التي استشهدت بها على قدسية السلم ووجوب حمايته، تخاطب بذلك المسلمين أي المؤمنين دون غيرهم. أليس في هذا ما يدل على أن القرآن إنما يعنيه السلم الذي ينبغي أن يمتد رواقه على المسلمين، دون أن يبالي في ذلك بغيرهم؟..
والجواب أن من المعلوم بداهة أن مدرساً صاحب اختصاص علمي، إنما يبدأ تدريسه بتعريف الطلاب على اختصاصه العلمي مقروناً بالبراهين، حتى إذا عرفوا ذلك وأيقنوا بمكانته العلمية فيما يريد أن يعلمهم إياه، أخذ يخوض بهم في مسائل ذلك العلم.
إن المراد بلا شك، تحقيق النفع العلمي لهم جميعاً، ولكن سبيل ذلك هذا التعريف الذي لابدّ منه أولاً. فمن أعرض عن المقدمة التي يعرف فيها الأستاذ على مكانته العلمية وشواهد اختصاصه العلمي، فلا ريب أنه لن يكون مشمولاً بالخطاب التعليمي للمدرس، غير أن الذي أخرجه عن شمولية الخطاب التعليمي ليس المدرس، بل هو الذي أخرج نفسه عن ذلك الشمول عندما أعرض عن المقدمة التي واجه بها المدرس طلابه؛ إذ كشف لهم عن قدراته العلمية والشهادات التي تنطق له بذلك.
إن الله عز وجل دعا عباده جميعاً عن طريق رسله وأنبيائه، إلى أن يتأملوا في الدلائل العلمية على وجود صانع حكيم عليم قادر لهذا الكون، وأن يؤمنوا بألوهيته إلهاً واحداً عليهم، ويؤمنوا بعبوديتهم ومملوكيتهم له، كي يثقوا بصحة التعاليم التي يواجههم ويكلفهم بها. فكان في الناس من استجاب فتأمل ثم آمن وأيقن.. وكان فيهم من أعرض وتشاغل واستكبر.. إن من البداهة بمكان أن التعاليم الإلهية إنما توجه إلى أولئك الذين عرفوا ألوهية الله للكون وربوبيته لهم، لأنهم هم المهيؤون للإصغاء إلى تعاليمه وللاستجابة لأوامره. أما الآخرون فإن من العبث مخاطبتهم بما لا يؤمنون به، لأنهم لم يؤمنوا بعدُ بمن هو أهل لفرض أحكامه، وبمن هو المالك لرقابهم والمتحكم بحياتهم ومصيرهم..
إذن فالتعاليم الإلهية موجهة في الأصل إلى الناس جميعاً، ولكن سبيل وصولها إليهم بالإذعان والقبول، أن تمرّ بقناة الإيمان بصاحب هذه التعاليم، فإن لم تمرّ بهذه القناة مع التصديق والإذعان، غدت مخاطبتهم بها عبثاً تنأى عنه الحكمة وموازين الرشد.
إذن فقد انتهينا إلى يقين بأن كل من قاوم ميزان العدالة بين الناس، واستمرأ الظلم وأسبابه، فقد أعلن بذلك عدوانه للسلام وحاول استجرار المجتمعات الإنسانية إلى التهارج والحروب، كما انتهينا إلى أن كل من سار في طريق العدل وتمسك بضوابطه لابدّ أن يصل إلى واحة السلم، شاء أم أبى.
***
فهذا الذي تمَّ بيانه، يضعنا أمام المعنى الذي يتضمنه (الجهاد القتالي) الذي شرعه الإسلام، ويكشف لنا عن أدبياته وعن الغاية التي شرع من أجلها.
إن وظيفته كبح جماح البغي والعدوان، وحماية السلم الاجتماعي من كل ما قد يتهدده من سهام الكيد والإجرام. وإن وقائع التاريخ خير شاهد على ذلك.
وحسبك أن تعلم ما هو مقرر في الشريعة الإسلامية بالإجماع، من أن السلم على الأرض هو الأساس الذي يجب ترسيخه والسهر عليه، وأن الحرب حالة عارضة لا تشرع إلا لحماية السلم مما قد يتهدده، ولإلجاء البغاة والمعتدين إلى الرجوع عن غيهم وبغيهم والركون إلى واحة السلم. يدل على ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 8/61] ، وقوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 9/6] .
في الناس من يتجاهل هذه الحقيقة، ويقول: إن أول ما يبطل هذا الذي تقوله عن مبررات الجهاد في الإسلام، اسم «الغزوة» أو «الغزوات» التي أطلقها المسلمون أنفسهم على الحروب التي شنها محمد على الآخرين. وهل الغازي إلا ذاك الذي يفاجئ الناس بالحرب والقتال، وهم آمنون مسالمون؟
والجواب أن كلمة «الغزوة» أعم من أن تدل على هذا المعنى الخاص الذي لم يوجد في أي من الغزوات التي قام بها رسول الله . إن موقعة الخندق تسمى غزوة، وإنما أقبلت أحزاب البغي من جهات شتى تقاتل رسول الله والمسلمين في عقر مدينتهم.
وإن موقعة أُحد أُطلق عليها اسم الغزوة، وإنما أقبل فيها المشركون إلى المدينة لقتال المسلمين، وليثأروا لقتلاهم في معركة بدر.
ومعركة بدر تسمى غزوة وإنما أقبل فيها صناديد الشرك من مكة إلى المدينة قائلين: «والله لا نرجع حتى نَرِدَ بدراً ونقتل محمداً وصحبه، ونقيم ثلاثاً فننحر الجزور ونطعم الطعام ونُسقَى الخمرَ وتعزِف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا فلا يزالون يهابوننا» (1) .
وموقعة حنين سميت هي الأخرى غزوة، وإنما سببها اجتماع قبيلتي هوازن وثقيف واتفاقهم على التوجه إلى حرب رسول الله، بعد أن توغرت صدورهم للنصر الذي آتاه الله رسوله والمؤمنين بفتح مكة، فحشدوا حشوداً كبيرة ونزلوا بأوطاس، وأجمعوا المسير من هناك إلى رسول الله، فخرج إليهم رادّاً لبغيهم، مدافعاً عن السلم الذي رفع لواءه في مكة أمام المشركين.
وموقعة «ذات الرقاع» سميت هي الأخرى غزوة، وإنما كان سببها الغدر الذي مارسه بعض قبائل نجد والذي تجلى في مقتل الدعاة السبعين الذين أرسلهم رسول الله إلى نجد دعاةً إلى الله معرفين بالإسلام، مسالمين لا يريدون شراً بأحد. فكان من مقتضى العدالة والدفاع عن الحق معاقبة أولئك القتلة والاقتصاص منهم.
وقد سميت موقعة خيبر هي الأخرى غزوة، وإنما كان سببها ما علمه رسول الله من أن يهود خيبر قد اتفقوا مع قبيلة غطفان على حرب المسلمين، وراحوا يأخذون أهبتهم لذلك، فقطع رسول الله الطريق بين خيبر وقبيلة غطفان، ثم سار إليهم وعاجلهم الحرب التي عزموا عليها مع قبيلة غطفان.
أجل.. الغزو يحمل معنى من معاني الاقتحام.. ولكن ما أعدل الغزو عندما يكون اقتحاماً لأوكار المعتدين والمخططين للوقيعة والشر، وقد أوضحت لك مظاهر ذلك. فلا يتقربنّ شخص محدود في فهمه للعربية ذو ثقافة سطحية في فهم السيرة النبوية، بالمجاملة والمداهنة، إلى خصوم هذا الدين وأهله، داعياً إلى طي الحديث عن غزوات رسول الله، والإقلاع عن الاحتفال بذكرياتها؛ لأنها تحمل إلى العالم تهمة العدوان من رسول الله على من يغزوهم في عقر دارهم.
وهذا الذي أوضحناه من معاني الغزوات التي قام بها رسول الله ودوافعها، وهي معانٍ يعتزّ بها العدل، وتخفق فيها راية السلم، أقول: هذا الذي أوضحناه لما تم من ذلك في عهد رسول الله، هو ذاته الذي يتجلى في عصر الفتوحات الإسلامية بعد رسول الله.
إن مصر والشام، كان كل منهما إبان بعثة رسول الله مستعْمَرة من قبل الرومان. وقد عانت المسيحية، ولا سيما اليعاقبة، تحت نير الاستعمار الروماني، ويلاتٍ تشيب لذكرها الرؤوس في كل من مصر والشام.
وقد ظل هذا الاستعمار يكيد لكل من اليهود والنصارى، ويؤلب كلاًّ من الطائفتين على الأخرى، ولا سيما في القدس وما حولها، وما فتئ يؤجج بينهما نيران البغضاء، إلى أن أُجلي الاستعمار الروماني عن بلاد الشام بفضل الفتح الإسلامي. فتنفَّس النصارى واليهود الصُّعداء، وعقد بينهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رابطة التواصل والصلح وأعاد علاقة ما بينهما إلى رواق الأمن والسلم. وتلك هي الصورة ذاتها التي تحققت عند الفتح الإسلامي في مصر.
إذن، فيكذب من يزعم أن الفتح الإسلامي كان يهدف إلى إرغام الكافرين على الإسلام، إن وقائع التاريخ لتنطق بإفكهم. وإن من أبرز الوقائع أن عدد النصارى في بلاد الشام بقي إلى ابتداء سلسلة الغزوات الصليبية، مساوياً لعدد المسلمين، بل ربما يزيدون، ولم تضق الشريعة الإسلامية المطبقة، ذرعاً بهم..
ولما أقبل الغزاة الصليبيون إلى الشام، أصر نصارى الشام على أن يتخذوا مواقعهم إلى جانب مواطنيهم المسلمين في خندق قتالي واحد. ولعل المهتمين بدراسة التاريخ الإسلامي من الغربيين الذين لا يزالون يروجون الأكذوبة القائلة بأن الإسلام إنما انتشر في هذه البقاع بالسيف، أقول: لعلهم يعلمون ما نعلم من أن رسول الله أوصى خيراً بأقباط مصر، وأن الفتح الإسلامي كان مقروناً، أينما كان، بالوصية الإسلامية القائلة: ألا لا يُفتننَّ نصراني عن نصرانيته. وقد التزم أصحاب رسول الله ثم التابعون ومن تبعهم من بعدهم بهذه الوصية، بل بهذه القاعدة الشرعية الكبرى.
***
شيء آخر، ما ينبغي أن يغيب عن بال من يهتمون بهذه المسألة، من أي الفئات كانوا؛ إنه الإسلام الحضاري الذي يحتضنه ويرعاه الإسلام الاعتقادي الشخصي.
إن المجتمع الإسلامي يتكون من جذور العقيدة الإسلامية القائمة على براهين المنطق والعلم. وينبثق من هذه الجذور جذع الشريعة الإسلامية التي تتسع أحكامها لعلاقة المسلمين بعضهم مع بعض، كما تتسع لعلاقة المسلمين مع غيرهم من الكتابيين. وتنهض هذه العلاقة الثانية على جامع مشترك بين المسلمين وغيرهم ترسمه الشريعة الإسلامية وتتبنى وسائل تنفيذه وتحقيقه. إنه الإسلام الحضاري الذي يتفيأ ظلاله المسلمون وغيرهم، وذلك من خلال مظلَّة الشريعة الإسلامية ذات الأحكام السمحة التي روعي فيها جمع المسلمين والكتابيين على كلمة جامعة سواء، كما روعيت فيها العلاقات الندية القائمة على البرّ والقسط، بقطع النظر عن وحدة الدين أو اختلافه. وذلك هو النسيج الحضاري الشامل المنبثق من جذور العقيدة الإسلامية، ثم المنبثق من أحكام الشريعة الإسلامية.
وكلمتا «البر» و «القسط» اللتان تشكلان سدى الحضارة الإسلامية ولحمتها إنما أمر بتحكيمهما القرآن، واتخاذهما أساساً لا محيد عنه في رسم العلاقة السارية بين المسلمين والكتابيين، في ظل الإسلام الحضاري المنبثق من جذور الإسلام الاعتقادي.. تأمل في هذا الذي يقوله القرآن:
{لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *} [الممتحنة: 60/8] .
إذن، ثمة وحدة حضارية شاملة تحتضن المسلمين وغيرهم، غذاؤها يقوم على السلم المتبادل الذي يعبر عنه القيدان الصريحان في الآية: {لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} فإذا روعي هذان القيدان من قبل غير المسلمين كان واجب المسلمين أمام ذلك مدّ رواق البرّ والقسط، حيث السلم والعيش الحضاري المتبادل.
إن وحدة الحضارة الإسلامية الجامعة، تتجلى في مجالين اثنين: أحدهما مجال الأحكام الشرعية التي تجمع المسلمين مع غيرهم على نسق واحد من العلاقات الإنسانية الوثقى، بعيداً عن الحساسيات والعوامل المفرقة. ثانيهما مجال العلاقات الاجتماعية والتعاون العلمي والثقافي والسياسي ونحوه.
أمّا مجال الأحكام الشرعية، فنذكر منها نماذج لأحكام جعلها الله ضمانات لحماية الألفة التي ينبغي أن تظل سارية بين المسلمين وغيرهم. وإليك بعضاً من هذه الأحكام:
أ- إذا علم المسلم أن جاراً أو صديقاً له أو زميلاً معه في عمل، يهودياً كان أو نصرانياً، دخلت فرحة ما إلى داره بمناسبة ما، كمولود أو زواج أو شفاء من مرض.. يسنّ للمسلم أن يزوره في داره وأن يهنئه بالفرحة التي يتمتع بها، وأن يشعره بمشاركته في فرحته تلك.
ب- إذا مني جاره أو زميله أو أي من معارفه من غير المسلمين بمصيبة ما، يسن للمسلم أن يدخل إلى داره، فيعزيه بمصابه، وأن يعبر له عن الألم الذي يشترك معه فيه للمصيبة التي ألمت به.
ج- لو أن كتابياً كان يحمل زجاجة خمر إلى داره، فأقبل شخص مسلم إليه، وسلبه الزجاجة وحطمها أرضاً، بسائق من التطرف الشارد عن ضوابط الدين، فإن المسلم المتلف لها يصبح بذلك ضامناً لها، ويكلف شرعاً بإعطاء قيمتها لصاحبها الكتابي، بالغة ما بلغت.
د- إذا وثق ولي أمر المسلمين بمواطن كتابي، نصراني أو يهودي، وتبين له صلاحيته لتولي أي من وزارات التنفيذ في الدولة، كان لولي الأمر أن يسند تلك الوزارة إليه، بل يجب عليه ذلك إن كان هو الأفضل في القيام بتلك المهمة من غيره.
وأما في مجال التعاون عن طريق العلاقات العلمية والاجتماعية والأدبية والسياسية ونحوها، فقد شهد التاريخ الإسلامي من ذلك صوراً حضارية مشرقة نسجها الالتزام الصادق بأحكام الإسلام وآدابه وأخلاقه..
تأمل في الأنشطة العلمية التي ازدهرت في العصرين الأموي والعباسي، تجد أن أئمة هذه الأنشطة مزيج من المسلمين والمسيحيين واليهود، وقد حفلت بذكرهم وعرض أنشطتهم والتنويه بمكانتهم، المراجع الإسلامية المتنوعة، دون أي تفريق ديني أو نظرة طائفية في علاقة ما بينهم.
من ذلك كتاب «المواقف» للعضد الإيجي، وكتاب «تذكرة داوود الأنطاكي» وكتاب «شذرات الذهب» لابن العماد. وقد كان من دأب العلماء والباحثين الكتابيين أن يكثروا من الاستشهاد بالقرآن في مجال بحوثهم العلمية والأدبية..
روى العضد الإيجي في كتابه المواقف من كلام العلماء (علماء الهيئة) أي علماء الفلك، في كروية الأرض وجاذبيتها، فذكر أن منهم العالم النصراني يونس بن قرّة، مستشهداً على كرويتها بقول الله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *} [النازعات: 79/30] ، ومستشهداً على الجاذبية التي فيها بقول الله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفاتاً (*) أَحْياءً وَأَمْواتاً} [المرسلات: 77/25-26] ومن المعلوم أن الكفت معناه في اللغة الجذب.
أما التأثر ببلاغة القرآن والعكوف على استنباط الوجوه الأدبية والبيانية من صياغته وأسلوبه، فجامع مشترك توارد عليه المسلمون وغيرهم في ظل الحضارة الإسلامية الجامعة، وإنها لَمَعْلَمةٌ تاريخية امتدت ظلالها الحضارية إلى عصرنا اليوم. تأمل في هذا الذي يكتبه فكتور سحاب، في كتابه «من يحمي المسيحيين العرب»:
«أفلا يطرب العربي المسيحي لبلاغة اللغة العربية وقوة الشعر العربي المسبوك بلغة القرآن؟.. أفلا تهزه الموسيقا العربية الغنائية المنحدرة من التجويد القرآني؟.. أفلا تستهويه خطوط العمارة الإسلامية، أفلا تعتمل في صدره عواطفُ من نمط عربي لا شبيه لمثلها في الغرب؟.. أفلا تتحكم بعقله مفاهيم اجتماعية وعائلية مماثلة لما يتحكم بعقل المسلم العربي؟».
«إذن، فما الذي يفرقه عن المسلم سوى تلك المساحة الضئيلة التي يحتلها الدين من حياتنا. وأقصد بالدين العقيدة الأخروية والصلاة والصوم والفروض، ولا أقصد الاقتتال الطائفي الذي هو اقتتال سياسي في حقيقته» (2) .
وهكذا فإن جذور الإسلام المتمثلة في معتقداته الفكرية، أثمرت الأحكام الشرعية والآداب والأخلاق السلوكية. ثم إن هذه الالتزامات المتنوعة نسجت بدورها رواق الحضارة الإسلامية الإنسانية التي مدت جسور الألفة والتعاون بين المسلمين وغيرهم في شركة عادلة متكافئة، تسعى إلى هدف إنساني واحد. وإنا لنقرأ في سطور التاريخ الإسلامي وصفاً دقيقاً لهذا الانسجام، بل لهذا التناغم القائم بين الإسلام الاعتقادي الديني وبين الإسلام الحضاري.
بل إن الإسلام الاعتقادي تجاوز هذه الوظيفة إلى وظيفة ثانية لا تقل قدسية وأهمية عن الأولى، وهي مدّ جسور الألفة والتواصل بين المسيحية واليهودية، وذلك بعد أن عملت السياسة البيزنطية في البلاد العربية عامة وفي القدس بصفة خاصة، على الإيقاع بينهما، وإشعال نيران البغضاء في علاقة ما بينهما، طوال استعمارها لهذه البلاد.
إن من الوسائل التي كانت تتخذها لذلك، تلك الأتربة والأقذار التي كانت تتراكم على الصخرة المشرفة بدفع من الرومان للنصارى إلى فعل ذلك، كيداً واستثارة لليهود الذين كانوا يُدفَعون بدورهم وبوحي من السياسة الرومانية إلى تقذير المكان الذي يعتقد المسيحيون أن عيسى بن مريم صلب فيه، وهو المكان الذي أقيمت عليه فيما بعد كنيسة القيامة.
ولما استجاب عمر بن الخطاب لدعوة أهل إيلياء، فدخل القدس وكتب كتاب الصلح المعروف بينهم وبين المسلمين، أقبل إلى الأتربة والأقذار المتراكمة فوق الصخرة، يزيحها بردائه، فأقبل من حوله من المسلمين وغيرهم يسابقونه إلى ذلك. ثم اتجه إلى حيث القمامة المتراكمة بفعل اليهود وبوحي من الرومان فوق مكان كنيسة القيامة، فباشر إزاحتها بنفسه، وما هو إلا أن أقبل كل من كانوا حوله يسابقونه إلى العمل ذاته.
وهكذا، فقد كان عمل عمر هذا بوحي من شرعة الإسلام وحكمه. وكان الهدف مدّ جسور التآلف والقربى بين الديانتين المسيحية واليهودية. وتلك هي ثمرة الحضارة الإنسانية المثلى للإسلام الاعتقادي الديني، على حين كانت سياسة بيزنطة ترمي إلى تعميق مشاعر الكراهية والبغضاء بينهما، وتلك هي ثمرة الحضارة العدوانية الحاقدة للاستعمار الروماني (3) .
غير أن في الناس من دأبهم تعكير الماء الصافي للاصطياد فيه.. مسألتان اثنتان يختلقون منهما مشكلة، لمدّ غاشية من الريب على هذه الحقيقة التي لا مجال لدخول اللبس عليها.
أما المسألة الأولى ، فما يقوله أحدهم: ولكنكم أنتم المسلمين تعدوننا كفاراً، وتنعتوننا بالكفر، وفي هذا ما ينسف كل هذا الذي أتعبت نفسك ببيانه.
ونقول في الكشف عن هذه المشكلة المختَلَقة: إن معنى الكفر في القاموس اللغوي وفي المصطلح الشرعي، الجحود.. ووصف الكتابيين بالجاحدين لفوارق العقيدة التي بينهم وبين المسلمين وصف لواقع. أليس النصراني جاحداً لنبوة محمد وجاحداً لما نجزم به من أن القرآن كلام الله؟ وجاحداً لما نجزم به من أن سيدنا عيسى لم يصلب، بل رفعه الله إليه حياً؟
فهذا الجحود هو الكفر، والكفر هو الجحود، وإذا قال النصراني: أنا جاحد بهذه المعتقدات فهو يساوي قوله: أنا كافر بها.. بل إن كل من أنكر شيئاً فهو كافر به، وينطبق ذلك على المسلمين أيضاً. فهم كافرون بالعقائد التي يرونها باطلة مما يؤمن به الآخرون. ألا ترى كيف أمر الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يقول للوثنيين من قومه: {كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 60/4] .
وقد كنت اشتركت في مؤتمر لحوار الأديان عقد قبل خمسة عشر عاماً تقريباً في إحدى ضواحي بروكسل، وفي أثناء غداء عمل ضم بعض الكرادلة، قال لي أحدهم، وهو الكردينال أرنز على ما أذكر: إنكم تنعتوننا بالكافرين.. قلت: نعم، لأنكم تحكمون على أنفسكم بذلك. ألستم تقررون جحودكم بكون القرآن كلام الله، وبأن محمداً رسول الله، وبأن سيدنا عيسى لم يصلب؟ فأنتم إذن تقررون كفركم بذلك كله.
وقلت له: إن كلمة الكفر ناظرة إلى متعلَّقها، فكل من أنكر شيئاً فهو كافر به. وينطبق هذا على المسلمين كما ينطبق على غيرهم، فالمسلمون كافرون بكل ما يتناقض مع ما جاء به القرآن وأثبته من وحدانية الله، وعبودية عيسى بن مريم لله، وأنه ما صُلِبَ ولا قُتِل ولكن شُبّه لهم. فنحن المسلمين كافرون بكل ما يخالف ذلك.
وأما المسألة الثانية فهي الجزية التي تفرض على أهل الذمة.
ولكي نبين أن مضمون هذه المسألة، ليس في حقيقته إلا إنصافاً للكتابيين، ووضعاً لهم مع المسلمين على قدم المساواة في كل أنواع التعامل، ينبغي أن نوضح أن الكتابيين ومن في حكمهم لهم حالتان اثنتان:
(الحالة الأولى) أن يوجدوا بين ظهراني المسلمين مواطنين معهم، يشتركون معهم في العيش فوق أرض واحدة، وهي التي تنعت بدار الإسلام. إن عقد الذمة بالنسبة إلى هؤلاء لا يعني أكثر من الاتفاق معهم على أن يكونوا كمواطنيهم المسلمين في التفاعل والتجاوب مع نظام الدولة وقوانينها، وعلى أن يكونوا مثلهم في رعاية مصالحها العامة والدفاع عن حقوقها، والدفاع عن استقلالها، كلما طاف بها خطر أو توجه إليها تهديد. ثم لهم من وراء ذلك وجودهم الديني والاجتماعي الخاص بهم، ولهم حقوقهم المتنوعة على الدولة كالمسلمين سواء بسواء، من حيث الحماية والرعاية وتوفير مقومات الأمن والعيش الكريم.
ولا يقابل هذا الحق الموفور لهم وللمسلمين، على قدم المساواة، في نطاق الواجبات إلا ما هو واجب على مواطنيهم المسلمين من الوفاء للدولة والانقياد لنظامها..
ومن نظامها الشامل للجميع الوفاء بالالتزامات المالية المقررة من رسوم وضرائب، وزكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.
غير أن الزكاة لما كانت مسؤولية دينية استوجبها الإسلام، اقتضى العدل أن تسقط عن غير المسلمين، ونظراً إلى أن الدولة مسؤولة عن رعاية الجميع وعن إنعاش الفقراء منهم وتقديم العون المادي لهم، بصفتهم مواطنين، أي بقطع النظر عن الانتماء الديني، فقد كان لابدّ من أن تتقاضى الدولة من الكتابيين ما هو بديل عن الزكاة التي تتقاضاها من المسلمين، له وصف الضريبة وليست له سمة الدين، ففرض الشارع عليهم بديلاً لا يبلغ في قدره ربع الزكاة، دون أن يتسبب عن هذا الفرق أي انتقاص لحقوقهم المادية والمعنوية على الدولة.
فما اسم هذا البديل؟ ما ينبغي أن يكون اسمه زكاة، لأن ذلك ينبئ عن حمل الكتابيين على بعض شعائر الإسلام وأحكامه، وشرعة الإسلام تأبى ذلك.. لو كان اسم الضريبة أو الرسم ذائعاً ومستعملاً في ذلك العصر، لما ترددت الدولة آنذاك في إطلاق أحد ذينك الاسمين عليه. فكان أن أطلق عليه الاسم اللغوي القرآني المأخوذ من الإجزاء أو الجزاء وهو: الجزية.
إذن، فكلمة الجزية ليست منبثقة من اعتبار ديني، أو من وصف ذي حِطّة، وإنما هو تعبير لغوي؛ ولذا فلم يكن آنذاك ولا اليوم أي مانع من أن يستبدل بهذا الاسم، أي اسم آخر ذي دلالة لغوية على المعنى المقصود، وهو المال الذي يؤخذ من الكتابي فيجزئ عن واجب تحمل الدولة مسؤولية رعايته وحمايته والنظر في احتياجاته، واعتباره عضواً في المجتمع الإسلامي كالمسلمين سواء بسواء، ينال مثلهم سائر الحقوق التي يتطلبها مبدأ التكافل الاجتماعي.
ومن ثم فقد تم اتفاق جمهور الفقهاء على أنه ليس ثمة ما يمنع من تسمية هذا المدلول المقصود بأي اسم آخر، كالإتاوة والضريبة والرسوم، بل حتى الصدقة فيما ذهب جمهور الفقهاء بشرط رضى الكتابيين بذلك.
وقد صح أن نصارى تغلب تضايقوا من كلمة «الجزية»، وعرضوا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن تؤخذ منهم الجزية تحت اسم «الصدقة» حتى وإن ضوعف قدرها بحيث تصبح مساوية للصدقة - أي الزكاة - التي تؤخذ من المسلمين، فشاور عمر الصحابة في ذلك، فوافقوا على ما اقترحه نصارى تغلب (4) .
وأخرج البيهقي في حديث طويل أن نصارى بني تغلب قالوا لعمر: خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسمه المتداول عندكم، يعنون الزكاة، فقال لهم عمر: هذه مفروضة على المسلمين لا عليكم، قالوا: ولكنا نقبل بذلك، وإن زيدت وبلغت القدر الذي تأخذونه من المسلمين. ففعل عمر ما طلبوا (5).
وحصيلة القول ما قرره الفقهاء، بناء على هذا الذي ذكرت، من أن العبرة في الأحكام بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (6) .
ولعلك تسأل: فهل يجب، إذا تحول اسم هذا المال من الجزية إلى الصدقة أو الزكاة، أن يضاعف المبلغ عن القدر المطلوب في الأصل، ليصل إلى حدّ الزكاة، أي إلى 2.5% من السيولة المملوكة و 5 أو 10% من بقية الأموال الزكوية الظاهرة؟
والجواب أن هذا من أحكام الإمامة، أي إن الأمر في تحديد المبلغ وزيادته عن الأصل المطلوب (وهو لا يساوي خمس الزكاة) عائد إلى ما يراه ولي أمر المسلمين (7) .
***
(الحالة الثانية) أن يكون وجود الكتابيين وتلاقيهم في بلدة أو مقاطعة خاصة بهم، بحيث لا يوجد في تلك البلدة أو البقعة إلا كتابيون أو من هم في حكمهم، ولهم استقلالهم من حيث الكينونة السياسية.
إن عقد الذمة مع هؤلاء لا يعني أكثر من تعاقد يتم بالتراضي، على ضمان اجتماعي يسري فيما بينهم وبين الدولة الإسلامية، يتم من خلاله التأكيد بالتزام الدولة الإسلامية بحمايتهم والدفاع عنهم ضد أي عدوان كما تدافع عن رعاياها المسلمين ضد أي خطر قد يتهددهم. كما يلتزم فيه الكتابيون بعدم التحالف مع أي فئة أو دولة معادية للمسلمين.
ومن المعلوم أن هذا العقد يقوم على أهم دعامة في نطاق السلوك الإسلامي، والالتزام الديني، ألا وهي دعامة الصدق في الالتزام والإخلاص في التعامل والوفاء المستمر.
ومن قبيل هذه الحالة الثانية العقد الذي تم بين رسول الله ، وبين أهل البحرين، وكانوا مجوساً، والعقد الذي تم بينه وبين أهل نجران وكانوا نصارى.
فقد دخل هؤلاء وأولئك في ذمة المسلمين، طوعاً وبرغبة منهم، فالتزم المسلمون بذلك درء أي خطر يتهددهم أو يطوف بهم، وتوفير كل أسباب الأمن لهم، فيما يتعلق بحياتهم الدينية والاجتماعية وحقوقهم المادية والمعنوية. وليس على الطرف الآخر في مقابل ذلك إلا الالتزام بألا يسيئوا إلى المسلمين في شيء من معتقداتهم أو أحكام دينهم، وبألا يظاهروا أحداً على معاداتهم.
ومن المهم أن تعلم أن كل ما يخص أهل الذمة، في هذه الحالة، من أرض وثروات وممتلكات يبقى بكامله لهم، ولا يجوز أن ينال بيت مال المسلمين منهم إلا الضريبة أو ما كانوا يسمونه الجزية.
وبذلك يتضح الفرق جلياً بين عقد الذمة هذا (في الحالة الثانية) وبين ما يجري اليوم من تسلط بعض الدول الكبرى على دول صغرى أو ضعيفة، باسم الحماية أو الوصاية، أو الانتداب، وهي كلها أسماء متعددة لحقيقة واحدة، هي اقتناص حقوق الآخرين ما أمكن ذلك من حيث الأعيان ومن حيث امتداد الزمان.
وهنا قد يوجد من يسأل فيلحف بالسؤال: ولكن أليس في وجود مثل هذا الحلف بين المسلمين ودولة أخرى من غير المسلمين، عن طريق مثل هذا العقد، ما ينتقص من حرية هؤلاء الناس ويلزمهم بنوع من التبعية التي تبعث على التأبي وعلى الشعور بالمذلة؟
والجواب أن من شأن الدولة الإسلامية إذا ترسخت جذورها وسرت القوة في كيانها، أن تبعث في نفوس قادة الدول الكبرى تخوفاً منها، ومن ثم رغبة في اتخاذ كل التدابير والحيل الممكنة للقضاء عليها واقتناص حقوقها وامتصاص قدراتها.
ومن أهم الوسائل التي كانت دول البغي ولا تزال تتخذها لذلك، إثارة نوازع طائفية، بل اختلاق عداوات دينية بين المسلمين وغيرهم من الكتابيين الذين يجاورونهم أو الذين هم على مقربة منهم، وتوظيفها في توتير العلاقة بينهم وبين المسلمين، تمهيداً لاستعمالهم أداة مسخّرةً لضرب الدولة الإسلامية أو لبعث عوامل الاضطراب فيها على أقل تقدير.
ولا شك أن خير سبيل لتحصين المنطقة كلها ضد هذا العدوان على حسن العلاقة السارية بين المسلمين وجيرانهم الكتابيين، هو حماية هذه العلاقة من أي حساسية قد تختلق بأيدٍ أجنبية يبعث على تربص أي من الطرفين بالآخر، وذلك عن طريق هذا العقد المكافئ الذي يحقق الخير للطرفين، ويستبقي حسن الجوار بينهما، ويجعل من كل منهما حارساً لأمن الآخر وحقوقه، في ندِّيّة متساوية متكافئة (8) .
غير أن في الناس من ينعت العلاقة التي ينبغي أن يمارسها المسلمون تجاه الكتابيين، بقطع النظر عن أحكام الذمة، بالتسامح، ويعدّ ذلك مكرمة يجب أن يتحلى بها المسلمون تجاه غيرهم ولا سيما الكتابيين.
وأقول أولاً: إن هذا يخالف التعبير الذي استعمله البيان الإلهي في القرآن عن هذه العلاقة، وهو عبارة البر والقسط. فقد أوضح لنا بيان الله عز وجل أن معاملة المسلمين لغيرهم ينبغي أن تتصف بالبر وهو التحلي بالأخلاق الفاضلة، وبالقسط، وهو العدل في المعاملة والابتعاد عن الظلم. ولو كان في التعبير عن هذه العلاقة بالتسامح خير، لآثر البيان الإلهي التعبير به.
وأقول ثانياً: لو اتبعنا الدقة في فهم معاني الكلمات وأماكن استعمالاتها، لعلمنا أن كلمة التسامح هذه لا تنصف الإسلام والمسلمين، ولا تكرم الكتابيين.
ذلك لأن كلمة «التسامح» هذه تعني التجاوز عن الحق، على سبيل التفضل والمسامحة. فإذا قلنا: على المسلمين أن يتسامحوا في معاملة الكتابيين، فمعنى ذلك أن على المسلمين أن يغضوا النظر عن بعض حقوقهم وأن يسامحوا الكتابيين فيما قد يصدر عنهم من تجاوزات تجاهها.
غير أن الأحكام الشرعية التي ترسم حقوق العباد السارية فيما بينهم، قائمة على أساس ميزان العدل فيما بينهم، وليس فيها ما يقوم على فرض التسامح، ذلك لأنه لا معنى لافتراض التسامح أو فرضه إلا اضطراب ميزان العدالة بين الأطراف.
ذلك لأن هذه الأحكام قائمة على حراسة الحقوق ورعايتها طبق ميزان دقيق من العدالة، فإذا وجد التسامح، أي التجاوز المفروض، في أحد الجانبين، فلا بدّ أن يوجد من جراء ذلك الإجحاف والظلم في الجانب الآخر..
أي فكل حكم من الأحكام التي شرعها الله في علاقة ما بين المسلمين والكتابيين روعي فيه تحقيق العدالة لكل من المسلمين والكتابيين، فإن أدخلت في هذه الأحكام تسامحاً لمصلحة المسلمين، كان ذلك إجحافاً وظلماً للكتابيين، وإن أدخلت فيها تسامحاً لمصلحة الكتابيين كان ذلك ظلماً للمسلمين.
نعم، إن التسامح في الأحكام التي ترسي حقوق العباد فيما بينهم، وارد ومشروع، بمعنى واحد؛ وهو أن يوصي الشارع جل جلاله الناس أن يتساهلوا ويتسامحوا، كل في حق نفسه تجاه الآخر، دون أن يشرع في ذلك أحكاماً ملزمة؛ ذلك لأن التسامح لا يتحقق معناه إلا أن يمارَسَ بشكل طوعي، فأما أن تتنزل في ذلك أحكام قسرية، فذلك هو الظلم ذاته.
ألا ترى أن الشارع عندما أرسى الأحكام الملزمة في نطاق التعامل المالي من بيع وشراء واقتراض ونحو ذلك، راعى فيه مقاطع الحقوق التي تتضمن العدالة للأطراف، بعيداً عن أي تجاوز أو تسامح. ولكنه عندما ذكّر الناس بالمبادئ الأخلاقية أوصى الجميع أن يتسامحوا ويتلاينوا، فقال عليه الصلاة والسلام: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا قضى، سمحاً إذا اقتضى» (9) .
إذن فمن الخطأ بمكان أن توصف الأحكام التي تنظم علاقة المسلمين بالكتابيين بالتسامح. ذلك لأنها لو قامت على ذلك، لكانت قائمة في الوقت ذاته على الظلم، لأن التسامح القسري في حقوق بعض العباد، لن يكون إلا عن طريق إهدار حقوقٍ لآخرين.
فهذا هو مصداق قولنا: إن نعت أحكام أهل الكتاب بالتسامح، لا ينصف الإسلام.
وأما أنه لا يكرم الكتابيين أيضاً، فلأن من حقهم أن يشمئزوا من المعاملة التي يعامَلون بها - مهما كانت كريمة - إذا ما ألبست ثوب الإحسان، وصبغت بصبغة التجاوز والرحمة.
إن الإنسان - أياً كان - مفطور على أن يكون كريماً في حق نفسه، وقد زانه الله بهذه الفطرة إذ قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً *} [الإسراء: 17/70].
ومن أهم مستلزمات الكرامة التي هي ثمرة لتكريم الله الإنسان، أن يربأ بنفسه عن الوقوع تحت منن الإحسان ومشاعر الرحمة، وأن ينشد بدلاً عن ذلك الندِّيّة العادلة في التعامل وأصول التعايش.
ولكم بحثت عن كلمة (التسامح) هذه في أمهات كتب الفقه والتراث الإسلامي في مجال الحديث عن أحكام الإسلام وشرائعه، فلم أجد من استعملها في هذا الصدد قط..
نعم، يتكرر الحديث عن توصية الإسلام الناس بالتسامح طوعاً في مجال الحديث عن القيم والمبادئ الأخلاقية، غير أن الكلمة غير واردة، ولا معنى لها، في مجال الحديث عن الأحكام التي تتضمن بياناً لحقوق الإنسان، أي التي ترسم أصول التعايش العادل فيما بينهم.
فإن قلت: فبم نصف الأحكام التي تتجلى فيها شدة اهتمام الشارع بإنسانية الإنسان وعظيم رحمته به؟ أقول: إنها توصف بالبر والعدالة. فذلك هو الوصف المطابق لحقيقتها وواقعها. والعدالة حق يناله الجميع، على درجة واحدة، دون أن تسري خلال ذلك منة وتفضل من طرف على طرف (10) .
إذن، فقد علمنا أن الإسلام الاعتقادي (الديني) أثمر الإسلام الحضاري الذي احتضن تركيبة المجتمع المكون من المسلمين وغيرهم، على أساس من المساواة والندية الحقيقية ما بين المسلمين وغيرهم.
ولكن فما هي الضمانة التي تجعل الإسلام الحضاري ينبثق من الإسلام الاعتقادي، والتي جعلت من هذه الحضارة ترجمة للعلاقات الإنسانية المثلى؟ وما السبب الذي جعل الحضارة البيزنطية وما تسلسل منها إلى هذا اليوم، ترجمة للمشاعر ثم للسلوكات العدوانية الحاقدة؟.. وبعبارة أخرى: ما الضمانة التي تجعل الحضارة الإسلامية تثمر السلم والأمان، وما السبب الذي جعل الحضارة البيزنطية وما تسلسل منها إلى اليوم تثمر الحروب والبغضاء؟
والجواب أن الضمانة التي جعلت الحضارة الإسلامية في تاريخنا الأغر، ترجمة للعلاقات الإنسانية المثلى، هي ما كان يحرص عليه قادة المسلمين من إخضاع السياسة لسلطان الدين، أي لسلطان الإسلام.
كان إخلاصهم للدين.. ومن ثم فقد كانت السياسة في حياتهم خادماً للدين. ونظراً إلى أن الدين الحق إنما أرسل به الرسل والأنبياء لإدخال الأسرة الإنسانية كافة في السلم، ومن ثم فقد كان الدين ولا يزال الساحةَ القدسيةَ التي تتحرك فيها الإنسانية، سواء على الصعيد الفردي أم الاجتماعي، فقد كان من الضروري أن تصبح السياسة في تاريخنا الإسلامي دعماً للعلاقات الإنسانية لا وبالاً عليها.
وأما السبب الذي جعل الحضارة البيزنطية، وما تسلسل منها إلى هذا اليوم، ترجمة للمشاعر ومن ثم للسلوكات العدوانية الحاقدة، فهو أن الدين كان ولا يزال في رؤية الحضارة الغربية، قديماً وحديثاً، خادماً للسياسة، ووقوداً لنيرانها.. أي إنّ السياسة في تاريخ الحضارة الغربية، كانت ولا تزال هي القائد والمهيمن. والدين أياً كان ينبغي أن يكون مجنداً لحسابها ولمصلحتها. وقد دلت وقائع التاريخ وأكدت أن الدين لم يُستخدم يوماً لمأرب سياسي، إلا عاد ذلك بالوبال على الدين وأصحابه وبالوبال على السلم وعلى الإنسانية بجميع حقوقها.
إن الحصن الذي يحمي القيم الإنسانية وحقوق الإنسان، هو الدين الحق، فإذا سيق الدين ليكون واحداً من سماسرة السياسة وخدامها، خرجت القيم والحقوق الإنسانية بذلك من حصنها، لتصبح في العراء، تعصف بها رياح السياسة وتجعلها أثراً بعد عين.
وهذا ما فعلته الحضارة الغربية بالأمس، وإنها لماضية في العمل ذاته اليوم.
والصور المأساوية لهذه الحقيقة كثيرة، وفي جعبة التاريخ البعيد والقريب من ذلك ما لا يحصى. ولنكتف من ذلك، في هذه العجالة، بالصورة التالية:
من المعلوم أن الدولة البيزنطية تبنت المسيحية ديناً رسمياً لها، غير أنها اختارت منه المذهب الذي وافق هوى في نفسها وانسجاماً مع سياستها.. بعد أن عدّلت فيه وغيّرت منه ما طاب لها ذلك.
وكان المفروض أن تقف هذه الدولة، عندئذ، من المذاهب المسيحية الأخرى، موقف الإسلام من المسيحية على أقل تقدير، فتتعايش معها وتدافع عنها، وتحميها من عوامل الاضطهاد.
ولكن بيزنطة أصرت على اختفاء كل المذاهب المسيحية الأخرى التي تخالف مذهبها الرَّسمي، بل إنها عدّت الخروج على مذهبها الرسمي هذا خروجاً على وحدتها السياسية. ومن ثم أخذت تسعى سعيها ابتغاء إنهاء وجود العقائد المسيحية المغايرة للعقيدة الرسمية، مرة عن طريق المجامع التي كان يعقدها الإمبراطور ويحضرها بنفسه، ومرة بالتصفية الجسدية وملاحقة الرهبان. وفي مجزرة بيزنطية واحدة، قتلت الدولة - فيما يرويه فكتور سحاب - مئتي ألف قبطي من «اليعاقبة». وعندما فتح العرب المسلمون مصر، كان الإكليروس القبطي مختبئاً في الصحارى هرباً من التصفية.
إذن، فالمسيحية (نموذجاً لغير الديانة الإسلامية) ظلت قديماً وحديثاً، في خطر على وجودها من المسيحية ذاتها!.. والسبب أن العوامل السياسية في كل مرة، كانت تطغى على المشاعر الدينية وأخلاقياتها. ولذلك فقد ظل التاريخ يرينا من مظاهر عدوان المسيحية السياسية على المسيحية الدينية الشيء الكثير.
وهنا تزداد الظاهرة التي يتميز بها الإسلام، جلاء وتألقاً:
إن عقد الذمة (من حيث هو نظام إسلامي أرسته الشريعة الإسلامية لحماية التعايش بل التآلف العادل بين المسلمين والكتابيين) إنما أقيم ضمانة لتغلب سلطان الدين وأخلاقه الإنسانية على سلطان السياسة ورعوناتها الوحشية. ومن ثم فإن عقد الذمة روعي فيه أن يكون ضمانة لطمأنينة الكتابيين وأمنهم، ضدّ أي عدوان على دينهم أو حقوقهم.
وإن في سلسلة الوقائع التاريخية، بدءاً من فجر الدولة الإسلامية في المدينة المنورة إلى أواسط عصر الخلافة العثمانية (حيث تقلص بعد ذلك الحكم الإسلامي، وبدأت سلطة القوانين الوضعية تتسرب لتحل محله) ما يبرز هذه الحقيقة بأوضح صورة.
إن الوثيقة التي اكتتبها رسول الله ، إنما كانت أساساً للتعايش المتآلف بين المسلمين واليهود الذين كانوا يساكنونهم في المدينة المنورة.
وتنص هذه الوثيقة في أحد بنودها على هذا المبدأ فتقول:
«إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، للمسلمين دينهم ولليهود دينهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته».
ويقول البند الذي يليه: «إن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة».
هذا ما حققته الشريعة الإسلامية في سبيل نسج رواق السلم العالمي على الأسرة الإنسانية جمعاء، وذلك ما فعلته سلطة الدولة البيزنطية على المناطق العربية التي ظلت ردحاً من الزمن ترزح تحت نير عسفها. كانت السياسة عندنا خادمة لسلطان الإسلام وحكمه.. وكان الدين عندهم هو الخادم لسلطان السياسة وعسفها.
والحضارة الغربية ماضية اليوم في النهج ذاته الذي كانت تسير عليه الإمبراطورية الرومانية بالأمس.
إن مقاليد السياسة الغربية اليوم، بيد أرباب معامل الأسلحة، والشركات التجارية العملاقة، وشركات الأدوية، في أمريكة.. وأصحاب النفوذ في هذه المعامل والشركات، هم قادة الصهيونية العالمية.. والسياسة المرسومة للصهيونية العالمية، هي فرض المزيد من الهيمنة على ينابيع الثروة والمصادر الاقتصادية في العالم، والعمل على شل سائر الأنشطة المعاكسة لذلك.
والأداة التقليدية الأولى التي كانت اليهودية، ومن ثم الصهيونية العالمية، تستعين بها لتحقيق هيمنتها السياسية هذه، هي إيقاد نيران الحروب، والعمل على إبقائها متّقدة أطول مدة ممكنة. أما أداتها الثانية فهي تسخير الأديان بمهارة فائقة، لتحقيق هذا الذي تسعى إليه على مستوى العالم كله.
إن إسرائيل بمقدار ما تعلن عن ارتباطاتها الدينية والتلمودية، وتستهدي بأفكار حاخاماتها، تقيم دولتها الدعيّة على النظام العلماني!.. ولعل في الناس من لا يفهم معنى هذه المفارقة. غير أن الأمر خاضع في حقيقته لجعل الدين أياً كان، خادماً للسياسة، أي للسياسة الصهيونية، فلا تناقض ولا مفارقة في الأمر.
وإن البيت الأبيض في أمريكة، يخضع في سياسته للمسيِّر الأول والأخير فيها، ألا وهو معامل الأسلحة ومجموعة الشركات العملاقة فيها.. وهذا المسير يخضع بدوره كما قلنا، لمسير آخر إليه تعود الكلمة النافذة، هو الصهيونية العالمية.
ومن أخطر الأدوات التي نجحت الصهيونية في تسخيرها لأهدافها السياسية، تيار البروتستانت الذي تحول من المسيحية الإنجيلية المتعصبة إلى اليهودية التلمودية الحاقدة على العالم كله.
ومن أعجب الأمور أن أمريكة، من حيث هي حكومة وشعب، لا مصلحة لها في شيء من هذه السلسلة التي تبدأ حلقاتها بسلطة مجموعة الشركات العملاقة بما فيها قادة معامل الأسلحة، وتصب أخيراً في سلطة البروتستانت المتهودة.
ولكن المشكل أن البيت الأبيض ذاته، قد تحول اليوم فأصبح حلقة في هذه السلسلة التي تدور على مصلحة الصهيونية العالمية؛ وهو تحالف خطير يحمل في داخله بذور القضاء على بقايا الوجود الحضاري لأمريكة.
وأعجب من هذا الذي ذكرت أن الصهيونية التي شهد العالم كله أن دأبها أن تنفخ في نيران الحروب، تستوقدها إن لم تكن موجودة، وتزيد من أُوارها عندما تكون مشتعلة، لتمرر من خلال نيرانها مصالحها الخاصة بها، أقول: إن أعجب من هذا الذي ذكرت أن تكون الصهيونية هذه في مركز الحكم على الحضارة الإسلامية، وأن تنظر إلى تاريخها القديم والجديد بالعين الحولاء، فتتهمها بمعاداة السلام العالمي، مؤكدة للعالم أنها هي - أي الصهيونية - التي تسهر على السلام في العالم، وتبذل الرخيص والغالي في سبيله.
***
ثم إنه مما بات معلوماً لسائر الدوائر العالمية، وأجهزة المراقبة المتنوعة، أن إسرائيل هي الشكل المتجسد للصهيونية العالمية، وهي الحنظلة التي ولدت من شجرتها. ومن ثم فإن إسرائيل، لا البيت الأبيض، هي التي تمسك بيدها مقود السياسة في العالم، وهي التي تبعث إلى من تشاء رسائل التهديد والوعيد والقطيعة، وتمدّ إلى من تشاء جسور التآلف والتعاون (إلى حين)، وهي التي تنعت من تشاء بسمة الإرهاب وتشهد لمن تشاء بالإنسانية والديمقراطية وسماع الكلمة.. وليس البيت الأبيض إلا الختم والتوقيع المستعملين لخطاباتها وأحكامها!..
يكون الدين في حكمها ذا روحانية مقدسة عندما تنجح إسرائيل في تسخيره لمصالحها وسياستها. ويتحول إلى حركة إرهابية عندما يتأبى سلطانه على محاولاتها.
فالنصرانية المتهودة التي تظل تستوقد نيران الحروب في كل بقعة من العالم الإسلامي استعجالاً لظهور مسيحها ذي العين الواحدة، وتمهيداً لاستلامه قيادة الحكم في العالم، هذه النصرانية، في قرارها، ديانة إنسانية ديمقراطية مسالمة!.. والإسلام الذي تبين لك كيف ينهض على دعائم العدل، ويمدّ في كل بقعة يصل إليها، رواق السلم والأمن، ديانة إرهابية متطرفة!!.. وعلى أمريكة، بحكم نافذ وقاهر من سيدتها (إسرائيل)، أن تخضع لهذه المصطلحات المنكسة، وأن تتعامل على أساسها مع العالم، شاءت أم أبت!..
هذا التجني العجيب على الحقائق، وهذا الإرهاب النيراني الذي يزرع في بقاع العالم ألغام الحروب، ويسيل فيها أنهار الدماء البريئة، وهذا الاستخفاف الساخر بالعقول البشرية، كل ذلك نتيجة لاستخدام الدين، أياً كان، للرعونات السياسية. وهذا ما تفعله الصهيونية العالمية. وهو ما تنقاد له أمريكة، تنفيذاً لالتزام لا خيار لها فيه.
إن وقوع أمريكة في فخ السياسة الصهيونية الماضية في العمل على إلهاب العالم بنيران الحروب، كي يتاح لها أن تنفذ خططها الإجرامية من وراء دخانها، سيحملها في الأيام القادمة خسارة نوعية فادحة.
إن إسرائيل تجني من سياسة الصهيونية العالمية المغانم، في حين أن أمريكة لا تجني من تنفيذها لهذه السياسة إلا المغارم. وليس الانهيار الاقتصادي المتزايد يوماً بعد يوم، والذي يتمركز اليوم في الولايات المتحدة، إلا واحدة في سلسلة هذه المغارم. ولسوف تثبت الأيام أن إسرائيل ستكون في منجاة من هذا الاختناق الاقتصادي الذي هو نتيجة مباشرة لتابعية السياسة الأمريكية لسلطان الصهيونية القاهر.
ولعل ذاكرة البيت الأبيض، والشعب الأمريكي، لا تنسى الخطاب الذي ألقاه بنيامين فرانكلين، في لجنة وضع الدستور الأمريكي، عام 1789، وحذر فيه هذه اللجنة خاصة والأمريكان عامة من الخطر اليهودي على أمريكة وعلى العالم. وها أنا ذا أعيد إلى الذاكرة نص خطابه هذا، ليعود فيذكره من كان قد نسيه، وليطلع عليه ويعتبر به من لم يكن على علم به إلى اليوم.
يقول فرانكلين: «هناك خطر يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك الخطر اليهودي، فما من مكان حلَّ فيه اليهود - أيها السادة - إلا أفسدوا فيه الأخلاق، وحطّوا من مستوى الأمان والذمة التجارية. فهم انعزاليون دائماً، ولا يندمجون بسواهم، وبسبب شعورهم بالاضطهاد، فهم يسعون دائماً إلى خنق الشعوب مالياً، كما فعلوا في البرتغال وإسبانية.. وهم ما زالوا منذ عام 1700 يندبون مصيرهم.
- ولكن أيها السادة، لو أعطاهم العالم فلسطين التي يطلبونها، وممتلكات أخرى، فإنهم سرعان ما يجدون سبباً لعودة البكاء على المصير!.. لماذا؟..لأنهم هامات (يقصد بهذه الكلمة أجداثاً خرجت من المقبرة لتمتص دماء الآخرين) لا يستطيعون العيش ضمن ذواتهم، بل يعيشون على حساب المسيحيين وغيرهم، ممن لا ينتمون إلى عرقهم. فإذا لم يطردوا من الولايات المتحدة، بنص الدستور، فإنهم في غضون مئة عام، سيتدفقون إلى البلاد بأعداد كبيرة تمكنهم من السيطرة علينا وتدميرنا وتدمير الحكم الذي بذلنا نحن الأمريكيين دمنا وضحينا بأرواحنا وممتلكاتنا الشخصية من أجله.
- إذا لم نطرد اليهود، فسوف يصبح أولادنا، في غضون مئتي عام، مجرد عمال في الحقول، لكي يطعموا اليهود، في حين يظل اليهود في البيوتات المالية يفركون أيديهم.
- أحذركم أيها السادة، إن لم تطردوا اليهود إلى الأبد، فإن أولادكم وأحفادكم سوف يلعنونكم في قبوركم. إن مُثُل اليهود ليست مُثُلَ الأمريكيين، ولن تكون كذلك حتى لو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال. فالنّمر لا يغير جلده الأرقط. اليهود خطر على هذه الأرض، إن سُمح لهم بدخولها. إنهم سيقضون على مؤسساتكم».
***
إذن، فقد خانت أمريكة نفسها، عندما ألقت بنصيحة فرانكلين، وراءها ظهرياً، وحالفت لا اليهودية فقط، بل حالفت أيضاً اليهودية المتصهينة، خدمة لها وتحقيقاً لمأربها، وزجّاً للشعب الأمريكي بين ماضغي الشقاء، وفي أقبية العمالة للسيد اليهودي.
إن نبوءة فرانكلين ماضية في التحقق، يشهد بذلك امتلاك اليهود لكل من السلطة المالية والسياسية والعسكرية في أمريكة.
إن هذا الأمر عجيب حقاً!!..
ولكن الأعجب منه محالفة كثير من الدول العربية لهذا الذي جعل من نفسه خادماً لليهودية المتصهينة، إنه لعجيب حقاً أن تجد في هذه الدول من قرر أن يجعل من نفسه خادماً لخادم اليهودية المتصهينة.. إنها ليست من نوع المهانة التي تقف عند حدود محالفة السيد ذاته مباشرة، بل تأبى إلا أن تتجاوزها إلى أن تقف في عتبة الطريق فتحالف الخادم المطيع.
ومن ذيول هذا التحالف العجيب ما يفعله كثير من العرب المسلمين، على مستوى القادة المسؤولين، وعلى مستوى الباحثين والمفكرين، من التبرُّء من مقومات الذاتية الإسلامية، وتجاهلها والإنكار لها، في سبيل أن تصدق الصهيونية العالمية أنهم ليسوا إرهابيين، كما يزعمون ويتهمون. وتلك هي الغاية التي من أجلها تمضي إسرائيل وبنيتها التحتية (الصهيونية) في اتهام العرب والمسلمين بالإرهاب.
إن موقف هؤلاء الذين دأبهم (للتخلص من هذه التهمة) أن ينفضوا تاريخهم وعقولهم وشريعتهم الربانية من كل ما يراه الصهاينة إرهاباً، كموقف من يملك كنزاً من المال في داره، فأقبل إليه من يطمع في كنزه المالي هذا، يتهمه بألغام وأسلحة مخبوءة في أرض داره، وأنه إنما يبيِّت شراً من وراء استحصالها وإخفائها في أرضه، وأنه لذلك عنصر إرهاب وخطر على المنطقة كلها. فكان من سوء حظ صاحب الدار أن جمع في كيانه بين خسّتي الغباء والجبن معاً، فأصرّ الغبي الجبان إصراره على أن أرضه خالية من أي دفين، وأن ظاهرها كباطنها، تربة صافية لا مزيج فيها ولا تسرب من شيء إليها، وراح يعيد ويكرر ويؤكد براءة أرضه من كل داخل أو متسرب غريب، إلى أن امتلك ذلك الطامع المخادع الحجة القانونية المستندة إلى أقوال هذا الغبي وتأكيداته المتكررة، لاستلاب كنزه الدفين المتسرب إلى داخل أرضه، بل كانت لصوصيته تلك عوناً قدّمه لصاحب الدار وشاهداً لصدق كلامه.
ألا فليعلم العالم كله بما فيه الخادم الأمريكي وخدم هذا الخادم، أن في مكنون شريعتنا الإسلامية وتراثنا التاريخي، قوةً ضاربةً تتربص بكل من يريد سوءاً بكينونتنا الذاتية، أو وجودنا الحضاري أو أي من حقوقنا المادية والمعنوية . وما كنا لننتظر من قوى الشر أن تحكم لنا بمشروعية هذه القوة الضاربة أو عدم مشروعيتها.
إن السلم العالمي الذي مدّ الإسلام رواقه على كل البقاع التي وصل إليها، لم يتحقق ولم تترسخ دعائمه إلا بهذه القوة الضاربة التي وقفت في وجوه كل القراصنة من تجار الحروب. وإن تاريخهم لمعروف، وإن دور الإسلام في دحرهم انتصاراً للسلام الحقيقي الذي ينبغي أن يسود العالم كله معروف ومحفوظ.
إن شريعتنا الإسلامية تأمرنا بألا نستعمل هذه القوة إلا دفعاً لظلم واقع أو متوقع، وانتصاراً لمشروع السلام العالمي الذي لا ينهض بناؤه إلا على دعائم الأخلاق، ولا تتحقق الأخلاق الإنسانية إلا عندما تكون ثمرة للإيمان بالله، والخوف من حسابه وعقابه.
فلتسم اليهودية المتصهينة هذه القوة إرهاباً، أو فلتخترع لها أي اسم آخر يطيب لها، فإننا، على كل حال، لا نتعامل بالألفاظ والأسماء، وإنما نتعامل بالمسميات.
وإنه لمسمى مقدس نعتز به ولا نتنازل عنه، تلك القوة التي ملكتنا إياها شريعة السماء.
قوانا هذه أثمرت على مرِّ التاريخ السلام العادل الذي يشهد به العالم كله.. وقوى الصهيونية وخدمها لم تثمر إلا سلسلة الحروب والدمار، تشهد بذلك الوقائع المرئية، والدماء البريئة الزكية، تشهد بذلك الأعضاء البشرية التي تتاجر بها إسرائيل، قطعَ غيارٍ، تصدِّرها إلى العالم، تقتطعها من أولئك الذين يقبعون في سجونها، ممن انقطعت أخبارهم عن أهليهم.
وقد ذكر آخر ما وصلنا من الأخبار، أنه قبض في ولاية نيوجرسي بأمريكة، على أناس كانوا يشترون أعضاء بشرية واردة من إسرائيل، بمبلغ عشرة آلاف دولار أمريكي للعضو الواحد، ومن ثم يباع ذلك العضو بمئة وخمسين ألف دولار، وهكذا غدت أعضاء السجناء الفلسطينيين في إسرائيل سلعاً تجارية تصدر إلى أمريكة ابتغاء الربح الوفير..
ومع كل هذا الإجرام الذي تقشعر منه الهمجية، فإن الضالعين فيه يصرون على أنهم دعاة الخير والسلام، وأن الإسلام هو مصدر التطرف والإرهاب، ومن ثم فإن المسلمين هم رسل التطرف والإرهاب!!..
إذن، فليقلع إخوان لنا، لم يشبعوا بعد من الإعلان المتكرر عن عدم علاقتهم بالإرهاب، وعن اتصافهم الدائم للناس جميعاً بكل اشتقاقات مادة السماحة والمسامحة والسماح، وكل اشتقاقات مادة السلام والمسالمة والاستسلام، أقول: فليقلع هؤلاء الإخوة عن هذا الكلام المكرور الذي ضجت منه الآذان، وأشبعت منه النفوس، وكاد يفقدنا كنز قوتنا، وجوهر شخصيتنا، ويحيلنا إلى مثل حال من ينغض الرأس ويُثْني الظهر وما دونه لفعل الفاعلين وكيد العابثين.
لقد اهترأت كلمة «الإرهاب» التي نحارَبُ بها، في أفواه قوى الشر المتربصة بنا، فلا نجعلنَّها مُضْغَةً مهترِئة في أفواهنا، ندافع بها عن أنفسنا، ونجعل منها الدريئة الوحيدة، التي نردّ بها غائلة العدوان الذي يتربص بنا.
***
وبعد فإن حصيلة القول، أن الدين في جوهره (وليس ثمة في الحقيقة إلا دين واحد) هو مصدر السلام العالمي، وهو الحصن الذي يقي المجتمعات من الظلم وأسبابه.
ولكن الشرط الذي لا بد منه لذلك، أن تسير السياسة في ركاب الدين، لا أن يُسيّر الدين في ركاب السياسة. ولقد كان هذا الشرط موفوراً طوال التاريخ الإسلامي الأغرّ، الذي نسج للعالم حضارته الإنسانية المثلى.
واليوم، وقد حاولت اليهودية المتصهينة أن تبعد الدين عن طريقها المرسوم إلى افتراسها لإنسانية الإنسان، بواسطة القضاء عليه، فلم يتأت لها ذلك، فقد رضيت بالبديل، وهو جرّ الدين أياً كان وحيثما وجد إلى فلك السياسة اليهودية، بحيث يدور الدين في فلكها، وبحيث يكون خادماً أميناً لها.
وقد نجحت اليهودية في هذا الذي ابتغته إلى حدٍّ كبير.
إن وجود النصرانية المتهودة في أمريكة، من مظاهر هذا النجاح..
وإن التوجه السياسي المتلون بلون الصهيونية في الفاتيكان من مظاهر هذا النجاح..
وإن القيادات العربية والإسلامية التي ذهبت في تعبيد الطريق أمام سياسة إسرائيل، إلى حدّ طيِّ الآيات القرآنية التي تتعرض بالنقد لبني إسرائيل، عن القراءة في الإذاعات والمحافل، وإلى حدّ المنع من الخوض في (السامية) على ملأ من الناس، من أبرز مظاهر هذا النجاح.
غير أن علينا أن نعلم - مع هذا كله - أن العالم كله يشكو، سراً أو جهراً، من السحب الداكنة للحروب التي دأبت الصهيونية العالمية، على اختلاق أنواع شتى من الوسائل الممهدة لها، كما يقول السياسي والاقتصادي الأمريكي المعروف، لندون لاروش.. بل إن الشعوب الغربية أجمع أصبحت تملك الوثائق الناطقة بأن إسرائيل هي المسؤولة الأولى والأخيرة عن الإرهاب الذي يسوَّق في العالم. تبين ذلك من نتيجة الاستفتاء الذي تم في فرنسة منذ أربعة أعوام تقريباً، عن أول دولة إرهابية في العالم، حيث أُعْلِنَت النتيجة القائلة بأن إسرائيل هي الدولة الإرهابية الأولى في العالم.
من خلال هذا الواقع الذي يقف العالم كله شاهداً عليه، يبرز دور الإسلام الذي يمثل مركبة النجاة، من سحب الحرب الداكنة التي تملأ إسرائيل بها الآفاق.
إن العالم الغربي، كله أو جلّه، أصبح يدرك أن الإسلام هو دين السلام، ومن ثم فهو طوق النجاة من أمواج الإرهاب.. والصراع الخفي القائم اليوم في الغرب بين سلطان الحياة المادية على النفس، وسلطان الظمأ المجهول مصدرُه على الروح، سينتهي قريباً بالاستجابة للظمأ الذي لن يبقى مجهول المصدر. وسينحسر سلطان المادة عن النفس، وستتلاقى جموع الغربيين على المورد العذب الذي ينجدهم بالريّ المنعش، بعد الظمأ المحرق. إنه مورد الإسلام، دين العدل والسلام، ذاك الذي يكرم الإنسان بمتعة النفس ونشوة الروح، يجمع بينهما في مزيج معتدل ووسطية مسعدة.
قد يكون في الناس من يفسر كلامي هذا بالآمال المعلقة على سياسة عادلة جديدة يجدّ ويصدق في اتخاذها الرئيس الجديد للولايات المتحدة..
كان هذا التفسير قريباً بل ممكناً، لو أن الولايات المتحدة كان لها دور السيادة في السياسة التي تتخذها. غير أن مما هو معلوم حتى للتلامذة الصغار في مدارسهم، أن الولايات المتحدة كانت ولا تزال الخادم الأمين لما تقرره إسرائيل، ومن ثم لما تقرره الصهيونية العالمية.
والرئيس الجديد فيها لا يملك - مهما حاول أن يذكرنا باسم أبيه وجده وأصله - إلا أن يقوم بدور الخادم الأمين لآمال إسرائيل وقراراتها، أو أن ينتظر المآل الحزين الذي صار إليه السابقون من أمثاله.
إن دفّة الحكم في الولايات المتحدة بيد إسرائيل.. وما البيت الأبيض بكل من فيه، وما المؤسسات والمنظمات بكل ما يتراءى لها من سلطة ونفوذ، إلا خدم وجنود للأحكام التي تشير إليهم بها إسرائيل.
إذن ما هي الآمال التي أعلق عليها هذه النبوءة التي أختم بها هذا البحث؟..
إنه التوجه العارم في الغرب عامة وفي الولايات المتحدة خاصة، إلى الإسلام.. إن هذا هو الخطر الوحيد الذي لم تستطع إسرائيل إلى الآن التحكم به أو القضاء عليه. وأنَّى لها ذلك وهي تعلم أن هذا التوجه المتزايد إلى الإسلام، إنما هو ترجمة دقيقة لضيق الشارع الأوربي والأمريكي ذرعاً بطغيان إسرائيل وبما هي ماضية فيه من بسط المزيد من نفوذها وحاكميتها على الوجود الأوربي والأمريكي.
هذا.. على أن أعداد الذين يدخلون الإسلام سراً يفوق أعداد الذين يستعلنون بإسلامهم، إنْ في أوربة أو أمريكة.. وأنت لا تدري ما الوظائف التي يشغلها هؤلاء المسلمون المجهولون، بل ما هي المراكز الحساسة التي يتبوؤونها.
أما إن الفرج لا ينبثق عادة إلا من الشدة، وإن الحرية لا تشرق إلا من ظلام الاستبداد، وإن الكثير من حاخامات إسرائيل ليعلمون هذا الذي أقول.
إن من وراء السياسة التي تنسجها الصهيونية العالمية وإسرائيل، وتحاول جاهدة أن تقود العالم كله على أساسها، سلطة ربانية تتحكم بهذه السياسة، بل تتحكم بالأرضية العامة التي تحتضن هذه السياسة وأربابها.
أرأيت إلى الناس الذين يتحركون فوق باخرة كبيرة عملاقة، ذات الشمال أو اليمين، عابثين لاهين، إن حركاتهم وتوجهاتهم كلها مستوعَبَةٌ ومستهلكة، ضمن سلطان الحركة الكلية الكبرى التي تتجه بها السفينة وتمخر البحر بها إلى الشاطئ المقصود.
وربما أدركت أعين الناظرين حركة الأشخاص الذاهبين والآيبين على سطحها، دون أن تدرك الحركة الكبرى للسفينة العملاقة التي تحملهم على ظهرها.. ولكن فلتعلم أنها سنة الحقيقة العلمية التي يقاد الكون كله على أساسها: بمقدار ما يضؤل الجرم المتحرك تظهر حركته وتلتقطها العين الباصرة، وبمقدار ما يكبر ويعظم الجرم المتحرك تختفي حركته ويصعب على العين المجردة التقاطها.
سياسة الناس الذين يتحركون فوق هذه الأرض بيّنة ومكشوفة، أما سياسة (11) ذاك الذي يدير الكون كله فخفية يدركها العقل المتبصر، ولا تلتقطها العين الناظرة.
ألم تقف على هذه الحقيقة أمام مثل قول الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} [الأعراف: 7/167] ، وقوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 5/64] .
***
وبعد، فتأمل: ما أكبر الفرق في هذا الباب بين من يظل يستوقد النار للحرب، وبين من يطفئها انتصاراً للسلام.
إن كل ما سبق تفصيله وبيانه، مطوي ومقرر في هذا الذي يخبر عنه بيان الله عز وجل: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 5/64] .
صدق الله جل جلاله.. وكذب الدجالون الممخرقون تجار الحروب.
الديانات الإبراهيمية الثلاث
تحولات تاريخية - تحديات الوقت الحاضر
الدكتور : هانز كينغ
ترجمة : حسن صقر
الإسلام ديانة مختلف عليها
مقدمة
تبدو الأديان ذات الأصل الصيني - الكونفوشيوسية والداوية - بالنسبة إلى معظم الأوربيين دائماً بعيدة جداً وغريبة «الشرق الأقصى»، وهي غير خطيرة بأي حال.
أما الديانات ذات الأصل الهندي - الهندوسية والبوذية - فتبدو أكثر قرباً، كما تبدو للبعض ودية، لأنها في الغالب مسالمة وليس لها تاريخ عدائي أو صراعات حدود مشتركة لزمن طويل مع البلدان المسيحية، فإنها لا تشكل - في الغالب - خطراً مع أن الأصولية الهندوسية العنيفة قد تنامت في القرن العشرين في الهند.
غير أن الديانات ذات الأصل الشرق أوسطي - اليهودية والمسيحية والإسلام - تبدو قريبة فيما بينها، كما أنها متشابهة بالمقارنة مع منظومات التوجهات الدينية السابقة في كثير من المسائل. علماً بأنه لم توجد ولا توجد صراعات أو نزاعات بين الأديان الأخرى مثلما حصل بين الأديان التوحيدية الثلاثة المعتمدة على الأنبياء، والتي يبدو أنها تتميز بعدوانية خاصة، وبالتفكير بنموذج العدو - الصديق. والسؤال الآن: كيف الأمر فيما يتعلق بالإسلام؟
الإسلام، الذي يشترك مع المسيحية بآلاف الكيلومترات من الحدود يُنظر إليه في الغرب بوصفه خطراً حقيقياً متنامياً. والدليل على ذلك أن العالِم السياسي صموئيل هنتنغتون يؤكد في عام 1993 بصورة صريحة تماماً بأن «الحدود الإسلامية دامية». هل الحدود المسيحية غير ذلك؟ وهكذا نتجت تصورات عن الإسلام من حيث أنه خصم، أو عدو، وهذه التصورات جاهزة للاستخدام من قبل الإيديولوجيين (في أمريكة وأماكن أخرى)، والذين يحتاجون من أجل سياستهم العسكرية الإمبريالية وطموحاتهم القائمة على السيطرة، بالضرورة إلى عدو، ومن هنا نشأت صورة الإسلام بوصفه عدواً.
صورة الإسلام بوصفه عدواً
مع أن الظاهرة التي تشكل المرجعية موجودة منذ بدء الفكر البشري؛ فلم يوجد مصطلح «صورة العدو» إلا في القواميس الحديثة، وقد ظهرت في مرحلة هدوء الصراع بين الغرب والشرق، كما أصبحت متداولة كثيراً مع حرب الخليج الثانية. ومنذ اقتراف الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في اعتداء 11 أيلول/سبتمبر 2001 من قبل متعصبين حاقدين والخطر يقدم، بأن السياسة العالمية تقررها حقاً صورة الإسلام بوصفه عدواً، والتي تقابلها من الجانب الإسلامي - بكل بساطة - صورة الغرب بوصفه عدواً.
عن استخدام صورة العدو
«تمثل صورة العدو في قليل أو كثير كلية مكونة من الإدراكات والتصورات والمشاعر، التي تتحد على مبدأ العداوة لإنسان، أو مجموعة من الناس، أو شعوب أو دول» (هـ. نيكلاس). لا تنشأ صورة العدو هذه من الأفكار والأحكام، مثلما يبين المفهوم الإنكليزي « concept of enemy »، وهي تواجه دائماً بصورة الصديق (في الغالب من المجموعة ذاتها)، وإنما تنشأ أيضاً من الإدراكات والمشاعر والأحكام المسبقة، ولهذا السبب فإن وسائل الإعلام البصرية مهمة بصورة خاصة.
إن صورة العدو - كانت الشيوعية في الغرب سابقاً والآن الإسلام - ذات نفع كبير بالنسبة إلى كثيرين، ولها وظائف متعددة على المستوى الفردي - السيكولوجي، وعلى المستوى السياسي - الاجتماعي، مثلما يمكن ملاحظته بوصفه مثالاً ناصعاً في (الحرب ضد الإرهاب)، التي تقررها طموحات السيطرة في الولايات المتحدة الأمريكية المدعومة بفعالية قصوى من قبل وسائل إعلام الصورة:
- صورة العدو تخفف عن كاهلنا: لسنا «نحن» من يحمل الذنب (إن كنا أمريكيين أو أوربيين أو كان أصدقاؤنا الأوربيون والإسرائيليون) كلا، وإنما العدو الإسلام. بإمكاننا أن ندفع دونما أي خطر إلى الخارج مشاعر الذنب الآخذة بخناقنا ومشاعر الاحتقار، وكذلك عدوانيتنا وإحباطاتنا ونسقطها عليه. من هنا فإن صور العدو تضمن لنا فكرة كبش الفداء.
- صورة العدو ترسِّخ: إذا كنا «نحن في الغرب» غير موحدين في كثير من المواقف، فإننا مدعوون إلى العمل ضد العدو، ضد «دولة الشر» و«محور الشر». إن عدواً مشتركاً يجب أن يقوِّي التماسك، الناتو، الصداقة العابرة للأطلسي. والعدو يتيح لنا أن نقف معاً موحدين، نقصي من يمارسون النقد علينا ونستبعد الخارجين عن طوعنا.
صورة العدو تتطلب فكر الكتلة.
- صورة العدو تستقطب: من خلال اختزال الإمكانات إلى (إما أو) (من ليس معنا، فهو ضدنا). يمكن تصنيف الناس بصورة فعالة وتحويلهم إلى أدوات فيما يخص الصراع السياسي والعسكري إلى صديق وعدو، وإلى أمم «راغبة في الحرب» و«غير راغبة فيها». في أغلب الأحيان نحن لا نعرف أيضاً، مع أي من القيم نقف نحن، وإن كنا نعرف ضد أيها، ومن ثم فالجبهات واضحة تماماً. كل واحد منا يعرف أين يقف، وأين يوجد الآخر.
صورة العدو تضغط الجميع في ترسيمة صديق - عدو (مانيكانية).
- صورة العدو تفعِّل: لا المعلومة الموثوقة ولا التوجه بضروريين: المعلومات التي تأتي بها أجهزة الأمن يمكن أن تُضخَّم، تزوَّر ويتلاعب بها، ويمكن عند الضرورة أن تُخترع، نحن يحق لنا، لا بل ينبغي علينا أن نحمي أنفسنا من الآخرين، الغرباء، الأعداء، الداخليين والخارجيين. وهذا ليس فقط انعدام الثقة، وإنما عدوانية، وعند الضرورة تستخدم القوة ضد الأشياء كما الأشخاص؛ قوة فيزيولوجية، نفسية، سياسية وحتى عسكرية.
إن صور العدو تساعد على الاقتحام بصورة أفضل من العقار المتداول لوازع القتل من قبل الجنود.
ومن هنا فإن صور العدو تذكي السماح، سواء أكان ذلك للحرب الباردة أم الساخنة.
ويبقى العزاء بطبيعة الحال: ليست صور العدو أفكاراً أبدية، وليست ضرورات لا يمكن تغييرها. وهي ليست فقط قابلة للنقل، مثلما هو الحال من «الروس» إلى «العرب». كما يمكن إصلاحها: عندما يتحول الأعداء إلى أصدقاء (فرنسة - ألمانية). كما يمكن أن تفقد أهميتها (الشيوعية). نعم، يمكن أيضاً تجاوزها من خلال تركيز متجدد على مهمات مشتركة عظيمة (بسبب التهديد النووي أو بسبب الأزمة البيئية) كما يمكن أن تنتهي في جماعة ذات مصير ومسؤولية ببعد عالمي يشمل فيما يشمل الإسلام.